Top
Image Alt

تعريف الجريمة، وبيان أصلها، وأنواعها، وطرق إثباتها

  /  تعريف الجريمة، وبيان أصلها، وأنواعها، وطرق إثباتها

تعريف الجريمة، وبيان أصلها، وأنواعها، وطرق إثباتها

لا ريبَ أن الجريمة شر مستطير، ومعصية لله ورسوله، وإثم بَيِّن، وخطيئة وانحراف عن الطريق المستقيم، وهذه عبارات ورد أكثرها في القرآن الكريم، نرى من الفائدة التمييز بينها في الاستعمال، وكيف يقتلع الإسلام الشر من نفوس الناس، وكيف يفرَّق بينه وبين الضرر، وبين الخير والنفع، وإن كانت هذه التعبيرات تتلاقى في معانيها الشرعية مع المعاني اللغوية التي استمر عليها العُرف اللغوي، فلا يكاد الناس يختلفون في أنَّ معنى الجريمة: الفعل الذي يستوجب عقابًا أو يوجب مَلامًا.

ولكن يجب أن نبيّن معنى ذلك، وأصل الاشتقاق اللغوي، وارتباطه بالمعنى الشرعي في هذه الكلمات:

أصل كلمة جريمة:

من جرم بمعنى: كَسَب وقطَعَ، ويظهر أنّ هذه الكلمة خُصِّصَت منذ القديم للكسب المكروه غير المستحسن، ولذلك كانت كلمة جَرَم، ويراد منها الحمل على الفعل حملًا آثمًا، ومن ذلك قوله تعالى: {وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ} [هود: 89] أي: لا يحملنَّكم حملًا آثمًا شقاقي في منازعتكم لي، على أن ينزل بكم عذاب شديد، مثل ما نزل بمَنْ سبقوكم ممن شاقوا وخالفوا أنبياءهم. ومثل قوله تعالى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8] أي: لا يحملنَّكم حملًا آثمًا بغضكم لقوم على ألّا تعدلوا معهم، ولذلك يصح أن نطلق كلمة الجريمة على ارتكاب كلِّ ما هو مخالف للحق والعدل والطريق المستقيم. واشتُقَّ من ذلك المعنى: إجرام وأجرموا، وقد قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ} [المطففين: 29] وقال تعالى: {كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ} [المرسلات: 46] وقال تعالى: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ} [القمر: 47].

ومن هذا البيان يتبيّن أنّ الجريمة في معناها اللغوي تنتهي إلى أنها فِعْل الأمر الذي لا يستحسن ويُستهجن فيه، لا يحاول تركه مَن لا يرضَى بتركه، وذلك ليتحقق معنى الوصف؛ إذ أنّ معنى الوصف يقتضي الاستمرارَ، وإذا كانت كل أوامر الشريعة في ذاتها مستحسنة بمقتضى حكم الشارع، وبمقتضى اتفاقها مع العقل السليم، فعصيان الله تعالى يعدّ جريمةً، وكذلك ارتكاب ما نهى الله -تبارك وتعالى- عنه يُعدّ جريمة، وذلك أنه غير مستحسن بمقتضى حكم الشارع للنهي، وبمقتضى حكم العقل؛ لأنّ العقل السليم تتفق قضاياه مع قضايا الشرع الإسلامي.

وعلى ذلك نستطيع أن نقول: إنّ الجريمة فِعْل ما نهى الله عنه، وعصيان ما أمر الله به، أو بعبارة أعم: عصيان ما أمر الله به بحكم الشرع الشريف، والكسب الخبيث جريمة؛ إذ هو من معانيها، وإن تعريف الجريمة على هذا النحو يكون مرادفًا لتعريف الفقهاء لها؛ لأنها محظورات شرعية زجر الله عنها بحدٍّ أو تعزير.

أنواع الجرائم الخلقية:

الجرائم الخلقية نوعان:

  1. جرائم يجري عليها الإثبات، وفي شأنها أن تفسد الجماعات، وهذه الجرائم وضعت لها العقوبات الزاجرة الرادعة في الدنيا، وهي التي يطبقها القضاء؛ كجريمة السرقة.
  2. جرائم أخرى خلقية لا يجري عليها الإثبات: كالغيبة والنميمة والنفاق والحسد، وغير ذلك من الجرائم الخلقية التي لا يمكن أن تثبت بين يدي القضاء، فإنّ لها عقوبتها الأخروية.

ومن هذه النواحي وغيرها من النواحي، تتصل الشريعة بالضمير الإنساني المتدين، والمسلم المتدين يحس بأنه في رقابة من الله سبحانه، وأنه محاسب على ما يفعل، والله مراقبه على ما ينوي أن يفعل، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمالُ بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نَوَى)) رواه مسلم ورواه البخاري..

طرق إثبات الجريمة:

الجرائم تختلف طرق إثباتها نظرًا لحساستها، فهي مثلًا في الحدود: تشترط الشريعة لكل جريمة شروطًا معينةً، تعظَّم بعِظمها، والمهم هنا الحديث عن طريق الإثبات، وهي عديدة منها:

الاعتراف: قال تعالى: {فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 11].

وللاعتراف شروط:

  1. أن يكون من نفس المتهم.
  2. أن يكون صريحًا.
  3. أن يكون المتهم مميزًا غير مكرَه.
  4. أن يكون الاعتراف أمام القاضي.

والآية السابقة تُشير لهذه الشروط، فالمعترضون هم المتهمون، والاعتراف صراحةً، وهم في سن التمييز؛ لأنهم أدركوا تمييزهم في الدنيا، فقالوا: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 10]، واعترافهم أمام جهة قضائية وهو الله.

الطريق الثاني للإثبات وهو: الاعتماد على القرائن:

قال تعالى: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} [يوسف: 26- 28]. وذلك أنه قضى على المرأة بقرينة شق القميص من الخلف، فذلك دليل على إعراض يوسفَ وجَذْب المرأة له، والشريعة لم ترد حقًّا، ولم تنبذ شهادةَ الفاسق، بل أمرتنا أن نتثبتَ منها، معتمدين على القرائن، ومن القرائن الاعتمادُ على الخط المكتوب، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [البقرة: 282]، وذلك أنّ الله علّل الكتابة بأنها أعدلُ وأبعد عن الارتياب، وما ذلك إلا أنه يعتمد عليها. ومن طرق الإثبات شهادة الشهود، والقاضي بصير يمكنه أن يتبيّن صدق المدَّعي أو كذبه، قال تعالى: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 30] وقال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} [الحجر: 75].

error: النص محمي !!