Top
Image Alt

تعريف الحال وأقسامها من كتاب “من دروس العربية”، ومن كتاب “التصريح” وأوصاف الحال

  /  تعريف الحال وأقسامها من كتاب “من دروس العربية”، ومن كتاب “التصريح” وأوصاف الحال

تعريف الحال وأقسامها من كتاب “من دروس العربية”، ومن كتاب “التصريح” وأوصاف الحال

1. تعريف الحال وأقسامها من كتاب (من دروس العربية):

قراءتنا للحال ستكون من كتابين: الكتاب الأول هو (من دروس العربية)، والكتاب الثاني سيكون (التصريح بمضمون التوضيح) -إن شاء الله.

أولًا: تعريف الحال:

الحال لغةً: ما عليه الإنسان من خيرٍ أو شرٍّ.

الحال اصطلاحًا: وصف فضلة مسوق لبيان هيئة صاحبه الذي قد يكون فاعلًا أو مفعولًا، أو لتأكيد صاحبه، أو تأكيد العامل فيه.

ثانيًا: أقسام الحال:

والحال تنقسم إلى قسمين، وهذا واضح من التعريف:

القسم الأول: حال مؤسسة.

القسم الثاني: حال مؤكدة.

أ- الحال المؤسسة: وهي المبيِّنة لهيئة صاحبها، فاعلًا كان أو مفعولًا، وضابط الحال المؤسسة ألا يستفاد معناها إلا بذكرها. والحال المؤسسة ثلاثة أنواع: مقارِنة، ومقدرة، وموطِّئة.

النوع الأول: الحال المقارنة:

في قوله تعالى: {فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ} [القصص:21]، “خائفًا” حال من الضمير في الفعل، أي: الفاعل، أي: صاحب الحال الفاعل، و”يترقب” حال ثانية وصاحبها أيضًا الفاعل، والحال الأولى مفردة، والثانية جملة فعلية مضارعية، ولعلك تلاحظ أن الحال هنا مقترنٌ وقوعها بالفعل العامل فيها، وهو خرج.

النوع الثاني: الحال المقدرة:

أي: المنتظرة، وهي التي ليست قيدًا في العامل، أي: لا يكون وقوعها مقترنًا بالفعل، مثال ذلك قوله تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ} [الفتح:27]، في الآية أربع أحوال مؤسسة، منها اثنتان لازمتان، وهما: {آمِنِينَ} و{لاَ تَخَافُونَ}؛ لأن الأمن وعدم الخوف ليس قيدًا في الدخول فقط، بل هو لازم لمن هو في الحرم، واثنتان مقدرتان أي: ليستا واقعتين عند الدخول، بل بعد انتهاء النسك، وهما: {مُحَلِّقِينَ} و{وَمُقَصِّرِينَ}، وهذا واضح؛ لأن الحلق أو التقصير لا يكون وقت الدخول، إنما يقع بعد انتهاء النسك، والأصل في الحال أن تكون منتقلة وليست ثابتة.

ومن أمثلة الحال المؤسِّسة المقدرة أيضًا قوله تعالى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا} [يوسف:100]، {سُجَّدًا} حال مقدرة؛ لأن السجود لا يكون إلا بعد الخرور. والضابط أن كل حال لا يتفق زمن وقوعها مع زمن عاملها، فهي حال مقدرة، أي: التي ستقع بعد وقوع العامل فيها.

النوع الثالث: الحال الموطئة:

أي: الممهدة لما بعدها، وهي الحال الموصوفة بحال بعدها، قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [يوسف:2]، وقال تعالى: {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} [مريم:17]، وقال تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَانًا عَرَبِيًّا} [الأحقاف:12]، {قُرْآنًا} و{بَشَرًا} و{لِّسَانًا}، أحوالٌ موطئة لما بعدها، وهي أحوال كذلك.

وفائدة الحال الموطئة أنها مقيدة بالصفة بعدها، ففي الآية الأولى: {قُرْآنًا} مصدر بمعنى: مقروء، أي: أنزلنا الكتاب الخاتم على خاتم المرسلين مقروءًا، وليس مكتوبًا كالتوراة المنزلة على موسى -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- قال تعالى: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ} [الأعراف:145]، و{عَرَبِيًّا} حال ثانية، وهي قيد للحال الأولى؛ إذ المنزل على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم قرآن بلسان العرب.

وفي الآية الثانية: {بَشَرًا} حال مقيدة بالحال الثانية؛ لأنها صفة لها، أي: بشرًا مكتملًا تأنس لرؤياه النفوس، فلا تنفر عنه.

وفي الآية الثالثة: {لِّسَانًا}، بمعنى: لغة، واللغة تكون مكتوبة ومسموعة، وتكون عربية وغير عربية، فجاءت الحال الثانية مقيدةً لها؛ إذ لا يكون القرآن قرآنًا إلا إذا كان بلغة عربية، وبلسان عربي.

ب. الحال المؤكدة:

وهي الحال اللازمة، وضابط الحال المؤكدة أن يستفاد معناها من المؤكد بها، سواء أكان المؤكد بها عاملها، أم صاحبها، أم الجملة. وتنقسم إلى أنواع:

النوع الأول: الحال المؤكدة لعاملها:

مثال الحال المؤكدة لعاملها قوله تعالى: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيد} [ق:31] الحال {غَيْرَ بَعِيد}، وفيها تأكيد لمعنى الإزلاف وهو القرب، فالحال أفادت تأكيد المعنى المستفاد من العامل فيها، فلم تعطِ معنًى جديدًا؛ لذلك سميت حالا مؤكدة، ولم تسمَّ حالا مؤسسة.

ومثال آخر قوله تعالى: {وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً} [النساء: 79]، {رَسُولاً} حال من المفعول وهو الكاف في “أرسلناك” وهي مؤكدة لعاملها {وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً} لم تضِف معنى جديدًا، ولم تؤسس معنًى، وإنما هي أكدت العامل فيها وهو “أرسل”؛ لأن المرسل يكون رسولًا.

ومثال ثالث قوله تعالى: {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا} [النمل:19]، {ضَاحِكًا} حال من الفاعل وهو الضمير في “تبسم”، وهي مؤكدة لعاملها؛ لأن التبسم ضرب من الضحك.

النوع الثاني: الحال المؤكدة لصاحبها:

مثال الحال المؤكدة لصاحبها قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} [البقرة:29]، فقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} فيه عموم أو يفهم منه العموم، و{جَمِيعاً} كلمة أفادت العموم، فهي أكدت العموم المستفاد من صاحبها وهو {مَّا}، فـ{جَمِيعاً} حال مؤكدة لصاحبها وهو {مَّا} المفعول به، أي: صاحبها مفعول به.

ومثال آخر قوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} [يونس:15]، آيات الله لا تكون إلا بينة وواضحة، فـ{بَيِّنَاتٍ} حال أكدت المعنى المفهوم من صاحبها، وهو {آيَاتُنَا} النائب عن الفاعل.

النوع الثالث: الحال المؤكدة لمضمون جملة:

قد تكون الحال مؤكدة لمضمون جملة، كما في قوله تعالى: {شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ} [آل عمران:18]، أي: شهد الله والملائكة وأولو العلم أنه لا إله إلا هو قائمًا بالقسط، فجملة “لا إله إلا هو” تتضمن أنه –سبحانه- قائم بالقسط، وما ربك بظلام للعبيد، فـ”قائمًا بالقسط” حال مؤكدة لمضمون الجملة السابقة، وهي: {لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ}.

وفي قوله تعالى: {وَهَـذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا} [الأنعام:126]، وصراط الله لا يكون إلا مستقيمًا، فـ{مُسْتَقِيمًا} حال مؤكدة لمضمون الجملة السابقة.

ومن كلام الناس: زيد أبوك مشفقًا عليك، أو زيد أبوك عطوفًا، فالعطف والإشفاق من لوازم الأبوة، فـ”زيد أبوك” تقتضي العطف والإشفاق، فـ”عطوفًا” أو “مشفقًا” حال مؤكدة لمضمون الجملة السابقة.

2. تعريف الحال من كتاب (التصريح بمضمون التوضيح):

أ. دلالة الحال:

قال الشيخ خالد الأزهري: “هذا باب الحال، ألفها -ألف الحال- وهي الألف التي تماثل وتقابل العين، وألفها منقلبة عن واو، والدليل على ذلك أنهم يجمعون الحال على: أحوال، وتصغّر الحال على حويلة، والحال مشتقة من التحول وهو التنقل، ويجوز فيها التذكير والتأنيث لفظًا ومعنًى، يعني: أن لفظ الحال يذكر فيقال: حال، ويؤنث فيقال: حالة بالتاء.

ومعناها أيضًا قد يُذَكَّر، فيعود الضمير عليها مذكرًا، ويسند إليه الفعل الماضي بغير تاء، ويشار إليه باسم الإشارة الموضوع للمذكر، ويوصف بما يوصف به المذكر. وقد يؤنث معناه، فيعود الضمير للمؤنث، ويوصف بما يوصف به المؤنث.

ومن شواهد تذكير لفظ الحال، قولُ الشاعر:

إذا أعجبتك الدهر حالٌ من امرئ

*فدعه وواكل أمره واللياليَ

ومن شواهد تأنيث لفظ الحال، قول الشاعر:

على حالةٍ لو أن في القوم حاتمًا

*على جوده ضنت به نفس حاتم

فإذا كان لفظ الحال مذكرًا، فأنت بالخيار بين أن تذكر معناه فتقول: حال حسن، أو تؤنثه فتقول: حال حسنة. أما إذا كان لفظ الحال مؤنثًا، فليس لك إلا أن تؤنث معناه فتقول: حالة حسنة، وهذه حالة، وكانت حالتنا طيبة، وهكذا.

ب. أنواع الحال:

الحال نوعان:

الأول: مؤكدة، وهي التي يستفاد معناها بدون ذكرها.

الثاني: مؤسسة، وهي التي لا يستفاد معناها بدون ذكرها، ويُقال لها: المبينة.

الحال المؤسسة، وحدّها:

أنها وصف فضلةٌ مذكورة لبيان هيئة الفاعل، أو المفعول، أو هيئة الفاعل والمفعول معًا.

مثال الحال المؤسسة المبينة لهيئة الفاعل قولك: “جئت راكبًا”، فـ”راكبًا” حال مبين لهيئة الفاعل، وهو التاء، ومثال الحال المؤسسة المبينة لهيئة المفعول قولك: “زيد ضربته مكتوفًا”، فـ”مكتوفًا” مبين لهيئة المفعول، وهو الهاء، ومثال الحال المبينة لهيئة الفاعل والمفعول معًا قولك: “زيد لقيته راكبين”، فـ”راكبين” مبين لهيئة الفاعل وهو تاء المتكلم، ولهيئة المفعول وهو هاء الغائب.

لكن، هل تكون الحال مبينة لهيئة ركن آخر في الجملة غير الفاعل والمفعول؟

والجواب: أن الحال لا تكون مبينة لغير الفاعل والمفعول، وما خالف ذلك يؤول بهما، نحو: زيد في الدار جالسًا. فظاهر المثال أن “جالسًا” مبين لهيئة المبتدأ، والواقع أنه مبين لهيئة الضمير في الظرف؛ حال من ضمير الظرف المستتر فيه، وهو فاعل معنى؛ ذلك لأنك عرَفت أن الجار والمجرور الذي يقع في موطن الخبر متعلق بـ”استقر” أو “مستقر”، فهذا المتعلق المحذوف الضمير الذي كان فيه منقول إلى الظرف، والحال وقعت من الضمير الموجود في الظرف، أي: إن الحال في قولنا: زيد في الدار جالسًا، ليست من المبتدأ؛ لأن مِن شروطهم أن العاملَ في الحال هو العامل في صاحبه، فإذا كان الحال من المبتدأ والعامل من المبتدأ هو الابتداء، فكيف يعمل الابتداء في الحال؟ وهذا التوجيه على الأصح من الآراء.

وفي قوله تعالى: {وَهَـذَا بَعْلِي شَيْخًا} [هود:72]، {شَيْخًا} حال، وظاهرها أنها حال من الخبر {بَعْلِي}، و{بَعْلِي} مؤول بالمفعول؛ لأن تقدير الكلام: أشير إلى بعلي، أو أنبه على بعلي.

وخرج بذكر الفضلة الخبر في نحو: زيد ضاحك. فإن “ضاحك” وإن كان مبينًا للهيئة، فهو عمدة لا فضلة؛ لأن الخبر ركن ثانٍ في الجملة الاسمية.

ولعلك تتساءل عن المراد بالفضلة؟

والجواب: إن المراد بالفضلة هنا هو ما يأتي بعد تمام الجملة، وليس المراد بالفضلة أن يكون الكلام مستغنيًا عنه، وبذلك يدخل نحو: {كُسَالَى} في قوله تعالى: {وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى} [النساء:142]، فإن {كُسَالَى} حال، ولا يستغني الكلام عنه.

وخرج بالباقي -وهو أنه مبين لهيئة الفاعل أو المفعول- التمييز في نحو: لله دره فارسًا، والنعت في نحو: جاءني رجل راكبٌ، فإن “فارسًا” و”راكب” وإن حصل بهما بيان الهيئة، فليسا مذكورين لذاك؛ لأن ذكر التمييز لبيان جنس المتعجب منه وهو الفروسية، وذكر النعت لتخصيص المنعوت -وهو رجل- بالنعت، وإنما وقع بيان الهيئة بهما ضمنًا لا قصدًا، ورب شيء يقصد لمعنى خاص، وإن لزم منه معنى آخر.

فبيان الهيئة المفهوم من الحال يكون مقصودًا لذاته، أما بيان الهيئة المفهوم من التمييز أو النعت، فليس مقصودًا لذاته، بل جاء ضمنًا، ورُب شيء يقصد لمعنى خاص وإن لزم منه معنى آخر.

وقد أشار إلى ذلك الناظم بقوله:

الحال وصفٌ فضلة منتصبٌ

*مُفهِم في حال………..

فـ”الوصف” جنس يشمل الخبر والنعت؛ زيد قائم “قائم” خبر وهو وصف، و”جاء رجل راكب” نعت، والنعت وصف، و”جاء زيدٌ راكبًا”، “راكبًا” حال، والحال وصف، فكلمة “وصف” يشمل الخبر والنعت والحال، فكلها أوصاف.

أما “فضلة” فهو فصل مخرج للخبر؛ لأن الخبر ليس فضلة، وذلك في نحو: زيد ضاحك؛ لأن الخبر عمدة.

“منتصب” فصل ثان مخرج لنعتي المرفوع والمجرور، كـ”جاء رجل راكب”، و”مررت برجل راكب” فإنهما وإن قيدا المنعوت، فليسا منصوبين.

و”مفهم في حال كذا” فصل ثالث مخرج للنعت المنصوب، كـ “رأيت رجلًا راكبًا”، وإنما سِيق لتقييد المنعوت، فهو لا يفهم في حال كذا بطريق القصد، وإنما أفهمه بطريق اللزوم.

هذا هو حد الناظم للحال المؤسسة، وقد سبق ذكر حد الحال المؤسسة في كلام ابن هشام، وهو وصف فضلة مذكور لبيان الهيئة -أي: هيئة الفاعل أو المفعول، أو هما معًا- وحدُّ الحال المؤسسة عند الناظم، أنها وصف فضلة منتصب مفهم في حال كذا، وفي حد ابن مالك نظر؛ لأن المقصود من الحد تصوّر ماهية المحدود، وهي لا تتصور إلا بجميع أجزاء الحد، وقد جعل النصب جزءًا من الحد، مع أنه حكم من أحكام المحدود، والحكم فرع التصور؛ إذ لا يحكم على شيء إلا بعد تصوره، والتصور لماهية المحدود موقوف على جميع أجزاء الحد، ومن أجزاء الحد في كلام الناظم النصب وهو حكم، فجاء الدور.

هذا اعتراض ابن هشام على كلام ابن مالك، وقد سبق ابن الناظم أن اعترض أيضًا على أبيه، فقال: في هذا الحد مع أن فيه إدخال حكم وهو منتصب؛ أنه حد أيضًا غير مانع؛ لأنه يشمل النعت.

اعتراض ابن الناظم: أن الحد فيه إدخال حكم، هذا الحكم هو كلمة منتصب، وهذا اعتراض ابن هشام، أضاف ابن الناظم أن هذا الحد غير مانع؛ لأنه يشمل النعت، ألا ترى أن قولك: مررت برجل راكب، في معنى: مررت برجل في حال ركوبه، كما أن قولك: “جاء زيدٌ ضاحكًا” في معنى: جاء زيد في حال ضحكه؛ فلأجل ذلك عدلنا عن هذه العبارة إلى قولنا: المذكور فضلة؛ لبيان هيئة ما هو له. هذا كلام ابن الناظم، وهو متفق مع تعريف ابن هشام للحال.

وهناك مَن أجاب عن الاعتراض على تعريف ابن مالك، أو على حد ابن مالك، بأن الحكم الموجود في الحد -وهو منتصب- ليس موقوفًا على التصور بكنه الحقيقة المتوقفة على الحد حتى يلزم البطلان، وإنما هو متوقف على التصور بوجه ما، وذلك لا يتوقف على الحد، فلا يلزم البطلان.

وخلاصة الانتصار لابن مالك تتلخص في أن التصور المطلوب هنا تصور عام، وليس التصور المفيد لِكُنه حقيقة الشيء، وإذا كان التصور المطلوب هو التصور العام، فكلام ابن مالك مفيد للتصور العام، فلا يلزم من إضافة كلمة “المنتصب” وهي الحكم إلى الحد، بطلان الحد كما اعترض ابن الناظم ومن بعده ابن هشام.

3. أوصاف الحال:

الحال كما في قولك: “جاء زيد راكبًا”، لاحظ كلمة “راكبًا” أولًا الركوب غير ثابت؛ لأن الراكب ينزل؛ ولذلك الحال تكون منتقلة، وقد سبق في بداية الكلام أن الحال مشتقة من التحول والانتقال، وكأن في تسميتها بالحال إشارة إلى ما يلازمها، وهو أن تكون منتقلة.

وكلمة “راكبًا” مِن “جاء زيد راكبًا” اسم فاعل، واسم الفاعل مشتق، وراكب نكرة، والصفة هي عين الموصوف، ويفهم من ذلك أن للحال أربعة أوصاف: أن تكون منتقلة، وأن تكون مشتقة، وأن تكون نكرة، وأن تكون نفس صاحبها في المعنى.

هذه أوصاف الحال، ونبدأ في التعليق على كل وصف من هذه الأوصاف:

الصفة الأول للحال: أن تكون منتقلةً:

إن الحال مأخوذةٌ من التحول وهو التنقل، وهذا يعني أنها لا تكون ثابتةً دائمًا، والمراد: أنها تنقسم باعتبار انتقال معناها ولزومه إلى قسمين: منتقلة وذلك الانتقال غالب لا لازم، كـ”جاء زيد ضاحكًا”، ألا ترى أن الضحك يزايل زيدًا ويفارقه؟ وتكون ثابتة غير منتقلة، وهذا قليل فيها، يعني: الغالب في الحال أن تكون منتقلة، وتأتي ثابتة في مواطن:

الموطن الأول: الحال المؤكدة لمضمون جملة قبلها، نحو: زيد أبوك عطوفًا، أو لعاملها: {وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} [مريم: 33]، أو لصاحبها: {لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا} [يونس:99]، فالحال المؤكدة لازمة وليست منتقلة، فالأبوة من شأنها العطف وهذا ثابت، والبعث من لازمه الحياة؛ لأن من يبعث يكون حيًّا، والعموم من مقتضياته الجمعية، وبعبارة أخرى: {لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ} فيه عموم، و{جَمِيعًا} فيها عموم، فأكدت الحال وهي {جَمِيعًا} العموم المستفاد من صاحبها، وهو فاعل “آمن” وهو مَن في الأرض كلهم.

الموطن الثاني: أن يدل عاملها على تجدد ذات صاحبها وحدوثه، أو تجدد صفة له؛ فالحال التي تدل على تجدد ذات صاحبها وحدوثه، مثل: خلق الله الزرافة يديها أطول من رجليها. فـ”يديها” بدل من الزرافة بدل بعض من كل، و”أطول” حال ملازمة من يديها، و”من رجليها” متعلق بأطول؛ لأنه اسم تفضيل، وعامل الحال “خلق” وهو يدل على تجدد المخلوق.

وهناك مداخلة من أبي البقاء العكبري، وذلك قوله: إن بعض الناس يقول: “خلق الله الزرافة يداها أطول من رجليها”، على أن “يداها” مبتدأ و”أطول” خبر، والجملة حالية، وهذا التوجيه الإعرابي لسيبويه في كتابه، وذلك قوله عن الرفع: إنه الأعرف، وقال عن النصب: وإن نصبت فهو عربي جيد، ولكن هل مع قول القائل: “خلق الله الزرافة يداها أطول من رجليها” يلزم أن تكون الجملة من المبتدأ والخبر جملة حالية؟

والجواب: أن الحالية غير متعينة؛ لأن الزرافة معرفة بـ”أل” الجنسية، والمعرفة بـ”أل” الجنسية تحتمل بعده الجملة الوصفية، وفي قول القائل:

ولقد أمر على اللئيم يسبني

*…. …. …. ….

“يسبني” يمكن أن تكون صفة، ويمكن أن تكون حالًا.

والخلاصة من هذه المداخلة: أن قراءة المثال بالنصب أحكم؛ لتحقيق المراد “وخلق الله الزرافة يديها أطول من رجليها”.

أما ما يكون العامل دالا على تجدد صفة لصاحب الحال، فمثاله: {وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً} [الأنعام:114]، فالإنزال حادث، وكلمة {مُفَصَّلاً} صفة أضيفت لـ{الْكِتَابَ} أو صفة تجددت لـ{الْكِتَابَ} بسبب الإنزال، {وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ} والكتاب نُزّل نُجومًا والمقصود بالتفصيل؛ لذلك كان المثال فيه دلالة العامل على تجدد صفة لصاحب الحال.

الموطن الثالث: هي التي يكون فيها الحال لازمة غير منتقلة، نحو: {قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ} من قوله تعالى: {شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ} [آل عمران: 18]، إذا أعرب {قَآئِمَاً} حالا من لفظ الجلالة {شَهِدَ اللّهُ}.

وهذه المسألة مرجعها إلى السماع، والذي نؤكده أو الذي نهتم به في هذا الموطن هو المسألتان السابقتان: المسألة الأولى: الحال المؤكدة وهي حال لازمة، والمسألة الثانية هي: الحال التي يدل عاملها على تجدد ذات صاحبها، أو التي يدل عاملها على تجدد صفة لصاحبها.

في هذا المكان مداخلة موضوعها الاعتراض على ابن الناظم، حيث جعل {مُفَصَّلاً} في قوله تعالى: {الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً} مثالًا للحال الثابتة التي يدل عاملها على تجدد ذات صاحبها، والاعتراض عليه في غير محلّه.

الصفة الثانية للحال: أن تكون مشتقة، أو مؤولة بمشتق:

الصفة الثانية أن تكون مشتقة من المصدر لا جامدة، وذلك أيضًا غالب لا لازم.

فمثال كونها مشتقة: “جاء زيد ضاحكًا”، فإن “ضاحكًا” مشتق من الضحك.

هل تكون الحال غير مشتقة؟

والجواب: أنها تكون جامدة مؤولة بالمشتق، في ثلاث مسائل:

المسألة الأولى: أن تدل على تشبيه، نحو: “كر زيد أسدًا، وبدت الجارية قمرًا، وتثنت غصنًا”؛ فـ”أسدًا” حال من “زيد”، و”قمرًا” حال من “الجارية”، و”غصنًا” حال من فاعل “تثنى” المستتر فيه؛ وهي أحوال جامدة مؤولة بمشتق، فـ”أسدًا” مؤول بشجاع، و”قمرًا” مؤول بالمضيئة، و”غصنًا” مؤول بالمعتدلة.

ومثال ذلك أيضًا قولهم: “وقع المصطرعان عجلي عير”، فـ”عجلي” بالتثنية حال جامدة من “المصطرعان”، ولا يخفى عليك أن المراد بالعير: الحمار، و”عجلي” مؤول بمصطحبين على تقدير المضاف، أي: مصطحبين اصطحاب عجلي حمار حين سقوطهما.

وقيل: إن هذه الأمثلة كلها على حذف مضاف، والتقدير: كر زيد مثل أسد، وبدت هند مثل قمر، وتثنت هند مثل غصن، ووقع المصطرعان مثل عجلي عير، وهذا مفهوم من قول الناظم: “وكر زيد أسدًا” أي: كأسد، أي: مثل أسد.

وصرح بذلك في (التسهيل) فقال: أو تقدير مضاف قبله، وهو أصرح في الدلالة على التشبيه؛ لأنها إذا أوّلت بالمشتق خفي فيها الدلالة على التشبيه.

المسألة الثانية: أن تدل على مفاعلة من الجانبين، نحو: “البُر بعته زيدًا يدًا بيد”، فـ “يدًا” حال من الفاعل والمفعول، و”بيد” بيان، قال سيبويه: كما كان لك في “سقيًا لك” بيان أيضًا، ويتعلق بمحذوف استأنف للتبيين، وفي هذا المثال معنى المفاعلة؛ لأن معنى “البر بعته زيدًا يدًا بيد”: البر بعته زيدًا متقابضين.

ومثل قوله: “كلمته فاه إلى فيّ”، فـ”فاه” حال من الفاعل والمفعول، و”إلى فيّ” بيان، وفيه معنى المفاعلة، أي: متشافهين.

المسألة الثالثة: أن تدل على ترتيب، كقولك: “ادخلوا رجلًا رجلًا، أو رجلين رجلين، أو رجالًا رجالًا”، وضابطه: أن يأتي التفصيل بعد ذكر المجموع بجزأيه مكررًا، قاله الرضي.

فـ”رجلًا رجلًا” حال -مجموع الكلمتين حال وليس الكلمة الأولى فقط- والحال في تقدير: ادخلوا مرتبين.

error: النص محمي !!