Top
Image Alt

تعريف الحديث الموضوع لغة واصطلاحًا

  /  تعريف الحديث الموضوع لغة واصطلاحًا

تعريف الحديث الموضوع لغة واصطلاحًا

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، ثم أما بعد:

فنبدأ كلامنا -بإذن الله تبارك وتعالى- عن الحديث الموضوع، وهذا المصطلح، كما نرى مكون من كلمتين: كلمة الحديث، وكلمة الموضوع، مما يستدعي أن نناقش معنى كلًّا من الكلمتين في اللغة، ثم نناقش المصطلح المركب من الكلمتين معًا.

معنى كلمة “الحديث” في اللغة:

“الحديث” في اللغة يأتي بمعنى: الخبر والنبأ، كما في قوله تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى} [النازعات: 15]، وكما في قوله تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} [الغاشية: 1]، والحديث أيضًا يأتي بمعنى: الكلام، كما في قوله تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا} [الزمر: 23]، ومنه قوله تعالى: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} [النساء: 87].

وكذلك في قوله صلى الله عليه  وسلم: ((إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى)) وهذا الحديث رواه النسائي في كتاب العيدين، باب خطبة النبي صلى الله عليه  وسلم وورد في أكثر من مصدر من مصادر السنة عن ابن خزيمة وغيره، والحديث في هذا السياق بمعنى: الكلام.

ويكون “الحديث” بمعنى: الجديد الذي هو نقيض القديم كما في قولنا مثلًا: ركبت سيارة حديثة، أو لبست ثوبًا حديثًا، وفي كل مثل هذه التعابير التي تستعمل بمعنى الجديد الذي هو نقيض القديم كما ذكرنا.

أما “الموضوع” في اللغة: فهو اسم مفعول من وضع -الفعل الثلاثي- الذي يأتي أيضًا على معانٍ كثيرة متعددة، ومنها بمعنى “الإلقاء”، كما في قوله تعالى: { وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 6] { فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} أي: حتى يلقين هذا الحمل.

ومنه أيضًا قولنا: وضع عن كاهله، أي ألقى عنه، ومنه: وضع الشيء من يده، أي ألقاه، ويأتي الموضوع أيضًا بمعنى: الحط، والتخفيف من حمله، كما في قوله صلى الله عليه  وسلم في الحديث الصحيح: ((من أنظر معسرًا أو وضع عنه كان في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله)) وهذا الحديث أخرجه الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- في كتاب الزهد باب حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسار.

والوضائع من هذا الباب، وهي أثقال القوم وأحمالهم، يقال: أين خلَّفوا أوضاعهم؟ أين ألقوها؟ ويأتي الموضوع بمعنى: الاختلاق والافتراء يقال: وضع عليه، أي كذب وافترى عليه.

وللوضع معانٍ أخرى، في اللغة يرجع إليها في قواميسها المعروفة، لكننا نتوقف عند هذه المعاني الثلاثة؛ لأن لها صلة قوية بمعنى الحديث الموضوع عند المحدثين.

معنى المصطلح المركب من الكلمتين “الحديث الموضوع” عند العلماء، والمقارنة بين تعريفاته عندهم:

هذا المصطلح وهو “الحديث الموضوع” له تعريف اصطلاحي عند المحدثين تعددت فيه تعابيرهم.

لكن هناك من العلماء من عرفه بتعريفات لغوية قريبة من هذا:

فيقول ابن دحية: الموضوع الملصق، وضع فلان على فلان كذا، أي: ألصقه، ولعل ذلك هو المعنى الثالث الذي أشرنا إليه في المعاني اللغوية، وهو الافتراء والاختلاق، لأن من كذب على فلان وافترى عليه فقد ألصق به ما لم يقله، وما ليس من كلامه.

والحديث الموضوع في اصطلاح العلماء -كما ذكرت- له تعبيرات متعددة:

يقول ابن الصلاح في مقدمته: هو المختلق المصنوع، وقال عنه كذلك أنه في “التقريب”، وقال السيوطي في “التدريب”: هو الكذب المختلق المصنوع، فزاد السيوطي وصفًا في تعريفه فأصبح عنده: هو الكذب المختلق المصنوع.

وعرفه الشيخ طاهر الجزائري فقال: الموضوع هو: الحديث المكذوب على رسول الله صلى الله عليه  وسلم سواء كان عمدًا أم خطأ.

وعرفه الشيخ محمد جمال الدين القاسمي بأنه: الكذب المختلق المصنوع، أي: كذب الراوي في الحديث النبوي بأن يروي عنه صلى الله عليه  وسلم ما لم يقله متعمدًا لذلك.

لكن أود أن نلفت النظر إلى المقارنة بين التعريفات؛ لأن في بعضها زيادات ليست في الأخرى، وهذا ما سنحتاج إليه بعد قليل.

فمثلًا: الشيخ جمال القاسمي يقول: متعمدًا لذلك، بينما الشيخ طاهر الجزائري يقول: سواء كان عمدًا أم خطأ، هذه المقارنة -كما قلت- سنقف معها وقفة بعد قليل.

وعرفه الشيخ أحمد شاكر في كتابه (الباعث الحثيث) فقال: هو المختلق المصنوع، وهو الذي نسبه الكذابون المفترون إلى رسول الله صلى الله عليه  وسلم وهو شر أنواع الرواية.

وعرفه الدكتور/ نور الدين عتر في (منهج النقد في علوم الحديث) فقال: هو المختلق المصنوع، أي: الذي ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه  وسلم كذبًا، وليس له صلة حقيقية بالنبي صلى الله عليه  وسلم، وليس هو بحديث، لكنهم سموه حديثًا بالنظر إلى زعم راويه.

وعرفه ابن عراق في (تنزيه الشريعة) بأنه -اصطلاحًا-: الحديث المختلق المصنوع، مأخوذ من المعنى الأول؛ لأن رتبته أن يكون مطرحًا ملقًى لا يستحق الرفع أصلًا، أو لأنه من المعنى الثاني ملصق بالنبي صلى الله عليه  وسلم.

في هذه الزيادة يبين ابن عراق العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي، فتعريفه للحديث بالمعنى الاصطلاحي مأخوذ من المعنيين اللغويين: مطرحًا أي: ملقى لا يستحق الرفع أصلًا، بمعنى: أنه مطروح ملقى، الذي فسرناه بأنه الإلقاء، أو أنه الملصق بالنبي صلى الله عليه  وسلم أي: الذي أضيف إليه كذبًا وافتراءً.

نكتفي بتلك النقول؛ لأن كل من كتبوا في المصطلح لهم تعريفات تدور كلها حول ما ذكرنا، ونتوقف عند بعض النتائج المأخوذة من كلامهم مع الإشارة إلى زيادات بعضهم على بعض، ثم نصوغ في نهاية الأمر تعريفًا محددًا للحديث الموضوع.

ومن هذه النتائج:

أولًا: أنهم اتفقوا جميعًا على قدر مشترك في تعريفه، بأنه: الكذب المختلق المصنوع، فهو كذب مخالف للواقع، وهو مختلق ومفترى على رسول الله صلى الله عليه  وسلم وهو مصنوع من قبل واضعه.

ثانيًا: قال بعضهم: هو الحديث المكذوب على رسول الله صلى الله عليه  وسلم فزاد قيدًا وهو أن هذا الكذب منسوب إلى رسول الله صلى الله عليه  وسلم وهو -في نظرنا- قيد لمزيد من الإيضاح، فإن الذين لم يذكروه لم يقصدوا إسقاطه؛ لأن كتب المصطلح إنما تتكلم عن ما نسب إلى رسول الله صلى الله عليه  وسلم فسواء أذكروا هذا القيد، أم لم يذكروه، فهو مقصود من كلامهم، ومفهوم من سياق تعريفهم.

ثالثًا -وهو الأهم في نظرنا-: هذا القيد الهام الذي ذكره الشيخ طاهر الجزائري، حيث قال في تعريفه الذي أشرنا إليه منذ قليل: الموضوع هو الحديث المكذوب على رسول الله صلى الله عليه  وسلم سواء كان عمدًا أم خطأ، فأدخل في الموضوع من نسب شيئًا كذبًا إلى النبي صلى الله عليه  وسلم عن عمد أو خطأ.

بينما اكتفى الشيخ القاسمي في تعريفه بالعمد فقط، أي: كذب الراوي في الحديث النبوي بأن يروي عن رسول الله صلى الله عليه  وسلم ما لم يقله متعمدًا لذلك، فاقتصر في التعريف على من كذب عمدًا، وكأني به -رحمه الله- استند في هذا التعريف إلى الحديث المتواتر: ((من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار)) وهذا الحديث من الأحاديث المتواتر التي رويت عن أكثر من تسعين صحابيًا  رضي الله  عنهم ورواه البخاري في “كتاب العلم”، باب: إثم من كذب على رسول الله صلى الله عليه  وسلم ورواه مسلم في “المقدمة”، باب: تغليظ الكذب على رسول الله صلى الله عليه  وسلم ورواه البخاري أيضًا في أكثر من موطن في صحيحه.

لكن التحقيق الدقيق يقتضي أن نقر بأن تعريف الشيخ الجزائري الذي أدخل الخطأ أيضًا في تعريف الموضوع هو الأدق؛ لأننا نتكلم عن قول مكذوب على رسول الله صلى الله عليه  وسلم بصرف النظر عن نية صاحبه، فنحن بصدد وضع تعريف للحديث الموضوع لا بصدد تحديد إثم الكاذب حسب نيته، وهذا سيأتي له حديث بعد قليل.

أما حديث: ((من كذب عليّ متعمِّدًا)) فإنه يتكلم عن جزاء فعل ذلك عمدًا، ولكنه لا يستثني وصف الكذب عمن صنع ذلك خطأ، ثم إن تعريف الشيخ الجزائري يفرض على كل من ينسب حديثًا إلى رسول الله صلى الله عليه  وسلم أن يتأكد من صدق نسبته حتى لا يقع تحت طائلة الكذب عمدًا أو خطأ.

وأستطيع أن أستنتج من ذلك فائدة هامة علينا أن ننتبه إليها -نحن الذين شرفنا الله تعالى بطلب العلم، ومعنا أهل الدعوة وغيرهم ممن يحتاجون إلى الأحاديث النبوية ويستدلون بها على ما يقدمونه إلى الناس- عليهم أن يتأكدوا من صدق النسبة إلى النبي صلى الله عليه  وسلم وألا يتجرأ أحدنا أبدًا على القول: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم من غير أن يتأكد حتى لا نقع تحت طائلة الكذب عمدًا أو سهوًا، وسبيل التأكد في هذه الأيام أصبح ميسورًا جدًّا والحمد لله تعالى، فقد كثرت كتب التخريج وفهارس الكتب، التي تعين على تحديد مصدر الحديث ودرجته، مما قطع كل الأعذار في عدم التأكد من صدق نسبة الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه  وسلم.

نتائج المقارنة بين تلك التعريفات المتعددة، ثم الانتهاء إلى التعريف الأدق، وشرحه بالتفصيل:

وفي النهاية إذا درنا مع الكتب وجدنا عبارات العلماء في تعريف الحديث الموضوع كلها تقترب مما ذكرناه، ولذلك فإننا في نهاية الأمر نعود لنستقر على تعريف للحديث الموضوع -يجمع في طياته ما ذكره العلماء على اختلاف تعبيراتهم في ذلك- فنقول -وبالله التوفيق-: الموضوع -اصطلاحًا- هو: الكلام المختلق المكذوب على رسول الله صلى الله عليه  وسلم المنسوب إليه زورًا وبهتانًا، عمدًا ذلك كان أو سهوًا.

شرح التعريف:

قلنا: الموضوع هو الكلام، ولم نقل هو الحديث، استحيينا أن نقول هو الحديث؛ لأن الحديث على ما استقر عليه علماء السنة، في تعريفهم له هو: ما أضيف إلى رسول الله صلى الله عليه  وسلم من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة… إلى آخره.

أما الموضوع فهو كلام مكذوب مفترى، نسب زورًا وبهتانًا إلى رسول الله صلى الله عليه  وسلم.

هذا الكلام مختلق مكذوب، أي: كله من أوله إلى آخره اختلاق وافتراء وكذب وبهتان عظيم، وضعه واضعه ونسبه كذبًا إلى رسول الله صلى الله عليه  وسلم فهنا إثمان عظيمان وذنبان كبيران، فهو من أصله كلام مختلق مصنوع، ثم اشتد فحشه، وعظم جرمه بنسبته إلى رسول الله صلى الله عليه  وسلم فهو لم يكتفِ بالكذب في الكلام، بل زاد ونسبه إلى رسول الله صلى الله عليه  وسلم سواء كان ذلك عمدًا أو سهوًا، أي: سواء كانت إضافة الكلام الموضوع إلى النبي صلى الله عليه  وسلم تمت عن عمد أو سهو، فهو في كل الحالات حديث موضوع.

ونرجو أن نقف مع هذه النقطة بشيء من التفصيل حتى لا يحدث اشتباه عند البعض، قد يلتبس الأمر على البعض في إضافة السهو إلى الموضوع، والمفترض أنه لا التباس في ذلك؛ لأننا بصدد التأكد من صدق نسبة الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه  وسلم هل قاله حقًّا أو لم يقله؟

ومن أجل ذلك وضع العلماء شروطًا لصحة الحديث يحكمون من خلالها على سلامة الإسناد وسلامة المتن، فإذا سلم لهم الاثنان -أي الإسناد والمتن- حكموا للحديث بالصحة، فإذا فقد الحديث شرطًا من شروط الصحة، انتقل إلى قائمة الضعيف بأنواعه المتعددة وأقسامه المعروفة.

أما الموضوع الذي معنا فإن صلته مقطوعة تمامًا برسول الله صلى الله عليه  وسلم ولا ينبغي أن نعتذر بأن ذلك تم سهوًا، المهم هنا هل قاله النبي صلى الله عليه  وسلم أو لم يقله؟ نحن متأكدون أنه لم يقله، إذن هو موضوع.

مناقشة العمد والسهو هي مناقشة لنية الواضع؛ لكي يحكموا عليه بما يليق بحاله، لكننا نناقش هنا الموضوع الذي أضيف زورًا وبهتانًا إلى رسول الله صلى الله عليه  وسلم ولنا كلام عن حكم الكاذب على رسول الله صلى الله عليه  وسلم سيتبين من خلاله أن الإثم يقع على المتعمد الكاذب المفتري، لكن الناسي أو الساهي إذا كان أمامه سبيل للمعرفة فهو قد يدخل تحت طائلة الكذب العمد أيضًا مما يجعلنا -كما ذكرت منذ قليل- أن نجتهد جدًّا في الوقوف على درجة الحديث، وخصوصًا أهل العلم؛ لأن العوام يأخذون عنهم، ولأن أهل العلم إن لم يكونوا على دراية بدرجة الحديث، فإنهم يستطيعون أن يبحثوا عنه، وأن يبينوا درجته، وأن يدرسوه، لكن ليس من حقهم أبدًا أن يجترئوا ويقولوا: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم بدون أن يتأكدوا من صدق هذه النسبة.

أسباب تسمية الكلام الموضوع كذبًا بـ “الحديث” وحكم رواية الحديث الموضوع، وأقوال العلماء في ذلك:

ننتقل إلى نقطة أخرى وهي: وجه تسميته بالحديث ، وحكم روايته:

أما وجه تسميته بالحديث: فإذا رجعنا إلى التعاريف السابقة، فسنجد من قال من العلماء في تعريف الموضوع: بأنه الحديث المختلق المصنوع، كما فعل الشيخ طاهر الجزائري، وقبله فعل ابن عراق، وهناك من تحاشى أن يضع في تعريفه كلمة “الحديث” كما فعل ابن الصلاح حيث قال هو المختلق المصنوع، وكما فعل النووي في (التقريب)، وكذلك السيوطي في (التدريب)، والشيخ أحمد شاكر؛ فكل هؤلاء وغيرهم لم يضعوا كلمة “الحديث” في تعريفهم، واكتفوا بأنه المكذوب على رسول الله صلى الله عليه  وسلم؛ ولعل الدافع لذلك أنهم لم يعتبروه حديثًا أصلًا؛ نظرًا لما ذكرناه قبل من استقرار علماء الحديث على أن الحديث فعلًا هو ما نقل لنا، أو هو ما صدر عن رسول الله صلى الله عليه  وسلم.

أما من وضعوا كلمة “الحديث” في تعريف الموضوع فيمكن فهم ذلك على وجه من اثنين:

أولًا: من باب المشاكلة اللغوية: بمعنى أننا ذكرنا أنه من بين معاني كلمة الحديث في اللغة أنه كلام، والموضوع كلام نسبوه كذبًا إلى رسول الله صلى الله عليه  وسلم فسمي حديثًا على هذا الوجه.

الثاني: يمكن أن نقول إن ذلك من باب التجاوز، حسب دعوى من افتراه واختلقه؛ لأن الوضاعين في الأعم الأغلب يضعون للمكذوب إسنادًا وينسبونه افتراء إلى رسول الله صلى الله عليه  وسلم فسمي حديثًا لهذا المعنى تجاوزًا، وفي كل الأحوال فهو مفترًى كذبًا وبهتانًا على رسول الله صلى الله عليه  وسلم ومن ثم فإنه لا تجوز روايته عل أنه حديث، وإلا فإن الذي يرويه على هذه الشاكلة -أي على أنه حديث- فهو أحد الكاذبين على رسول الله صلى الله عليه  وسلم.

روى الإمام مسلم في “مقدمة صحيحه” بسنده إلى كل من: سمرة بن جندب والمغيرة بن شعبة رضي اللع عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: ((من حدث بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبِين)) الرواية وردت بضبط الكاذبين على الجمع -كما نطقناها الآن الكاذبِين-، وردت بضبطها على المثنى: ((الكاذبَيْن)) أي فهو أحد الكاذبَيْن.

وخلاصة الحديث: أن من يساهم في رواية حديث يعلم أنه كذب فهو أحد الكاذبِين أو أحد الكاذبَين على رسول الله صلى الله عليه  وسلم ولا يدور بخلده أنه ليس مسئولًا؛ لأنه هو الذي لم يضعه مثلًا، فالحديث الذي معنا قاطع الدلالة في أنه أحد الكاذبِين أو الكاذِبَيْن على التثنية باعتبار أن الرواية لأي حديث تتم بين اثنين على الأقل وهما: المؤدي وهو الشيخ، والمتحمل وهو التلميذ، ومن هنا فإن كل من يساهم في نشر حديث موضوع بأي صورة من الصور فهو أحد الكاذبين على رسول الله صلى الله عليه  وسلم بل إن ذلك الإثم متحقق حتى لو لم يقطع بأن الحديث موضوع، بل من غلب على ظنه -ولو لم يصل إلى درجة اليقين والقطع- بأن هذا الكلام موضوع ورواه على أنه حديث فهو داخل تحت طائلة الكذب على رسول الله صلى الله عليه  وسلم.

والدليل على ذلك هو نفس الحديث الذي ذكرناه: ((من حدث عني حديثًا يَرَى أو يُرَى)) الرواية وردت -كما ذكرنا- بالضبطين، بضبط الرواية بالبناء للمعلوم ((يَرَى)) تكون من رأى بمعنى: علم، أي: من روى حديثًا وهو يعلم يقينًا وقطعًا بأنه كذب، فهو أحد الكاذبِين أو أحد الكاذبَين، وإذا كانت الرواية بالبناء للمجهول ((يُرَى)) فهو بمعنى يظن، والمعنى: أن من حدث عني بحديث ويغلب على ظنه أنه كذب -حتى ولو لم يصل إلى درجة اليقين- فهو داخل في زمرة الكاذبين على رسول الله صلى الله عليه  وسلم.

يقول الإمام النووي -رحمه الله- عن هذا الحديث وفقهه: وأما فقه الحديث فظاهر، ففيه تغليظ الكذب والتعرض له، وأنه من غلب على ظنه -أرجو أن ننتبه إلى عبارة النووي هذه- وأن من غلب على ظنه كذب ما يرويه فرواه كان كاذبًا، وكيف لا يكون كاذبًا، وهو مخبر بما لم يكن، وكأني في نهاية الأمر برسول الله صلى الله عليه  وسلم يحذرنا من الوقوع في مغبة الكذب يقينًا أو على سبيل غلبة الظن، فهو يوصد الباب تمامًا أمام أي رواية لا يتأكد راويها من صدق نسبتها إلى رسول الله صلى الله عليه  وسلم.

ومن هنا نقول: إنه لا تحل أبدًا رواية المكذوب المختلق على رسول الله صلى الله عليه  وسلم بأي صورة من الصور، وبأي نية من النوايا، فقد يسول له شيطانه أنه يخدم الإسلام أو السنة المطهرة بكذبه هذا، وهذا وهم وقع فيه بعض الوضاعين بكل أسف، كما سنبينه -بإذنه تعالى- عند كلامنا عن أسباب الوضع على رسول الله صلى الله عليه  وسلم.

وإنما يروى الموضوع؛ لبيان كذبه، ولإظهار فحشه، وإعلان بهتانه، وللتحذير منه، حتى لا يغتر به بعض العوام، أو غير المتخصصين في الحديث ودراسته.

قال الإمام السيوطي: وتحرم روايته مع العلم به -أي بوضعه، أي: مع العلم بأنه موضوع- في أي معنى -هذا كلامه- في أي معنى كان سواء الأحكام، والقصص، والترغيب ونحوها إلا مبينًا -أي مقرنًا ببيان وضعه- لحديث مسلم: ((من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين)).

والناظر في كلام السيوطي يتضح له الحكم بحرمة رواية الموضوع مع العلم بوضعه في أي موضوع من الموضوعات في الأحكام، في القصص، في الترغيب، وبهذا يرد السيوطي على من يروي الحديث الموضوع ويزعم أنه يرغب بذلك في فعل عمل صالح، أو النهي عن معصية، أو الدعوة إلى خير، كما سنوضحه -كما ذكرنا- بعد ذلك.

وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- في (نزهة النظر شرح نخبة الفكر): واتفقوا على تحريم رواية الموضوع، إلا مقرونًا ببيانه؛ لقوله صلى الله عليه  وسلم: ((من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبَين أو أحد الكاذبِين)) أخرجه مسلم.

وقال ابن كثير -رحمه الله تعالى- وهو يتكلم عن الحديث الموضوع: فلا تجوز روايته لأحد من الناس إلا على سبيل القدح فيه؛ ليحذره من يغتر به من الجهلة والعوام والرعاع.

وقال الشيخ أحمد شاكر في معرض تعليقه على الحديث الموضوع، وكلام ابن كثير هذا: وهو شر أنواع الرواية، ومن علم أن حديثًا من الأحاديث موضوعًا فلا يحل له أن يرويه منسوبًا إلى رسول الله صلى الله عليه  وسلم إلا مقرونًا ببيان وضعه.

وهذا الحذر عام في جميع المعاني سواء الأحكام، والقصص، والترغيب، والترهيب، وغيرها؛ لحديث سمرة بن جندب والمغيرة بن شعبة قالا: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم وذكر حديث مسلم الذي ذكرناه مرارًا: ((من حدث عني… إلى آخره)) ثم قال: فسواء أعلم الشخص أن هذا الحديث الذي يرويه مكذوب بأن كان من أهل العلم بهذه الصناعة الشريفة، أم لم يعلم إن كان من غير أهلها، وأخبر العالم الثقة بها، فإنه يحرم عليه أن يحدث بحديث مفترى على رسول الله صلى الله عليه  وسلم وأما مع بيان حاله فلا بأس؛ لأن البيان يزيل من ذهن السامع أو القارئ ما يخشى من اعتقاد نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه  وسلم.

هذا كلام الشيخ شاكر في (الباعث الحديث).

نكتفي بهذا القدر من النقول في: تحريم رواية الموضوع إلا مقرونًا ببيان حاله، أي: بالتوضيح الكامل والبيان التام أنه موضوع، أما غير ذلك فإنه لا يجوز.

ولقد اتفقوا على هذا الحكم وأجمعوا عليه، وفاعل ذلك آثم كاذب على رسول الله صلى الله عليه  وسلم لحديث مسلم المشار إليه عدة مرات. ولا يعتذر معتذر بأنه ليس الواضع لهذا الحديث؛ لأن روايته للموضوع -مع علمه بوضعه- تجعله داخلًا في عداد الكاذبين على رسول الله صلى الله عليه  وسلم ولا ريب. كما لا يشفع له أن يقول: إن الحديث في فضائل الأعمال، أو القصص أو ما شاكل ذلك؛ لأن دين الله واحد، وكلها تكليفات إيمانية صدرت عن الله تعالى، أو عن رسول الله صلى الله عليه  وسلم ولا فرق في دين الله تعالى بين عقائد، وأحكام، وفضائل فالدين يتكون من كل ذلك، فهو عقيدة، وشريعة، وعبادات وأخلاق، ومعاملات، تنبع كلها من مشكاة واحدة، وهي مشكاة القرآن والسنة، وتصدر عن معين واحد وهو كتاب الله -تبارك وتعالى- وسنة رسوله صلى الله عليه  وسلم.

ولا أدري ما الدليل للذين يفرقون في الدين بين العقائد وبين الأحكام، أو بين الفضائل وغيرها؟ هل الدين يتكون من درجات متفاوتة في أهميتها، أو في سلامة دليلها؟ لن نجد دليلًا واحدًا يؤيد ذلك. وعلى كل حال لنا وقفات مع هذه المعاني؛ لأن الوضع كان من بين أسبابه أن البعض تصور أن يضع أحاديث يخدم بها السنة، أو يدافع بها عن الدين، أو ما شاكل ذلك، فمهما كانت النية حسنة، فإنه لن يبرأ أبدًا من تهمة الكذب على رسول الله صلى الله عليه  وسلم ويدخل في الوعيد الذي توعد به رسول الله صلى الله عليه  وسلم من كذب عليه افتراءً وبهتانًا.

الموضوع من أنواع الضعيف، أو هو قسم قائم بذاته؟

مر بنا في تعريفات العلماء عبارة: “وهو شر أنواع الضعيف” يعني: اعتبروه من أنواع الضعيف، فكثير منهم اعتبره من الضعيف، وهو شرها على الإطلاق، وبعضهم تحرز في ذلك، فقال الشيخ شاكر مثلًا: “وهو شر أنواع الرواية” فلم يقل: وهو شر أنواع الضعيف.

والحقيقة: أن عدّه من أنواع الضعيف فيه بُعد، فالضعيف هو الذي فقد شرطًا من شروط الصحة المعروفة عند العلماء، وفقدانه لشرط من هذه الشروط ينقل الحديث تلقائيًا إلى نوع من أنواع الضعيف. أما الموضوع: فهو فقد كل الشروط، هو ليس بحديث أصلًا فكيف نعده من أنواع الضعيف؟ إنه نوع مستقل، هو شر أنواع الرواية فعلًا، وهو يصلح لخطورته وأهميته وأثره الخطير في مسيرة الإسلام أن يكون قسمًا رابعًا قسيمًا للأقسام الثلاثة الأخرى، وهي: الصحيح، والحسن، والضعيف.

وهذه الثلاثة مرتبطة ببعضها، لأن الصحيح له شروطه -كما ذكرنا- والحسن يقل عن الصحيح في درجة ضبط الراوي فقط، وضبطه قد نزل إلى درجة محتملة وليس إلى درجة متدنية؛ لأن نزول الضبط إلى درجة التدني يخرج الحديث من دائرة الصحة والحسن معًا إلى دائرة الضعف، فالفرق بينهما هو في درجة ضبط الراوي فقط، أما بقية الشروط فهي مطلوبة في كليهما: اتصال السند، وعدالة الرواة، وضبط الرواة مع هذا التخفف اليسير في الحسن، وخلو الحديث من الشذوذ، ومن العلة القادحة. أما الموضوع فلا ينطبق عليه شيء من ذلك أبدًا، نعم قد يضعون لها أسانيد لتلك الأحاديث الموضوعة، لكنها أسانيد مكذوبة، فهي ليست بأسانيد بالمرة، وتسميتها بالأسانيد إنما هو من باب المشاكلة -كما ذكرنا- ثم إن الرواة في الموضوع قد فقدوا العدالة تمامًا، مما يجعلنا نرد رواياتهم كلها، ولا نقبل منها شيئًا، فهم كذابون وضاعون مفترون، ومن ثم يخرجون عن دائرة التقسيم الثلاثي، ونجعلهم قسمًا مستقلًا رابعًا.

حكم الكذب على رسول الله صلى الله عليه  وسلم:

الآن نتكلم عن حكم الكذب على رسول الله صلى الله عليه  وسلم:

ذكرنا قبل ذلك الحديث المتواتر عن رسول الله صلى الله عليه  وسلم: ((من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار)) وفي بعض رواياته كما في مقدمة صحيح مسلم: ((إن كذبًا على ليس ككذب على أحد، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ معقده من النار)) نعم إن الكذب على رسول الله صلى الله عليه  وسلم ليس كالكذب على غيره، مع تحريم الكذب وفحشه في كل الأحوال، لكن الكذب على رسول الله صلى الله عليه  وسلم أشد قبحًا وأفظع جرمًا؛ لأنه زيادة في الدين، وإضافة إليه؛ لأننا نعلم جميعا أنه حين يقال: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم فإن ما بعد هذا القول دين يجب إتباعه.

وفي ضوء ذلك: تعددت تعبيرات العلماء في ضرورة العناية بالإسناد كقول ابن سيرين -رحمه الله تعالى- مثلًا فيما رواه الإمام مسلم في مقدمته: “إن هذا الإسناد من الدين، فانظروا عمن تأخذون دينكم”.

نعم الإسناد من الدين؛ لأنه هو الذي ينقل لنا كلام النبي صلى الله عليه  وسلم ولذلك اعتبره العلماء من الدين بل اعتبره بعضهم هو الدين نفسه، ولذلك تحروا جدًّا في أمره -أي: في أمر الإسناد- كما نعلم جميعًا، ولقبح الكذب على رسول الله صلى الله عليه  وسلم وشناعته أجمع العلماء على تحريم الكذب على رسول الله صلى الله عليه  وسلم وأجمعوا على أن ذلك من أكبر الكبائر، والمكان معد لصاحبه في النار والعياذ بالله، أخذًا من الحديث المذكور: ((من كذب علي متعمّدًا فليتبوأ مقعده من النار)).

وقد رتب العلماء مجموعة من المسائل على هذا الأمر منها:

أولًا: حكم الكاذب على رسول الله صلى الله عليه  وسلم:

ذهب بعض العلماء إلى أن الكاذب على رسول الله صلى الله عليه  وسلم كافر يُراق دمه، ومن هؤلاء العلماء الشيخ أبو محمد بن عبد الله بن يوسف بن عبد الله الجويني والد إمام الحرمين.

قال الإمام النووي -رحمه الله-: وقال الشيخ أبو محمد الجويني والد إمام الحرمين أبي المعالي -من أئمة أصحابنا-: يكفر بتعمد الكذب عليه صلى الله عليه  وسلم حكى إمام الحرمين عن والده هذا المذهب، وأنه كان يقول في درسه كثيرًا: “من كذب على رسول الله صلى الله عليه  وسلم عمدًا كفر وأريق دمه” هذا كلام النووي في شرح مسلم، لكن ابنه إمام الحرمين لم يقل بهذا الرأي، على ما سنذكره بعد.

وممن أيد والد إمام الحرمين في القول بهذا الرأي: الشيخ أبو الفضل الهمداني شيخ ابن عقيل الحنبلي.

وقد اقترب الإمام الذهبي -رحمه الله- من هذا الرأي حين قال في كتاب (الكبائر) بعد أن نقل قول من كفّر الكاذب على رسول الله صلى الله عليه  وسلم: الكذب على النبي صلى الله عليه  وسلم كفر ينقل عن الملة، ولا ريب أن تعمد الكذب على الله ورسوله في تحليل حرام أو تحريم حلال كفر محض، وإنما الشأن عليه في سوى ذلك، وكأني بالذهبي يحكم بأن من أحل حرامًا وحرم حلالًا برواية كاذبة معتمدة يقطع بكفره، أما عدم كفره أو غير ذلك فكأن الشأن فيه في سوى تحليل الحرام أو إباحة المحرم والعياذ بالله أو تحريم الحلال.

الرأي الثاني: هو قصر القول بالكفر على من استحل الكذب على رسول الله صلى الله عليه  وسلم فقط، وعزي هذا القول إلى جمهور العلماء، وانتصر النووي -رحمه الله تعالى- له، حيث قال: تعظيم الكذب على رسول الله صلى الله عليه  وسلم وأنه فاحشة عظيمة وموبقة كبيرة، ولكن لا يكفر بهذا الذنب إلا أن يستحله، هذا هو المشهور من مذاهب العلماء من الطوائف. وقال ابن حجر -رحمه الله تعالى- في (نزهة النظر): واتفقوا على أن تعمد الكذب على النبي صلى الله عليه  وسلم من الكبائر، وبالغ أبو محمد الجويني فكفَّر من تعمد الكذب على النبي صلى الله عليه  وسلم.

هذا رأي العلماء، ونحن نستجيب له، لكننا نريد أن نشيع بين الناس تقبيح الجرأة على الكذب على رسول الله صلى الله عليه  وسلم وألا يأخذ أحد من هذه الأحكام للعلماء أنه ذنب خفيف أو يسير ما دام لا يصل إلى التفكير والعياذ بالله. إن التكفير أمر خطير لا يجرؤ عليه عالم إلا أن يملك الدليل القاطع عليه، وهذا هو الذي جعل العلماء يتورعون عن وصمه بالكفر، لكن لا ينبغي أن يفهم ذلك على أنه تخفيف من مغبة الكذب على رسول الله صلى الله عليه  وسلم لأن الكذب عليه -كما ذكرنا- إضافة إلى الدين، وإدخال في الدين ما ليس منه.

المسألة الثانية المتعلقة بهذا الأمر: لا ينظر إلى موضوع الحديث في تحريم الكذب على رسول الله صلى الله عليه  وسلم بمعنى: أنه لا فرق في تحريم الكذب بين أحاديث في الأحكام، وأحاديث في القصص، أو الترغيب، والترهيب، أو الفضائل ونحوها، وإنما وضع العلماء هذه القاعدة وأجمعوا عليها؛ لأن هناك بكل أسف من جوَّز الكذب في الفضائل، أو الترغيب، والترهيب، وهم يتصورون أنها مسألة سهلة؛ لأن مثل تلك الأحاديث لا تتضمن أحكامًا شرعية، ولا بأس بترغيب الناس في العمل الصالح، ولو بحديث موضوع، وقد ابتليت السنة بمثل هذه الأفكار السيئة المخالفة لما ثبت بالأدلة القاطعة من كتاب الله تعالى الذي لعن الكاذبين في مثل قوله سبحانه: {ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [آل عمران: 61].

error: النص محمي !!