Top
Image Alt

تعريف الدعوة الجماعية وخطواتها

  /  تعريف الدعوة الجماعية وخطواتها

تعريف الدعوة الجماعية وخطواتها

“المنهج الجماعي”:

وهو الدعوة العامة، ونعني بها: ما كان الخطاب فيها موجهًا إلى جماعة من الناس بقصد إبلاغهم الدين والتأثير فيهم، وقد تكون من فرد أو من جماعة، وذلك مثل المحاضرة التي يقوم بإلقائها فرد والمتلقي جماعة، وأوضح ما يبين ذلك خطبة الجمعة، أو من جماعة إلى جماعة أكبر منها، مثل: الندوات التي يشترك فيها عدد ما، ويكون المتلقي جماعة من الناس في مكان واحد، أو عن طريق وسائل الإعلام كتلك التي تُبثُّ عن طريق الإذاعة والتليفزيون.

وأنبياء الله -عليهم الصلاة والسلام- قاموا بهذا النوع من الدعوة إضافة إلى المرحلة السابقة، وهي الدعوة الفردية، وذلك لأنهم واجهوا بدعوتهم الجماهير الكثيرة المتباينة المشارب والأهواء، المختلفة الثقافة، كما أن الحكماء والمجددون يُعتبرون من أصحاب الدعوة العامة التي يكون الخطاب فيها من شخص إلى جمهور من الناس.

يقول الله تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلّ أُمّةٍ رّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الْطّاغُوتَ} [النحل: 36]، وقال عز وجل: {إِنّآ أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِن مّنْ أُمّةٍ إِلاّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر: 24]، وذلك رحمة من الله بعباده وتفضلًا منه، وكرمًا حتى لا يكون لهم حجة أو عذر. قال تعالى: {رّسُلاً مّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللّهِ حُجّةٌ بَعْدَ الرّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} [النساء: 165].

والدعوة العامة تحتاج إلى استعداد وإعداد، استعداد من حيث القدرة على إعطاء الناس الجديد والمفيد، وجذبهم إليه بطرق الجذب المعروفة، والتي من أبرزها صدق النية والحديث، وإشعارهم بالحرص عليهم، وأنهم إن لم يسمعوا ويَعُوا قول الله -جل وعلا، وقول رسوله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى سوف يكونون نهبًا للشياطين، وإعدادًا من حيث المادة العلمية، وأعني بها ما ورد في الكتاب العزيز، والسنة المطهرة من أوامر، ونواهٍ وترغيب وترهيب، مع مراعاة حاجات الناس وقدراتهم، وظروفهم المحيطة بهم من سلم وحرب، وقوة وضعف، وعلم وجهل إلى غير ذلك.

أما إذا كان الحديث لغير المسلمين، فإنه يحتاج إلى إعداد آخر وأسلوب آخر يعتمد فيه الداعية على بيان محاسن الإسلام، وبيان الحكمة من خلق الله سبحانه وتعالى لهذا الكون وما فيه، وإيضاح حقيقة العبودية، وأنه لا يوجد في هذا الكون الشاسع العظيم من يستحق أن يُعبد إلى الذي خلق وصور، وأحيا وأمات، خالق هذا الكون، ومدبر شأنه رب العالمين خالق كل شيء، ومليك كل شيء، القادر ذو الجلال والإكرام.

أما عن خطواتها، فإنه ليس الحديث مع فرد أو أفراد قليلون كالحديث مع جمهور من الناس، وعليه فلا بد فيها:

أولًا: حسن الاختيار: ونعني بحسن الاختيار أن يكون الداعية حكيمًا في تناول الجوانب المهمة فيما يتعلق بالدعوة والمدعو، أما من حيث الدعوة، فعليه أن يهتم أولًا وأخيرًا بالاعتقاد وبيان عقيدة الإسلام الصحيحة، ومعالجة أحوال الناس؛ وفقًا لمقتضيات الحاجة، فالجهال بأمور الدين لهم أسلوب، وأصحاب البدع والخرافات لهم أسلوب، والمتقدم في السن له أسلوب وهكذا، كل حسب وضعه الذي يراه الداعي المسلم.

أما من حيث المدعو فقد قيل: خاطبوا الناس على قدر عقولهم، كما أن على الداعية المسلم أن يراعي من حيث حسن الاختيار الأمور التالية:

  1. اختيار الموضوع.
  2. اختيار الألفاظ والعبارات.
  3. اختيار الوقت المناسب.
  4. اختيار المكان المناسب.

وكل فقرة من هذه الفقرات تستطيع أن تتحدث عنها في موضوع مستقل، إلا أن ثقتي في ثقافة إخواني المشتغلين بالدعوة واهتمامهم بكل ما من شأنه أن يقوي ويدعم موقف الداعية، حتى يصل بالدعوة إلى الله إلى ما يتمناه كل مسلم غيور جعلتني استعرض هذه الفقرات الأربع باختصار أرجو ألا يكون مخلًّا:

أولًا: اختيار الموضوع: على الداعية المسلم أن يحرص على اختيار موضوعاته؛ بحيث يجد المدعو فيها ما يريده، أو بعضًا مما يريده؛ لأن اختيار الداعية، وانتقاءه للمادة التي يريد أن يبلغها للمتلقي من أهم عوامل النجاح والقبول، النجاح بالنسبة للداعية، والقبول بالنسبة للمدعو؛ لأن المدعو إذا وجد أن هذه المادة تضيف إلى ثقافته شيئًا؛ فإنه يحرص عليها.

لذا نورد أمثلة من المواضيع التي يمكن -إن شاء الله- أن تضيف جديدًا للمستمع، أركان الإسلام أركان الإيمان، معاني البر، معاني التوحيد، الكفر، الصبر، النفاق، مظاهر الإحسان.. إلى آخره.

ثانيا: اختيار الألفاظ والعبارات: وهذا الجانب له دور كبير جدًّا في فهم المتلقي للحديث الملقى عليه، فبقدر سهولة الألفاظ وبساطة العبارات ووضوحها بقدر ما يكون الحديث واضحًا مفهومًا، ولا يخفى على الداعية بأن لكل طبقة من طبقات المتلقين ما يُناسبها ويناسب ثقافتها من ألفاظ وعبارات، فعلى الداعية المسلم ملاحظة ذلك لأهميته.

ثالثًا: اختيار الوقت المناسب: وفي هذه المناسبة أذكر أمرًا حدث في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك في عام ألف وثلاثمائة سبعة وثمانين هجرية، وفي شهر رمضان المبارك، وبالتحديد في ليلة السابع والعشرين من شهر القرآن؛ ففي مثل هذه الليلة كان من العادة أن يلقي الشيخ عبد العزيز بن صالح إمام وخطيب المسجد النبوي الشريف كلمة على المصلين بعد التسليمة الثانية من صلاة القيام، وكل من استمع إلى تلك الموعظة يعلم ما لها من تأثير عظيم في نفوس المصلين، فالمكان المسجد النبوي الشريف، والزمان السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك، والمتحدث داعية، وإمام للمسجد النبوي الشريف لأكثر من أربعة عقود من الزمن.

وبعد أن انتهت الصلاة -أي: صلاة القيام- وأخذ الناس ينصرفون إلى بيوتهم لتناول وجبة السحور، في هذا الوقت وقف أحد الإخوان المشتغلين بالدعوة يلقي كلمة في المسجد النبوي الشريف، وأذكر أنه وقف وحيدًا، بل إن بعض الناس لامه على ذلك؛ لأن الوقت غير مناسب، ووقعت بينه وبين بعضهم مشادة كلامية.

صحيح أن الداعية كان يريد خيرًا ويدعو إلى خير، لكنه لم يوفق في اختيار الوقت المناسب؛ لأن الناس قد قضوا أكثر من ثلاث ساعات في الصلاة، والاستماع للموعظة السنوية التي كان يلقيها إمام المسجد النبوي أثابه الله، أي: أنهم لا يوجد لديهم استعداد لما ذكرت سابقًا من ظروفهم؛ لهذا فإن اختيار الوقت المناسب والزمان المناسب، وكلمة مناسبة فضفاضة تتسع لمعاني كثيرة، فعلى أخي الداعية ملاحظة هذا الأمر باهتمام.

رابعًا: اختيار المكان المناسب: لا شك أن للمكان أثر على المتلقين، مما ينعكس على عملية التلقي والاستيعاب، سواء أكان ذلك سلبًا أو إيجابًا، فعلى الداعية الانتباه لهذا الأمر.

ثانيًا: حسن الأداء: لما كان الداعية المسلم حريصًا على إيصال ما يريد من خير وفلاح لمجموع المتلقين، فإنه يتحتم عليه أن يحسن أداء ما يريد إيصاله إليهم، وحسن الأداء كلمة واسعة جامعة، فأكثر عمل المتحدث يندرج تحت هذا الباب.

وسنتناول بعضًا من النقاط التي ينبغي للداعية أن يلاحظها، ويتقيد بها عند اتصاله بجمهوره المدعوين؛ لأنها من آداب الدعوة بصفة عامة، والدعوة الجماعية بصفة خاصة، وهذه النقاط هي:

أولًا: أن يبدأ باسم الله: إن ابتداء المتحدث بذكر اسم الله الرحمن الرحيم في بداية حديثه ما هو التماس لمعونة الله سبحانه وتعالى وتوفيقه، فهي تتضمن ثلاثة من أسماء الله سبحانه وتعالى، وهي الله عز وجل ثم اسم الجلالة الرحمن، ثم اسم الجلالة الرحيم عز وجل، وتقدس لا إله إلا هو ولا رب سواه، وفي البدء بها خير كثير، وبركة وتوفيق، وفي الوقت نفسه مخالفة لمن خالف المسلمين ممن يفتتحون أقوالهم وأعمالهم بكلمات ليس فيها ذكر الله، والداعية إنما يدعو إلى الله، فليبدأ حديثه باسم الله الذي بيده مقاليد كل شيء سبحانه وتعالى عما يصفون، وهي شعار الإسلام تبدأ بها عندما تُقرأ سور الذكر الحكيم جمعيها، عدا سورة التوبة، ولله الفضل والمنة، فلا تنسَ -أخي الداعية- أن تبدأ بها حديثك ولقاءك مع المدعوين.

ثانيًا: إتقان تلاوة آيات الذكر الحكيم: لا أعلم كيف يسمح لنفسه أن يواجه الناس من يلحن في آيات القرآن، ولا يحسن تلاوة آيات الذكر الحكيم.

واعلم -أخي الداعية- أن اللحن في القرآن الكريم ينقسم إلى قسمين: لحن جلي، ولحن خفي:

القسم الأول اللحن الجلي: هو الخطأ الذي يطرأ أثناء القراءة على لفظ الآية القرآنية، فيخل بمعناها إخلالًا يؤدِّي إلى تغيير المعنى المراد منها، يشترك في معرفته علماء هذا الفن وعامة الناس سواء، أدى ذلك إلى فساد المعنى أو لم يؤدِّ ذلك، مثل تبديل حرف بآخر، أو حركة بأخرى، ومن اللحن الجلي أيضًا ترك المدود الطبيعية، والوقف القبيح الذي يكون فيه فساد المعنى جليًّا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “لا ينبغي لطلبة العلم الصلاة خلف من لا يقيم الفاتحة، ويقع في اللحن الجلي؛ بحيث يغير حرفًا أو حركة”.

القسم الثاني اللحن الخفي: فهو الخطأ الذي يتعلق بكمال إتقان النطق لا بتصحيحه، فلا يدركه إلا أهل الفن، ويخفى على العامة مثل: ضبط مقادير المدود، فعلى الداعية المسلم أن يتنبه لهذا الأمر، ويجتهد في تعلم التلاوة الصحيحة لكتاب الله العزيز، وكيف يكون موقف الداعية أمام الناس عندما يكتشفون أنه لا يحسن قراءة القرآن الكريم، أرجو أن يلاحظ هذا الأمر جميع من يريد الاشتغال بالدعوة إلى الله، فيبادر إلى إتقان التلاوة لآي الذكر الحكيم، بل مطلوب من الداعية أن يحفظ القرآن كله، أو معظمه، أو على الأقل يتقن الآيات التي يريد إيرادها في حديثه للناس.

ثالثًا: حسن إيراد الحديث الشريف: معلوم بالضرورة أن الحديث النبوي الشريف السنة مطهرة، المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد كتاب الله عز وجل، والعناية بالحديث النبوي واجب على كل مسلم، فعلى الداعية العناية والاهتمام بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتأكد من لفظ الحديث، ومن روايته حتى لا يقع في الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقول بلا علم؛ فبعض الدعاة هداهم الله يسمع الحديث فيعجبه معناه، واستنادًا لهذا الإعجاب يطرحه دائمًا، ويستشهد به من غير أن يقف عليه، ويتثبت من روايته ولفظه، ويأخذه الناس منه، وينتشر بينهم؛ لأنهم يثقون بداعيتهم، وربما يكون من الأحاديث الموضوعة أو الضعيفة، فمن آداب الدعوة الجماعية أن يحذر الداعية الوقوع في مثل هذا، وأن يهتم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المصدر الثاني بعد كتاب الله الكريم.

رابعًا: التشويق وبراعة الاستهلال: ومن حسن الأداء أن يكون المؤدي، وهو الداعية حسن الأداء، والأداء يتضمن جوانب عديدة منها: التشويق، ونعني به قدرة الداعية على جعل الحديث مشوقًا؛ بحيث يستمر المدعو معه من أوله إلى آخره، لما يرى ويجد فيه من جودة تجذبه إليه، وإلى الاستمرار معه بكل اهتمام، وهذا لا يكون إلا باهتمام الداعية بموضوع الحديث، والوقوف على فنون الخطابة في الأدب العربي، وقبله في الأدب النبوي والبلاغة المحمدية.

وهذا يحتاج إلى مران كثيرة ودراية جيدة لهذا الفن من فنون الأدب الإسلامي؛ فمتى استطاع الداعية أن يستثير اهتمام المدعوين، فإنه قد استحوذ على مشاعرهم، وتمكن من جذبهم إليه.

كما أن براعة استهلاله الحديث معهم له دور هام في جذب المتلقين، وإثارة اهتمامهم، والتمكن من تهيئتهم لما سوف يكون بعد الاستهلال، وهو ما نسميها مرحلة عرض الموضوع المراد عرضه للمدعوين وبيانه لهم على أن مرحلة التمهيد للموضوع تكون بأشكال كثيرة: فهي أحيانًا عبارة عن قصة لها علاقة بالموضوع، أو موقف من المواقف التي تشدُّ الانتباه، أو قراءة لنص من النصوص، على أن اهتمام الداعية بدعوته وإخلاصه لها، ومتابعته لأحوال مجتمعه المسلم خير معين له في طريق الدعوة الشاق الطويل.

خامسًا: الوقار وحسن السمت: ومن حسن الأداء الوقار، وحسن السمت، أي: على الداعية أثناء الحديث ألا يكثر من الحركات والالتفاتات، بل عليه أن يكون معتدلًا في ذلك كله، وقورًا، ومظهره العام له دور في الوقار؛ فيحسن بالداعية الاعتدال في الملابس، والاهتمام بالنظافة، وحسن المظهر، شريطة ألا يكون في ذلك ما يخالف مألوف المدعوين.

كما يحسن بالداعية أن يراعي في جانب حسن الأداء عدم الإطالة على الجمهور، وتقسيم موضوع الحديث إلى عناصر واضحة، وعدم الإسراع في الإلقاء، مع ملاحظة اتزان النبرات أي: نبرات الصوت، ومعايشة واقع الجمهور مع ملاقاة الناس بوجه منطلق، ورحابة صدر مع تركيز على ما يهمهم، وينفعهم في دنياهم وآخرتهم.

الحيطة: ونعني بها أن يحتاط الداعية لجميع الظروف والمواقف، وهذا يتطلب منه أن يكون يقظًا حسن التصرف والتخلص في نفس الوقت، خاصة عندما يُفاجأ بسؤال من مغرض، أو متحيز فيحسن بالداعية أن يتعلم كيف يخرج، ويتخلص من المواقف المحرجة؛ بحيث لا يتأثر منه أحد أو يسيء إلى أحد المدعوين؛ ليظهر معرفته بما أعده له من مكر فيما عُرض عليه من أسئلة محرجة، وهذا يتطلب رباطة جأش، وهدوء نفس؛ لأن الانفعال في مثل هذه المواقف قد يؤدي إلى ضرر بالدعوة والداعية.

error: النص محمي !!