Top
Image Alt

تعريف الرهن

  /  تعريف الرهن

تعريف الرهن

الرهن في اللغة معناه: الثبوت والدوام، وقد يطلق الرهن ويراد به ما يلزم عنه من الحبس والمنع؛ كقوله تعالى في سورة المدثر: {كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلاّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ} [المدثر: 38، 39].

وأما الرهن في الاصطلاح: فهو جعل عين لها قيمة مالية شرعًا، وثيقة بدين بحيث يمكن أخذ الدين أو أخذ بعضه من تلك العين.

كما إذا اقترضت منك مبلغًا ليكن خمسين ألف جنيه، وأنت أردت أن تستوثق لدينك عندي، فطلبت رهنًا فرهنت عندك سيارتي وهي تساوي مائة ألف، أو رهنت عندك داري التي تساوي هذا المبلغ؛ فهذا التعريف ينطبق على هذا المثل تمامًا، فجعلت عينًا مالية وهي السيارة، أو الدار وثيقة، يعني لتوثيق وتأكيد ثبوت الدين في ذمتي، حتى تطمئن تمامًا إلى أنني سأرد إليك دينك، بحيث يمكن أخذ الدين، يعني: إذا عجزت عن سداد هذا الدين، أمكنك بيع هذه السيارة، أو هذه الدار واستيفاء حقك منها كله أو بعضه، وكذلك ما لو اشتريت منك شيئًا بثمن مؤجل،وأردت أن تستوثق من سدادي لهذا الثمن، فطلبت رهنًا، فأعطيتك شيئًا يسمى عينًا، يعني: شيئًا له قيمة مالية، وهي في العادة تكون أكثر من ثمن المؤجل، يعني: وثيقة تستوثق بها في استردادك لهذا الثمن.

حكم الرهن:

حكم الرهن الجواز؛ وقد شرعه الله سبحانه وتعالى تلبية لحاجة الناس وحفظًا لأموالهم؛ لأنه قد يكون الإنسان في حاجة إلى القرض، ولكن المقرض يحب أن يستوثق لماله ، فيأبى أن يقرض إلا بعد أن يستوثق من تمكنه من استرداده لهذا الدين في الوقت الذي يحتاج إليه فيه، وكذلك في البيوع، كمن اشترى شيئًا وثمنه مؤجل، ويريد البائع أن يستوثق؛ فيطلب رهنًا حتى إذا عجز المدين باع العين المرهونة واستوفى منها حقه.

وطرق توثيق الديون في الشريعة الإسلامية كثيرة؛ ليست قاصرة على الرهن؛ فهناك الرهن، وهناك الضمان، وهناك الكفالة، وهناك الكتابة -كتابة إيصال أو صك بهذا الدين- هذه كلها وسائل للتوثيق، فالرهن وسيلة من وسائل توثيق الدين؛ سواء أكان هذا الدين قرضًا أو كان ثمنًا لمبيع بطريق النسيئة أو التأجير.

والرهن بهذا المعنى، مشروع جائز وثابت بالكتاب والسنة وبالإجماع:

– أما الكتاب: فإن الله تعالى قال في سورة البقرة: {وَإِن كُنتُمْ عَلَىَ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدّ الّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتّقِ اللّهَ رَبّهُ} [البقرة: 283]، قال ابن العربي: “اختلف الناس في هذه الآية على قولين؛ فمنهم من حملها على ظاهرها: {وَإِن كُنتُمْ عَلَىَ سَفَرٍ}، فلم يجوز الرهن إلا في السفر؛ وهو قول مجاهد من علماء التابعين، لكن كافة العلماء على ردِّ ذلك القول، وأنه ليس من الضروري أن يكون الراهن والمرتهن في سفر، إذًا لماذا ذكر القرآن الكريم، لفظ السفر، فقال: {وَإِن كُنتُمْ عَلَىَ سَفَرٍ}؟ ذكر السفر هنا؛ لأنه هو الحالة الغالبة التي لا يكون الكاتب فيها موجودًا، لكن في الحضر في الإقامة يكون الكاتب موجودًا، فلا نحتاج إلى رهن، أو في غالب الأحايين، يمكن كتابة صك بدلًا من الرهن، لكن في السفر كثيرًا ما لا نجد الكاتب، خصوصًا في البيئات التي تنتشر فيها الأمية.

وهذا الكلام خرج مخرج الشرط، ولكن المراد به غالب الأحوال، والدليل على أن الرهن يجوز في السفر ويجوز في الحضر، وليس من شرطه أن يكون في السفر؛ وأن ذكر السفر في الآية، إنما ذكر؛ لأنه الغالب ما ورد: “أن النبي صلى الله عليه  وسلم ابتاع في الحضر ورهن ولم يكتبه”، وهذا الفقه صحيح؛ وذلك لأن الكاتب إنما يعدم في السفر غالبًا؛ فأما في الحضر فلا يكون ذلك بحال، إن لم تجد هذا الكاتب وجدت غيره، لكن لماذا قلنا: إن الرهن جائز، ولم نقل إن الرهن واجب أو فرض لازم مع أن الله تعالى يقول: {فَرِهَانٌ مّقْبُوضَةٌ}، كلمة رهان تفيد الأمر، أي: فارهنوا عينًا مقبوضة، والدليل على أن هذا الأسلوب ليس المراد منه الأمر: أن الله سبحانه وتعالى ذكر في نفس السياق، قوله تعالى: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدّ الّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتّقِ اللّهَ رَبّهُ}، يعني: لا داعي للرهن أصلًا إذا أمن بعضكم بعضًا، لكن الرهن يكون عند افتقاد هذا الأمن والرغبة في التوثيق، فالله سبحانه وتعالى لم يوجب الرهن ضربة لازب، أي: لا بد منه، بل جعله وسيلة من وسائل الاستيثاق، وهناك من الوسائل الأخرى ما قد يغني عنه، كالكتابة، أو الضمان، أو الكفالة… إلخ.

ويدل على مشروعية الرهن من السنة:  ما رواه البخاري في: (صحيحه)، بسنده عن السيدة عائشة رضي الله  عنها قالت: ((إن النبي صلى الله عليه  وسلم رهن درعه عند يهودي -يقال له: أبو الشحم- على ثلاثين صاعًا من شعيرًا لأهله))، أي: لزوجاته، وهذا حديث صحيح، وإن كان بعض الناس من المعاصرين في بعض البلاد الإسلامية يشككون فيه وهم على خطأ كبير؛ ففي هذا الحديث دلائل كثيرة مفيدة؛ فهو إضافة إلى ما فيه من جواز البيع، والشراء، والرهن، من أهل الكتاب -اليهود والنصارى- فيه دلالة على ما كان عليه نبينا محمد صلى الله عليه  وسلم من الانصراف عن مظاهر الحياة الدنيا وزخارفها، والزهد في حطامها، فرسول الله صلى الله عليه  وسلم وهو من هو عند الله عز وجل يرهن درعه عند يهودي على ثلاثين صاعًا من شعيرٍ لأهله.

لكن ألا يتعارض هذا، مع الثابت من أن النبي صلى الله عليه  وسلم كان يدخر لأهله قوت سنة.

لا تعارض؛ لأن النبي صلى الله عليه  وسلم كان يدَّخر لأهله قوت سنة، لكن النبي صلى الله عليه  وسلم لم يكن يرد طالبًا قط وكذلك أهل بيته؛ فربما قصدهم الفقراء والمحتاجون يطلبون منهم القوت فيعطونهم حتى ينفذ ما ادخروه لسنة كاملة في عدة شهور من أشهر العام.

ويفهم من هذا الحديث أيضًا، أن النبي صلى الله عليه  وسلم لم يكن يكنز شيئًا من المال ولو يسيرًا، وكان يقسم كل ما يأتي إليه من المال، ولا يأخذ منه قليلًا ولا كثيرًا.

وفيه فائدة؛ أن رهنه عند يهودي دلالة على جواز معاملة أهل الكتاب من النصارى، فنعاملهم فيما أباح ديننا المعاملة فيه، من البيع، والرهن، والسلم، وما إلى ذلك. لكن عند يهودي! أين أصحاب النبي صلى الله عليه  وسلم؟! لماذا لم يقترض النبي صلى الله عليه  وسلم من أصحابه ؟.

كان يعلم أنه لو اقترض من أصحابه؛ لبادروا بتقديم ما يحتاج إليه بدون قرض وبدون رهن، لكن قد يقدمون إليه ما هم في حاجة إليه، والنبي صلى الله عليه  وسلم كان عزيز النفس، فأراد أن يرهن درعه عند اليهودي، ويهودي بالذات؛ لما نعلم من طباعهم في المطالبة، حتى بما ليس لهم فيه حق، فما بالنا بما لهم فيه حق؟! فهم يلحُّون فيه ويحرصون في طلبه ولا يتسامحون في شيء منه، وهذا ما يريده النبي صلى الله عليه  وسلم.

لكن يرهن درعه، وهو المقاتل الشجاع البطل؟!

نعم؛ لأنه كان لديه دروعا أخرى، فيجوز للمقاتل الذي يملك عدة دروع إن احتاج إلى الطعام أو إلى المال أن يرهن أحد هذه الدروع، والنبي صلى الله عليه  وسلم كانت عنده دروع عديدة.

والدليل الثالث: الإجماع؛ فقد أجمع علماء المسلمين على مشروعية الرهن، وإن اختلفوا في جوازه في الحضر وقصره على السفر، وهو أيضًا رأي الظاهرية الذين يرفضون الرهن في الحضر ويقصرونه على السفر عملًا بظاهر الآية الكريمة، وحملوا الحديث على أنه صلى الله عليه  وسلم فعل ما فعل في الحضر وليس شرطًا.

والصحيح قول الجمهور، وفعل النبي صلى الله عليه  وسلم دليل الجواز، وليس كما فهم الظاهرية: أن النبي صلى الله عليه  وسلم يعني: فعل الرهن في الحضر مع أنه غير مستحب، وفعل النبي صلى الله عليه  وسلم يدل أيضًا على الاستحباب، سواء في الحضر أو السفر.  

ولكن ما أركان الرهن:

يتكون الرهن من عدة أركان:

الراهن، والمرتهن، والمرهون، والمرهون به، والصيغة التي يتم بها العقد.

خمسة أركان: كما لو احتجت إلى مال وأخذته منك قرضًا، ورهنت عندك دارًا، يعني: أن المدين يسمى الراهن، والدائن يسمى المرتهن، والشيء الذي أعطيته لك كوثيقة يسمى المرهون؛ لأنه محبوس، والمرهون به، هو الدَّين، والصيغة، يعني: الكلام، أو الكتابة، أو الطريقة التي تشي وتنم عن رضا الطرفين.

ولكل من هذه الأركان شروطه الخاصة، فالمرهون -وهو العين التي ستكون وثيقة- أن يكون مما يجوز بيعه شرعًا، حتى يتمكن المرتهن من بيعه عند يأسه من سداد الراهن؛ ولذلك لا يجوز رهن الدَّين نفسه؛ لأن الدين لا يجوز بيعه شرعًا، ولا رهن المنفعة؛ لأن المنفعة لا يجوز بيعها، والمنفعة تستأجر، وتُعار، ويجوز رهن جزء مشاع من الملكية، كأن يرهن نصف عقار، أو ثلث دار على المشاع، ما عدا الأرض المزروعة؛ فإنه يجوز بيعها ولا يجوز رهنها حال زرعها.

أما شروط المرهون به:

فيشترط فيه أن يكون دينًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى ذكر الرهن في مجال المداينة في آية المداينة، والديْن الذي يرهن ما يقابله هو الدين الثابت المعلوم للعاقدين، الثابت المستقر، لكن إذا كان الدين لم يثبت بعد، كنفقة الزوجة في الغد أو في الشهر القادم.

ولا بد أن يكون معلومًا للعاقديْن -الراهن والمرتهن- لكن إذا كان مجهولًا لا نعرف قدره؛ حتى ولو كان مجهولًا لأحدهما معلومًا للآخر؛ فلا يجوز هذا، ولا في الدين الذي لم يثبت بعد، فلا يجوز أيضًا الرهن به أو الرهن فيه؛ كما لو أن شخصًا ضاع له شيء، وقال: من يرد إلي ضالتي؛ فله كذا من المال، هنا لا يجوز الرهن في هذا الدَّين، فهو دين في ذمة الجاعل، لكنه لا يثبت إلا بالحصول على المنفعة وإتمام العمل ورد الضالة، وهكذا.

أما العاقدين: وهما الراهن والمرتهن؛ فيشترط فيهما أهلية التبرع، بمعنى: كونهما بالغين عاقلين لهما حرية التصرف، وأن يكونا مختارين، أما الصغير، والمحجور عليه، والمكره، فلا يجوز أن يكون راهنًا، أو مرتهنًا، إلا أن الصغير، يجوز إذا رأى وليه أن له مصلحة في أن يكون راهنًا، أو يكون مرتهنًا.

أما الصيغة التي يتم بها العقد، فتتم بأيِّ قولٍ، أو أيّ كتابة، أو أيّ وسيلة يفهم منها حدوث معنى الرهن، فهذه هي الصيغة، فهي تتم بما يُشعر بالرهن، ولا يشترط فيها إلا شرط واحد وهو: ألا تشتمل هذه الصيغة على ما يتناقض مع مقتضى العقد؛ كما لو اتفقنا أن أرهن عندك شيئًا مقابل دين علي، وأقول لك: بشرط ألا تتصرف في هذا الرهن، ولا تبيعه عندما أعجز عن السداد، فهذا يخالف مقتضى العقد.

فمقتضى العقد هو التوثيق حتى إذا عجز الراهن، تصرف المرتهن في هذه العين، وأخذ حقه أو جزءًا منه؛ لأنه من غير المعقول أن ينتظر المرتهن إلى الأبد؛ فإن من حقه أن يبيع هذه العين ويستوفي منها حقه أو بعضه.

لكن قد يكون للشيء المرهون منفعة؛ كأن يكون أرضًا يمكن زراعتها، أو يكون دارًا يمكن أن تسكن، أو ما إلى ذلك من الأشياء المرهونة؛ فلمن تكون منفعة هذا الرهن؟ وهل من حق كل من الراهن والمرتهن أن ينتفع بالعين المرهونة في أثناء رهنها؟

قد يرهن الإنسان بيتًا له إيجار شهري؛ فمن الذي يأخذ هذا الإيجار الراهن أو المرتهن؟ أو أرض تزرع من له حق زراعتها؟

وقد يكون للرهن توابع متصلة، كأن يرهن بقرة، أو شاة، وفي خلال مدة الرهن يمكن أن يكبر ويكثر لحمه، أو شعره، أو وبره، فلمن يكون هذا اللحم، وهذا الشعر، أو الصوف، أو الوبر؟

وقد يكون له توابع منفصلة؛ كأن يرهن دابة وولدها؛ فلمن تكون هذه المنافع؟

وقد يكون الرهن في حاجة للإنفاق عليه، كما لو رهن دابة هي في حاجة إلى الإنفاق عليها؛ فإن من المتفق عليه أن من يأخذ غنم الرهن، هو الذي يتكفل بمؤنه ومغارمه، لكن المتكفل، أهو الراهن صاحب الرهن ومالكُه الحقيقي، أو المرتهن الذي أصبح له حق وضع اليد عليه، ومنع التصرف فيه إلا بإذنه.

فقد اختلف الفقهاء في هذا، ومحل النزاع بين الفقهاء إنما هو في الشيء المركوب والمحلوب إذا لم يأذن الراهن في الانتفاع به، أما ما عداه، كالسيارة والأرض؛ فإنه موضع اتفاق في أن منفعة الأرض، ومنفعة الدار، ومنفعة السيارة، إنما هي للراهن، لكن الذي يستفيده المرتهن هو أنه لا يجوز التصرف في هذه العين التي تحت نظره، وقد تكون تحت يد المرتهن للاستيفاء منها عند الحاجة.

السبب في اختلاف الفقهاء بالنسبة للمركوب والمحلوب:

والسبب في هذا، أن بعض الأحاديث ورد فيها التنصيص على المركوب والمحلوب؛ فورد عن النبي صلى الله عليه  وسلم أنه قال: ((لبن الدر إذا كان مرهونًا لمن يركبه بنفقته))، وفي رواية أخرى عند الإمام أحمد: ((الرهن يركب بنفقته، ولبن الدر يشرب بنفقته))، يعني: من ينفق على الدابة من حقه أن يركبها ومن حقه أن يأخذ لبنها، وعلى الذي يركب ويشرب النفقات، وفهم الإمام أحمد، وإسحاق من هذا الحديث، أن للمرتهن حق الانتفاع بالرهن إذا قام بمصلحته، ولو لم يأذن له المالك.

وذهب الجمهور إلى أن المرتهن لا ينتفع بشيء من الرهن ومنفعته ونفقاته على الراهن.

والأمر يحتاج إلى شيء من التفصيل؛ فإذا بدأنا بالمالكية نجد أن المالكية ذهبوا إلى أن كل منافع الرهن إنما هي للراهن، يعني: للمدين ما لم يشترط المرتهن ذلك، فإن اشترطها وقال له: أسلفك أو أقرضك أو أبيع لك هذه السلعة بثمن مؤجل، بشرط أن ترهن عندي، فإن اشترطها؛ فهي له بشرط أن يكون الدين بسبب البيع لا بسبب القرض؛ لأن المنفعة بسبب القرض ربا عملًا بالقاعدة الفقهية القائلة: كل قرض جر نفعًا فهو ربا، يعني: جر نفعًا للمقرض، وهي قاعدة صحيحة.

وأن يشترط المرتهن ذلك، وأن يتفقا على مدة للمنفعة لا مطلقًا، فيقول: أبيع لك هذا الثوب بكذا نسيئة، بشرط أن تعطيني سيارتك أركبها يومين، أو ثلاثة؛ فهذا جائز هذا عند المالكية، لكن لو أن أحدهما أخذ من الآخر مبلغًا على سبيل القرض، فلا يجوز للمرتهن أن ينتفع بالرهن، وإلا دخلا في الربا، هذا قول المالكية.

أما الشافعية: فإنهم يرون أن المنفعة كلها للراهن، بشرط ألا يتصرف في الرهن تصرفًا ينقص قيمته؛ حفاظًا على مصلحة المرتهن، وتصرف الراهن يكون بعد إذن المرتهن، أما المرتهن فلا ينتفع بشيء من الرهن، ونفقات الرهن على الراهن وإن انتفع المرتهن بشيء منه خصم من الدين، وإن اشترط أن تكون المنفعة للمرتهن فسد العقد.

فالشافعية هنا متشددون، ولكن قولهم هذا واضح وفي غاية الدقة، فمنفعة العين المرهونة إنما هي للراهن، وكل ما فيه أنهم اشترطوا ألا يتصرف الراهن في العين المرهونة بطريقة تقلل من قيمتها، فهم حافظوا على حق المرتهن وحق الراهن، وشددوا لدرجة أنهم قالوا: إنه إذا اشترط ذلك فسد العقد، ولم يقولوا: الشرط باطل.

أما الحنفية: فإنهم لا يجيزون انتفاع الراهن بالرهن إلا بعد إذن المرتهن، أما المرتهن فلا ينتفع بشيء من الرهن إلا بإذن الراهن، وبشرط ألا يشترط عليه ذلك في العقد، فإن اشترطه كان قرضًا جر نفعًا وهو ربا، وهم يقصدون بعدم اشتراطه، أي: عدم ذكره في العقد.

ولكن لو تأملنا؛ لوجدنا أن هذه نقطة ضعف عند الحنفية؛ لأنها أدت إلى الاحتيال على الانتفاع بالرهن، بعدم ذكر هذا الشرط في العقد، ثم التسامح فيه شكليًّا؛ فالراهن لا يسامح لكن رغمًا عنه يرضى، وإن كان الواقع أن الراهن اضطر لذلك الرضا الشكلي، والاحتيال على التشريع؛ لإبطال مقصوده؛ لأن من المطلوب أن يتفق تصرف المكلف مع غرض الشارع.

أما الحنابلة: فقد فرقوا بين أن يكون الرهن مركوبًا، أو محلوبًا، أو غير ذلك مما لا يحلب ولا يركب، فإن كان مركوبًا كالفرس، أو محلوبًا، كالبقرة أو مركوبًا ومحلوبًا، كالناقة، وما لا يحلب ولا يركب، كالأرض، أو الدار، أو الحائط، فإن كان من النوع الأول؛ جاز للمرتهن الانتفاع به في ذلك بالعدل.

وأما غير المركوب والمحلوب، فيجوز الانتفاع من جانب المرتهن، بشرط إذن الراهن، وبشرط ألا يكون الرهن في مقابل القرض، بل يكون مقابل البيع، كالمالكية.

وانتفاع الراهن بالرهن، جائز بإذن المرتهن؛ لأنه يتعلق به حقه، أي: حقه في الاستيفاء.

ولعل الأقرب إلى الصواب إذا نحن تأملنا في وجهات النظر المتعددة؛ لوجدنا شبه اتفاق على أن المرتهن لا ينتفع بالرهن إلا إذا كان محلوبًا أو مركوبًا، أو مركوبًا ومحلوبًا.

والأقرب إلى الصواب من وجهة نظرنا، هو رأي الشافعية، الذي سد الباب في وجه المحتالين؛ إلا أنني استثني منه ما استثناه الحديث النبوي الشريف؛ فيجوز انتفاع المرتهن بالرهن إذا كان دابة أو نحوها، لها غلة فيلزمها نفقة وامتنع الراهن من الإنفاق، فيجوز الانتفاع بغلتها مقابل الإنفاق عليها، بشرط أن يكون ذلك بالعدل، ومعنى العدل، أي: بالضبط، دون زيادة أو نقص، فما زاد عن غلتها يحفظ للراهن، وما نقص يدفعه الراهن أيضًا؛ لأن هذا هو ما يتناسب مع مقصد الشرع في غالب الظن؛ لأن عقد الرهن عقد إرفاق واستيثاق وتعاون.

والغرض من وجود الرهن في يد المرتهن، الاستيثاق والتأكد من أنه عندما يحتاج إلى دينه، يبيع هذه العين المرهونة ويستوفي منها حقه، وليس الغرض أبدًا في الرهن المعاوضة، وليس الغرض منه الاستثمار ولا التنمية؛ ولذلك فإن ما يفعله بعض الناس من إقراض المحتاج مبلغًا من المال نظير رهن أرضه لديه، فيأخذ المرتهن الأرض فيزرعها سنة بعد سنة إلى أن يسدد الراهن الرهن مهما مضت عليه السنون؛ هو أمر مجمع على تحريمه؛ لأنه قرض جر نفعًا فهو ربا، والمشروع في هذه الحالة أو التصحيح لهذه الأوضاع لمن تاب وأناب، أن يقدر إيجارًا للأرض وهو إيجار أرضٍ مثلها في قوتها ومساحتها وخصوبتها، ثم تخصم هذه الأجرة من الدين سنة بعد سنة، فإن كان الدين خمسين ألفًا، وأجرة هذه الأرض خمس سنوات، فإذا مضت خمس سنوات سقط الدين كله، وعادت الأرض إلى الراهن.

التصرف في الرهن بعد انتهاء الأجل:

إذًا انتهت المهلة المحددة للرهن بين الطرفين -الراهن والمرتهن- أو أعلن المرتهن يأسه من سداد الراهن للدين؛ طالبه المرتهن ببيع الرهن.

يقول: بع رهنك هذا وسدد الدين الذي لي عندك، فإذا تم بيع العين المرهونة أخذ المرتهن دينه، وأخذ الراهن الباقي إن كان هناك باقٍ كأن عقد المرهون مبيعًا بمائة ألف والدين كان خمسين ألفًا، يأخذ المرتهن خمسين، ويأخذ الراهن الباقي وهو خمسون، ولو كان الدين مائة ألف، وبيع المرهون بثمانين ألفًا، أخذ المرتهن الثمانين، وطالب الراهن بالباقي.

ويجوز للمرتهن شراء الرهن بثمن المثل، فإذا أراد مثلًا أن يشتري العقار المرهون؛ فعليه أن يعلم قيمتها في السوق؛ فيأخذها بسعر السوق، أما أن يضغط على الراهن ويأخذ منه الرهن أو العين المرهونة بثمن بخس؛ فهذا حرام شرعًا.

ولكن المحرم هو إغلاق الرهن، يعني: ضياع الرهن على الراهن، يقول: ليس لك عندي شيء، أنا أعطيتك دينًا، أوأعطيتك قرضًا، أو أمهلتك في ثمن السلعة، وأنت أعطيتني العين رهنًا، فما دامت المدة قد انتهت، ولم تستطيع السداد ضاعت عليك هذه العين.

وكان هذا في الجاهلية قبل بعثة النبي صلى الله عليه  وسلم كان إذا لم يستطع الراهن فك الرهن ضاع عليه، وأخذه المرتهن ملكًا له، وعدم قدرة الراهن على فك الرهنية يسمى إغلاق، فالنبي صلى الله عليه  وسلم نهى عن هذا، قال في حديث معاوية بن عبد الله بن جعفر قال: إن رجلًا رهن دارًا بالمدينة إلى أجل مسمى، فقضي الأجل، فقال الذي ارتهن: منزلي، أصبح الرهن ملكًا لي، فقال النبي صلى الله عليه  وسلم: ((لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه))، لا يغلق، يعني: لا يضيع عليه، ولا يمنع من التصرف فيه، بل له فوائده وثماره، وعليه نفقاته وما يغرم فيه.

هذا الحديث الذي رواه معاوية بن عبد الله بن جعفر قد ذكره وأخرجه الدارقطني، في: (سننه)، وقال: حديث حسن متصل، وقال ابن حجر، في: (بلوغ المرام شرح أحاديث الأحكام): رجاله ثقات، يعني: هذا الحديث صحيح سنده، ومعناه.

إذًا هذا هو معنى لا إغلاق، فأبطل النبي صلى الله عليه  وسلم بهذا الحديث ما كان عليه الجاهلية، يعني:  أن من الظلم أن يستولي المرتهن على العين المرهونة، وهي في الغالب الأعم يكون ثمنها، وتكون قيمتها أغلى من الدين، فتضيع على صاحبها؛ لكن الشريعة الإسلامية جاءت بالعدل كله وبالرحمة كلها، فأنصفت الراهن وأنصفت المرتهن، فالمرتهن حقه هو الدين وحقه استرداده، فجعلت العين وثيقة حتى يطمئن قلبه، وحتى إذا عجز الراهن يمكن أن يبيعها ويسدد منها الثمن.

فهذه شريعة عادلة أنصفت الراهن وأنصفت المرتهن، فاحتفظت للمرتهن بحقه في سداد الدين وطمأنته، والنبي صلى الله عليه  وسلم قال: ((من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله)).

والإسلام عندما أجاز المداينة؛ لأن كثيرًا من الناس قد يحتاجون إليها، شرع معها التوثيقات التي تؤكد لصاحب الدين أن دينه لن يضيع، ولكن ليس معنى ذلك أنها لم تراعِ الطرف الثاني وهو الراهن، بل راعته فجعلت من حقه أن يأخذ ثمار هذه العين المرهونة وثمرتها، وأن ينتفع بها، شريطة ألا ينقص هذا الانتفاع من قيمة العين المرهونة، لكن عليه أيضًا مقابل ذلك أن ينفق عليها، إذا رفض الإنفاق عليها وكانت محلوبة أو مركوبة فهل تترك لتهلك ويضيع حق الراهن وحق المرتهن؟!

كان من سماحة هذه الشريعة وعدلها أنها أعطت للمرتهن الحق في أن يركبها، وأن يحلبها، وأن يستفيد منها، لكن ينفق عليها بالعدل، ويخصم ما أنفقه مما استفادة، فإن كان هناك نقص أخذه من الراهن، وإن كان هناك زيادة يردها إلى الراهن.

error: النص محمي !!