Top
Image Alt

تعريف الشبهة لغةً واصطلاحًا، وبعض استعمالات القرآن والسنة لها

  /  تعريف الشبهة لغةً واصطلاحًا، وبعض استعمالات القرآن والسنة لها

تعريف الشبهة لغةً واصطلاحًا، وبعض استعمالات القرآن والسنة لها

أ-ما هي الشبهة؟ وما هو مفهومها؟:

-الشبه لغةً: يقول ابن منظور -رحمه الله تعالى- في مادة “شبَهَ”: المشبهات من الأمور هي المشكلات، والمُتَشَابهات هي المتماثلات.

يذكر لنا ابن منظور معنيين يدوران حول مادة “شبه”:

الأول: وهي كلمة تسوية وتمثيل، هذا شبه فلان يعني: مثله، فهما متشابهان ومتساويان تمامًا.

الثاني: وتعني المشكلات، وهذا الأمر مشتبه أو مشبه عليّ يعني: فيه مشكلة في فهمه.

ويقول: وشبه عليه الأمر أي: خَلط عليه حتى التبس بغيره، والشبهة: هي الالتباس، وأمور مشتبهة ومشبّهة مشكلة، أو يشبه بعضها بعضًا، يعني: المعنيان معًا. وتقول: شبّهت علي يا فلان، تقول هذه العبارة إذا خلّط عليك بين الأمر، صوابًا أو خطأً، وما إلى ذلك.

في (معجم مقاييس اللغة) لابن فارس -رحمه الله تعالى- يقول: الشين والباء والهاء أصل واحد يدل على تشابه الشيء وتشاكله لونًا ووصفًا، يقال: شِبْهٌ وشَبَه وشَبِيه. هذه يماثله، والشبه من الجواهر هو الذي يشبه الذهب، والمشبّهات من الأمور المشكلات، واشتبه الأمران: إذا أشكلا.

وفي (المعجم الوسيط) في مادة شبه أيضًا يقول: شبَّه عليه الأمر أبهمه، حتى اشتبه بغيره، وشُبه عليه الأمر:لُبِّس، وفي التنزيل العزيز في القرآن الكريم: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـَكِن شُبّهَ لَهُمْ} [النساء: 157]، وكأنه يشبه أو يفسّر: {شُبّهَ لَهُمْ} [النساء: 157] في الآية بمعنى:اختلط عليهم. واشتبه عليه الأمر: اختلط، واشتبهت عليه المسألة أي: شك في صحتها، والشبهة الالتباس.

إذن، دارت مادة شبه في اللغة حول معنى المماثلة، هذا يشبه ذاك يعني: يماثله في وجوه الشبه المختارة، وأيضًا فيها معنى الالتباس والاختلاط والإشكال في الفهم، أو ما شاكل ذلك.

-الشبه شرعًا: وهي ما التبس أمره، فلا يدرى أحلال هو أم حرام؟ أحق أم باطل؟

إذن هي ما التبس الأمر فيه، فلا ندري وجه الصواب فيه من الخطأ، ووجه الحِل من الحرمة.

ب- بعض استعمالات القرآن الكريم والسنة لمادة “التشابه”:

-أولًا: القرآن الكريم:

وقد وردت في مجموعة من الآيات:

وردت في سورة البقرة: {وَبَشّرِ الّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ أَنّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ كُلّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رّزْقاً قَالُواْ هَـَذَا الّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً} [البقرة: 25]، {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً} [البقرة: 25] يعني: متماثلًا، يعني: هم في الجنة ينعمون بنعيمها وبثمراتها، وهم في أماكنهم كلما تمنوا فاكهة جاءتهم، وجاءتهم أيضًا مثلها مما يشابهها مع أنه يختلف عنها.

في سورة البقرة أيضًا حين دعا سيدنا موسى عليه السلام  قومه إلى أن يذبحوا بقرة؛ امتثالًا لأمر الله في حوار طويل: {قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبّكَ يُبَيّن لّنَا مَا هِيَ إِنّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنّآ إِن شَآءَ اللّهُ لَمُهْتَدُونَ} [البقرة: 70] فالاشتباه هنا بمعنى: الاختلاط أو الالتباس؛ أي: لا ندري ما البقرة المراد ذبحها.

في سورة البقرة أيضًا: {وَقَالَ الّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلّمُنَا اللّهُ أَوْ تَأْتِينَآ آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيّنّا الاَيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [البقرة: 118] معناها: تشابهت قلوبهم مع قلوب الذين كانوا قبلَهم، فقالوا قولًا واحدًا، تشابهوا في العمى والضلال والتكذيب للأنبياء والبُعد عن الحق.

هذا هو وجه الشبه الذي جمع بين الأولين والآخِرين في موقفهم من رسل الله-عليهم الصلاة والسلام- ومن رسالات الله التي جاء بها هؤلاء الرسل إلى أقوامهم؛ ليخرجوهم من الظلمات إلى النور.

في سورة آل عمران: {هُوَ الّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مّحْكَمَاتٌ هُنّ أُمّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمّا الّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاّ اللّهُ} [آل عمران: 7] الله -تبارك وتعالى- أنزل الكتاب الكريم منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات، فمن كان في قلبه ضلال وزيغ فيتتبَّع المتشابه؛ يفسره على هواه؛ ابتغاءَ الفتنة، ومن كان في قلبه إيمان ردَّ المتشابه منه إلى المحكم.

والمتشابه في القرآن الكريم له تفسيرات متعدّدة، ومنه: الذي لا يعلم تأويله إلا الله، وهذا المعنى اختاره ابن حجر -رحمه الله تعالى- في (الفتح) في كتاب التفسير. إذن الاشتباه هنا أي: اختبار وامتحان للأمة في تفويضها أمر هذه الآيات إلى الله -تبارك وتعالى.

أيضًا في سورة النساء: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـَكِن شُبّهَ لَهُمْ} [النساء: 157] وهي تحتمل الوجهين في الحقيقة، تحتمل أن يقال شُبه أي: اختلط عليهم لم يميزوه؛ لأن القصة -بإيجاز- أن الله ألقى الشبه على بعض تلاميذ سيدنا عيسى عليه السلام فقتلوه بدلًا من سيدنا عيسى عليه السلام فهم لم يقتلوا سيدنا عيسى عليه السلام أبدًا كما قال القرآن الكريم: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـَكِن شُبّهَ لَهُمْ} [النساء: 157] فهل: شُبِّه لهم يعني: التبس عليهم بغيره، أم بمعنى: أن الله ألقى شبهه -أي: مثله- على أحد تلاميذه فقتلوه؟ الآية تحتمل هذا وذاك، ولا بأس من إرادة المعنيين معًا ما دام السياق يحتمل ذلك.

وفي سورة الأنعام: {وَالزّيْتُونَ وَالرّمّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} [الأنعام: 99]  وفي قوله أيضًا: {وَالزّيْتُونَ وَالرّمّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} [الأنعام: 141] الآيتان معًا بمعنى التماثل، يعني: هذا يشابه هذا ويماثله في كل عناصر الشبه من الحلاوة والجمال… إلى آخره.

وفي سورة الزمر: {اللّهُ نَزّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مّتَشَابِهاً} [الزمر: 23] أي: الله نزّل أحسن الحديث أي: القرآن الكريم كتابًا متشابهًا، هنا بمعنى التماثل أيضًا والتشابه، أي: يشبه بعضه بعضًا في الفصاحة والبلاغة والتناسب، بدون تعارض وبدون تناقض أبدًا، {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً}.

هذه هي الآيات في حدود البحث التي وردت فيها كلمة الشبه أو مادة الشبه، وكلها أو معظمها دارت حول معنى التماثل، وقليلٌ منها دار حول معنى الالتباس.

-السنة النبوية المطهرة:

جاءت مادة شبه أيضًا في السنة المطهرة في أحاديث كثيرة بالمعنيين، من ذلك ما رواه البخاري -رحمه الله تعالى-  بسنده إلى أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: ((تلَا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {هُوَ الّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مّحْكَمَاتٌ هُنّ أُمّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7] إلى آخر الآية، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن تلاها: إذا رأيتِ الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله، فاحذروهم)).

وهذا الحديث رواه البخاري في كتاب: التفسير، باب: منه آيات محكمات.

هؤلاء الذين يتتبَّعون المتشابه من القرآن الكريم يريدون أن يناقضوا القرآن ببعضه، ويحاولوا أن يبينوا أنَّ بين القرآن وبعضه اعتراضًا أو تضادًا، أو ما شاكل ذلك. هؤلاء في قلوبهم زيغ، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: ((هؤلاء الذين سمى الله)) أي: في قلوبهم زيغ وبُعد عن الحق، واستجابة للهوى وللشيطان، هؤلاء علينا أن نحذرهم، وأن نبتعد عنهم، وألا نكون منهم أبدًا -بإذن الله تبارك وتعالى.

أيضًا في حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه  وهو الحديث المشهور: ((الحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهنّ كثير من الناس، فمن اتّقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه)) إلى آخره. هنا كلمة: ((المشتبهات)) هذا الحديث رواه البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب: الإيمان باب: فضل مَن استبرأ لدينه وعِرضه، وفي كتاب البيوع في باب: الحلال بيّن والحرام بيّن، ورواه الإمام مسلم في كتاب: المساقاة، باب: أَخْذُ الحلال وترك الشبهات.

والمشتبهات في الحديث معناها أنها ليست بوضاحة الحل ولا الحرمة، فلهذا لا يعرفها كثيرٌ من الناس ولا يعرفون حكمها، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يعلمهن كثير من الناس)) لكن العلماء يعرفون حكمها بنصّ أو قياس أو استصحاب أو غير ذلك.

ومن المهم جدًّا أن نفهم الحديث. يعني: ليس في الإسلام ولا في تشريع الله شيء مشتبه لا نفهمه؛ إنما قد يَعِيَ فهمه على غير أهل الاختصاص، وهذا شيء طبيعي. ووجود طائفة من الأمة متخصصة في دراسة العلوم الشرعية هذا الأمر مطلب شرعي، ثابتٌ بالقرآن والسنة، ثابت في قول الله -تبارك وتعالى-: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لّيَتَفَقّهُواْ فِي الدّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوَاْ إِلَيْهِمْ لَعَلّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122] فهذه الآية طلبت من المؤمنين أن يعملوا على توفّر طائفة متخصّصة في العلوم الشرعية؛ ليرجع الناس إليهم حين يشتبه عليهم أمرٌ من الأمور التي تخصّ أمر دينهم، أو دُنياهم.

إذن، الأمور التي تتردد بين الحل والحرمة ولم يكن فيها نصّ ولا إجماع، يجتهد فيها أهل الاجتهاد الحق ويُلحقونها بالدليل الشرعي، سواء هذا الدليل يفيد الحل أو يفيد الحرمة، وقد يكون هذا الدليل غير خالٍٍ من الاحتمال، فلا يقطع بسلامة وجهة نظره، وقد يكون الورع ترك هذا الشيء، وبذلك يدخل في قوله صلى الله عليه وسلم: ((فمن اتقى الشبهات، فقد استبرأ لدينه وعِرضه)).

والمقصود من هذا البيان أن كلمة المشتبهات استعملت في الأحاديث بمعنى: الشيء المشكل الذي يصعب فهمه على بعض الناس، وعليهم أن يرجعوا إلى أهل الاختصاص في ذلك.

أيضًا وردت مادة شبه بمعنى الشبيه، في أحاديث كثيرة، منها: ((وأما الشبه في الولد، فإن الرجل إذا غَشي المرأة فسبقها ماؤه؛ كان الشبه له، وإذا سبق ماؤها كان الشبه لها)) الشبه هنا بمعنى: المماثلة، وهذا الحديث رواه البخاري في كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: خلق آدم وذريته، هو جزء من حديث، وأيضًا رواه مسلم في كتاب: الحيض، باب: وجوب الغسل على المرأة بخروج المني منها، في قصة غير قصة البخاري، يعني: كل واحد ساق للحديث قصة غير الآخر، لكن القدر المشترك منها هو استعمال كلمة الشبه هنا بمعنى: الدلالة على المماثلة.

والخلاصة: أن القرآن الكريم والسنة المطهرة استَعملَا كلمة الشبه بهذ المعاني التي أوردناها، ونقلًا عن كتب اللغة.

error: النص محمي !!