Top
Image Alt

تعريف الشرك الأصغر، وبيان حكمه، وأشهر أنواعه

  /  تعريف الشرك الأصغر، وبيان حكمه، وأشهر أنواعه

تعريف الشرك الأصغر، وبيان حكمه، وأشهر أنواعه

أ. تعريف الشرك الأصغر، وبيان حكمه:

الشرك الأصغر في الاصطلاح: كل ما كان فيه نوع شرك لكنه لم يصل إلى درجة الشرك الأكبر.

أما عن حكمه، فألخصه في النقاط التالية:

الأمر الأول: أنه كبيرة من كبائر الذنوب، الشرك الأصغر كبيرة، بل هو من أكبر الذنوب بعد نواقض التوحيد.

الأمر الثاني: أن هذا الشرك قد يعظم حتى يؤول بصاحبه إلى الشرك الأكبر المُخرج من ملة الإسلام، فصاحبه على خطر عظيم من أن يؤدي به الوقوع في الشرك الأصغر إلى الوقوع في الأكبر، والأكبر يخرج من دين رب العالمين.

الأمر الثالث: أن هذا الشرك إذا صاحبَ العمل الصالح أبطل ثوابه وقضى عليه، ولا ينال الإنسان من وراء ما قدَّمَ شيئًا، فهذا الشرك الأصغر يبطل العمل الذي يصاحبه كما في الرياء، والدليل على ذلك ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه -تبارك وتعالى-: ((أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)).

ما هي أشهر أنواع الشرك الأصغر؟

الشرك الأصغر له أنواع كثيرة، أشهرها الشرك في العبادات القلبية.

ومن أمثلة الشرك الأصغر في العبادات القلبية: الرياء، والرياء في اللغة مشتق من الرؤية، وهي النظر، يقال: راءيته مراءاة ورياء، والرياء في الاصطلاح: أن يُظهر الإنسان العمل الصالح للآخرين أو يحسّنه عندهم، أو يظهر عندهم بمظهر مندوب إليه؛ ليمدحوه ويعظم في أنفسهم، من أراد وجه الله والرياء معًا فقد أشرك مع الله غيره في هذه العبادة، أما لو عمل العبادة، وليس له مقصد في فعلها أصلًا سوى أن يمدحه الناس بذلك، فهذا صاحبه على خطر عظيم، وقد قال بعض أهل العلم: “إنه قد وقع في النفاق والشرك الأكبر”.

والرياء له صور عديدة منها؛ الرياء بالعمل، كمراءاة المصلي بطول الركوع والسجود، والمراءاة بالقول كسرد الأدلة إظهارًا لغزارة العلم، وليقال فلان عالم، المراءاة بالهيئة والزي، وذلك كإبقاء أثر السجود على الجبهة رياء، وقد وردت أدلة كثيرة تدل على تحريم الرياء، وتبين خطره وشدة العقوبة الواقعة على فاعله، وأنه يُبطل العمل الذي يصاحبه، ومن ذلك حديث محمود بن لبيد رضي الله عنه مرفوعًا: ((إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر. قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: الرياء)) يقول الله عز وجل لهم يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا، هل تجدون عندهم جزاء؟

وكذلك أيضًا ما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه وقد رواه مسلم في صحيحه وذلك في ((خبر الثلاثة الذين فعلوا أعمالًا صالحة، ومع كلِّ ذلك فهم أول من تسعر بهم النار يوم القيام، وهؤلاء الثلاثة هم: رجل قاتل في الجهاد حتى قُتل، ولكنه قاتل رياء وسمعة، وليقال جريء، ورجل تعلم العلم وعلمه، أو قرأ القرآن ولكنه لم يقرأه لله، ولم يتعلم العلم لله، وإنما قرأ وتعلم ليقال عالم وقارئ، أما الرجل الثالث فرجل تصدق من حر ماله، ولم يتصدق لوجه الله وابتغاء مرضاته، وإنما تصدق ليقال جواد، وقد قيل في هؤلاء ما طلبوا فأخذوا حظهم، ونصيبهم في الدنيا)) ولذلك فهم أول من تسعر بهم النار، وذلك بسبب الرياء.

ولهذا ينبغي للمسلم أن يبتعد عن الرياء، وأن يحذر من الوقوع فيه، ولعلِّي هنا أسوق باختصار بعض الأمور التي تعين على البعد من الرياء، وأذكر بها نفسي وإخواني، ومن ذلك تقوية الإيمان في القلب؛ ليعظم رجاء العبد لربه، ويعرض العبد عمن سواء، ولأن قوة الإيمان في القلب من أعظم الأسباب التي يعصم الله بها العبد من وساوس الشيطان، كما على العبد أيضًا أن يتزود من العلم الشرعي، وبخاصة من علم العقيدة، وعلى الجميع أن يكثر من الالتجاء إلى الله تعالى ودعائه أن يعيذه من شر نفسه، ومن شرور الشيطان ووساوسه.

ومن الأمور النافعة في هذا المجال أن يتذكر العبد العقوبات الأخروية التي تحصل للمرائي، وأن يتفكر في حقارة المرائي، وأنه من السفهاء والسفلة.

ومن أمثلة الشرك الأصغر في العبادات القلبية: وهو إرادة الإنسان بعبادته الدنيا، والمراد بهذا النوع أن يعمل الإنسان العبادة المحضة؛ ليحصل على مصلحة دنيوية مباشرة، وإرادة الإنسان بعمله الدنيا ينقسم من حيث الأصل إلى أقسام كثيرة، أهمها: ألا يريد بالعبادة إلا الدنيا وحدها، كمن يحج ليأخذ المال، وكمن يغزو من أجل الغنيمة وحدها، وكمن يطلب العلم الشرعي من أجل الشهادة والوظيفة، ولا يريد بذلك كله وجه الله -تبارك وتعالى- ألبتة، فلم يخطر بباله احتساب الأجر عند الله تعالى، وهذا القسم محرم وكبيرة من كبائر الذنوب، وهو من الشرك الأصغر، ويُبطل العمل الذي يصاحبه، ومن الأدلة على تحريم هذا القسم، وأنه يبطل العمل الذي يصاحبه ما جاء في قول الحق -تبارك وتعالى-: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُون * أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُون} [هود: 15- 16].

ولحديث أيضًا عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرفوعًا: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه)).

وأيضًا من أمثلة الشرك الأصغر في العبادات القلبية: أن يريد بالعبادة وجه الله والدنيا معًا، فالإنسان يريد الأول يريد بالعبادة الدنيا، وهنا يريد بالعبادة وجه الله والدنيا معًا، كمن يحج لوجه الله وللتجارة، وكمن يقاتل ابتغاء وجه الله وللدنيا، وكمن يصوم لوجه الله وللعلاج، وكمن يتوضأ للصلاة والتبرد، فهذا الأقرب فيه والله أعلم أنه مباح؛ لأن الوعيد إنما ورد في حق من طلب بالعبادة الدنيا وحدها؛ ولأن الله -تبارك وتعالى- رتب على كثير من العبادات منافع دنيوية عاجلة كما في قوله تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2- 3 ].

وكما في قوله تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا} [نوح: 10- 12].

والنصوص في هذا المعنى كثيرة، وهذه النصوص تدل على جواز إرادة وجه الله وهذه المنافع الدنيوية معًا بالعبادة؛ لأن هذه المنافع الدنيوية ذُكرت على سبيل الترغيب في العبادات، وهذا القسم لا يبطل العمل الذي يصاحبه، ولكن أجر هذه العبادة ينقص بقدر ما خالط نيته الصالحة من إرادة الدنيا.

ومن أمثلة الشرك الأصغر في العبادات القلبية: الاعتماد على الأسباب، ولخطورة ذلك، ولوقوع بعض الناس في هذا أود أن أبيِّن هذه المسألة؛ ولذلك سأعرف السبب في اللغة والاصطلاح.

السبب لغة: الحد، ويطلق على كل شيء يتوصل به إلى غيره.

أما في الاصطلاح: فهو الأمور التي يفعلها الإنسان؛ ليحصل له ما يريده من مطلوب، أو يندفع عنه ما يخشاه من مرغوب في الدنيا أو في الآخرة.

فمن الأسباب في الأمور الدنيا: البيع والشراء، أو العمل في وظيفة؛ ليحصل على المال، ومنها: أن يستشفع بذي جاه عند السلطان ليسلم من عقوبة دنيوية، أو ليدفع عنه ظلمًا، أو لتحصل له منفعة دنيوية، كوظيفة أو مال أو غيرهما، ومنها: أن يذهب إلى طبيب ليعالجه من مرض، ونحو ذلك.

ومن الأسباب في أمور الآخرة: فعل العبادات رجاء ثواب الله تعالى والنجاة من عذابه، ومنها: أن يطلب من غيره أن يدعو الله له بالفوز بالجنة، والنجاة من النار.

والذي ينبغي للمسلم في هذا الباب، هو أن يستعمل الأسباب المشروعة التي ثبت نفعها بالشرع أو بالتجربة الصحيحة مع توكله على الله -تبارك وتعالى- وهذه مسألة مهمة، لا مانع أبدًا، بل يكون الأمر واجبًا أن يتخذ الإنسان الأسباب المشروعة، فلا يقعد الإنسان عن اتخاذ الأسباب، ولكن يجب أن تكون الأسباب أو الوسائل المتخذة من الأمور المباحة المشروعة، ثم بعدما يأخذ بهذه الأسباب يتوكل على خالق هذه الأسباب، ويعتمد على الله -تبارك وتعالى- أما أن يترك الأسباب بالكلية، ويقول بأني متوكل فهذا باطل، وهو متواكل وليس بمتوكل أبدًا، أو أن يتخذ أسبابًا، ووسائل مشروعة، فهذا لا يجوز له بحال من الأحوال.

ولذلك أؤكد هنا على وجوب استخدام واستعمال الأسباب المشروعة مع التوكل على الله تعالى، واعتقادي أن هذا الأمر إنما هو مجرد سبب يجب على الإنسان أن يسلكه، وهو مأمور بأن يسعى فيه، وأنه لا أثر له إلا بمشيئة الله -تبارك وتعالى- فالله عز وجل إن شاء أن ينفع هذا السبب نفع، وإن شاء أن يبطل أثره، ويمحوه ولا يكون له نفع بالكلية فعل.

أما إن اعتمد الإنسان على السبب، فقد وقع في الشرك، لكن إن اعتمد عليه اعتمادًا كليًّا مع اعتقاد أنه ينفعه من دون الله، فقد وقع في الشرك الأكبر؛ لأنه في هذه الحالة اعتمد على غير الله -تبارك وتعالى- بالكلية، ولم يرَ لخالقه ولربه ومولاه أي لون من ألوان الحق عليه، ومن هنا كان هذا من الشرك الأكبر، وإن اعتمد على السبب مع اعتقاده أن الله -تبارك وتعالى- هو النافع الضار، فقد وقع في الشرك الأصغر.

ومن أمثلة الشرك الأصغر أيضًا في الأعمال القلبية: التطير، والتطير أن يرى الإنسان أو يسمع أمرًا لا يعجبه فيحمله ذلك على ترك ما يريد فعله.

ومن أمثلة التطير ما كان يفعله أهل الجاهلية من أن أحدهم إذا أراد سفرًا زجر أو أثار طيرًا، فإن اتجه ذات اليمين تفاءل فعزم على السفر، ومضى في طريقه، وإن اتجه ذات الشمال تشاءم وترك هذا السفر، والتطير مُحرَّم، وهو من الشرك الأصغر؛ لأن هذه الحيوانات والطيور أو الرياح لا تملك شيئًا، ولا تعقل أمرًا، فلا يجوز للإنسان أن يتطير أو يسلك طريقًا بسببها، أو أن يرجع عن طريق أيضًا بسببها، والنبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أنه قال: ((الطيرة شرك)) وقال صلى الله عليه وسلم: ((ليس منا من تطير أو تُطير له، أو تكهن أو تُكهن له، أو سحر أو سُحر له، ومن أتى كاهنًا أو عرافًا، فقد كفر بما أُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم)). وبالتالي، وبعد أن بيَّنت أقسام الشرك، وأنه ينقسم إلى أكبر وأصغر، وأن الأكبر في غاية من الخطورة؛ لأنه يخرج من الملة، وأن الأصغر من كبائر الذنوب، أقول: احذروا الشرك واحذروا الوقوع فيه؛ لأنه يؤول بصاحبه إلى نار الجحيم، والعياذ بالله -تبارك وتعالى.

error: النص محمي !!