Top
Image Alt

تعريف الشرك الأكبر وبيان حكمه وأقسامه

  /  تعريف الشرك الأكبر وبيان حكمه وأقسامه

تعريف الشرك الأكبر وبيان حكمه وأقسامه

أ. تمهيد في وجوب الحذر من الشرك: الشرك أعظم الذنوب على الإطلاق، ومن هنا احتاج إلى تمييز، يجب عليَّ أن أبيِّن فيه خطورة الشرك حتى يحذره كل مخلوق، والله -تبارك وتعالى- أخبر في كتابه أنه لا مغفرة لمن لم يتب من الشرك قط، ولو نظرت يا عبد الله إلى أن ربك كتب على نفسه الرحمة، ومع ذلك لا يغفر لمشرك أبدًا، دلَّ ذلك على وجوب الحذر من الشرك، وعلى وجوب الخوف منه، وأوجب ذلك علينا ألا نصرف أي لون من ألوان العبادة لغير الله، والشرك بعد ذلك من أقبح القبيح وأظلم الظلم، قال تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم} [لقمان: 13] وذلك لأنه تنقّص لله عز وجل ومساواة لغيره به، كما قال تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُون} [الأنعام: 1]، وقال تعالى: {فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُون} [البقرة: 22] ولأن الشرك مناقض للمقصود بالخلق والأمر من كل وجه، فمن أشرك بالله عز وجل فقد شبَّه المخلوق بالخالق، وأقبحُ التشبيه تشبيه العاجز الفقير بالذات، بالقادر الغني بالذات عن جميع المخلوقات.

وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم أمته من الشرك، وسدَّ كل الطرق التي تفضي إليه، والله -تبارك وتعالى- قد بعث نبيه صلى الله عليه وسلم وحالة العرب، بل وحالة أهل الأرض كلهم إلا بقية من أهل الكتاب كانت على أسوء حالة كما قال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِين} [آل عمران: 164].

لقد كانت الخليقة في هذه الفترة بين وثنية حائرة تتخذ آلهتها من حجارة منحوتة وأصنام منصوبة، تعكف عندها وتطوف حولها، وتقرّب لها الذبائح من أنفس أموالها، بل وحتى من أولادها، وفريق آخر وهم أهل الكتاب، وهؤلاء إما نصرانية حائرة ضلت عن سواء السبيل، فجعلت الآلهة ثلاثة، واتخذت من أحبارها وقدّيسيها أربابًا من دون الله، وإما يهودية مدمرة عاثت في الأرض فسادًا، وأشعلت نار الفتن، ونقضت عهد الله وميثاقه، وتلاعبت بنصوص كتابها حتى حرفتها عن مواضعها.

وفريق ثالث وهم المجوس، وهؤلاء قد عبدوا النيران، واتخذوا إلهين من دون رب العالمين، وفريق رابع وهم الصابئون الذين عبدوا الكواكب والنجوم، واعتقدوا في أن لها من التأثير ما لها على الأرض، وفريق خامس وهم الدهرية الذين لا يدينون بدين، ولا يؤمنون ببعث ولا حساب.

هكذا كانت حالة الأرض عند بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فبعث الله النبي صلى الله عليه وسلم ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وليعيد الحنيفية السمحة التي كان عليها خليل الرحمن إبراهيم -عليه السلام، وأن يهدم جميع الأوثان، ومن هنا حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من الشرك، ووجب علينا أن نحذره، ويكفي أن نعلم -كما قلت آنفًا- بأن الله لا يغفر لمشرك أبدًا.

ب- تعريف الشرك الأكبر، وبيان حكمه:

الشرك الأكبر: هو أن يتخذ العبد لله ندًّا يسويه بالله -تبارك وتعالى- في ربوبيته أو ألوهيته أو أسمائه وصفاته؛ هذا هو تعريف الشرك الأكبر، يعني يجعل العبد لغير الله -تبارك وتعالى- شبيهًا أو نظيرًا أو مثيلًا في أنواع التوحيد الثلاثة، وهي: الربوبية والألوهية، والأسماء والصفات.

أما عن حكم الشرك، فإن الشرك هو أعظم الذنوب على الإطلاق، أعظم ذنب عصى العبد به ربه هو الشرك بالله -تبارك وتعالى- فهو أكبر الكبائر وأعظم الظلم؛ لأن الشرك صرْف خالصِ حق الله تعالى وهو العبادة لغيره، أو وصف أحد من خلقه بشيء من صفاته التي اختص بها عز وجل قال الله -تبارك وتعالى- في ذلك: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم} [لقمان: 13].

ولذلك رتب الشرع على الشرك آثارًا وعقوبات عظيمة:

أهمها: أن الله لا يغفر لمشرك أبدًا مات على الشرك ولم يتب من شركه، كما قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [النساء: 48].

العقوبة الثانية: التي رتبها الشارع على الشرك: أن المشرك خارج من ملة الإسلام، وهو حلال الدم والمال، قال تبارك وتعالى: {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} [التوبة: 5].

أما العقوبة الثالثة: فهي أن الله -تبارك وتعالى- لا يقبل من المشرك عملًا، وإذا عمل عملًا أو ظن إنسان أنه يعمل من الصالحات ما يعمل، فهذه الأعمال تكون في يوم الدين هباء منثورًا، لا يجزيه الله -تبارك وتعالى- عليها خيرًا، والله سبحانه يعطيه أجره في الدار الدنيا، أما هو فليس لأعماله قبول بين يدي رب العالمين، وفي ذلك يقول الله عز وجل: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا} [الفرقان: 23] وقال تبارك وتعالى مبينًا أن الشرك يحبط العمل الذي يصاحبه، وأن الله -تبارك وتعالى- لا يقبل من المشرك عملًا: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين} [الزمر: 65].

أما العقوبة الرابعة: فهي أن الإسلام يُحرِّم على المسلم أن يتزوج من مشركة، قال تعالى: {وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} [البقرة: 221] كما يحرم أيضًا أن يتزوج المشرك من امرأة مؤمنة، فقال: {وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} [البقرة 221].

أما العقوبة الخامسة: فهي أن المشرك إذا مات على شركه لا يغسَّل، ولا يكفَّن، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين.

أما العقوبة السادسة والأخيرة: فهي أن الله -تبارك وتعالى- حرَّم الجنة على كل مشرك، فقال في كتابه: {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَار} [المائدة: 72].

ج. أقسام الشرك الأكبر:

الشرك الأكبر سبق أن عرفته وذكرته، هذا الشرك ينقسم إلى ثلاثة أقسام: شرك في الربوبية، وشرك في الأسماء والصفات، وشرك في الألوهية:

الشرك في الربوبية: وهو أن يجعل العبد لغير الله تعالى معه نصيبًا من الملك أو التدبير أو الخلق أو الرزق الاستقلالي، ومن صور هذا الشرك شرك النصارى الذين يقولون بأن الله ثالث ثلاثة، وشرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور، وهو عندهم الإله المحمود، وحوادثِ الشر إلى الظلمة، كما أنه أيضًا من أقسام هذا الشرك، شرك القدرية الذين يزعمون أن الإنسان يخلق أفعاله، ومن أقسامه أيضًا الاستسقاء بالنجوم، وذلك باعتقاد أنها هي مصدر السقيا، وأنها هي التي تنزل الغيث بدون مشيئة الله -تبارك وتعالى- وأعظم من ذلك أن يعتقد الإنسان أنها تتصرف في الكون بالخلق أو الرزق أو الإحياء أو الإماتة أو بالشفاء أو المرض أو الربح أو الخسارة، وهذا كله من الشرك الأكبر؛ قال تبارك وتعالى: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُون} [الواقعة: 82].

والمعنى: تجعلون شكركم لله على ما رزقكم الله من الغيث والمطر “أنكم تكذّبون” أي: تنسبونه إلى غيره، وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما في (صحيح مسلم): ((أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياح)).

الشرك في الأسماء والصفات: وهو أن يجعل العبد لله تعالى مماثلًا في شيء من الأسماء أو الصفات، أو يصف أحدَ المخلوقين بشيء من صفات رب العالمين سبحانه، فمن سمّى غير الله باسم من أسماء الله تعالى، معتقدًا اتصاف هذا المخلوق بما دل عليه هذا الاسم، مما اختص الله -تبارك وتعالى- به نفسه، أو وصفه بصفة من صفات الله تعالى الخاصة به، فهو مشرك في الأسماء والصفات، وكذلك من وصف الله تعالى بشيء من صفات المخلوقين، فهو مشرك في الصفات.

ومن صور هذا الشرك: ادعاء علم الغيب، أو اعتقاد أن غير الله تعالى يعلم الغيب، فكل ما لم يطلع عليه الخلق، ولم يعلم به بأحد الحواس الخمس، فهو من علم الغيب الذي استأثر الله به، ولا يعلمه أحد سواه، قال تعالى: {قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ} [النمل: 65]، وقال سبحانه: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ} [الأنعام: 59] وقال لنبيه ومصطفاه صلى الله عليه وسلم: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} [الأعراف: 188].

وبالتالي أقول: إن من ادعى أن أحدًا من الخلق يعلم الغيب، فقد وقع في الشرك الأكبر المخرج من الملة؛ لأن في ذلك ادعاء مشاركة الله تعالى في صفة من صفاته الخاصة به، وهي علم الغيب، ومن أمثلة الشرك بدعوى علم الغيب اعتقاد أن الأنبياء أو أن بعض الأولياء والصالحين يعلمون الغيب، وهذا الاعتقاد يوجد حتى في عصرنا هذا عند غُلاة الرافضة والصوفية؛ ولذلك تجدهم يستغيثون بالأنبياء والصالحين الميتين، وهم بعيدون عن قبورهم، ويدعون بعض الأحياء وهم غائبون عنهم، ويعتقدون أنهم جميعًا يعلمون بحالهم، وأنهم يسمعون كلامهم، وهذا كله شرك أكبر مُخرج من الملة.

ومن صور الشرك في الأسماء والصفات الكهانة، والكاهن هو الذي يدعي أنه يعلم الغيب، ومثله أو قريب منه العراف والرمّال ونحوهم، فكل من ادعى أنه يعرف عِلمَ ما غاب عنه دون أن يخبره به مخبر، أو زعم أنه يعرف ما سيقع قبل وقوعه، فهو مشرك شركًا أكبر، سواء ادعى أنه يعرف ذلك عن طريق الطرق بالحصى أو عن طريق حروف أبا جاد، أو عن طريق الخط في الأرض، أو عن طريق قراءة الكف، أو عن طريق النظر في الفنجان، أو غير ذلك، كل هذا من الشرك، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ليس منا من تطير أو تُطيّر له، أو تكهن أو تكهن له أو سحر أو سُحر له، ومن أتى كاهنًا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم)).

ومن أمثلة الشرك أيضًا بدعوى علم الغيب: اعتقاد بعض العامة أن السحرة أو الكهان يعلمون الغيب، وأنهم يعرفون ما سيقع في المستقبل، فمن اعتقد ذلك أو صدقهم فيه، فقد وقع في الشرك والعياذ بالله، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من أتى كاهنًا أو عرافًا، فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم)).

ومن أمثلة ذلك أيضًا التنجيم: والتنجيم هو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية المستقبَلة، وذلك أن المنجم يدّعي من خلال النظر في النجوم معرفةَ ما سيقع في الأرض من نصر لقوم أو هزيمة لآخرين، أو خسارة لرجل أو ربح لآخر، ونحو ذلك، وهذا لا شك من دعوى علم الغيب، فهو شرك بالله تعالى.

ومما يفعله كثير من المشعوذين والدجاجلة اليوم أن يدعي الإنسان أن لكل نجم تأثيرًا معينًا على من وُلد فيه، فيقول: فلان وُلد في برج كذا فسيكون سعيدا، وفلان وُلد في برج كذا فستكون حياته شقاء، ونحو ذلك، وهذا كله كذب، ولا يصدقه إلا جهلة الناس وسفهاؤهم.

قال الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين -رحمه الله تعالى: “فهذا اتخذ تعلم النجوم وسيلة لادعاء علم الغيب، ودعوى علم الغيب كفر مُخرج من الملة” وليس من ادعاء علم الغيب، ما يعرف من نتائج بعض الأمور من النظر في مقدماتها، ولا الإخبار عن المسببات من النظر في أسبابها، كما يحصل في علم الطب من معرفة شفاء المريض بعلاج معين، ونحو ذلك، وكما يحصل في علم الفلك من رصد هبوب الرياح أو معرفة وقت الكسوف، ونحو ذلك، وهذا كله أمر يجب أن أشير إليه، وهذا ليس من ادعاء علم الغيب في شيء، بل لذلك أسباب، وعلم يتعلمه الإنسان بأمور حسية مادية.

الشرك في الألوهية: ومعناه اعتقاد أن غير الله تعالى يستحق أن يُعبد أو أن يَصرف الإنسان شيئًا من العبادة لغير الله -تبارك وتعالى.

وأنواع الشرك الواقع في الألوهية ثلاثة:

الأول: اعتقاد شريك لله تعالى في الألوهية، فمن اعتقد أن غير الله تعالى يستحق العبادة مع الله، أو يستحق أن يصرف له أي لون من أنواع العبادة فهو مشرك في الألوهية، ويدخل في هذا النوع من يسمي ولده أو يتسمى باسم يدل على التعبد لغير الله تعالى، كمن يتسمى بعبد الرسول أو بعبد الحسين أو غير ذلك، فمن سمى ولده أو تسمى بشيء من هذه الأسماء التي فيها التعبد للمخلوق معتقدًا أن هذا المخلوق يستحق أن يُعبد، فهو مشرك بالله تعالى شركًا أكبر.

الثاني: صرْف شيء من العبادات المحضة لغير الله تعالى، فالعبادات المحضة بأنواعها القلبية، والقولية، والعملية، والمالية حق لله تعالى لا يجوز أن تُصرف لغيره، ومن صرَف شيئًا منها لغير الله فقد وقع في الشرك الأكبر.

والشرك بصرف شيء من العبادة لغير الله له صور كثيرة يمكن حصرها في الأمرين التاليين:

الأمر الأول: الشرك في دعاء المسألة:

ودعاء المسألة هو أن يطلب العبد من ربه جلب مرغوب أو دفع مرهوب، ويدخل في دعاء المسألة الاستعانة، والاستغاثة، والاستعاذة والاستجارة، قال الإمام الخطابي -رحمه الله تعالى-: “ومعنى الدعاء: استدعاء العبد ربه عز وجل العناية واستمداده إياه المعونة، وحقيقته إظهار الافتقار إليه، والتبرؤ من الحول والقوة، وهو سمة العبودية، واستشعار الذلة البشرية، وفيه معنى الثناء على الله عز وجل وإضافة الجود والكرم إليه”.

والدعاء من أهم أنواع العبادة فيجب صرفه لله تعالى، ولا يجوز لأحد أن يدعو غيره كائنًا مَن كان؛ قال -تبارك وتعالى-: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين} [غافر: 60]، وقال تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18] وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الدعاء هو العبادة))، وقال صلى الله عليه وسلم في وصيته لابن عباس رضي الله عنهما: ((إذا سألت فأسال الله، وإذا استعنت فاستعن بالله)) فمن دعا غير الله فقد وقع في الشرك الأكبر.

ومن أمثلة الشرك في دعاء المسألة: أن يطلب من المخلوق ما لا يقدر عليه إلا الخالق، سواء كان هذا المخلوق حيًّا أو ميتًا، نبيًّا أو وليًّا أو ملكًا أو جنينًا، أم غيرهم، كأن يطلب منه شفاء مريضه، أو نصره على الأعداء، أو كشف كربة وقعت به، أو أن يغيثه أو أن يعيذه، وغير ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله، فهذا كله شرك أكبر بإجماع المسلمين؛ لأنه دعا غير الله، واستغاث به واستعاذ به، وهذا كله عبادة لا يجوز أن تُصرف لغير الله بإجماع المسلمين، وصرفها لغيره شرك؛ ولأنه اعتقد في هذا المخلوق ما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى.

ومن الشرك في دعاء المسألة: دعاء الميت أو الغائب، من دعا غائبًا أو دعا ميتًا، وهو بعيد عن قبره، وهو يعتقد أن هذا المدعو يسمع كلامه أو يعلم بحاله، فقد وقع في الشرك الأكبر، سواء أكان هذا المدعو نبيًّا أم وليًّا أم عبدًا صالحًا، أم غيرهم، وسواء طلب من هذا المدعو ما لا يقدر عليه إلا الله، أو طلب منه أن يدعو الله تعالى له، ويشفع له عنده، فهذا كله شرك بالله تعالى؛ لما فيه من دعاء غير الله، ولما فيه من اعتقاد أن المخلوق يعلم الغيب، ولما فيه من اعتقاد إحاطة سمعه بالأصوات، وهذا كله من صفات الله تعالى التي اختص الله -تبارك وتعالى- بها نفسه.

ومن الشرك في دعاء المسألة: أن يجعل العبد بينه وبين الله -تبارك وتعالى- واسطة في الدعاء، ويعتقد أن الله تعالى لا يجيب من دعاء من دعاه مباشرة، بل لا بد من واسطة بين الخلق وبين الله بالدعاء، وهذه في الحقيقة هي شفاعة المشركين، اتخاذ الوسائط والشفعاء هو أصل شرك العرب، وهم كانوا يزعمون أن الأصنام تماثيل لقوم صالحين، وبالتالي كانوا يتقربون إليها طالبين منها الشفاعة، كما قال تعالى: {أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3].

الأمر الثاني: الشرك في دعاء العبادة

ودعاء العبادة هو عبادة الله تعالى بأنواع العبادات القلبية والقولية والفعلية، كالمحبة والخوف والرجاء، والصلاة، والصيام والذبح وقراءة القرآن، وذكر الله تبارك تعالى، وغير ذلك، وسمي هذا النوع دعاء باعتبار أن العابد لله بهذه العبادات طالب وسائل لله في المعنى؛ لأنه إنما فعل هذه العبادات رجاء لثوابه وخوفًا من عقابه، وإن لم يكن في ذلك صيغة سؤال وطلب، فهو داع لله تعالى بلسان حاله لا بلسان مقاله.

ومن أمثلة الشرك في دعاء العبادة: الشرك في الخوف: والشرك الخوفي أن يخاف من مخلوق خوفًا مقترنًا بالتعظيم والخضوع والمحبة، ومن ذلك الخوف من صنم أو ميت خوفًا مقرونًا بتعظيم ومحبة، فيخاف أن يصيبه بمكروه بمشيئته وقدرته، كأن يخاف أن يصيبه بمرض أو بآفة في ماله، أو أن يخاف أن يغضب عليه فيسلبه نعمَه؛ فهذا من الشرك الأكبر؛ لأنه صرْف عبادة الخوف والتعظيم لغير الله، يعني أن هذا الخائف قد صرف هذه العبادة لغير رب العالمين سبحانه، والذي يُخاف ويعظَّم هو الله وحده دون سواه، قال رب العالمين: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَـئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِين} [التوبة: 18].

ومن أمثلة الشرك في دعاء العبادة: الشرك في المحبة: والمحبة الشركية هي أن يحب مخلوقًا محبة مقترنة بالخضوع والتعظيم، وهذه هي محبة العبودية التي لا يجوز صرفها لغير الله، فمن صرفها لغير الله، فقد وقع في الشرك الأكبر، قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ} [البقرة: 165].

ومن أمثلة الشرك في دعاء العبادة: الشرك في الرجاء: وهو أن يرجو من مخلوق ما لا يقدر عليه إلا الله، كمن يرجو من مخلوق أن يرزقه ولدًا، أو يرجو منه أن يشفيه بإرادته وقدرته، فهذا كله من الشرك الأكبر.

ومن أمثلة الشرك في دعاء العبادة: الشرك في الصلاة والسجود والركوع: فمن صلى أو سجد أو ركع أو انحنى لمخلوق محبة، وخضوعًا له، وتقربًا إليه، فقد وقع في الشرك الأكبر بإجماع أهل العلم، قال الله -تبارك وتعالى-: {لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُون} [فصلت: 37].

وقال تبارك وتعالى موجهًا الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم آمرًا له بأن يتجرد في جميع عباداته لله -تبارك وتعالى- دون سواه، وألا يصرف منها لأحد غير الله -تبارك وتعالى- شيئًا، قال الله له: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِين * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِين} [الأنعام: 162- 163] وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ لما سجد له: ((لا تفعل؛ فإني لو كنت آمرًا أحد أن يسجد لغير الله، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها))، وقال صلى الله عليه وسلم: ((ما ينبغي لأحد أن يسجد لأحد)).

ومن أمثلة الشرك في دعاء العبادة: الشرك في الذبح، والمقصود بالشرك في الذبح هنا هو الشرك عندما يذبح الإنسان ذبيحة يتقرب بها إلى مخلوق معظمًا إياه خاضعًا له، والذبح حق الله -تبارك وتعالى- وحده، والذبح الذي يكون تقربًا وتعظيمًا وخضوعًا لا يكون إلا لله عز وجل؛ لأنه لا يجوز التقرب إلا إلى الله وحده، فمن ذبح تقربًا إلى مخلوق وتعظيمًا له فقد وقع في الشرك الأكبر، وذبيحته محرمة لا يجوز أكلها، سواء أكان هذا المخلوق من الإنس أم من الجن أم من الملائكة، أم كان قبرًا أم غيره، قال الله -تبارك وتعالى-: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِين} [الأنعام: 162]، وقال -تبارك وتعالى-: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر} [الكوثر: 2] وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ((لعن الله من ذبح لغير الله -تبارك وتعالى-)).

ومن أمثلة الشرك في دعاء العبادة: الشرك في النذر والزكاة والصدقة، وغير ذلك من سائر الأموال التي يخرجها العبد لربه سبحانه وتعالى، والنذر هو إلزام مكلف مختار نفسَه عبادة لله تعالى لم يوجبها رب العالمين عليه بأصل الشرع، كأن يقول: “لله عليَّ نذر أن أفعل كذا” أو لله عليَّ أن أصلي أو أن أصوم كذا، أو أن أتصدق بكذا وكذا، أو ما أشبه ذلك، والنذر عبادة من العبادات لا يجوز أن يُصرَف لغير الله تعالى، فمن نذر لمخلوق كأن يقول: “لفلان عليَّ نذر أن أصوم يوما” أو “لقبر فلان عليّ أن أتصدق بكذا” أو شفي مريضي أو جاء غائب سأتصدق بكذا للشيخ الفلاني، أو لقبر فلان بكذا وكذا، وقد أجمع أهل العلم على أن هذا النذر محرم وباطل، وعلى أن من فعل ذلك، فقد أشرك بالله تعالى الشرك الأكبر؛ لأنه صرف عبادة النذر لغير الله -تبارك وتعالى- ولأنه يعتقد أن الميت ينفع ويضر من دون الله عز وجل وكل هذا من الشرك الأكبر.

ومثل هذا أو وما يأتي من النذر لغير الله إخراج زكاة المال، وتقديم الهدايا والصدقات إلى قبر ميت تقربًا إليه، أو إعطاؤها لسدنة هذا الميت تقربًا إلى هذا الميت، أو غير ذلك من الأمور التي نسمع عنها، وربما شاهدنا بعضها في بلاد المسلمين.

وعلى كلٍّ فدعاء العبادة، ودعاء المسألة هو حق خالص لله -تبارك وتعالى- وقد بيَّنت بعض صور هذين النوعين من العبادة، أعني عبادة الدعاء، وعبادة المسألة.

النوع الثالث من أنواع الشرك في الألوهية: الشرك في الحكم والطاعة

وهذا النوع من الشرك له صور منها: أن يعتقد أحد أن حكم غير الله أفضل من حكم الله تعالى أو مثله، فهذا شرك أكبر مخرج من الملة؛ لأن من اعتقد ذلك مكذبٌ للقرآن الكريم ومكذبٌ لقول رب العالمين: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُون} [المائدة: 50] وقد أثنى الله -تبارك وتعالى- على حكمه سبحانه، وبيَّن في كتابه أنه أحكم الحاكمين، فقال: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِين} [التين: 8] وهذا استفهام تقريري، أي: أن الله تعالى أحكم الحاكمين فليس حُكم أحد غيره أحسن من حكمه، ولا مثله بحال من الأحوال.

صورة أخرى للشرك في الحكم والطاعة: وهي أن يعتقد أحد جواز الحكم بغير ما أنزل الله، فهذا شرك أكبر؛ لأنه اعتقد خلاف ما دلت عليه النصوص القطعية من الكتاب والسنة المحمدية، واعتقد خلاف ما دل عليه الإجماع القطعي من المسلمين من تحريم الحكم بغير ما أنزل الله -تبارك وتعالى-.

error: النص محمي !!