Top
Image Alt

تعريف “الصحابي”، وسنة الخلفاء الراشدين في السياسة الشرعية

  /  تعريف “الصحابي”، وسنة الخلفاء الراشدين في السياسة الشرعية

تعريف “الصحابي”، وسنة الخلفاء الراشدين في السياسة الشرعية

أوّلًا: تعريف “الصحابي”:

“الصحابي” الذي نبحث عنه في حُجّية قوله، هو: مَن شاهد النبي صلى الله عليه وسلم وآمَن به، ولازَمه مدة تكفي لإطلاق كلمة “صاحب” عليه عُرفًا.

هذه قيود مهمّة جدًّا في تعريف كلمة “الصحابي”؛ لأنه ليس كل من شاهد النبي صلى الله عليه وسلم يُعدّ صاحبًا له؛ وهذا التعريف يُطلق على كلِّ صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمثال: الخلفاء الراشدين، وابن مسعود، وابن عباس، وغيرهم.

هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، وسمعوا منه، واهتدَوا بهدْيه, ولما انتقل صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى قاموا بنشر دعوته، وفتحوا الآفاق وملئوا الدنيا بنور الإسلام, وتولّى مَن عُرف منهم بالعلْم والفقه الإفتاءَ والقضاء بين الناس؛ وقد نُقلت إلينا فتاواهم وأقضيتهم, فهل تعتبر هذه الفتاوى والأقضية من مصادر الفقه الإسلامي والسياسة الشرعية، بحيث يلتزم بها المجتهد إذا لم يَجد في المسألة حُكمًا في الكتاب أو السُّنّة أو الإجماع، أم ماذا؟

تحرير محلِّ اختلاف العلماء في حُجّية قول الصحابي, على النحو الآتي:

أوّلًا: قول الصحابي: “سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كذا”، أو “أخبرني”، أو “حدثني”، ونحو هذا ممّا لا يحتمل الواسطة بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا حُجّة بلا خلاف. أمّا إذا قال: “كنّا نفعل كذا في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم“، أو “وهو بيْننا” أو “فينا”، أو “أُمِرْنا بكذا”، أو “نُهينا عن كذا”، ونحو هذا, فذهب الجمهور إلى أنّ ذلك حُجّة، وهو نوع من أنواع السُّنّة.

ثانيًا: قول الصحابي لا يُعتبر حُجّة ملزِمة لصحابي آخَر؛ فقد رأيناهم يختلفون فيما بينهم، ولم يُلزِم أحدُهم الآخرَ فيما ذهب إليه.

ثالثًا: قول الصحابي بالنسبة للتابعين, ومن بَعدهم على أنواع:

النوع الأول: إنْ كان في أمر لا يُدرك بالعقل، ولا مجال للاجتهاد أو للرأي فيه، كان حُجّة من غير خلاف, وحملوه على السماع من الرسول صلى الله عليه وسلم، وإن لم ينسبه إليه خوف الخطأ في الرواية, ومثّلوا لذلك بتحديد ابن مسعود رضي الله عنه أقلّ مدّة الحيض بثلاثة أيام, وبقراءته في كفارة اليمين، قول الله عز وجل: “فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ”.

النوع الثاني: إن كان في أمْر يُدرك بالرأي والاجتهاد، ولكنه ذاع وانتشر، ولم يُعرف له مخالف من الصحابة، كما في قتل الجماعة بالواحد مثلًا، فهذا النوع يُحتجّ به؛ لأنه بمثابة الإجماع السكوتي، والاحتمال السماعي من النبي صلى الله عليه وسلم، ولأنّ عدم ردِّهم عليه -مع قوّة وازعهم الديني وعدم خشيتهم في الله شيئًا- يقتضي أنّ ما قاله هذا الصحابي جاء موافقًا للشرع، أو لعلّ عنده شيئا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه لم يصرِّح به خشية الكذب عليه.

النوع الثالث: إن كان قولًا صادرًا عن رأيه واجتهاده فيما يُدرَك بالعقل والاجتهاد، وكان موضع خلاف من الصحابة، فهذا محلّ خلاف الفقهاء؛ حيث ذهب بعضُهم إلى أنه حُجّة شرعية مقدّمة على القياس. وقيل: هو حُجّة إن انضم إليه القياس. وقيل: نختار من أقوالهم ما وافق الكتاب أو السُّنّة أو الإجماع، أو ما كان أصح في القياس. وقيل: الحُجّة في قول الخلفاء الراشدين الأربعة. وقيل: بل في أبي بكر وعمر فقط. وذهب الجمهور إلى أنه ليس حُجّة مطلقًا. وقال جماعة: مذهب الصحابي حُجّة مطْلَقة.

ثانيًا: سُنّة الخلفاء الراشدين والسياسة الإسلامية:

“الخلفاء الراشدون” هم: الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم. هؤلاء هم الموصوفون في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عليكم بسُنّتي وسُنّة الخلفاء الراشدين المهديِّين من بعدي، تمسّكوا بها، وعضّوا عليها بالنواجذ…)) إلخ الحديث.

والمراد بحُجِّيّة الخلفاء الراشدين، وبحجية الأخذ بها في السياسة الشرعية على سبيل المثال: ما أفتى به وسَنّه الخلفاء الراشدون أو أحدُهم للأمّة، وجمعوا الناس عليه، ولم يخالف نصًّا، وإن لم يتقدّم من النبي صلى الله عليه وسلم فيه شيء.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “وقد اتّفق الصحابة في مسائل تنازعوا فيها, على إقرار كلِّ فريق للفريق الآخَر على العمل باجتهادهم؛ كمسائل في العبادات، والمناكح، والمواريث، والعطاء، والسياسة، وغير ذلك…”.

ثم قال: “وهم الأئمة الذين ثبت النص أنهم لا يجتمعون على باطل ولا ضلالة، ودل الكتاب والسنة على وجوب متابعتهم. أمّا ما سَنّهُ الخلفاء الراشدون ولم يُنقَل أنّ أحدًا من الصحابة خالفهم فيه؛ فهذا من مسائل الإجماع”.

قال أيضًا: “والذي لا ريب فيه: أنه حُجة ما كان من سُنّة الخلفاء الراشدين الذي سَنّوه للمسلمين، ولم يُنقَل أنّ أحدًا من الصحابة خالَفهم فيه؛ فهذا لا ريب أنه حُجّة، بل إجماع. وقد دلّ عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((عليكم بسُنّتي وسُنّة الخلفاء الراشدين المهديِّين من بعدي!…)) إلى آخِر الحديث”. 

بعض الأمثلة التي يمكن أن تُعَدّ أمثلة مباشرة, على سُنّة الخلفاء الراشدين في مجال السياسة الشرعية:

المثال الأول: جمْع أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه للمصحف؛ لمّا كُثر القتل في القُرّاء إبّان حروب الردة, من متنبِّئين ومانعي الزكاة وغيرهم. ومثْله: ما وقع في عهد عثمان رضي الله عنه.

المثال الثاني: تحريق عثمان رضي الله عنه للمصاحف المخالِفة للمصحف الذي جمَع الناسَ عليه؛ حتى تتوحّد قراءتهم له. فهذا عمل بمقتضى السياسة الشرعية.

المثال الثالث: تحريق عليٍّ للزنادقة والرافضة؛ فهذا أيضًا من السياسة الشرعية, وهناك شواهد كثيرة أخرى.

وقد أورد ابن القيّم ستّة وأربعين دليلًا من القرآن والسُّنّة والآثار والعقل على حُجِّيّة قول الصحابي، وإن تأخّرت فتواه عن الإجماع. وفعَل مثْل ذلك الشاطبي.

في الوقت ذاته، أتى النُّفاة بطائفة من الأدلة العقلية الوجيهة المُقنعة:

  1. أنّ قول الصحابي لا يُعفي المجتهد من طلب الدليل, من الأصول التشريعية المتّفَق عليها.
    1. هناك مَن يرى أنّ قول الصحابي ليس حُجّة, ولا يرقى إلى مستوى المصادر التشريعية التي لا يجوز مخالفتُها.

وأرى إمكانيّة الائتناس بهذا الرأي, في بيان بعض أحكام القرآن والسُّنّة التي تحتاج إلى بيان؛ وذلك لمعرفتهم باللسان العربي؛ فإنهم عرب فصحاء لم تتغير ألْسنتهم – كما يقول الشاطبي في “الموافقات”- فهُم لهذا أعرَف في فهْم الكتاب والسُّنّة من غيرهم, ولأنهم أدرى الناس بشريعة الله وأوْلاهم بفهمها؛ لمباشرتهم للوقائع وأسباب التنزيل، وحضورهم تطبيق الأحكام على النوازل، فهم يُدركون من القرائن ما لا يُدركه غيرُهم.

وقد شهِد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخير والفضل، كما أنّ القرآن الكريم قد ذكَر آيات كثيرة في فضْل صُحبتهم, وفي مدْحهم وخيريّتهم وعدالتهم، كقوله عز وجل: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} [التوبة:100] ، وكقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِين} [التوبة:119].

وفي السُّنّة أحاديث كثيرة تفيد حُجِّية قول الصحابي أيضًا، منها: ((عليكم بالسّمع والطاعة، وإن تأمّر عليكم عبد حبشي، كأن رأسه زبيبة))، و((عليكم بسُنّتي وسُنّة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسّكوا بها، وعَضّوا عليها بالنواجذ))، أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

بل هناك بعض الأخبار التي في متْنها مقال، مثل: “أصحابي كالنجوم بأيِّهِمُ اقتديْتُم اهتديْتُم”، أو “اقتدوا باللّذَيْن من بعدي: أبي بكر وعمر”، وما في هذا المعنى ممّا قد وصفه بعض المحدِّثين أو أهل الحديث وأهل التخريج بالسقوط والكذب، وغير ذلك كما جاء في “إحكام” ابن حزم.

هناك اعتبار آخَر يُميِّز أقوال الصحابي في مجموعه، وهو: احتمال السماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عدم الرواية عنه بطريق مباشرة، وإنما بالمعنى، فصارت الرواية كأنها من قول الصحابي؛ وهذا الاحتمال وإن يَكُن مستبعَدًا إلى حدٍّ ما من وجهة نظري، لكنه غير مستحيل. ثم هو في ذاته -ولو كان ضعيفًا- يقوِّي ما ذكَره ابن القيِّم من اعتبار قول الصحابي، أو هو -على الأقل- يدل على أنّ الصحابي لم يسمع خلاف ما يُفتي هو به، أو يدلّ على أنّ ما يُفتي به جارٍ على قياس شيء سمِعَه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

error: النص محمي !!