Top
Image Alt

تعريف الصحابي، وعدالة الصحابة

  /  تعريف الصحابي، وعدالة الصحابة

تعريف الصحابي، وعدالة الصحابة

. تعريف الصحابي لغةً واصطلاحًا:

أ. “الصحابي” في لغة العرب: مشتق من الصحبة، والصحبة مصدر “صحب” فهو صاحب، وهو يطلق على عدة إطلاقات، فيطلق على المنع والحفظ، ومن ذلك قول الله تعالى: {وَلاَ هُمْ مّنّا يُصْحَبُونَ} [الأنبياء: 43] يعني: يمنعون ويحفظون، ويطلق أيضًا على الملازمة، ويطلق على المعاشرة، ويطلق على مَن حصل له مجالسة ورؤية. إذن الصحابي مشتق من الصحبة، فيقال: أصحبه صحبة فأنا صاحب، والجمع: أصحاب وصحابة.

وكلمة “صحابي” في الأصل تطلق على كل مَن صحب النبي صلى الله عليه  وسلم وحصلت له رؤية ومجالسة.

وذكر صاحب (المصباح المنير) أن كلمة “صحابي” تطلق مجازًا على مَن تمذهب بمذهب من مذاهب الأئمة؛ فيقال: أصحاب الشافعي، وأصحاب أبي حنيفة، وأصحاب مالك، وأصحاب أحمد، وهذا سيقابلكم كثيرًا في كتب التراث وكتب العلم الشرعي، يقال: قاله الأصحاب فالمراد هنا: أصحاب الإمام.

ب. تعريف الصحابي في اصطلاح العلماء: اختلف أهل العلم اختلافًا كبيرًا في تحديد مفهوم الصحابي اصطلاحًا، والواقع أن بعض أهل العلم كابن حجر -رحمه الله- اختار للصحابي تعريفًا نراه -والله أعلم- من أقرب التعاريف وأصحها وأبينها؛ حيث يقول: “الصحابي هو من لقي النبي صلى الله عليه  وسلم مؤمنًا به ومات على الإسلام”.

ج. ثمرة الخلاف في التعريف الاصطلاحي:

والخلاف في تعريف الصحابي اصطلاحًا له ثمرة وفائدة فهو خلاف معنوي. فمن دخل ضمن الصحابة باعتبار كل مذهب من المذاهب، تثبت له أمور وفوائد هي كما يلي:

الأول: ثبوت العدالة، وبالتالي: فلا يحتاج إلى تزكية، يعني: من قال: من صحب النبي صلى الله عليه  وسلم مدة قدرها ستة أشهر فصاعدًا هو صحابي، إذا اعتمدنا هذا التعريف وهذا المذهب وهذا الاتجاه، أصبح كل من صحب النبي هذه المدة -ستة أشهر فصاعدًا- تثبت عدالته، وحينئذ لا يحتاج إلى تزكية؛ لأن الله تعالى عدله، ولأن الله تعالى زكاه، فمتى قررنا أن هذا صحابي ثبتت عدالته، وبالتالي لا يحتاج إلى تزكية، وإن قلنا: إن الصحابي هو من صحب النبي صلى الله عليه  وسلم وطالت صحبته ولازمه وأخذ عنه العلم، وروى عنه، تثبت عدالته ولا يحتاج إلى تزكية، وكذا لو قلنا: هو من صحب النبي سنة أو سنتين أو غزا معه غزوة أو غزوتين تثبت عدالته ولا يحتاج إلا تزكية.

الثاني: ثبوت تفسيق من سب هذا الصحابي، إذا عرفنا الصحابي بأنه -مثلًا- من رأى النبي ولو ساعة من نهار وهو مسلم بالغ عاقل، فمن سب الصحابي الذي لزم النبي صلى الله عليه  وسلم ولو ساعة يحكم عليه بالفسق.

الثالث: قبول مراسيل الصحابة رضي الله  عنهم عند جمهور العلماء، فلو قلنا: المرسل هو ما سقط منه الصحابي –يعني: التابعي رفعه إلى النبي صلى الله عليه  وسلم دون أن يذكر الصحابي- ويكون المرسل مقبولًا؛ لأن الصحابي الساقط من سند الحديث ثبتت عدالته، ولا يحتاج إلى تزكية، فلا يضرنا جهل اسم هذا الصحابي الساقط من سند الحديث.

الرابع: حجية قول الصحابي وفتواه وفعله إذا فقد النص من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو سائر الأدلة عند كثير من العلماء، ولم يخالف في ذلك إلى نفر قليل، وقد نسب إلى الشافعي أنه لا يأخذ بقول الصحابي، وعند التحقيق تبين أنه يأخذ بقوله.

الخامس: إذا خالف الصحابي الحديث النبوي الشريف، فإن مخالفته معتبرة ويسقط الاحتجاج بالحديث عند بعض العلماء؛ لجواز أن يكون الصحابي قد اطلع على شيء آخر يخالف هذا الحديث، كأن وقف على ناسخ له، أو أن هذا الحديث رأى فيه رأيًا آخر أو وجهًا آخر، أو اجتهادًا آخر، أو نحو ذلك.

2. طرق معرفة الصحابي:

الطريق الأول: قال الشيخ ابن قدامه -رحمه الله ونفعنا بعلمه: “ويحصل لنا العلم بذلك بخبره عن نفسه”، أي: أن يخبر الصحابي عن نفسه بأنه صحابي فيقول: أنا صحابي، وذلك إذا كان عدلًا، فإن ادَّعى الصحبة بعد مائة سنة من وفاة النبي صلى الله عليه  وسلم لا يقبل قوله حتى ولو كان عدلًا، بعد مائة سنة بالتحديد؛ لأن النبي صلى الله عليه  وسلم أخبر في حياته أن بعد مائة سنة لا يبقى على ظهر الأرض أحد من الصحابة كما هو مروي في (صحيح الإمام مسلم).

لكن قد يعترض على هذا الطريق فيقال: كيف تقبلون إنسانًا يشهد على نفسه ويقول: أنا صحابي؟

والجواب: إنَّما هو خبر عن نفسه بما يترتب عليه حكم شرعي يوجب العمل ولا يلحق بغيره مضرة، يعني: خبره عن نفسه بأنه صحابي لا يضر غيره، ولا يوجب تهمة في حق نفسه، فهو عدل، فهو كرواية الصحابي عن النبي صلى الله عليه  وسلم ومعلوم أن رواية الصحابي عن النبي صلى الله عليه  وسلم مقبولة.

الطريق الثاني: قال فيه ابن قدامه -رحمه الله: “أو عن غيره أنه صحب النبي صلى الله عليه  وسلم”، ومعنى هذا الطريق: أن يخبر الواحد من الصحابة أن فلانًا ويذكر اسمه من الصحابة، فإذا أخبر بذلك يكون ذلك الشخص المخبر عنه صحابيًّا؛ لأن الصحابي عدل -الصحابي الذي أخبر بأن فلان صحابي عدل- مقبول القول فيقبل ما يأتي به كروايته، وقيل: إن الشخص لتثبت له الصحبة بقول الواحد وإنما يثبت بما يوجب العلم ضرورة أو اكتسابًا، وهذا ليس صحيحًا، بل لو أخبر شخص عن غيره بأنه صحابي فتعتبر حينئذ الصحبة.

الطريق الثالث: الشهرة والاستفاضة القاصرة عن التواتر، ومثلوا لذلك بصحابة عكاشة بن محصن رضي الله  عنه فإنه قد اشتهر واستفيض أنه رضي الله  عنه من الصحابة.

الطريق الرابع: التواتر، يعني: أن تتواتر الأخبار بأن فلانًا هذا من صحابة النبي صلى الله عليه  وسلم وذلك كالتواتر على صحبة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وبقية العشرة المبشرين بالجنة رضي الله  عنه.

الطريق الخامس: قول أحد التابعين الثقات: إنه صحابي، وهذا مبني على قبول التزكية من واحد، وقد تقدم ذكر آراء العلماء بالتفصيل في هذه المسألة.

3. عدالة الصحابة:

أولًا: ثبوت عدالة الصحابة عند السلف والخلف:

هناك العديد من المذاهب في مسألة عدالة الصحابة:

المذهب الأول، وهو الراجح: الصحابة رضي الله  عنهم كلهم عدول، هذا باتفاق، وهذا الذي عليه سلف الأمة وجمهور الخلف؛ ولهذا عبّر ابن قدامة -رحمه الله- بقوله: “والذي عليه سلف الأمة وجمهور الخلف أن الصحابة رضي الله  عنهم معلومة عدالتهم، بتعديل الله تعالى وثنائه عليهم”.

المذهب الثاني: أن حكم الصحابة في العدالة حكم غيرهم؛ فيبحث عنه كغيرهم، وبهذا لا يثبت هذا المذهب العدالة لهم.

المذهب الثالث: الصحابة كلهم عدول إلى ما قبل الفتن، أي: إنهم لا يزالون عدولًا حتى وقع الاختلاف بينهم؛ وحينئذ نبحث عن عدالتهم بعد هذا الذنب.

المذهب الرابع: أن الصحابة كلهم عدول إلا من قاتل عليًّا؛ فيحكم بفسقه لخروجه على الإمام الحق.

المذهب الخامس: أن من كان مشتهرًا بالصحبة والملازمة فهو عدل، لا يبحث عن عدالته، ومن لم يشتهر فيبحث عن عدالته.

وقال النووي -رحمه الله- كما في (تدريب الراوي): “الصحابة كلهم عدول، من لابس الفتن وغيرهم؛ بإجماع من يعتد به”، وهذا هو الراجح الذي تستريح النفس إليه.

ثانيًا: الأدلة على عدالتهم من الكتاب والسنة والإجماع:

ثبتت عدالة الصحابة بالكتاب العزيز، والسنة النبوية، وإجماع الأمة، والمعقول.

أ. من الكتاب: الدليل من القرآن فآيات كثيرة؛ منها ما أورده ابن قدامة:

الدليل الأول: قوله تعالى: {وَالسّابِقُونَ الأوّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالّذِينَ اتّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رضي الله  عنهم وَرَضُواْ عَنْهُ} [التوبة: 100]، وجه الدلالة من هذه الآية على عدالة الصحابة: أن الله سبحانه وتعالى قد نص في هذه الآية على أنه قد رضي عن الصحابة، قال: {وَالّذِينَ اتّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رضي الله  عنهمْ} فهذا نص صريح على أن الله تعالى قد رضي عن الصحابة، ومن رضي الله  عنه فلا شك بأنه قد اتصف بالتقوى، واجتناب الكبائر من الذنوب والصغائر منها، واجتناب كل ما يخل بالمروءة، وهذه هي العدالة، وإذا كانت هذه العدالة، والله تعالى قد صرّح بأنه رضي عن الصحابة؛ فالصحابة رضي الله  عنهم جميعًا عدول؛ إذ لم يرض الله عنهم إلا لأنهم قد اتصفوا بالعدالة؛ لأنه لا يرضى عن القوم الفاسقين.

الدليل الثاني: قول الله تعالى: {لّقَدْ رَضِيَ اللّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأنزَلَ السّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً} [الفتح: 18]، وهذه الآية نزلت في بيعة الرضوان بالحديبية -كما هو معروف- ولهذا سميت بذلك الاسم، وهي بيعة الرضوان.

الدليل الثالث: قول الله تعالى: {مّحَمّدٌ رّسُولُ اللّهِ وَالّذِينَ مَعَهُ أَشِدّآءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكّعاً سُجّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّنَ اللّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ السّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىَ عَلَىَ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ} [الفتح: 29]، وجه الدلالة من هذه الآية: أن الله تعالى قد أغاظ الكفار بالصحابة، والكفار لا يغاظون إلا بالمؤمنين العدول، أما الفساق فلا يغاظ بهم الكفار؛ لأنَّهم غير مرضي عنهم؛ فليسوا من جند الله تعالى، هذه الآية لا تحتاج إلى كثير تعليق؛ لأنه لا يمكن أن يتطرق إلى النفس شك في عدالة الصحابة بعد ثناء الله تعالى عليهم.

ب. من السنة: هناك أحاديث كثيرة من السنة تدل على عدالة الصحابة، نذكر منها:

الحديث الأول: قول النبي صلى الله عليه  وسلم فيما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن عمران بن حصين: أن النبي صلى الله عليه  وسلم قال: ((خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم ينظرون ولا يوفون، ويخونون ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يستشهدون، ويظهر فيهم السمن)).

الحديث الثاني: قول النبي صلى الله عليه  وسلم فيما أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه، والطبراني في (المعجم الكبير) عن أنس بن مالك رضي الله  عنه: أن النبي صلى الله عليه  وسلم قال: “إن الله اختارني واختار لي أصحابًا، فجعل لي بينهم وزراء وأنصارًا وأصهارًا، فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل”.

والحق أن هذا الحديث لا يصلح الاستدلال به على عدالة الصحابة؛ لأن فيه بشر بن عبيد الله، وهو غير معروف. وقال ابن حبان: “والحديث باطل لا أصل له”. وقال الهيثمي في (مجمع الزوائد): “فيه من لا أعرفه”. وعلى هذا فالحديث وإن أورده ابن قدامة كدليل على عدالة الصحابة، لكن فيه ما فيه.

الحديث الثالث: أخرجه البخاري في صحيحه ومسلم وغيرهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله  عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: ((لا تسبوا أصحابي؛ فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)). هذا حديث ثابت في (صحيح البخاري) و(صحيح مسلم).

فهذه الأحاديث الشريفة وغيرها تدل دلالة واضحة على عدالة صحابة النبي صلى الله عليه  وسلم وأن القول بإطلاق العدالة لجميعهم ليس تحكّمًا، وإنما تؤيده النصوص الكريمة من الكتاب والسنة، ولأنه ليس بعد تعديل الله تعديل، ولا بعد تعديل رسول الله صلى الله عليه  وسلم تعديل؛ ولهذا يقول ابن قدامة -رحمه الله- في (الروضة): “فأي تعديل أصح من تعديل علام الغيوب وتعديل رسوله صلى الله عليه  وسلم؟”.

ج. الإجماع: حكى ابن عبد البر -رحمه الله- إجماع أهل الحق من المسلمين -وهم أهل السنة والجماعة- على أن الصحابة كلهم عدول. قال الخطيب البغدادي -رحمه الله- في كتاب (الكفاية): “على أنه لو لم يرد من الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه  وسلم فيهم شيء مما ذكرناه؛ لأوجبت الحال التي كانوا عليها، من الهجرة، والجهاد، والنصرة، وبذل المهج –يعني: الأنفس- والأموال، وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان، واليقين؛ القطع على عدالتهم، والاعتقاد بنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع المعدّلين والمزكين الذين يجيئون بعدهم أبد الأبديين، هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتد بقوله من الفقهاء”. انتهى كلام الخطيب البغدادي، وهو كلام غالٍ وثمين في إثبات عدالة الصحابة.

فإن لم ترد آيات في القرآن ولا أحاديث في السنة تثبت عدالة الصحابة؛ فإن حالهم، وإن العهد بهم، وإن تاريخهم المشرف مع رسول الله صلى الله عليه  وسلم في الهجرة، والجهاد، والنصرة، والتضحية بالغالي وبالرخيص، والمناصحة للرسول صلى الله عليه  وسلم وقوة إيمانهم، هذا كله يجعلنا نقطع بأن الصحابة رضي الله  عنهم عدول.

وكذا الاعتقاد بنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع المعدلين. وهذا مذهب كافة العلماء ومن يعتد بقولهم من الفقهاء؛ وعليه فخلاف المخالف في عدالة الصحابي خلاف غير معتبر، ولا يعتد به، ولا يلتفت إليه. وليس كل خلاف جاء معتبرًا إلا خلافًا له حظ من النظر، وأي نظر بعد تعديل الله وتعديل رسول الله صلى الله عليه  وسلم ومواقف الصحابة المشرفة مع رسول الله صلى الله عليه  وسلم في جميع أحواله تثبت لنا عدالته.

د. من المعقول: هناك دليل من المعقول أورده ابن قدامة -رحمه الله- في (الروضة) حيث قال: “ولو لم يرد لكان فيما اشتهر –يعني: ولو لم يرد نص في القرآن، أو في السنة، أو في إجماع الأمة على عدالة الصحابة- وتواتر من حالهم في طاعة الله تعالى، وطاعة رسوله صلى الله عليه  وسلم وبذل المهج؛ ما يكفي في القطع بعدالتهم”.

وحاصل هذا الكلام أو معنى كلام ابن قدامة: إن ما تواتر واشتهر من صلاح الصحابة رضي الله  عنهم وما وقع لهم في الهجرة؛ فقد تعبوا تعبًا شديدًا، وتحملوا الآلام، وتحملوا المشقة، وتركوا الأوطان والأولاد والأموال، ما وقع لهم في الهجرة والجهاد، وطاعتهم المطلقة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه  وسلم وبذل المهج -وهي النفوس- وبذل النفيس، وقتال الآباء، والأولاد، والأقرباء، والأهل، في موالاة الرسول صلى الله عليه  وسلم ونصرته، واشتدادهم في أمور الدين؛ بحيث لا تأخذهم في الله لومة لائم، كل ذلك يقطع في الحكم بعدالتهم، وإن لم ترد تلك النصوص من الآيات والأحاديث.

وبهذا فقد تضافرت الأدلة والنصوص من القرآن، ومن السنة، ومن الإجماع، ومن المعقول، ومن عهدنا بالصحابة، ومآثر الصحابة، ومواقف الصحابة، وطاعة الصحابة المطلقة؛ كل ذلك يؤكد لنا بجلاء ووضوح أن الصحابة رضي الله  عنهم كلهم عدول.

ثالثًا: أسباب تفاوت الصحابة في رواية الأحاديث:

مما لا شك فيه أن الصحابة رضي الله  عنهم كانوا مهتمين بحفظ السنة اهتمامًا كبيرًا، غير أنهم كانوا يختلفون في ذلك قلة وكثرة؛ وذلك لعدة أسباب، أهمها ما يلي:

السبب الأول: الاشتغال بالخلافة والحروب؛ فقد عاق كثيرًا من الصحابة عن تحمل الحديث وروايته، كالخلفاء الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وكطلحة، والزبير رضي الله  عنهم فهؤلاء اشتغلوا بأمر الخلافة، والحروب، وتوطيد أركان الأمة وأركان الدولة المسلمة، في حين مكن لغيرهم من تحمل الحديث عن النبي صلى الله عليه  وسلم كما هو شأن أبي هريرة، وابن عباس، وابن عمر، وجابر رضي الله  عنهم.

السبب الثاني: قوة الحافظة، وتقييد الحديث بالكتابة، كانا عاملين من عوامل الإكثار من الرواية، كما في أبي هريرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله  عنهما كانوا يقيدون حديث النبي صلى الله عليه  وسلم ولهم قوة حفظ سبقت غيرهم من الصحابة.

السبب الثالث: التفرغ للعبادة، والتحرج من رواية الحديث على غير اللفظ المسموع من رسول الله صلى الله عليه  وسلم جعل كثيرًا من الصحابة يمتنعون عن رواية الأحاديث، أو يقلون منها، مع اعتمادهم في تبليغ الأحاديث على كثرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه  وسلم الذين نصبوا أنفسهم لمهمة الرواية والأداء.

السبب الرابع: أن يكون الطريق إلى الصحابي ضعيفًا، فيترك أصحاب الصحيح تخريج حديثه، كما في الصحابي الجليل: أبو عبيد بن الجراح رضي الله  عنه لم يصح إليه الحديث من جهة الناقلين؛ فلم يُخرَّج له في الصحيحين.

error: النص محمي !!