Top
Image Alt

تعريف الظاهر والمؤول، وكون الظاهر دليلًا شرعيًّا، وأقسام الظاهر

  /  تعريف الظاهر والمؤول، وكون الظاهر دليلًا شرعيًّا، وأقسام الظاهر

تعريف الظاهر والمؤول، وكون الظاهر دليلًا شرعيًّا، وأقسام الظاهر

الظاهر والمؤول:

الظاهر لغةً: خلاف الباطن: وهو الواضح والمنكشف، ومنه قولهم: ظهر الأمر: إذا اتضح وانكشف، ويطلق على الشيء الشاخص المرتفع، كما أن الظاهر من الأشخاص هو المرتفع الذي يتبادر إليه الأبصار؛ كذلك في المعاني.

الظاهر اصطلاحًا: فهو لفظ دل دلالة ظنية وضعًا -كأسد- أو عرفًا -كغائط- فالظاهر الذي يفيد معنًى مع احتمال غيره؛ لكنه ضعيف فبسبب ضعفه خفي؛ فلذلك سُمِّي اللفظ لدلالته على مقابله وهو القوي ظاهرًا كالأسد؛ فإنه ظاهر في الحيوان المفترس، ويحتمل أن يراد به الرجل الشجاع مجازًا، لكن هذا الاحتمال احتمال ضعيف.

أما التأويل أو المؤول:

فالتأويل لغةً: الرجوع، من آل يئول: إذا رجع، ومنه قوله تعالى: {وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: 7] أي: طلب ما يئول إليه معناه، وهو مصدر أوَّلت الشيء: إذا فسرته، من آل إذا رجع؛ لأنه رجوع من الظاهر إلى ذلك الذي آل إليه في دلالته؛ قال الله تعالى في كتابه الكريم: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ} [الأعراف: 53]، أي: ما يئول إليه بعثهم ونشورهم.

وأكثر ما يستعمل التأويل في المعاني، وأكثره في الجُمل، وأكثر ما يستعمل التفسير في الألفاظ وأكثره في المفردات.

والتأويل اصطلاحًا: حمل معنًى ظاهر للفظ على معنًى مرجوح، وهذا التعريف يشمل التأويل الصحيح، والتأويل الفاسد، وممكن أن يزاد في الحد لصحيحه، أي: إن أردت أن تحِدَّ التأويل الصحيح، فتقول: لصحيحه أي: حمله بدليلٍ يصيره -أي يصير الحمل- راجحًا على مدلوله الظاهر، فيصير حد التأويل الصحيح: حمل ظاهرٍ على محتمل مرجوح بدليلٍ يصيِّرُه راجحًا.

ومما تقدَّم يُعلم أن الحمل بلا دليلٍ محقق لشبهٍ يخيل للسامع أنها دليل، وعند التحقيق تضمحل هذه الشُّبه يسمى تأويلًا فاسدًا، وأن حمل معنى اللفظ على ظاهره لا يسمى تأويلًا، وكذا حمل المشترك ونحوه من المتساوي على أحد محمليه، أو على أحد محامله لدليل.

إذا تقرر هذا؛ فإذا كان التأويل قريب -أي: إن قرب التأويل- كفى أدنى مرجح، نحو قوله سبحانه وتعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} [المائدة: 6] أي: إذا عزمتم على القيام، أما إن بَعُد التأويل من الإرادة لعدم القرينة العقلية، أو حالية، أو مقالية تدل عليه؛ افتقر في حمل اللفظ عليه وصرفه على الظاهر إلى أقوى مرجح، وإن تعذر الحمل لعدم الدليل رد التأويل وجوبًا.

ومن التأويل البعيد تأويل الحنفية: قوله صلى الله عليه  وسلم لمن أسلم على عشر نسوة ((اختر)) وفي لفظٍ: ((أمسك منهن أربعًا وفارق سائرهن))، فالحنفية أوَّلوا هذا الكلام على ابتداء النكاح، أو إمساك الأوائل أي: ابتداء نكاح أربعٍ منهن، إن كان عقد عليهن معًا، أما إن كان تزوجهن متفرقات، فيحمل على إمساك الأربع الأوائل.

والجمهور يعد هذا التأويل تأويلًا بعيدًا، ووجه بعده: أن الفرقة لو وقعت بالإسلام لم يخيره، وقد خيره، والمتبادر عند السماع من الإمساك: الاستدامة، والسؤال وقع عنه، وخص التزويج فيهن، ولم يبين له شروط النكاح مع مسيس الحاجة إليه لقرب إسلامه.

وأيضًا من وجه بعده: أنه لم ينقل عنه ولا عن غيره ممن أسلم على أكثر من أربعٍ أنه جدد النكاح، أيضًا فالابتداء يحتاج إلى رضا من يبتديها، ويصير التقدير: فارق الكل وابتدئ بعد ذلك من شئت، فيضيع قوله: ((اختر أربعًا)) لأنه قد لا يرضين أو بعضهن، وأيضًا الأمر للوجوب؛ فكيف يجب عليه ابتداؤه وليس بواجب في الأصل؟! ومن ثم قال أبو زيد الدبوسي من الحنفية: هذا الحديث لا تأويل فيه، ولو صح عندي لقلت به.

وأبعد منه -أي: أبعد من التأويل السابق-: تأويلهم قوله صلى الله عليه  وسلم لمن أسلم على أختين: ((اختر أيتهما شئت)) على أحد الأمرين، يعني: على ابتداء نكاح إحداهما إن كان قد تزوجهما في عقد واحد، أو إمساك الأولى منهما إن كان قد تزوجهما مفترقين؛ وإنما كان أبعد من الذي قبله؛ لأن النافي للتأويل المذكور في الأول هو الأمر الخارج عن اللفظ، وهو شهادة الحال، وهنا انضم إلى شهادة الحال مانع لفظًا، وهو قوله صلى الله عليه  وسلم: ((أيتهما شئت))، فإن بتقدير نكاحهم على الترتيب تعيين الأولى للاختيار، ولفظ: ((أيتهما شئت)) يأبى هذا التعيين.

وللحنفية تأويل ثالث في الحديثين: وهو أنه لعل أن يكون هذا كان قبل حصر النساء في أربع، وقيل أيضًا: قبل تحريم الجمع بين الأختين، وهو مردود بما سبق.

أيضًا من التأويل البعيد -تأويل الحنفية أيضًا-: إطعام ستين مسكينًا من قوله سبحانه وتعالى: {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} [المجادلة: 4] على إطعام طعام ستين؛ فعلى هذا التأويل لو رددها المخرج على مسكين واحد ستين يومًا أجزأته، قالوا: لأن المقصود دفع الحاجة، ودفع حاجة ستين كدفع حاجة واحدٍ في ستين يومًا؛ فجعلوا المعدوم -وهو طعام- مذكورًا مفعولًا به، والمذكور، وهو قوله: {سِتِّينَ} جعلوه معدومًا، لم يجعلوه مفعولًا به مع ظهور قصد العدد؛ لفضل الجماعة، وبركتهم، وتضافرهم على الدعاء للمحسن، وهذا لا يوجد في الواحد.

وأيضًا؛ فإن حمله على ذلك فيه تعطيل للنص، ولهذه الحكمة شُرعت الجماعة في الصلاة وغيرها.

وأيضًا لا يجوز استنباط معنًى من النص يعود على النص بالإبطال.

وأبعد من ذلك تأويلهم ما في رواية أبي داود والترمذي من حديث ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- في الغنم: ((في أربعين شاة شاة)) على قيمتها، أي: قيمة الشاة، قالوا: لأن الانتفاع بالحاجة كما يكون بالشاة يكون بالقيمة، وهو يؤدي إلى بطلان الأصل؛ لأنه إذا وجبت القيمة لم تجب الشاة؛ فعاد هذا الاستنباط على النص بالإبطال، وذلك غير جائز.

ورد بأنهم لم يبطلوا إخراج الشاة؛ بل قالوا بالتخيير بين الشاة وقيمة الشاة، وهو استنباط يعود بالتعميم لا بالإبطال، كما في قوله: ((وليستنجِ بثلاثة أحجار)) يعم في الخِرَق ونحوها، وكذلك في قوله: ((لا يقضي القاضي وهو غضبان)) يعم في كل ما يشوش الفكر، ولا يعود بالإبطال.

وأجيب عن ذلك: بأن الشارع لعله راعى أن يأخذ الفقير من جنس مال الغني؛ فيتشاركان في الجنس، فتبطل القيمة؛ فعاد بالبطلان من هذه الجهة، وباب الزكاة فيه ضرب من التعبد.

قال البرماوي: وأيضًا فإذا كان التقدير قيمة شاة يكون قولهم بإجزاء الشاة ليس بالنص؛ بل بالقياس، فيترك النصوص ظاهرًا ويخرج ثم يدخل بالقياس، فهذا عائد بإبطال النص لا محالة.

ووجه كونه أبعد مما قبله؛ لأنه يلزم أن لا تجب الشاة -كما تقدم- “وكل فرعٍ استنبط من أصل يبطل ببطلانه”.

أيضًا من التأويل البعيد: تأويل الحنفية قول النبي صلى الله عليه  وسلم فيما رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والدارقطني عن عائشة رضي الله  عنها أنها قالت: أن رسول الله صلى الله عليه  وسلم قال: ((أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها؛ فنكاحها باطل))، وفي رواية: ((فنكاحها باطلٌ، باطلٌ، باطلٌ))، فأوَّلوه على الصغيرة، والأمة، والمكاتبة.

ووجه بعد هذا التأويل: أن الصغيرة ليست بامرأةٍ في لسان العرب، وقد ألزموا بسقوط هذا التأويل على مذهبهم، فإن الصغيرة لو زوجت نفسها كان العقد عندهم صحيحًا لا يتوقف على إجازة الولي، قاله البرماوي؛ فلو ألزموا بذلك، فرُّوا إلى حمله على الأمة؛ فألزموا ببطلانه بقول النبي صلى الله عليه  وسلم: ((فلها المهر))، ومهر الأمة إنما هو لسيدها وليس لها؛ ففروا من ذلك إلى حمله على المكاتبة، فقيل لهم أيضًا: هو باطل؛ لأن حمل صيغة العموم الصريحة، وهي “أي” المؤكدة بما معها في قوله: ((أيما)) على صورة نادرة لا تخطر ببال المخاطبين غالبًا في غاية البعد.

أيضًا من التأويلات البعيدة: تأويل الحنفية قوله صلى الله عليه  وسلم: ((لا صيام لمن لا يبيِّت الصيام من الليل)) رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه عن ابن عمر على خلاف في رفعه ووقفه؛ فالحنفية قد أوَّلوه على صوم القضاء والنذر المطلق؛ بناءً منهم على مذهبهم في صحة الفرض بنية من النهار، قال ابن الحاجب: فجعلوه كاللغز في حمله من عام على صورة نادرة، فإن ثبت ما ادَّعوه من الحكم بدليل -كما قالوا- فليُطلَب لهذا الحديث تأويل قريب عن هذا التأويل مثل: أن نقول إن فيه نفي للكمال مثلًا، قال إمام الحرمين: وهو أقرب من التأويل السابق.

أيضًا من التأويل البعيد: تأويلهم قول النبي صلى الله عليه  وسلم في حديثٍ رواه الإمام أحمد وابن حبان من حديث أبي سعيدٍ مرفوعًا: ((زكاةُ الجنين زكاةُ أمِّه)) على التشبيه، ونصب ((زكاةَ أمه)) على تقدير: كزكاة أمه؛ فنصب على إسقاط الخافض: وهو كاف التشبيه، قال ابن عمرون: تقديرهم حذف الكاف ليس بشيء؛ لأنه يلزم منه جواز قولك: زيدًا عمرًا؛ أي: كعمرو، وأيضًا فحذف حرف الخفض من غير سبق فعلٍ يدل على التوسع فيه، وعلى تقدير صحته، فيجوز أن يكون على الظرفية أي: وقت زكاة أمه، فحُذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وهذا دليل الجماعة؛ لأن الثاني إنما يكون وقتًا للأول إذا أغنى الفعل الثاني عن الأول.

ويرجح هذا التقدير موافقته لرواية الرفع؛ لكن الجمهور وهَّموا رواية النصب وقالوا: المحفوظ الرفع، كما قاله الخطابي وغيره، إما لأن زكاة الأول خبر مقدم وزكاة الثاني هو المبتدأ، أي: زكاة أم الجنين زكاة له، وإلا لم يكن للجنين مزية وحقيقة الجنين ما كان في البطن؛ فعلم أنه ليس المراد أنه يزكى كزكاة أمه؛ بل إن زكاة أمه زكاةً له كافية عن تزكيته، ويؤيده رواية البيهقي: ((زكاة الجنين في زكاة أمه)).

هذا هو تعريف التأويل، وأقسامه، وأمثلته وكنا قد ذكرنا قبل ذلك تعريف الظاهر.

يقول ابن برهان: إن الظاهر والمؤول أنفع كتب الأصول وأجلها، ولم يزِل الزالُّ إلا بالتأويل الفاسد، وأما ابن السمعاني في (القواطع)، فأنكر على إمام الحرمين إدخاله هذا الباب في أصول الفقه, فيقول: ليس هذا من أصول الفقه في شيء؛ إنما هو كلام يورد في الخلافيات؛ لكنا نذكر طرفًا منه، ولا نعدم الناظر فيه نوع فائدة.

وبالجملة؛ فلا ينبغي حمل الخاطر على استخراج التأويلات المستنكرة للأخبار، وينبغي للعالِم الوَرِع التباعد عنه، والظاهر -كما قلنا- هو الواضح، ولفظ الظاهر يغني عن تفسيره، يقول الغزالي: هو المتردد بين أمرين وهو في أحدهما أظهر، وقيل: ما دل على معنًى مع قبوله لإفادة غيره إفادة مرجوحة؛ فاندرج تحته ما دل على المجاز الراجح؛ فما دل على المجاز الراجح يكون ظاهرًا.

ويطلق أيضًا على اللفظ الذي يفيد معنًى؛ سواء أفاد معه غيره إفادةً مرجوحة أو لم يفِد؛ ولهذا يخرج النص، فإن إرادته ظاهرة بنفسها.

ونقل الإمام الرازي -رحمه الله- أن الإمام الشافعي كان يسمي الظاهر نصًّا، قال ابن برهان: ولعله لمح في المعنى اللغوي، فإن النص لغةً: هو الظهور، ومنه المنصة، والنص عنده ينقسم إلى ما يقبل التأويل -وهذا مرادف للظاهر- وإلى ما لا يقبله، وهو النص الصحيح.

مَسْأَلَةٌ: الظَّاهِرُ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ:

الظَّاهِرُ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ، بِدَلِيلِ إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى الْعَمَلِ بِظَوَاهِر الْأَلْفَاظِ.

وَأيضًا الظَّاهِرُ ضَرُورِيٌّ فِي الشَّرْعِ، كَالْعَمَلِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ، وَإِلَّا لَتَعَطَّلَتْ غَالِبُ الْأَحْكَامِ -لأننا نعرف أن أغلب السنة آحاد والقليل منها متواتر- فَإِنَّ النُّصُوصَ مُعْوِزَةٌ جِدًّا، كَمَا أَنَّ الْأَخْبَارَ الْمُتَوَاتِرَةَ قَلِيلَةٌ جِدًّا.

الأخبار المتواترة، قال بعض العلماء: إنه لم يرد إلينا في السنة متواتر إلا حديث واحد، وهو حديث: ((مَن كذب علي متعمدًا؛ فليتبوأ مقعده من النار))، وقال بعض العلماء: إن الذي ورد إلينا أربعة، ومنهم من قال: عشرة، وأكثر عدد وصل إليه كان الإمام السيوطي في كتابه (الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة) ذكر لنا في هذا الكتاب مائة وأحد عشر حديثًا قال: إنها متواترة.

يقول الإمام الزركشي عند كلامه على أقسام الظاهر:

وَهُوَ قِسْمَانِ:

أَحَدُهُمَا: الْأَلْفَاظُ الْمُسْتَعَارَةُ وَهِيَ الْمَقُولَةُ أَوَّلًا عَلَى شَيْءٍ، ثُمَّ اُسْتُعِيرَتْ لِغَيْرِهِ لِمُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُمَا، كَاسْتِعَارَتِهِمْ أَعْضَاءَ الْحَيَوَانِ لِغَيْرِ الْحَيَوَانِ.

قَالُوا: رَأْسُ الْمَالِ، وَوَجْهُ النَّهَارِ، وَحَاجِبُ الشَّمْسِ، وَعَيْنُ الْمَاءِ، وَكَبِدُ السَّمَاءِ، فَهَذَا الْقِسْمُ إذَا وَرَدَ فِي الشَّرْعِ حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَهُوَ الْحَقِيقَةُ، حَتَّى يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لِغَيْرِهَا، وَهُوَ الْمَجَازُ، لِأَنَّ الْمَجَازَ فِيهَا لَمْ يَغْلِبْ اسْتِعْمَالُهُ -في الشرع- فَإِنْ غَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ حَتَّى صَارَ اسْمًا عُرْفِيًّا بِالْمَعْنَى الثَّانِي كَقَوْلِهِمْ: الْغَائِطُ لِلْمُطْمَئِنِّ مِنْ الْأَرْضِ كَانَ حَمْلُهُ عَلَى الْمَجَازِ هُوَ الظَّاهِرُ، حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ.

وَقَدْ يَتَطَرَّقُ إلَى هَذَا الْقِسْمِ الْإِجْمَالُ، فَإِنْ تَسَاوَى الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ فِي كَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ} [الحديد: 25]؛ فَإِنَّ الْمُرَادَ هَا هُنَا: الْعَدْلُ، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِذَلِكَ احْتِمَالًا يُسَاوِي الْحَقِيقَةَ؛ وعلى ذلك فيلحق هذا القسم بالمجمل، والمجمل كما سيأتي، هو الذي له دلالة غير ظاهرة.

أما القسم الثاني من أقسام الظاهر: فهي ألفاظ العموم، فَإِنَّهَا ظَاهِرَةٌ فِي الِاسْتِغْرَاقِ، مُحْتَمِلَةٌ لِلتَّخْصِيصِ على ما سيأتي في باب العموم.

وَأَمَّا التَّأْوِيلُ: فَهُوَ لُغَةً: الْمَرْجِعُ مِنْ آلَ إلَيْهِ الْأَمْرُ، أَيْ: رَجَعَ.

وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: مَأْخُوذٌ مِنْ الْإِيَالَةِ وَهِيَ السِّيَاسَةُ.

يُقَالُ: فُلَانٌ آيِلٌ عَلَيْنَا، أَيْ: سَائِسُنَا، فَكَانَ الْمُؤَوَّلُ بِالتَّأْوِيلِ، كَالْمُتَحَكِّمِ السَّائِسِ عَلَى الْكَلَامِ الْمُتَصَرِّفِ فِيه،ِ وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ فِي (فِقْهِ الْعَرَبِيَّةِ): التَّأْوِيلُ آخِرُ الْأَمْرِ وَعَاقِبَتُهُ يُقَالُ: مَآلُ هَذَا الْأَمْرِ، أَيْ: مَصِيرُهُ. قَالَ تَعَالَى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ} [آل عمران: 7]، أَيْ: لَا يَعْلَمُ الْآجَالَ وَالْمُدَدَ إلَّا اللَّهُ، وَاشْتِقَاقُ الْكَلِمَةِ مِنْ الْآلِ، وَهُوَ الْعَاقِبَةُ وَالْمَصِيرُ.

يقول الإمام الغزالي في تعريف التأويل اصطلاحًا: هُوَ احْتِمَالٌ يُعَضِّدُهُ دَلِيلٌ يَصِيرُ بِهِ أَغْلَبَ عَلَى الظَّنِّ مِنْ الظَّاهِرِ.

وَهُوَ غَيْرُ جَامِعٍ -يعني: أن هذا التعريف غير جامع- لِأَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ الْفَاسِدَ وَالْيَقِينِيَّ. ثُمَّ إنَّهُ جَعَلَهُ عِبَارَةً عَنْ نَفْسِ الِاحْتِمَالِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.

وَلَا يَتَطَرَّقُ التَّأْوِيلُ إلَى النَّصِّ وَالْمُجْمَلِ، ثُمَّ لَيْسَ كُلُّ احْتِمَالٍ يُعَضِّدُهُ دَلِيلٌ فَهُوَ تَأْوِيلٌ صَحِيحٌ مَقْبُولٌ، بَلْ يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ ظُهُورِ الْمُؤَوَّلِ، فَإِنْ كَانَتْ دَلَالَةُ الْمُؤَوَّلِ عَلَيْهِ مِنْ الْخَارِجِيِّ تَزِيدُ عَلَى دَلَالَتِهِ عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرٌ فِيهِ قُبِلَ، وَإِلَّا فَلَا.

ويقول الإمام العبدري شارح (المستصفى): هَذَا التَّعْرِيفُ إنَّمَا يَصِحُّ لَوْ كَانَ لَا يَتَأَوَّلُ إلَّا الْعُمُومُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَهُوَ غَيْرُ مُنْعَكِسٍ، لِأَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْهُ مَا هُوَ مِنْهُ، فَإِنَّ مِنْ التَّأْوِيلِ مَا هُوَ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ حَقِيقَةٍ إلَى حَقِيقَةٍ، كَاللَّفْظِ الْعُرْفِيِّ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ تَصْرِفُهُ عَنْ الْعُرْفِ وَهُوَ حَقِيقَةٌ مِنْهُ إلَى الْوَضْعِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِيهِ.

قَالَ الشَّيْخُ فِي (شَرْحِ الْإِلْمَامِ): اعْلَمْ أَنَّ التَّأْوِيلَ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ، وَكَانَ الْأَصْلُ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يُعَضَّدَ التَّأْوِيلُ بِدَلِيلٍ مِنْ خَارِجٍ، لِئَلَّا يَكُونَ تَرْكًا لِلظَّاهِرِ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ، وَقَدْ جَعَلُوا الضَّابِطَ فِيهِ مُقَابَلَةَ الظَّاهِرِ بِالتَّأْوِيلِ وَعَاضِدِهِ، وَتَقْدِيمِ الْأَرْجَحِ فِي الظَّنِّ، فَإِنْ اسْتَوَيَا فَقَدْ قِيلَ بِالْوَقْفِ، وَإِنْ كَانَ مَا يَدَّعِي تَأْوِيلًا لَا يَنْقَدِحُ احْتِمَالُهُ فَهُوَ بَاطِلٌ.

وَاعْلَمْ أَنَّ تَقْدِيمَ أَرْجَحِ الظَّنَّيْنِ عِنْدَ التَّقَابُلِ هُوَ الصَّوَابُ، غَيْرَ أَنَّا نَرَاهُمْ إذَا انْصَرَفُوا إلَى الظَّنِّ، تَمَسَّكَ بَعْضُهُمْ بِهَذَا الْقَانُونِ.

وَمِنْ أَسْبَابِهِ: اشْتِبَاهُ الْمَيْلِ الْحَاصِلِ بِسَبَبِ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ بِالْمَيْلِ الْحَاصِلِ مِنْ الْإِلْفِ وَالْعَادَةِ وَالْعَصَبِيَّةِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ تُحْدِثُ لِلنَّفْسِ هَيْئَةً وَمَلَكَةً تَقْتَضِي الرُّجْحَانَ فِي النَّفْسِ بِجَانِبِهَا، بِحَيْثُ لَا يَشْعُرُ النَّاظِرُ بِذَلِكَ، وَيَتَوَهَّمُ أَنَّهُ رُجْحَانُ الدَّلِيلِ، وَهَذَا مَحَلُّ خَوْفٍ شَدِيدٍ وَخَطَرٍ عَظِيمٍ يَجِبُ عَلَى الْمُتَّقِي للَّهِ أَنْ يَصْرِفَ نَظَرَهُ إلَيْهِ وَيَقِفَ فِكْرُهُ عَلَيْهِ.

ويقول أيضًا في (شرح العنوان): يَجِبُ إجْرَاءُ اللَّفْظِ عَلَى ظَاهِرِهِ دُونَ مَآلِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى الْخِلَافِ الظَّاهِرِ، وَشَرْطُهُ: أَنْ يَكُونَ الظَّنُّ الْمُسْتَفَادُ مِنْ ذَلِكَ الدَّلِيلِ عَلَى التَّأْوِيلِ الْمَرْجُوحِ أَقْوَى مِنْ الظَّاهِرِ، وَهُوَ تَصَرُّفٌ حَسَنٌ لَوْ مَشَى عَلَيْهِ فِي آحَادِ الْمَسَائِلِ حَيْثُ يَقَعُ الْمُتَصَرِّفُ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ الْعَمَلَ بِأَقْوَى الظَّنَّيْنِ وَاجِبٌ، وَكَلَّمَا كَانَ أَبْعَدَ احْتَاجَ إلَى دَلِيلٍ أَقْوَى لِمَا ذَكَرْنَا، وَاسْتُثْنِي مِنْهُ الظَّوَاهِرَ الْمُقْتَضِيَةَ لِخِلَافِ مَا دَلَّ الْقَوَاطِعُ الْعَقْلِيَّةُ عَلَيْهِ.

وَقِيلَ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَعِيدِ مِنْ التَّأْوِيلِ وَالْقَرِيبِ وَهُوَ رَاجِعٌ إلَى تَرْجِيحِ الْأَقْوَى، لِأَنَّ الْقَاطِعَ لَا يُمْكِنُ صَرْفُهُ عَنْ مَدْلُولِهِ، بِخِلَافِ الظَّاهِرِ.

يقول الزركشي: قُلْت: وَكَلَامُ صَاحِبِ (الْمُقْتَرَحِ) مِنْ الْجَدَلِيِّينَ مُصَرِّحٌ بِأَنَّ دَلِيلَ التَّأْوِيلِ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ الْجُمْهُورِ، وَحَمَلَهُ بَعْضُ شَارِحِيهِ عَلَى أَنَّ دَلِيلَ التَّأْوِيلِ إنْ كَانَ رَاجِحًا، تَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مُسَاوِيًا كَانَ ذَلِكَ مُعَارَضَةً.

وَكِلَاهُمَا يُزَيِّفُ كَلَامَ الْمُسْتَدِلِّ، وَيَمْنَعُهُ مِنْ الْعَمَلِ بِدَلِيلِهِ.

قَالَ: وَعَلَى هَذَا فَيُوَافِقُ كَلَامَ الْأُصُولِيِّينَ، وَيرجعَ الْخِلَافُ إلَى اللَّفْظِ، أي: أن الخلاف لفظيٌّ لا معنوي.

error: النص محمي !!