Top
Image Alt

تعريف العصبة، وكيفية إرثهم

  /  تعريف العصبة، وكيفية إرثهم

تعريف العصبة، وكيفية إرثهم

العصبة في لغة العرب: العصبات جمع عصبة بفتح الثلاثة -أي: العين، والصاد، والباء- وعصبة جمع عاصب، وعصبة الرجل: بنوه وقرابته لأبيه، والعصبة: قوم الرجل الذين يتعصبون له، وقيل: العصبة: الأقارب من جهة الأب؛ لأنهم يعصبونه، ويعتصب بهم أي: يحيطون به ويشتد بهم؛ لأن معنى العصب -بفتح العين، وسكون الصاد- الطي، واللي، والشد، والعصابة بكسر العين: ما عصب -بضم العين- به، وشُدت به الرأس كالعمامة، يشد به الرأس من جوانبه الأربع, فالآباء جانب، والأبناء جانب، والإخوة جانب، والأعمام جانب.

أما العصبة في الاصطلاح فلقد ذكر الفقهاء معنى العصبة، ثم نبهوا على أنه تفسير للعصبة، وليس تعريفًا.

ما قيل في هذا, في المذاهب الأربعة:

أولًا: عند الحنفية قال الزيلعي: “العصبة: من أخذ الكل إذا انفرد، والباقي مع ذي سهم”. هذا تفسير للعصبة, أي: العصبة من يأخذ جميع المال عند انفراده، وما أبقته الفرائض عند وجود من له الفرض المقدر، وهذا رسم وليس بحد, أي: هذا تعريف بالرسم وليس تعريفًا بالحد؛ لأنه لا يفيد إلا على تقدير أن يعرف الورثة كلهم، ولكن لا يعرف هو العصبة منهم فيكون تعريفًا بالحكم، والمقصود معرفة العصبة حتى يعطى الذكر، ولا يتصور ذلك إلا بعد معرفته، فنقول: العصبة نوعان: نسبية وسببية. هذا ما قاله الزيلعي من فقهاء الحنفية.

ثانيًا: عند المالكية قال القرافي في ذخيرته: “العصبة: اسم من يحوز جميع المال إذا انفرد، أو يأخذ ما فضل، وهم ثلاثة أقسام: عصبة بنفسه، وعصبة بغيره، وعصبة مع غيره”، وواضح من هذا أنه تفسير أيضًا وليس تعريفًا؛ لأنه قال بعد قوله: أو يأخذ ما فضل: “وهم ثلاثة أقسام” إلى آخره, فبدأ في عد أنواع العصبة، وهم مختلفون في الاعتبار بين عاصب بنفسه، وبغيره، ومع غيره فيكون ما ذكر تفسيرًا لا تعريفًا.

ثالثًا: عند الشافعية قال ابن حجر الهيتمي في (تحفة المحتاج): “والعصبة: من ليس له سهم مقدر من المجمع على توريثهم؛ فيرث المال أو ما فضل بعد الفروض، وهذا يعم الأنواع الثلاثة التي ذكرها القرافي؛ العاصب بالنفس، وبالغير، ومع الغير”. وهذا التعريف أو التفسير للعصبة لا يخرج عن سابقيه -أي: عند المالكية، والحنابلة- بدليل قوله: وهذا يعم الأنواع الثلاثة.

رابعًا: عند الحنابلة قال البهوتي: “العصبة: من يرث بغير تقدير، وإن انفرد أخذ المال كله، وإن كان معه ذو فرض أخذ ما فضل عنه”. وهذا التعريف لا يخرج أيضًا عن التعاريف الثلاثة السابقة.

وبذلك تكاد تكون كلمة الفقهاء قد تقاربت في تعريف واحد أو تفسير واحد للعصبة، وإن اختلفت ألفاظهم على الشيء، ومع ذلك فإن جميعها لا تخلو من نقد؛ يقول الباجوري في حاشيته: “لا تجد تعريفًا للعاصب سالمًا من الانتقاد”.

ويقول ابن عابدين: “وبالجملة, فتعريف العصبة لا يخلو عن كلام، ولو بعد تحليل المراد فإنه لا يدفع الإيراد”؛ ولذلك قال ابن الهائم في كفايته: “وليس يخلو حده من نقض فينبغي تعريفه بالعد؛ وذلك لأن تعريف العاصب بأنه كل من أحرز المال، أو ما يفضل بعد الفرض”.

يقول عنه الشنشوري في فوائده: “هذا تعريف للعاصب بالحكم، والتعريف بالحكم دوري, أي: موجب للدور؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فصار التعريف متوقفًا على المعرف بواسطة أخذ المحكم فيه، ومن المعلوم أن المعرف متوقف على التعريف, فتوقف كل منهما على الآخر, فمن هنا جاء الدور، أو بعبارة أخرى: أنه يلزم عليه أن معرفة العاصب متوقفة على معرفة حكمه، ومعرفة حكمه متوقفة على معرفته”.

هذا وقد اختلف في الإرث بالفرض والتعصيب؛ أيهما أقوى؟ على قولين: جزم العلامة ابن الهائم -رحمه الله- أن الإرث بالفرض أقوى؛ لتقدمه ولعدم سقوطه بضيق التركة. وقال العلامة الرشيد -رحمه الله- بعكس ما قال ابن الهائم؛ لأن به يستحق كل المال.

فالعلامة الرشيد رجح الإرث بالتعصيب على الإرث بالفرض؛ لأن العاصب يستحق بالتعصيب كل المال عند انفراده, ولأن ذا الفرض إنما فرض له لضعفه لئلا يسقطه القوي؛ ولهذا كان أكثر من فرض له الإناث، وكان أكثر من يرث بالتعصيب الذكور, فالأصل في الذكور التعصيب والأصل في الإناث الفرض, فالتعصيب أقوى من الفرض؛ لأنه أصل في الأقوى. واختار الشنشوري -رحمه الله- ما قاله شارح (الجعبرية)، وقال: “إن الذي قاله شارح الجعبرية هو الذي ينبغي اعتماده” أي: إن الراجح أن الإرث بالتعصيب أقوى على الإرث بالفرض.

أنواع العصبة:

العصبة نوعان: عصبة نسبية، وعصبة سببية.

فالعصبة النسبية هي القائمة على صلة القرابة والنسب؛ وهم أقارب الميت من الذكور، وكذلك الإناث اللائي تعصبن بغيرهن، أو مع غيرهن كما سنبينه بمشيئة الله تعالى بالشرح والتفصيل في حينه، والعصبة السببية قائمة على سبب هو الولاء والعتق، وهو ثابت للمعتق ولعصبته, على ضوء ما سنبينه إن شاء الله تعالى كذلك في حينه.

error: النص محمي !!