Top
Image Alt

تعريف العقل

  /  تعريف العقل

تعريف العقل

والعقل: الحجر والنُّهى ضد الحمق، والجمع عقول، وعقل يعقل عقلًا ومعقولًا، وهو مصدر، قال سيبويه: “هو صفة”، وكان يقول: إن المصدر لا يأتي على وزن مفعول ألبتة، ويتأول المعقول فيقول: كأنه عقل له شيء أي: حُبس عليه عقله، وأيَّدَ وشُدَّد. وعقل فهو عاقل وعقولٌ وعقول من قوم عقلاء.

قال ابن الأنباري: “رجل عاقل وهو الجامع لأمره ورأيه، مأخوذ من عقلت البعير إذا أجمعت قوائمه، وقيل العاقل الذي يحبس نفسه ويردها عن هواها”، أخذ من قولهم: قد اعتقل لسانه إذا حبس ومنع الكلام، والمعقول ما تعقله بقلبك، والمعقول العقل يقال: ما له معقول أي: عقل، والعقل التثبت في الأمور، والعقل القلب، والقلب العقل.

وسمي العقل عقلًا؛ لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك أي: يحبسه، ويعرف العقاد العقل بقوله: “هو العقل الذي يعصم الضمير، ويدرك الحقائق، ويميز الأمور، ويوازن بين الأضداد، ويتبصَّر، ويتدبر، ويحسن الإدراك والرواية”.

وفي (التعريفات) للجرجاني: “العقل جوهر يدرك الغائبات بالوسائط، والمحسوسات بالمشاهدة”، وقد ورد في القرآن الكريم الحديث عن التفكر، والتدبر، والتعقل والعلم في آيات كثيرة، وكلها دعوات لإعمال العقل، تلك النعمة التي أنعم الله بها على الإنسان، فميَّزه عن الحيوان، وبغيره يعود إلى حيوانيته، قال تعالى: {أَمْ تَحْسَبُ أَنّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاّ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلّ سَبِيلاً} [الفرقان: 44]، وقال: {إِنّ شَرّ الدّوَابّ عِندَ اللّهِ الصّمّ الْبُكْمُ الّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} [الأنفال: 22].

والمنهج العقلي في الدعوة إلى الله تعالى لا يكون دفعة واحدة، وإنما لا بد من تغيير النفوس شيئًا فشيئًا، وإعدادها لتقبل أوضاع جديدة، وتهيئة النفوس التائهة لتقبل الحق، كما نهيئ الطفل للفصام بعد الرضاعة، فإن أنت منعته مرة واحدة؛ أصبته بضرر بالغ قد يهلكه، وإن أنت أخذته بالتدريج أعنته على الاعتماد على نفسه.

إما الخطوة الأولى على طريق الإصلاح تبدأ من الداعية نفسه حين يتأكد من سلامة القاعدة التي ينطلق منها للإرشاد والتوجيه، وإلا أصبح كحاطب ليل لا يدري أيَّ شيء يمسك، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال: ((نضَّر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها، فأداها فكما سمعها، فربما مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه))، ((خاطبوا الناس على قدر عقولهم)).

أنت أيها الداعية المسلم تتعامل مع بشر، تعيش في دنيا لها جواذب، ونفس لها شهوات، فإن لم تعرف المداخل والأبواب التي تدخل منها إلى النفس؛ فإن الفشل سيصيبك لا محالة، وأكبر خطأ يرتكبه الداعي مع من يدعو أن يبدأ معه حيث انتهى هو فهمًا، وقولًا، وعملًا، وينسى أولى الخطوات التي بدأها هو نفسه، فقد يكون حاله وقت ذاك أسوأ من حال الذي يدعوه الآن، {كَذَلِكَ كُنْتُمْ مّن قَبْلُ فَمَنّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيّنُواْ} [النساء: 94]؛ ولذلك فإن الداعي لا بد أن يبدأ مع من يدعو من حيث النقطة التي انتهى إليها فهم المدعو، وليس من النقطة التي انتهى إليها فهم الداعي.

واستمع إلى فقه عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يقول: “والله لا أستطيع أن أخرج لهم شيئًا من أمر الدين إلا ومعه طرف من الدنيا أستلين به قلوبهم؛ خوفًا من أن ينخرق عليَّ من لا طاقة لي به”. قال ابن عقيل في (الفنون): “حرام على عالم قوي الجوهر أدرك بجوهريته وصفاء نحيزته علمًا أطاقة فحمله أن يرشح به إلى ضعيف لا يحمله ولا يتحمله، فإنه يفسده”. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: ((نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم)).

وقال ابن الجوزي: “لا ينبغي لعالم أن يملي ما لا يتحمله عقول العوام”. وقال البخاري: “قال علي رضي الله عنه: حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون، أتحبون أن يُكذب الله ورسوله” أو قال ابن مسعود: “ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلَّا كان فتنة لبعضهم”. وكم كان السلف الصالح حكيمًا فقيهًا، واعيًا يخاطب الناس على قدر عقولهم، ولا يحملهم ما لا يطيقون”.

ونحن نرى اليوم بعض الإخوة المخلصين لا يلتفت إلى هذا المبدأ، وكل ما يهمه أن يصحح عقائد الناس بطريقة ينفر منها أكثر الناس، وتراهم يخاطبون الناس جميعًا لا فرق عندهم بين عالم وجاهل، أمي ومتعلم، حضري أو ريفي، الكل عندهم سواء في الخطاب، ويناقشون معهم مسائل لو عرضت أئمة كبار؛ لتحرج أن يتكلم فيها.

فإذا عرضوا التوحيد عرضوه بصورة أكاديمية علمية عقلية بصرف النظر عن مستوى المدعو من الثقافة الإسلامية، أو التعليم العام، وليتهم يقرءون ما رواه البخاري عن المقداد بن معد يكرب مرفوعًا: ((إذا حدثتم الناس عن ربهم، فلا تحدثوهم ما يعزب عنهم ويشق عليهم)).

ولقد روى الحاكم في تاريخه عن النضر بن شميل قال: “سئل الخليل عن مسألة فأبطأ بالجواب فيها، قال: فقلت: ما في هذه المسالة كل هذا النظر. قال: فرغت من المسألة وجوابها، ولكني أريد أن أجيبك جوابًا يكون أسرع إلى فهمك”.

وانظر إلى ما قاله الشافعي: “لو أن محمد بن الحسن كان يكلمنا على قدر عقله ما فهمنا عنه، ولكنه كان يكلمنا على قدر عقولنا فنفهمه” إنها دروس مستفادة من سلفنا الصالح، ومن علمائنا الأجلاء الذين تعلموا منهج الدعوة من رسولهم صلى الله عليه وسلم، وهاك درس منها فاسمعه إن شئت: روى البخاري عن أبي معبد مولى ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: ((إنك ستأتي قومًا من أهل الكتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتقِ دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)).

أرأيت إلى المنهج القويم، والأسلوب الحكيم في دعوة الناس، إنه صلى الله عليه وسلم يُعلم معاذ أسلوبًا من أساليب التدرج في الدعوة خطوةً فخطوة، تخفيفًا على العقل في القبول، وتوطئته للتنقل من شيء إلى شيء عن طريق الرغبة والاشتياق، فهل يعي الشباب الداعي إلى الله هذه الدروس المستفادة.

تأخير البيان: هناك حكمة تقول: “لا كل ما يعرف يقال، ولا كل ما جاز قوله جاء زمانه، ولا كل ما جاء زمانه جاء أهله ورجاله”. يقول كثير من العلماء بجواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة والعمل، فقد جاء الخطاب بكثير من الفرائض، ولكن لم يبينها الرسول صلى الله عليه وسلم إلا عند الحاجة والعمل، فقد فرضت الصلاة ثم لم يبينها الرسول صلى الله عليه وسلم إلا عندما تعلمها من جبريل عليه السلام، وقال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي))، وكذلك الحج فرض ثم بينه عندما حج، وقال: ((خذوا عني مناسككم))، ويقول ربنا تبارك وتعالى: {إِنّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ}(17) {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتّبِعْ قُرْآنَهُ}(18) {ثُمّ إِنّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 17- 19].

فاتبع أي: فاستمع وأنصت، وبيانه أي: علينا أن تقرأه، ويُحتمل أن يُراد بالبيان بيان مجملاته، وتوضيح مشكلاته؛ فيستدل به على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، كما هو الصحيح في الأصول، فالبيان هنا متأخر عن الاتباع وفي كلام الناس قد يقول الرجل: “لي إليك حاجة مهمة، ولا يبين هذه الحاجة، وقد يقول: وليتك ولاية كذا، وسأبعث إليك مذكرة بتفصيل ما تفعل، كل ذلك حتى يستوعب العقل ما يعرض عليه، وإلا أصبح فتنةً كما أخبرنا ابن عباس مرفوعًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا تحدثوا أمتي من أحاديثي إلا ما تحمله عقولهم، فيكون فتنة عليهم)).

واسمع إلى ما كتبه عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن عدي: “إن للإيمان فرائض وشرائع، وحدودًا وسننًا فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، فإن أعش فسأبينها لكم حتى تعلموا بها، وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص”.

وقد يقصد بالفرائض الأعمال المفروضة والشرائع أي: العقائد الدينية، وحدودًا يعني: المنهيات، وسننًا أي: المندوبات، سأبينها لكم لا يقصد الأصول فهي معروفة، الرحيم بنا يعلمنا، واسمع إلى فقه الإيمان الفخر، وهو يقول عن طلاق الرجعة: “أن الإنسان مادام مع صاحبه لا يدري هل تشق عليه المفارقة أم لا، فإذا فارقه عند ذلك يظهر، فلو جعل الله الطلقة الواحدة مانعة من الرجوع؛ لعظمت المشقة على الإنسان، إذ قد تظهر المحبة بعد المفارقة”.

ثم لما كان كمال التجربة لا يحصل بالمرة الواحدة، أثبت تعالى حق المراجعة بعد المفارقة مرتين، وهذا التدريج والترتيب يدل على كمال رحمته تعالى، ورأفته بعباده.

error: النص محمي !!