Top
Image Alt

تعريف العقيدة وأهميتها والمناهج في إثباتها، ومعنى الشريعة وبيان أن التشريع حق لله تعالى وحده

  /  تعريف العقيدة وأهميتها والمناهج في إثباتها، ومعنى الشريعة وبيان أن التشريع حق لله تعالى وحده

تعريف العقيدة وأهميتها والمناهج في إثباتها، ومعنى الشريعة وبيان أن التشريع حق لله تعالى وحده

أولًا: تعريف العقيدة وأهميتها، والمناهج في إثباتها:

أ. تعريف العقيدة لغة واصطلاحًا:

العقيدة في اللغة: مأخوذة من الفعل “عَقَدَ”، وهذا الفعل مداره في اللغة على اللزوم والتأكد والاستيثاق، قال تعالى في القرآن الكريم: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَـَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقّدتّمُ الأيْمَانَ} [المائدة: 89]، وتعقيد الأيمان إنما يكون بقصد القلب وعزمه، بخلاف لغو اليمين التي تجري على اللسان بدون قصد، والعقود هي أوثق العهود، ومنها قول الله تعالى: {يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1]، وهذا في الحقيقة يبرز شيئًا من مكانة العقيدة، حينما تؤخذ من هذه المادة، ألا وهو “عَقَدَ” الدالة على اللزوم والتأكد والاستيثاق، ومعنى هذا أنها عقيدة يجب أن تكون ملازمة للإنسان، مستوثقًا منها، وأن يكون قائمًا عليها، قامت في قلبه بيقينٍ واستيثاقٍ وتأكيد.

تعريف العقيدة في الاصطلاح: العقيدة في الاصطلاح: هي الأمور التي تُصَدِّقُ بِهَا النفوس، وتطمئن إليها القلوب، وتكون يقينًا عند أصحابها، لا يمازجها ريب، ولا يخالطها شك، وأصول عقائد الدين التي جاءت من عند الله -تبارك وتعالى- حددها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: ((الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقَدَر خيره وشره من الله تعالى)).

ب. أهمية العقيدة:

العقائد: هي الركائز والأسس التي تقوم عليها المبادئ والشرائع، فالبشر أَسَرَى للمعتقدات والأفكار؛ فالذين يعتقدون أن الله هو ربهم ومعبودهم، وأن مصيرهم إليه، وأن الدنيا معبر وطريق، يقيمون حياتهم وفق شريعة الله؛ بحيث تهيمن هذه الشريعة على تصرفاتهم وأعمالهم، والذين كفروا بالله، وقالوا بأزلية المادة، أقاموا حياتهم وِفْقَ مُعْتَقَدَاتِهِم، وعملوا لهذه الحياة، وقد قال الله عنهم: {وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاّ حَيَاتُنَا الدّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاّ الدّهْرُ} [الجاثية: 24].

فهناك مَنْ أَلَّهُوا الأبقار، وفَضَّلُوهَا عَلَى آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ، وَقَدَّمُوا لَهَا الْقَرَابِينَ وَالنذور، وَحَرَّمُوا ذبحها، وهناك مَنْ عَبَدُوا النيران والأشجار والأحجار والشمس والقمر، وكل هذه العقائد في الحقيقة تظهر أهميتها في أنها تستولي على أنفس أصحابها، وتدفعهم لبذل أموالهم وأنفسهم في سبيل تحقيق ما يعتقدونه، وهم راضون مطمئنون، وهذا يفسر لنا السر في انْتِصَارِ أَصْحَابِ الْعَقَائِدِ، وَعَدَمِ تَنَازُلِهِمْ عَنْ مَبْدَئِهِمْ، على الرغم من الآلام والمصائب التي تعترض طريقهم، وَضَلَالُ الْإِنْسَانِ في معتقده يجر عليه البلاء، ويضل عمله وسعيه، واعتبر في هذا بالذين قدسوا الأصنام؛ كيف أهانوا أنفسهم؟ وكيف ضيعوا أموالهم؟ وكيف سُفِكَتْ دِمَاؤُهُمْ عندما حاربهم المسلمون؟ وعندما يقومون لمحاربة دين الله -تبارك وتعالى- فيخسرون بذلك أنفسهم وأهليهم، وفي النهاية يخلدون في النار وبئس المصير.

وأعظم خلافٍ حصل على مدار التاريخ هو الاختلاف حول قضايا الاعتقاد؛ ولذلك كانت أعظم مهمات الرسل تصحيح عقائد البشر الزائفة؛ فأرسل الله عز وجل الأنبياء والمرسلين كَيْ يَرُدُّوا النَّاسَ إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمْ الْحَقّ؛ فَنُوح عليه السلام نَهَى قومه عن عبادة الأصنام والأوثان فلم يستجيبوا: {وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً} [نوح: 23]، وإبراهيم عليه السلام قال لقومه مناقشًا إياهم فيما يعبدون: {قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرّونَ (73) قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [الشعراء: 72-74]، وقال القرآن للعرب منكرًا عليهم: {أَفَرَأَيْتُمُ اللاّتَ وَالْعُزّىَ (19) وَمَنَاةَ الثّالِثَةَ الاُخْرَىَ (20) أَلَكُمُ الذّكَرُ وَلَهُ الاُنْثَىَ (21) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىَ} [النجم: 19-22]، ونسب الضَّالُّونَ الولد إلى الله: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ} [التوبة: 30]، والنصارى زعموا في عيسى ما زعموه: {وَقَالَتْ النّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ} [التوبة: 30].

ولقد ذكر الله عز وجل معتقدهم الآثم في أكثر من آية، وزعم العرب أن الملائكة إناث: {وَجَعَلُواْ الْمَلاَئِكَةَ الّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرّحْمَـَنِ إِنَاثاً} [الزخرف: 19] وذلك ولا شك إفكٌ كبير: {فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (149) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ (150) أَلاَ إِنّهُم مّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (151) وَلَدَ اللّهُ وَإِنّهُمْ لَكَاذِبُونَ (152) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَىَ الْبَنِينَ (153) مَالَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (154) أَفَلاَ تَذَكّرُونَ (155) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مّبِينٌ} [الصافات: 149-156].

واختلف البشر في صفات ربهم، وَنَسَبُوا إِلَيْهِ الْقَبَائِحَ، فَالْيَهُودُ -عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ- قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أيام، وتَعِبَ في اليوم السابع واستراح، فأكذبهم الحق في مقالتهم أنه تعب وقال: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتّةِ أَيّامٍ وَمَا مَسّنَا مِن لّغُوبٍ} [ق: 38]، ومن افتراءاتهم على الله قولهم: {يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ} [المائدة: 64]، وهذه الخلافات العقائدية تسبب اختلافًا بين الأمم، بل بين أبناء الأمة الواحدة؛ فيتعادون، ويتباغضون، ثم يتقاتلون، ويتناحرون، وما خبر الحروب الدينية التي قامت بين النصارى عنا ببعيد، وقد أهلكت الحرث والنسل، وصدق الله إذ يقول: {وَمِنَ الّذِينَ قَالُواْ إِنّا نَصَارَىَ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظّاً مّمّا ذُكِرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَىَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [المائدة: 14].

أما العقيدة الصافية المستقيمة فإنها تجلب المودة والمحبة بين البشر؛ قال سبحانه: {وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً} [آل عمران: 103]، والعقيدة التي جاء بها الرسل ضرورية للبشر ضرورة الماء والهواء؛ لأنها تُحَرِّرُ الْعَقْلَ مِنَ الخرافات، وَتُفَسِّرُ للإنسان لُغْزَ الحياة، وتدله على مصدر وجوده، ومصدر وجود الكون، كَمَا تُعَرِّفُهُ العلاقة التي بينه وبين الله، وبينه وبين الكون، وتحدثه عن العوالم الأخرى التي هي من عالم الغيب، وَتُبَصِّرُهُ بِمَصِيرِهِ بعد الحياة، والإنسان إذا لم يَجِدِ الإجابة الشافية عن هذه القضايا؛ فإنه سيبقى متعبًا قلقًا حائرًا.وخير دليل على ذلك حال الفلاسفة والمفكرين الذين لم يهتدوا بهدي الله، فقد عانى هؤلاء كثيرًا وأصابهم الإرهاق الفكري والتعب النفسي.

لذلك جاءت العقيدة الإسلامية لتصلح الحياة الدنيا كافة وذات الإنسان خاصة؛ لتستقيم نظرته فيعبد ربًّا واحدًا، ويعرف أنه خُلِقَ لغاية كريمة، وأن مراده ونهايته إلى رب العزة -سبحانه- فلا يعيش إلا لله، ولا يصرف همه إلا في مرضاة الله.

جـ. المناهج في إثبات العقائد: هناك منهجان لمعرفة قضايا الاعتقاد، أولها: منهج الرسل، وَهَذَا الْمَنْهَجُ يَقِفُ الْعَقْلُ الْإِنْسَانِيُّ فِيهِ عِنْدَ حَدِّ التَّصْدِيقِ بالله -تَبَارَكَ وَتَعَالَىَ-، ثم بعد ذلك يتلقى عن الله عقيدته في الله، وملائكته، ورسله، واليوم الآخر، والقدر.

والعقل الإنساني هنا يتدبر وحي الله ويفقهه، ولا يخوض في هذه القضايا بعيدًا عما أوحى الله إليه، وعلى المسلم في هذه الحال أن يتأكد من صدق نسبة النصوص إلى الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذه النصوص -إن كانت صادقة- وجب عليه أن يترك رأيه وهواه، وَيُحَكِّمُ ما أَوْحَاهُ اللهُ، وهذا المنهج يمكن أن نطلق عليه “المنهج الإيماني القرآني النبوي”، وعمدة هذا المنهج: الأخذ بنصوص الكتاب وصحيح حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسائل الاعتقاد.

المنهج الثاني: منهج الفلاسفة الذين رفضوا الاحتكام إلى الشرع، وأصروا على أن يضربوا في بَيْدَاءَ شَاسِعَةٍ من غير دليل فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا، لقد غفل هؤلاء على أن العقل لا يستطيع أن يخوض في هذه الميادين بنفسه؛ لأنها قضايا غيبية، لا تدخل في نطاق قدرات العقول البشرية.

ولذلك فإن الفلاسفة كانوا أعدى أعداء الرسل، وقد تأثر كثير من المنتسبين إِلَى الإسلام بهؤلاء الفلاسفة، فاحتكموا إلى الموازين والمقاييس العقلية التي أخذوها من أولئك الفلاسفة، وعارضوا بها الشرع، وَحَكَّمُوهَا فِي الشَّرعِ، وردوا بها كثيرًا من الأحكام الشرعية بحجة أن الأدلة العقلية يقينية، والأدلة الشرعية كثير منها ظني الثبوت والدلالة.

فرد هؤلاء أحاديث الآحاد في العقيدة، ومنهم من رَدَّهَا في العقيدة والأحكام، ومنهم من لم يأخذ بنصوص الكتاب؛ لكونها ظَنِّيَّةَ الدلالة، ويمكننا أن نسمي هذا المذهب “المذهب الفلسفية الكلامي”، وهذا فريق من الناس أكثر الناس اختلافًا وتناقضًا، وَقَدْ حَذَّرَ الْعُلَمَاءُ الجَهَابِذَةُ من مَغَبَّة السير في هذه الطريق، وبعض سالكيه تراجع عنه جزئيًّا أو كليًّا بعد أن عرفوا ما فيه من اعوجاج، والطريق الأول: طريق الرسل، وهو طريق سهل قصير مأمون العواقب.

أما هذا فإن سالكيه لا يصلون إليه إلا بعد أن يقتحموا لُجَّةَ البحر الخضم؛ فمنهم من أوجب الشك أولًا، ومنهم من أوجب النظر، أو القصد إلى النظر، ومنهم الذين نادوا بتعلم الرياضيات، والطبيعيات، ومنهم من قال: نبدأ بالمنطق ثم الطبيعيات والرياضيات، وهي علوم لا يتقنها إلا الخاصة؛ فكيف يتيسر لعوام الناس تعلمها؟

إن الوحي عندنا أساس، والعلم السماوي هو نور العقل، والعلم السماوي يُعَرِّفُنَا بربنا وأنفسنا والكون من حولنا، ولسنا بحاجة إلى مقاييس الفلاسفة وموازين المتكلمين.

قيل لابن عباسٍ رضي الله عنه: كيف عرفت ربك؟ قال: “عرفت ربي بربي، ولولا ربي ما عرفت ربي” وقد صدق الوقل حقًّا؛ فوالله لولا الله لما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا.

وإذا كان العقل يستضيء بنور الوحي؛ فإن الوحي السماوي قد حَوَى الأدلة العقلية الباهرة، وألزم العقل بالنظر في ملكوت السموات والأرض، والتفكير في ذلك في قدرة العقل ومؤنته، وهذا التفكر يؤكد الإيمان ويقويه، كما قال تعالى: {إِنّ فِي خَلْقِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفِ الْلّيْلِ وَالنّهَارِ لاَيَاتٍ لاُوْلِي الألْبَابِ (190) الّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكّرُونَ فِي خَلْقِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ رَبّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النّارِ} [آل عمران: 190-191].

د. ملاحظات مهمة في المسائل الاعتقادية:

بعد أن بَيَّنَّا أنَّ المنهج الصحيح والصواب في المسلك الذي يجب أن يسلكه الإنسان هو أن يلتزم بنصوص الكتاب والسُّنَّة، وهو مذهب الأنبياء والمرسلين، نشير إلى بعض الملاحظات المهمة التي تتعلق بالمسائل الاعتقادية، وهي كما يلي:

أولًا: إن العقيدةَ عقيدةٌ غيبية، وليست أمورًا محسوسة؛ فالله غيب، وكذلك الملائكة، واليوم الآخر، والقدر؛ أما الرسل والكتب فالإيمان بها إنما يكون بالتصديق بنسبتها إلى الله تعالى -أي: أن الله عز وجل أرسل الرسل، وأنزل الكتب- فهذا غيب، وهناك قضايا هامة أُلْحِقَتْ بمسائل الاعتقاد، وبُحِثَتْ فِي كُتُبِ العقيدة لأهميتها، وأمور الإيمان بصورة عامة التي جاءت من عند الله -تبارك وتعالى- كلها أمور غيبية –ونعني بذلك: مسائل الإيمان وأركان الإيمان- فالله غيب، والملائكة كذلك، والأنبياء، والمرسلون، واليوم الآخر، والقدر؛ خيره وشره، كل ذلك أركان الإيمان، وهي مسائل غيبية، وهي سمة من سمات هذا الدين.

ثانيًا: إن مصدر هذا الغيب هو الوحي السماوي الصادق؛ فالغيب مصدره من رب العزة والجلال سبحانه وتعالى، ونحن إذا علمنا شيئًا من الأمور المستقبلية، أو عَلَّمَ الله عز وجل بعض أنبيائه شيئًا من ذلك، فإنما هذا من الله سبحانه وتعالى وحده، وعِلم الغيب عند الله سبحانه وتعالى وحده دون سواه، قال جل ذكره: {الَمَ (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لّلْمُتّقِينَ (2) الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصّلاةَ وَممّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة: 1-3].

فالإيمان بالغيب أمارة من أمارات الإيمان، بل هي صفة من الصفات الجليلة للمؤمنين، وطالما أنهم يؤمنون بالغيب دَلَّ ذلك على أنهم لا يعلمونه، ويصدقون به، وأن مصدره هو رَبُّ الْعِزَّةِ والجلال سبحانه وتعالى، والإيمان بالغيب يقابله عدم التصديق إلا بالمحسوس -كما هي نظرية الشيوعيين-، وقد باء هؤلاء بالخسران لما لم يؤمنوا برب العزة والجلال سبحانه؛ لأنهم لا يشاهدونه، وهذا يَدُلُّ عَلَى فساد عقولهم وفساد معتقدهم.

ثالثًا: إن مسائل العقائد يَقِينٌ، فلا تصح العقيدة مع الشَّكِّ؛ فالشك ينافي الاعتقاد الصحيح، قال تعالى: {إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ الّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمّ لَمْ يَرْتَابُواْ} [الحجرات: 15]، وهذا في الحقيقة مدح لهذا الإيمان، مدح لهم؛ لأنهم آمنوا دون ارتياب، آمنوا بيقين واعتقادٍ سليم، بخلاف حال الذين ذَمَّهُمُ الله لِرَيْبِهِمْ وَشَكِّهِمْ، فقال عنهم: {وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدّدُونَ} [التوبة: 45].

رابعًا: العقيدة في الإسلام وحدة متشابكة مترابطة؛ إذا هُدِمَ أصل من أصولها خرج صاحبها من دائرة الإسلام، فالذي يكفر باليوم الآخر أو الجنة أو النار، أو يُكَذِّبُ الرسلَ أو واحدًا منهم، أو يكذب بالملائكة أو بواحدٍ منهم، أو بشيء مما أخبر الله عز وجل به فهو كافر، وإن آمن بغيره، قال تعالى: -في الذين يكفرون ببعض أصول الاعتقاد-: {إِنّ الّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً (150) أُوْلَـَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً} [النساء: 150-151].

وقد ذَمَّ الله أَهْلَ الْكِتَابِ لِكُفْرِهِمْ بِمَا أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم، وَفِي هَذَا يقول تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ وَهُوَ الْحَقّ مُصَدّقاً لّمَا مَعَهُمْ} [البقرة: 91].

ومن هنا يظهر لنا خطأ إطلاق اسم الإيمان على الذين يؤمنون بوجود الله من الكفار، ولو لم يعبدوه ويوحدوه، ولو لم يؤمنوا بملائكة الله وكتبه ورسله واليوم الآخر؛ فالإيمان بوجود الله وحده لا يكفي، ولا يُطْلَقُ على العبد هذا الاسم إلا إذا أتى بجميع أركان الإيمان؛ فإذا ترك بعضها أو أنكر واحدًا منها فقد هدم بذلك إيمانه.

خامسًا: الاعتقاد الجازم لا يكفي وحده؛ ذلك لأن فرعون جزم بأن الآيات التي جاء بها موسى من عند الله عز وجل هي من الله -تبارك وتعالى-، ولقد ذكر الله ذلك عنه وعن قومه: {وَجَحَدُواْ بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً} [النمل: 14].

وإبليس جازم بصدق الرسل والكتب، ولكن لَمَّا لم يعملوا، ويرضوا، ويسلموا ما قُبِلَ منهم بحال؛ إذًا التصديق فقط لا يكفي وحده، بل لا بد من الاعتقاد الجازم من الرضا بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمدٍ صلى الله عليه وسلم نبيًّا ورسولًا، ولا بد من الإعلان عن ذلك باللسان، وتصديق ذلك بالعمل -أي: أن يذعن الإنسان وينقاد لله تعالى، فما آمن أبدًا من اعتقد ورفض الخضوع والطاعة لله، كما هو حال الشياطين والمستكبرين.

سادسًا: كلُّ من أنكر شيئًًا منأصول الاعتقاد أو فروعه المعلومة من الدين بالضرورة؛ فإنه كافر لا شك في كفره؛ أما الذي يترك عملًا من الأعمال الشرعية الواجبة، أو يفعل شيئًا مما حرمه الله فإنه يكون عَاصِيًا، والذين يُكَفِّرُوْنَ بالذنوب والمعاصي هم الخوارج، أَمَّا منهج السَّلَفِ الصالح فإنَّ تَرْكَ الْوَاجِبَاتِ وَفِعْلَ الْمُحَرَّمَاتِ يُعَدُّ ذنبًا ومعصية تُشَوِّهُ الإيمان وتنقصه، ولكنها لا تزيله وتذهبه.

ولكن الذي يكفر به الإنسان هو إنكار شيء من أصول الاعتقاد الصحيح التي جاءت في كتاب الله، أو على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثانيًا: معنى الشريعة والأسس التي بنيت عليها:

أ. الشريعة لُغَةً: هي علم على جميع ما أنزله الله من أحكام، إلا أن بعض العلماء المتأخرين جعلوا الشريعة علمًا على الأحكام العملية دون غيرها.

إصطلاحًا -كما وضعه العلماء للأحكام العملية-: هو الفقه أو علم الفروع؛ ولذلك نُبَيِّن أن مدار الفقه في لغة العرب على الفهم والعلم، قال موسى عليه السلام في دعائه لربه: {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مّن لّسَانِي (27) يَفْقَهُواْ قَوْلِي} [طه: 27-28]، وقال قوم شعيبٍ -في خطابهم لنبيهم-: {قَالُواْ يَشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مّمّا تَقُولُ} [هود: 91].

وبعد مجيء الإسلام غلب اسم الفقه عل عِلمِ الدِّينِ؛ لسيادته وشرفه وفضله على سائر أنواع العلم، كما غلب النجم على الثريَّا، والعود على المِنْدِل، وقد كان اسم الفقه شاملًا للدين كله؛ فالفقه: فقه الكتاب والسنة، لا فرق في ذلك بين العقائد والعبادات، والأخلاق والمعاملات والأخبار.

يقول ابن عابدين: “المراد بالفقهاء: العالمون بأحكام الله تعالى؛ اعتقادًا وعملًا؛ لأن تسمية علم الفروع فقهًا حادثة”، ويؤيده قول الحسن البصري: إنما الفقيه الْمُعْرِضُ عن الدُّنيا، الرَّاغِبُ في الآخرة، البصير بدينه، المُدَاوِمُ على عبادة ربِّهِ، الوَرِعُ الكافُّ عن أعراض المسلمين، العفيف عن أموالهم الناصح لجماعتهم.

وقد خصَّ المتأخرون عِلمَ الفقه بفروع الدين دون أصوله -كما بَيَّنَ ابن عابدين- وقد عَرَّفُوه بقولهم: هو العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية. فقَصَرَ تعريف الفقه على العلم بالأحكام الشرعية العملية -أي: التي تتعلق بكيفية العمل، دون التي تتعلق بالاعتقاد أو الأخلاق.

وبعد أ، قصر الفقهاء علم الشريعة على علم الفقه، صح من هنا أن يقال: إن الإسلام عقيدة وشريعة.

ب. الأسس التي بنيت عليها الشريعة الإسلامية:

قَامت هذه الشريعة المباركة على أسس كثيرة، استقرأها العلماء من نصوص الكتاب والسُّنَّة، وأبرز هذه الأسس: اليسر، ورفع الحرج، وهذه الصفة بَيِّنَةٌ واضحةٌ في جميع أحكَام هذه الشَّريعة، وكونها مُيَسَّرَةً، لا حرج فيها هو نتيجة منطقية لسعتها وكمالها، وقد نَصَّ الله على هذا الْمَعْلَمِ في أكثر من موضعٍ في كتابه؛ فقال: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]، وقال سبحانه: {مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مّنْ حَرَجٍ} [المائدة: 6].

وقد بلغ اليسر في الشريعة إلى درجة التخفيف من الواجبات عند وجود الحرج، والسماح بتناول القدر الضروري من المحرمات عند الحاجة؛ فالذي لا يستطيع استعمال الماء لعدم القدرة عليه أُبِيحَ له التَّيَمُّمُ، كَمَا قال تعالى: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمّمُواْ صَعِيداً طَيّباً} [المائدة: 6]، والمريض والمسافر يباح لهما الفطر: {فَمَن كَانَ مِنكُم مّرِيضاً أَوْ عَلَىَ سَفَرٍ فَعِدّةٌ مّنْ أَيّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184]، وقال في حق الذي لا يجد قوتًا حلالًا: {فَمَنِ اضْطُرّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلآ إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 173].

وقال الرسول صلى الله عليه وسلم للمريض لما شكا له مرضه وعدم قدرته على القيام: ((صلِّ قائمًا؛ فإن لم تستطع فقاعدًا؛ فإن لم تستطع فعلى جنبك))، وكان من معالم اليسر في هذا الدين المبارك أن أباح الله لنا الطيبات، ولم يُحَرِّم علينا طعامًا ولا شرابًا إلا إذا كان خبيثًا، وإباحة الطيبات كلها راجع إلى قضاء الله تعالى في رفع تلك القيود التي حملتها تلك الأمم من قبلنا؛ فقد وضع الله على الذين هادوا آصارًا وأغلالًا بسبب تمردهم على ربهم، كما قال -جل ذكره-: {فَبِظُلْمٍ مّنَ الّذِينَ هَادُواْ حَرّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيّبَاتٍ أُحِلّتْ لَهُمْ وَبِصَدّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيراً (160) وَأَخْذِهِمُ الرّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النّاسِ بِالْبَاطِلِ} [النساء: 160-161].

وقال سبحانه: {وَعَلَى الّذِينَ هَادُواْ حَرّمْنَا كُلّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلاّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَآ أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنّا لَصَادِقُونَ} [الأنعام: 146]، ولكن هذه الشريعة جاءت برفع ذلك كله، وأتت باليسر ورفع الحرج؛ ولقد جاء النبي الأمي صلى الله عليه وسلم؛ ليرفع عن البشرية الآصار والأغلال التي حملتها عبر الأمم أو عبر القرون السابقة، قال سبحانه: {الّذِينَ يَتّبِعُونَ الرّسُولَ النّبِيّ الاُمّيّ الّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلّ لَهُمُ الطّيّبَاتِ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلاَلَ الّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 157].

لقد كان الوحي يتنزل، آخذًا النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه بمنهج اليسر، وَيُقَوِّمُ مِعْوَجَّ المسلمين في هذا الجانب، ويسددهم حين يقوم الانحراف، وَقَد فَقِهَ الرسول صلى الله عليه وسلم هذا المنهج الذي أراده الله بهذه الأمة، فقام على تحقيقه في نفسه وفي الآخرين، فكانت حياة الرسول صلى الله عليه وسلم يسرًا كلها؛ كيف لا؛ وقد وعده الله بأن يكون كذلك؟! {وَنُيَسّرُكَ لِلْيُسْرَىَ} [الأعلى: 8].

إن الناظر في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم يعجب لذلك اليسر المدهش الذي كان يأخذ به نفسه في عبادته ودعوته وتعامله مع أصحابه وأعدائه، ولقد كان صلى الله عليه وسلم يصوم من الشهر حتى يقول القائل: لا يُفْطِرُ. ويفطر من الشهر حتى يقول القائل: لا يصوم. وإذا وجد طعامًا أكل، وإذا وجد شرابًا -عسلًا أو غيره- شرب وإلا صبر.

يُدْعَى فيستجيب، ويُسْأَلُ فَيُعْطِي، في كَلَامَاتٍ قَلِيلَةٍ يُعَالِجُ أَمْرَاضًا نفسية اسْتَحْكَمَتْ فِي النفوس، وفي بساطةٍ وسهولة يقيم الحجة على الخصوم، وبالطريقة نفسها كان يقود المجتمع المسلم، ويقود الجيوش.

وكان صلى الله عليه وسلم يَرْقُبُ صحبته الكرام؛ فإذا رأى منهم ميلًا إلى التعسير ردهم إلى التيسير، وأرشدهم إلى الأخذ بالرفق، وقد وجههم توجيهًا عامًّا إلى هذا المنهج المبارك؛ فَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي صَحِيحِ البخاري ومسلم: ((يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا))، ((وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ ذَاتَ يَوْمٍ فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ؛ فَقَالَ: مَا هَذَا الْحَبْلُ؟ قَالُوا: حَبْلٌ لِزَيْنَبَ؛ فَإِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ بِهِ، فقال صلى الله عليه وسلم: لا، حلُّوه ليصلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ؛ فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ))، وهكذا يرد الرسول صلى الله عليه وسلم زوجته إلى اليسر إذا أتعبها طول القيام في صلاة الليل فلا حرج عليها أن تصلي قاعدة.

((وَدَخَلَ يَوْمًا عَلَى زَوْجِهِ عَائِشَةَ وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ وَكَانَتْ تَذْكُرُ مِنْ عِبَادَتِهَا، وَأَنَّهَا لَا تَنَامُ الْلَيْلَ، فَرَدَّهَا الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم (إِلَى الْمَنْهَجِ الوسط) قائلًا: مَهْ، عَلَيْكُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ))، إن التشديد على النفوس بالعبادة والطاعة نهج أخذ به المتعبدون أنفسهم في الأمم الخالية، ولم يكن منهجًا موفقًا؛ ولذلك حذرنا الرسول صلى الله عليه وسلم من سلوكه؛ ففي سنن أبي داود: ((لا تشددوا على أنفسكم فَيُشَدَّد عليكم؛ فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشُدِّدَ عَلَيْهِمْ، فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالديار {وَرَهْبَانِيّةً ابتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} [الحديد: 27]).

العدل: وهو الأساس الثاني من الأسس التي بنيت عليها الشريعة الإسلامية؛ حيث تتطلع الشعوب دائمًا إلى إيجاد قوانين تتصف بالعدل، وتنفي الظلم والجور، وكم يكون مصاب البشر أليمًا عندما يجدون القوانين التي يرجونها لإقرار العدل والإنصاف تُقَنِّنُ الظلم؛ بحيث يكون هو النظام الذي يحكم في رقاب العباد؛ إننا لا نريد بالعدل هنا تطبيق القاعدة القانونية، فجور القاضي وظلم الحاكم في الحكم بخلاف القانون ليس هو المراد هنا، بل المراد هو اتصاف القانون بالعدل.

إن الذين يضعون القوانين البشرية لا يمكنهم أن ينسلخوا من طبائعهم البشرية؛ ولذلك نراهم يميلون بالقوانين اتجاه الجهة الحاكمة، فَتعطيها من المصالح والمنافع ما لا تعطي غيرها، وهي في هذه الحالة تقرر الظلم، وهي تعلم بذلك.

وفي بعض الأحيان تضع القوانين الظالمة بسبب جهلها بالحكم العادل الذي يجب أن تقننه، وقد حدثنا الله تعالى عن طبيعة الإنسان فقال: {وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} [الأحزاب: 72]، فواضع القوانين البشرية بشر، فيهم ظلم وجهالة، وبسبب ذلك يقررون كثيرًا من القواعد القانونية التي تتصف بالظلم.

القوانين الوضعية اليوم تقر الربا، وتُبيح الزنا واللواط، وتجيز شرب الخمر، وتمنع من قتل القاتل واقتصاص الإنسان ممن اعتدى عليه، ولا تزال هذه القوانين تخص بعض فئات المجتمع بحقوق دون بقية أفراد المجتمع، وفي كثيرٍ من الأحيان يغلو واضعُ القانون في تقرير العقوبة فيقرر العقوبة العظيمة للذنب الحقير، وقد يحكم بالعقوبة على غير من ارتكب الجرم.

أما الشريعة الإسلامية فليست من وضع البشر، بل هي من عند خالق البشر الذي يتصف بالعدل التام وبالحكمة البالغة، يقول سبحانه: {وَلاَ يَظْلِمُ رَبّكَ أَحَداً} [الكهف: 49]، ويقول -جل ذكره-: {إِنّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرّةٍ} [النساء: 40]، ويقول -سبحانه-: {وَتَمّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاّ مُبَدّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنعام: 115]، قال قتادة: صدقًا فيما قال، وعدلًا فيما حكم.

وقال ابن كثيرٍ -رحمه الله-: كل ما أخبر الله به فحق لا مِرْيَةَ فيه، ولا شك، وكل ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل سواه، وكل ما نهى عنه فهو باطل؛ فإنه لا ينهى إلا عن مفسدة، كما قال تعالى: {يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلّ لَهُمُ الطّيّبَاتِ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ} [الأعراف: 157].

وإذا كان مُنَزِّلُ الشريعة مُتَّصِفًا بالعدل المطلق؛ فَإِنَّ شريعته لا بد أن تكون كذلك متصفةً بالعدل المطلق، فالأحكام الشرعية هي العدل، والعدل: هو الشريعة الإسلامية؛ فلا تميل القواعد الإسلامية الشرعية إلى جانب الحاكم ضد مصالح المحكوم، ولا تعطي الرجال حقوقًا بحيث تظلم النساء، ولا يمكن أن تخطئ المقدار المناسب للجريمة؛ لأن واضعها يتصف بالعلم المطلق الشامل سبحانه وتعالى.

حفظ مصالح العباد: وهو الأساس الثالث من الأسس التي بنيت عليها الشريعة الإسلامية؛ حيث يقرر علماء الشريعة -بعد استقرائهم لأحكام الشريعة ونصوصها- أن مقصد الشريعة الإسلامية هو تحقيق مصالح العباد على الوجه الأكمل؛ يقول ابن تيمية -رحمه الله-: “إن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها”. ويقول العز بن عبد السلام: “والشريعة كلها مصالح؛ إما تدرأ مفاسد، أو تجلب مصالح”.

وقد عالج الإسلام صلاح الإنسان بصلاح أفراده الذين هم أجزاء نوعه، وبصلاح مجموعه -وهم النوع كله-، فابتدأ الدعوة إلى إصلاح الاعتقاد الذي هو إصلاح مبدأ التفكير الإنساني الذي يسوقه إلى التفكير الحق في أحوال هذا العالم، ثم عالج الإنسان بتزكية نفسه وتصفية باطنه؛ لأن الباطن محرك الإنسان إلى الأعمال الصالحة، كما ورد في الحديث: ((لَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ)).

وقد عالج بعد ذلك إصلاح العمل، وذلك بالتشريعات التي أنزلها، فتشريع رَبِّ الْعَالَمِينَ رَاعَى -بلا شكٍ- مصالح العباد، والعقيدة الإسلامية والتشريعات الربانية التي جاءت من عند الله -تبارك وتعالى- كلها لمصلحة الإنسان، فقد جاءت كي ترفع قدر الإنسان، وترتفع به إلى مصاف الكرم والشرف والمنعة والغلبة، ثم بعد ذلك يكون مآله إلى جناتٍ ونهر.

التَّدَرُّجُ فِي التَّشْرِيعِ حين تَنَزُّلِ التشريع، وهو الأساس الرابع التي بنيت عليها الشريعة الإسلامية، والتدرج في التشريع نوعان:

الأول: التدرج في تشريع جملة الأحكام، بمعنى: أنها لم تُشْرَعْ كلها مرةً واحدة، وإنما شُرِعَتْ شيئًا فشيئًا؛ ففي ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنة فُرِضَتِ الصلاة، وفي السنة الأولى من الهجرة شُرِعَ الأَذَانُ والقتال، كما شرعت أحكام من النكاح -كالصداق والوليمة-، وفي السنة الثانية شرع الصوم وصلاة العيدين ونحر الأضاحي والزكاة، وَحُوِّلَتْ فِيهَا الْقِبْلَةُ، وأحلت الغنائم للمجاهدين، وفي السنة الثالثة كان تشريع أحكام المواريث وأحكام الطلاق، كما شرع الله قصر الصلاة في السفر وفي الخوف، وعقوبة الزنا، وأنزل الله أحكام التيمم والقذف، وكان أخيرًا فرض الحج.

وفي السنة السادسة أيضًا بَيَّنَ اللَّهُ أَحْكَامَ الصلح والإحصار، وفيها حرم الله الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، كما حَرَّمَ بعد ذلك الْحُمْر الإنسيَّة، وذلك في السنة السابعة من الهجرة النبوية، وَشَرَعَ أحكام المزارعة والمساقاة، وحد السرقة واللعان، وَمَنَعَ الكفار من دخول مكة، وفي السنة العاشرة حرَّم الربا تحريمًا، لا خفاء فيه.

النوع الثاني: التدرج في تشريع الحكم الواحد، فكثير من الأحكام لم تُشْرَعْ كما هي عليه الآن من أول الأمر، بل تَدَرَّجَ الشارع في شرعها، فالصلاة -مثلًا- فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ في أول الأمر، ثُمَّ زِيدَتْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَأُقِرَّتْ في السفر؛ ففي صحيح البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، ثم هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم فَفُرِضَتْ أَرْبعًا وَتُرِكَتْ صَلَاة السفر على الفريضة الأولى)).

وَلَمْ تُبَيَّنْ أحكام الصلاة جملةً واحدة، بل فصل الله ذلك على فترات، وكذلك الزكاة والصيام والجهاد والخمر؛ لم يحرمها الله مرةً واحدة، ولكنها حُرِّمَتْ على أحوال؛ فقد بين الله أولًا إِثْمَ شُرْبِ الْخَمْرِ، وَأَنَّ شُرْبَهَا أعظم من نفعها -إن كان فيها نفع- ثُمَّ بعد ذلك حَرَّم تناولها قرب الصلاة، فلا يجوز قربان الصلاة حال السكر، ثم حرمها بعد ذلك تحريمًا قاطعًا.

وكل ذلك تدرج في الأحكام؛ حتى يقبل العباد الأحكام الشرعية، ويقبلوا عليها دون مللٍ أو تدرج، فَلَوْ حُرِّمَتْ الخمر في بادئ الأمر أول مرة أو مرةً واحدة ربما صعب على الكثير أن يتركها، ولكن هذا التدرج كان مفيدًا للغاية، وهو سمة عظمة من سمات التشريع الإسلامي.

وهذه الأسس التي بنيت عليها الشريعة الإسلامية تجعلنا نُقْبِلُ عَلَى شَرِيعَةِ اللَّهِ عز وجل، وَأَنْ نَعْتَقِدَ وَنَعْلَمَ أَنَّ الْإِسْلَامَ لَيْسَ أَمْرًا عِلْمِيًّا فَحَسْب، أَوْ عَمَلِيَّةً قَلْبِيَّةً يعتقدها الإنسان بقلبه فقط، وَإِنَّمَا الْإِسْلَامُ وَالْإِيْمَانُ كُلٌّ مِنْهُمَا يَتَعَدَّى ذلك إلى عمل وشريعة لا بد أن يقوم بها الإنسان، وبهذه المناسبة أود أن أشير إلى سماحة ويسر وعدل ورحمة الشريعة الإسلامية؛ فالشريعة رحمة كلها، وعدل كلها، ومصلحة كلها.

ولو علم العالم ما في هذه الشريعة من خيرٍ ونفعٍ لهم في العاجل والآجل لأتوا إليها، ولتركوا الاحتكام إلى غيرها، ولأصبحوا جميعًا ينعمون بتحكيم شريعة الله عز وجل فالله عز وجل أعلم بما يصلح عباده؛ لأنه هو خالقهم، وقد أنزل عليهم ما يصلحهم؛ ولذلك نقول: هَلُمُّوا -معشر الناس- إلى شريعة الله -تبارك وتعالى.

ثالثًا: التشريع حق لله وحده دون سواه:

أ. بيان أن المُشرِّعَ هو الله وحده؛ الله وحده هو الذي يحق له أن يَسُنَّ التشريعات التي يخض لها العباد في حياتهم الخاصة والعامة، وهذا الحق أمر بَدَهِيٌّ في حس المسلم وتصوره، ذلك أن هذه الأرض التي نعيش عليها جزء من مملكة الله في كونه الواسع، والعباد الذين يدبون فوقها هم من صنعة الله وتكوينه وخلقه، فهو ربهم وإلههم وسيدهم ومن حقه سبحانه أن يُشَرِّعَ لَهم، فما هم إلا عبيده ومماليكه.

ومن ناحية أخرى فإن تشريعه لعباده هو التشريع الذي يُصلح عباده، ذلك أنه تشريع محكم كامل؛ لأنه من العليم الخبير، فلا تشريع أحسن ولا أكمل ولا أوفى من تشريع خالق السموات والأرض، قال تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ للّهِ أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوَاْ إِلاّ إِيّاهُ} [يوسف: 40]، وقال سبحانه: {كُلّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: 88]، وقال سبحانه: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مّنَ الدّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللّهُ} [الشورى: 21].

و((لما دخل عدي بن حاتم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ الآية: {اتّخَذُوَاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} [التوبة: 31] قال له عدي: ما عبدناهم، فقال صلى الله عليه وسلم: ألم يحلوا لكم الحرام، فتحلوه، ويحرموا عليكم الحرام فتحرموه؟! قال: بلى. قال: فبذلك عبدتموهم)).

وقد أمر الله المؤمنين باتباع الشرع الْمُنَزَّلِ، ونهى عن اتباع شرائع البشر المخالفة لشرع الله؛ قال تعالى: {اتّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مّن رّبّكُمْ وَلاَ تَتّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ قَلِيلاً مّا تَذَكّرُونَ} [الأعراف: 3].

ب. الإيمان يوجب التحاكم إلى شرع الرحمن: وهذا يبين ارتباط العقيدة بالشريعة، وهو ما يُعَبَّرُ عنه بالدين، فالدين عقيدة وشريعة، وكلاهما من عند الله عز وجل.

والإيمان الحق يوجب العمل بشريعة الله تعالى، كما قال سبحانه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوَاْ إِلَى الطّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوَاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشّيْطَانُ أَن يُضِلّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً} [النساء: 60]، وقال تعالى: {فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتّىَ يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمّ لاَ يَجِدُواْ فِيَ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مّمّا قَضَيْتَ وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً} [النساء: 65]؛ فمن شروط الإيمان أن يحتكم العبد إلى شريعة الرحمن سبحانه.

وبالتالي نقول: إن الإسلام عقيدة وشريعة، وعلينا الأخذ بالشريعة الإسلامية، نطبقها ونعمل بما جاء فيها، وبالتالي نكون قد طبقنا الإسلام والإيمان تطبيقًا عمليًّا.

error: النص محمي !!