Top
Image Alt

تعريف القسامة، ومشروعيتها، وكيفيتها

  /  تعريف القسامة، ومشروعيتها، وكيفيتها

تعريف القسامة، ومشروعيتها، وكيفيتها

القسامة لغة: تأتي في اللغة على عدة معان، منها: الهدنة بين العدو والمسلمين، كما تأتي -أيضًا- بمعنى: الحسن والجمال، والجمع: قَسامات. وهي كذلك من القَسَم، وهو اليمين بالله تعالى.

القسامة في اصطلاح الشرع: فهي اسم للأيمان المكررة على سبيل المبالغة، خمسين مرة في دعوى قتيل لم يعرف قاتله.

وبيان ذلك، فيما لو وجد شخص مقتولًا في محلة، أو موضع، أو دار، أو في سفينة، أو فلاة، أو غير ذلك من الأمكنة، ولم يعرف قاتله، هل يضيع دم القتيل هدرًا، أو أن الشريعة الإسلامية تضمنت ما يحفظ تلك الدماء؟

في سبيل ذلك، نجد العمل بالقسامة، والأمر يكون واضحًا في تلك الحالة، فيما إذا لو وجدت البينة بشاهدي عدل، أو تحقق الإقرار من الجاني بارتكاب جريمة القتل، هنا قد استبانت المسألة، واستقر الحكم، ولا خلاف في ذلك، ولا غموض أيضًا، فالحكم إما القصاص، أو الدية، أو العفو إن كان القتل عمدًا، أو الدية، أو العفو إن كان القتل خطأً، أو شبه عمد.

لكن، إذا لم يعرف القاتل، فلا مناص حينئذ، ولا مفر من العمل بالقسامة؛ إحقاقًا للحق، وحفظًا للدماء أن تذهب هدرًا.

والقسامة -كما يتبين لنا من خلال الحديث عنها- يظهر أنها خلاف ما تُعورف عليه في أصول الشرع من وجوب البينة على المدعي، واليمين على المنكر، فهي استثناء من هذه القاعدة الأساسية؛ إذ القاعدة والأصل المعروف: أن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر، لكننا نجد القسامة على خلاف هذا الأصل، وهذه القسامة لها أصل في الشرع، ولها قدم، فقيل: إن أول من قضى بها الوليد بن المغيرة في الجاهلية، ثم أقرَّها الشارع في الإسلام بما يتناسب وطبيعة هذا الدِّين من حيث الاعتدال، والنصفة، ونفي الشطط، فعلى ذلك، اختلف فقهاء الإسلام في مدى مشروعية الحكم بالقسامة، على رأيين:

الرأي الأول: يمثله جمهور الفقهاء، أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وداود الظاهري، والشيعة الإمامية، وغيرهم من أهل العلم، فقد ذهبوا إلى الحكم بمشروعية القسامة.

كيفية القسامة:

ذُكر في كتب الفقه: أنها تتمثل في أن يجرى الحلف بأيمان مكررة خمسين مرة، وذلك من أهل المحلة، أو الموضع الذي وجد فيه القتيل، وذلك أن يحلف خمسون رجلًا من أهل الموضع بالله ما قتلناه، ولا علمنا له قاتلًا، فإذا حلفوا غرموا الدية، أو يحلف من أولياء القتيل خمسون رجلًا، على أن القاتل من أهل هذه الدار، أو من أهل هذه السفينة، أو الجماعة المحصورة، أو نحو ذلك، أو أن يحلفوا -أيضًا- أن القاتل هو فلان على التعيين، أي: يكون الحلف على تعيين شخص معين بالقتل.

وهنا نقول: فإن كان القتل عمدًا، استحقوا على الجاني القود، أي: القصاص. وإن كان خطئًا فالاستحقاق على الدية، وهذا قول الجمهور من الشافعية، والحنابلة، والمالكية، وآخرين، إلا أننا وجدنا للمالكية، تفصيلًا في عدد الحالفين خلاصته، اشتراطهم ألا يحلف في العمد أقل من رجلين من العصَبات، وعليه، فتتم القسامة فيما لو حلف اثنان من العصبات فصاعدًا، على أن يكون عدد الأيمان خمسين يمينًا، فإذا كانوا مثلا: خمسين رجلًا، حلف كل واحد منهم يمينًا، وإن كانوا أقل من ذلك، قسمت الأيمان الخمسون بالتساوي، وإن كانوا اثنين حلف كل واحد منهما خمسًا وعشرين يمينًا، وهكذا.

الرأي الثاني في مدى مشروعية الحكم بالقسامة: ويرى هذا الفريق عدم جواز العمل بالقسامة، وممن قال بهذا: أبو قلابة، وعمر بن عبد العزيز. وقد احتجوا لما ذهبوا إليه: بأن القسامة تخالف أصول الشرع المُجمَع على صحتها، ومنها: أنه لا يحلف أحد إلا على ما عَلم قطعًا، أو شاهد حسًّا.

وإذا نظرنا إلى الأيمان في القسامة نجد فعلًا أنها تخالف هذا الأصل، فإذا كان الأمر كذلك، وخالفت القسامة أصول الشرع من جهة أنه لا ينبغي أن يحلف أحد إلا على ما عَلم قطعًا، أو شاهد حسًا، إذًا، فكيف -والأمر كذلك- يقسم أولياء الدم على ذلك، وهم لم يشاهدوا القتل، بل ربما يكونون في بلد، والقتل في بلد آخر.

كما استدلوا -أيضًا- على صحة ما ذهبوا إليه من عدم العمل بالحكم بالقسامة، بما رواه البخاري، عن أبي قلابة: “أن عمر بن عبد العزيز، أبرز سريره يومًا للناس، ثم أذن لهم فدخلوا عليه، فقال: ما تقولون في القسامة؟ فأضبَّ القوم -أي: كأنما غشيهم الضباب- وقالوا: نقول: إن القسامة القود بها حق، قد أقاد بها الخلفاء، فقال: ما تقول يا أبا قلابة؟ ونصَّبني الناس -أي: نصبه الناس للحديث مع عمر بن عبد العزيز أمير المؤمنين- فقلت: يا أمير المؤمنين، عندك أشراف العرب، ورؤساء الأجناد، أرأيت لو أن خمسين رجلًا شهدوا على رجل أنه زنى بدمشق ولم يروه، أكنت ترجمه؟ فقال: لا، قلت: أفرأيت لو أن خمسين رجلًا شهدوا عندك على رجل أنه سرق بحمص، ولم يروه، أكنت تقطعه؟ قال لا، وفي بعض الروايات: فما بالهم إذا شهدوا أنه قتله بأرض كذا، وفي بعض الروايات: قلت: فما بالهم إذا شهدوا أنه قتله بأرض كذا، وهم عندك، أتحكم بالقود بناءً على شهادتهم؟ فكتب عمر بن عبد العزيز في القسامة، أنهم إذ أقاموا شاهدي عدل أن فلانًا قتله فالقود، ولا يقتل بشهادة الخمسين الذين أقسموا”.

هنا استطاع أبو قلابة، أن يقف على رأي أمير المؤمنين، ويوقفنا -أيضًا- على هذا الرأي، بضرب بعض الأمثلة، وانتهى منها إلى رأي الإمام عمر بن عبد العزيز، وخلاصته: أنه لا يعمل بالقسامة.

قالوا أيضًا في تعزيز ما اتجهوا إليه: إن من الأصول: أن الأيمان ليس لها تأثير في إشاطة الدماء.

ومنها أيضًا -من الأصول المعلومة- القاعدة المقررة: أن البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر.

وقالوا أيضًا: أنهم لم يجدوا في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم حكمًا بالقسامة، بل كانت حكمًا جاهليًّا، فتلطف لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليريهم كيف لا يلزم الحكم بها على أصول الإسلام؛ ولذلك قال لهم: ((أتحلفون خمسين يمينًا؟))، على سبيل الاستنكار.

هذا ما استدل به أصحاب الرأي الثاني، الذين قالوا بعدم جواز الحكم بالقسامة، أما عن أصحاب الرأي الأول: وهم الجمهور، الذين قالوا بجواز الحكم بالقسامة، فقد استدلوا على مشروعية العمل بالقسامة بكلٍّ من السنة، والإجماع، وقضاء عمر رضي الله عنه والمصلحة.

أما السنة: ما أخرجه (الموطأ): ((أن عبد الله بن سهل، ومحيصة، خرجا إلى خيبر من جهد أصابهما، فأتيا محيصة، فأُخبر أن عبد الله سهل قد قُتل، فأتى اليهود -أي: يهود خيبر الذي كان موجودًا عندهم عبد الله- فقال: أنتم قتلتموه؟ فقالوا: والله ما قتلناه، ثم أقبل -أي: رجع على قومه- فذكر ذلك لهم، ثم أقبل هو وحويصة -وهو أخوه أكبر منه- إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعهم عبد الرحمن بن سهل، فذهب ليتكلم، وهو الذي كان بخيبر، فقال له: رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر كبر، فتكلم حويصة، ثم تكلم محيصة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إما الدية، أو الإذن بالحرب، فكتب إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فكتبوا له: إنا والله ما قتلناه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحويصة، ومحيصة، وعبد الرحمن: تحلفون وتستحقون دم صاحبكم، فقالوا: لا، قال: إذًا، فتحلف لكم اليهود، قالوا: ليسوا بمسلمين، فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده، فبعث إليهم بمائة ناقة حتى أدخلت عليهم الدار، حتى قال سهل: لقد ركضتني منها ناقة حمراء)).

كما أخرج الخمسة أيضًا بإسنادهم، عن رافع بن خديج: ((أن محيصة بن مسعود، وعبد الله بن سهل، انطلقا قِبل خيبر، فتفرقا في النخل، فقتل عبد الله، فاتهموا اليهود، فجاء أخوه عبد الرحمن، وابنا عمه حويصة، ومحيصة، إلى النبي صلى الله عليه وسلم فتكلم عبد الرحمن في أمر أخيه، وهو أصغر منهما، فقالصلى الله عليه وسلم: كبر كبر، أو قال: ليبدأ الأكبر، فتكلما في أمر صاحبهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يقسم خمسين منكم على رجل منهم فيدفع برمته، قالوا: أمر لم نشهده كيف نحلف؟ قال صلى الله عليه وسلم: فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم، قالوا: يا رسول الله، قوم كفار، فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبله))، أي: دفع الدية من بيت مال المسلمين.

هنا يتبين لنا بجلاء، أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أقر العمل بالقسامة، وهذا واضح وجلي، أما قضاء عمر، الذي هو دليل من أدلة الجمهور على العمل بحكم القسامة، فقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه حكم في قتيل وجد بين قريتين، فطرحه على أقربهما، وألزم أهل القرية القسامة، والدية. هذا أيضًا من عمر عملٌ بالقسامة، وكذلك، مثله عن علي رضي الله عنه ولم ينقل الإنكار عليهما من أحد من الصحابة، فكان ذلك إجماعًا، أي: أن عمر قضى بالقسامة في قتيل وجد بين قريتين، وأضاف القتل إلى أقرب هاتين القريتين، كما ألزم أهل تلك القرية بالقسامة والدية، ومثله روي عن علي، ولم ينقل الإنكار عليهما من أحد، فأصبح الأمر إجماعًا.

أما المصلحة: فدليل على مشروعية العمل بحكم القسامة، فقد قالوا فيها: إن سنة القسامة سنة منفردة بنفسها، وهي مخصصة للأصول، والمقصود بها: الحوطة للدماء أن يعتدي عليها السفاحون والقتلة، فإذا أدركوا قبل الإقدام على جريمتهم أنهم ملاحقون، وأن القضاء يطاردهم، ويتحرى عنهم ليكشفهم، جنحوا حينئذ للترفق والاستقامة، وكفوا أنفسهم عن العدوان على أرواح الآخرين بغير حق، وأيقنوا أنه لا منجاة لهم في الغالب من قبضة العدالة، وأن اقترافهم للجريمة في معزل عن الشهود، لا يدفع عنهم صولة النظام أو المسئولية.

بهذا بات الأمر واضحًا من خلال تلك الأدلة التي ساقها الجمهور، كدليل على مشروعية العمل بحكم القسامة، وهي أدلة لا بأس بها، وهي مؤيدة للعمل بالقسامة.

error: النص محمي !!