Top
Image Alt

تعريف اللغة

  /  تعريف اللغة

تعريف اللغة

الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

قال علماء أهل اللغة: إن أصلها لُغوة على وزن “فُعلة”، من لغوت إذا تكلمت بكلام، وهي توقيفٌ ووحيٌ، لا اصطلاح وتواطؤ على الأشهر، وذلك لما روى وكيع في تفسيره بسنده إلى ابن عباس رضي الله  عنهما في قوله سبحانه وتعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا} [البقرة: 31] قال: “علمه اسم كل شيء، حتى علمه القصعة والقُصيّعةَ، والفسوة والفُسيّة”.

وأيضًا روى الإمام ابن جرير الطبري في (تفسيره) من طريق الضحاك إلى ابن عباس رضي الله  عنهما في قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا} قال: “هي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس الآن، نحو: إنسان، ودابة، وأرض، وسهل، وبحر، وجبل، وحمار، وأشباه ذلك من الأسماء، وغيرها”.

ثم إن ألفاظ اللغة تنقسم إلى: متواردة، وإلى مترادفة.

فالمتواردة: كما تسمى الخمر عقارًا تسمى صهباء وقهوة، والسبع يسمى: ليثًا وأسدًا وضرغامًا، هذه هي المتواردة.

أما المترادفة: وهي التي يقام لفظٌ مقام لفظ لمعانٍ متقاربة يجمعها معنًى واحد، كما يقال: أصلح الفاسد، ولَمَّ الشغث، ورتق الفتق، وشعب الصدأ، وهذا يحتاج إليه البليغ في بلاغته، فيحسن الألفاظ، ويحسن أيضًا اختلافها على المعنى الواحد، وهذا لكي ترصع المعاني في القلوب، وتلتصق بالصدور، وتزيد حسنه وحلاوته بضرب الأمثلة والتشبيهات المجازية.

ثم تنقسم الألفاظ أيضًا إلى: مشتركة، وإلى عامة مطلقة، وتسمى مستغرقة، وإلى ما هو مفرد بإزاء مفرد، وسيأتي بيان ذلك كله -إن شاء الله تعالى.

والداعي إلى ذكر اللغة ها هنا لكونها من الأمور المستمدة منها علم أصول الفقه؛ لأننا كما علمنا أن علم أصول الفقه يستمد مادته من علوم ثلاثة: علم اللغة العربية، وعلم أصول الدين، وعلم الفقه، أي: العلم بالأحكام الشرعية الفرعية، وذلك أنه لما كان الاستدلال من الكتاب والسُّنة اللذَيْن هما أصل الإجماع والقياس، وكانا -أي: الكتاب والسنة- أفصح الكلام العربي احتيج إلى معرفة لغة العرب لتوقف الاستدلال منهما -أي: من الكتاب والسنة- عليها -أي: على اللغة العربية.

فإن قيل: مَن سبق نبينا محمدًا صلى الله عليه  وسلم من الأنبياء والمرسلين، إنما كان مبعوثًا لقومه خاصة، فهو مبعوثٌ بلسانهم، ونبينا محمد صلى الله عليه  وسلم مبعوثٌ لجميع الخلق..

فلِمَ لم يبعث بجميع الألسنة، ولم يبعث إلا بلسان بعضهم وهم العرب؟

فالجواب: أنه لو بُعِثَ بلسان جميعهم لكان كلامه خارجًا عن المعهود، ويبعد بل يستحيل أن ترد كل كلمة من القرآن الكريم مكررة بكل الألسنة، فيتعين البعض، وكان لسان العرب أحق؛ لأنه أوسع وأفصح، ولأنه لسان المخاطبين في ذلك الزمن، وإن كان الحكم عليهم وعلى غيرهم.

ولما خلق الله تعالى النوعَ الإنسانيَّ، وجعله محتاجًا لأمور لا يستقل به، بل يحتاج فيها إلى المعاونة، كان لا بد للمعاون من الاطلاع على ما في نفس المحتاج بشيء يدل عليه من لفظٍ، أو إشارة، أو كتابة، أو مثال، أو نحو ذلك.

فإذا تقرر هذا، فاللغة العربية في الدلالة على ذلك أفيد -أي: أكثر فائدة من غيرها- لأن اللفظ يقع على المعدوم، ويقع أيضًا على الموجود، ويقع على الحاضر الحسي والمعنوي، وأيضًا اللغة العربية أيسر لخفتها؛ لأن الحروف كيفياتٌ تَعرضُ للنفس الضروري، فلا يُتكلف لها ما يُتكلف لغيرها.

وسببها -أي: سبب وضع اللغة-: حاجة الناس إليها، قال الكيا الهراسي: إن الإنسان لما لم يكن مكتفيًا بنفسه في مهماته ومقيمات معاشه، لم يكن له بد من أن يسترفد المعاونة من غيره؛ ولهذا المعنى اتخذ الناس المدنَ ليجتمعوا ويتعاونوا فيما بينهم. قال بعضهم: ولهذا المعنى توزعت الصنائع، وانقسمت الحِرف على الخلق، فكلُّ واحدٍ قصر وقته على حرفة يستقل بها؛ لأن كل واحد من الخلق لا يمكنه أن يقوم بجملة مقاصده، أي: أنه لا يمكن أن يقوم بكل ما يحتاج إليه؛ فحينئذٍ لا يخلو من أن يكون محل حاجته حاضرة عنده أو غائبة بعيدًا عنه، فإن كانت حاضرة أشار إليها، وإن كانت غائبة فلا بد له من أن يدل بشيء على محل حاجته، فوضعوا الكلام دلالة على هذه الحاجة، ووجدوا اللسان أسرع الأعضاء حركةً وقبولًا للترداد، وكان الكلام إنما يدل بالصوت، وكان الصوت إن ترك سدًى امتد وطال، وإن قُطِعَ تقطع؛ فقطعوه وجزءوه على حركات أعضاء الإنسان التي يخرج منها الصوت، وهي من أقصى الرئة إلى منتهى الفَم، فوجدوه تسعة وعشرين حرفًا، قسموه على الحلق والصدر والشفة واللثة، ثم لما رأوا أن الكفاية لا تقع بهذه الحروف ركّبوا منها ثنائيًّا وثلاثيًّا ورباعيًّا وخماسيًّا، واستثقلوا ما زاد على ذلك، أي: أنهم استثقلوا السداسي، والسباعي… وغير ذلك.

يقول الإمام الماوردي -رحمه الله-: وإنما كان نوع الإنسان أكثر حاجة من جميع الحيوانات؛ لأن غيره قد يستقل بنفسه عن جنسه، أما الإنسان فمطبوعٌ على الافتقار إلى جنسه في الاستعانة، فهو صفةٌ لازمةٌ لطبعه، وخِلقةٌ قائمةٌ في جوهره. يقول ابن مفلح: سبب وجودها حاجة الناس؛ ليعرف بعضهم مراد بعض؛ للتساعد والتعاضد بما لا مئونة فيه لخفتها وكثرة فائدتها، ولا محظور، فهذا من نعم الله تعالى على عباده، فمن تمام نعمه علينا أن جعل ذلك بالنطق دون غيره.

واللغة العربية حقيقتها ألفاظٌ وضِعت لمعانٍ يعبر بها كل قوم عن أغراضهم، فلا يدخل المهمل؛ لأنه لم يوضع لمعنى، وبالتالي لم يستعمل في أي معنًى من المعاني، فما الحاجة إليه؟ أي: فالمعنى الذي يحتاج الإنسان إلى الاطلاع عليه من نفسه دائمًا، كطلب ما يدفع به عن نفسه من ألم جوع، أو عطش، أو حر، أو برد، والظاهر لو كثرت حاجته إليه كالمعاملات لم تخلُ من وضع لفظ لهذا المعنى، ويجوز خلُّوها من لفظ لعكسهما، وهما ما لا يحتاج إليه البتة أو تقل الحاجة إليه.

يقول ابن حَمدان في كتابه (المقنع): ما احتاج الإنسان إليه لم تخلُ اللغة من لفظ يفيده، وما لم يحتاج إليه يجوز خلوها عما يدل عليه، وما دعت الحاجة إليه غالبًا فالظاهر عدم خلوها عنه وعكسه بعكسه.

قال في (شرح التحرير): وحاصله أن معنا أربعة أقسام:

أحدها: ما احتاجه الناس واضطروا إليه، فلا بد لهم من وضعه.

الثاني: عكسه، أي: ما لا يحتاج إليه البتة يجوز خلو اللغة عنه، وخلوها -والله أعلم- أكثر.

الثالث: ما كثرت الحاجة إليه، والظاهر عدم خلوها عنه، بل هو كالمقطوع به.

الرابع: عكسه، أي: ما قلَّت الحاجة إليه يجوز خلوها عنه، وليس بممتنع.

والصوت الحاصل عند اصطكاك الأجرام عَرَضٌ مسموعٌ، وسببه انضغاط الهواء بين الجرمين فيتموج تموجًا شديدًا فيخرج، فيقرع صماخ الأذن فتدركه قوة السمع. فصوت المتكلم عَرَضٌ حاصلٌ عند اصطكاك أجرام الفم -وهي مخارج الحروف- ودفع النفس للهواء متكيفًا بصورة كلام المتكلم إلى أذن السامع.

وقولهم: “الصوت عَرَضٌ”، يتناول جميع الأعراض. وقولهم: “مسموع”، أخرج جميعها إلا ما يدرك بالسمع.

يقول الإمام الفتوحي -رحمه الله-: بل الأخلص في العبارة أن يقال: الصوت صفة مسموعة، والله أعلم.  قال في (شرح التحرير): وإنما بدأنا بالصوت؛ لأنه الجنس الأعلى للكلام الذي نحن بصدد الكلام عليه.

أما اللفظ في اللغة: فهو الرمي.

وفي الاصطلاح: صوت معتمد على بعض مخارج الحروف؛ لأن الصوت لخروجه من الفم صار كالجوهر المرمي منه، فهو ملفوظٌ؛ فأطلق اللفظ عليه من باب تسمية المفعول باسم المصدر، كقولهم: “نسج اليمين”، أي: منسوجه.

إذا تقرر هذا فاللفظ الاصطلاحي نوع للصوت؛ لأنه صوتٌ مخصوصٌ؛ ولهذا أخذ الصوت في حدِّ اللفظ -أي: في تعريف اللفظ- وإنما يؤخذ في حد الشيء جنسُ ذلك الشيء. أما القول في اللغة: فهو مجرد النطق، وفي الاصطلاح: لفظٌ وضع لمعنًى ذهني، لما كان اللفظ أعم من القول؛ لأن اللفظ يشمل المهمل والمستعمل، أخرج المهمل بقوله: “وضع لمعنى”؛ لأن المهمل -كما سبق- لم يوضع لمعنًى.

error: النص محمي !!