Top
Image Alt

تعريف المثل وذكر أقسامه

  /  تعريف المثل وذكر أقسامه

تعريف المثل وذكر أقسامه

1. تمهيد:

الحقائق السامية في معانيها وأهدافها تأخذ صورتها الرائعة، إذا صيغت في قالبٍ حسيٍّ، يقربها إلى الأفهام، وذلك بقياسها على المعلوم اليقيني. والتمثيل هو القالب الذي يبرز المعاني في صورةٍ حيةٍ تستقر في الأذهان، ويظهرها بلا شك في غايةٍ من الظهور، ويكون ذلك بتشبيهِ الغائبِ بالحاضرِ والمعقول بالمحسوس، وقياس النظير على النظير، وكم من معنى جميل اكسبه التمثيل روعة وجمالًا؛ فكان ذلك أَدْعَى لتقبل النفس له، وتقبله النفس، ويقتنع العقل به، وهذا أسلوب من أساليب القرآن الكريم في دروب بيانِهِ، ونواحي إعجازه.

ولذلك أفرد بعضُ العلماء الأمثال في القرآن الكريم بالتأليف، ومنهم من عقد له بابًا في كتاب من كتبه فأفردها بالتأليف مثلًا أبو الحسن الماوردي -رحمه الله، تبارك وتعالى- وعقد لها بابًا السيوطي في (الإتقان)، وابن القيم في كتاب (إعلام الموقعين) حيث تتبع أمثال القرآن التي تضمنت تشبيه الشيء بنظيرِهِ، والتسويةَ بينهما في الحكم، فبلغت بضعةً وأربعين مثلًا، وذكر الله في كتابه العزيز: أنه يضرب الأمثال فقال -جل من قائل عليمًا-: {وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنّاسِ لَعَلّهُمْ يَتَفَكّرُونَ} [الحشر: 21] وقال سبحانه: {وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاّ الْعَالِمُونَ} [العنكبوت: 43] وقال: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنّاسِ فِي هَـَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلّ مَثَلٍ لّعَلّهُمْ يَتَذَكّرُونَ} [الزمر:27] وعن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله أنزل القرآن آمرًا وزاجرًا، وسنةً خاليةً، ومثلًا مضروبًا)).

وكما عَنَى العلماء بأمثال القرآن؛ فإنهم عُنُوا كذلك بالأمثال النبوية، وعقد لها أبو عيسى الترمذي بابًا في جامعه أورد فيه أربعين حديثًا، وقال القاضي أبو بكر بن العربي -رحمه الله، تبارك وتعالى- مشيدًا بفعل الترمذي هذا فقال: لم أرَ من أهل الحديث من صنَّفَ فأفردَ للأمثال بابًا غير أبي عيسى، ولله دره، لقد فتح بابًا، وبنى قصرًا أو دارًا، ولكنه اختطَّ خطًّا صغيرًا فنحن نقنع به، ونشكره عليه.

2. تعريف المثل:

الأمثال: جمع مثل، والمَثَلُ والمِثْلُ والمثيل، كالشَّبَهِ والشِّبْهِ والشَّبَيه لفظًا ومعنى. والمثل في الأدب: قولٌ محكيٌّ سائر يقصد به تشبيه حال الذي حكي فيه بحال الذي قيل لأجله؛ وذلك مثل: “رب رميةٍ من غيرِ رامٍ”، أي: رب رمية مصيبةٍ حصلت من رامٍ شأنه أن يخطئ، وأول من قال هذا الحكم بن يغوث، وهذا يضرب للمخطئ يصيب أحيانًا؛ وعلى هذا فلا بد له من موردٍ يُشَبَّهُ مضْربه به.

ويطلق المثل على الحال والقصة العجيبة، وبهذا المعنى فُسِّرَ لفظُ المثل في كثيرٍ من آياتِ القرآن الكريم؛ كقول الله -تبارك وتعالى-: {مّثَلُ الْجَنّةِ الّتِي وُعِدَ الْمُتّقُونَ فِيهَآ أَنْهَارٌ مّن مّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مّن لّبَنٍ لّمْ يَتَغَيّرْ طَعْمُهُ} [محمد: 15] أي: قصتها وصفتها التي يتعجب منها، وأشار الزمخشري إلى هذه المعاني الثلاثة في (كشافه) فقال: والمثل في أصلِ كلامهم بمعنى المثل والنظير، ثم قيل للقول السائر الممثل مضربه بمورده: مثلًا، ولم يضربوا مثلًا، ولا رأوه أهلًا للتسيير، ولا جديرًا بالتداول والقبول إلا قولًا فيه غرابة من بعض الوجوه، ثم قال: وقد استعير المثل للحال أو الصفة أو القصة، إذا كان لها شأن وفيها غرابة.

وهناك معنًى رابع: ذهب إليه علماء البيان، في تعريف المثل، فهو عندهم: المجاز المركب الذي تكون علاقته المتشابهة، متى فَشَا استعماله، وأصله الاستعارة التمثيلية؛ كقولك المتردد في فعل أمرٍ: “ما لي أَرَاكَ تقدم رِجْلًا وتؤخر أخرى؟!”، وقيل في ضابط المثل كذلك: إنه إبراز المعنى في صورةٍ حسيةٍ تكسبه روعةً وجمالًا. والمثل بهذا المعنى: لا يشترط أن يكونَ له مورد، كما لا يشترط أن يكون مجازًا مركبًا.

وإذا نظرنا إلى أمثال القرآن الكريم التي يذكرها المؤلفون؛ وجدنا أنهم يريدون الآيات المشتملة على تمثيل حالِ أمرٍ بحالِ أمرٍ آخرَ، سواء أَوَرَدَ هذا التمثيل بطريقِ الاستعارةِ أم بطريق التشبيه الصريح، أو الآيات الدالة على معنى رائعٍ بإيجازٍ، أو التي يصحُّ استعمالها فيما يشبه ما وردت فيه؛ فإن الله تعالى ابتدأها دون أن يكون لها موردٌ من قبل.

فأمثال القرآن الكريم لا يستقيم حملها على أصل المعنى اللغوي الذي هو الشبيه والنظير، ولا يستقيم حملها على ما يذكر في كتب اللغة، لدى من ألَّفوا في الأمثال؛ إذ ليست أمثال القرآن الكريم أقوالًا استعملت على وجه تشبيه مضربها بموردها، ولا يستقيم حملها على معنى الأمثال عند علماء البيان.

فمن أمثال القرآن ما ليس باستعارة، وما لم يفشَ استعماله؛ ولذا كان الضابط الأخير أليق بتعريف المثل بالقرآن؛ فهو إبراز المعنى في صورةٍ رائعةٍ موجزةٍ، لها وقعها في النفس، سواء أكانت تشبيهًا أو قولًا مرسلًا؛ فابن القيم -رحمه الله، تبارك وتعالى- يقول في أمثال القرآن الكريم: تشبيه شيء بشيء في حكمه، وتقريب المعقول من المحسوس، أو أحد المحسوسين من الآخر، واعتبار أحدهما بالآخر، ويسوق الأمثلةَ فتجد أكثرَهَا على طريقة التشبيه الصريح، كقوله تعالى: {إِنّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السّمَآءِ} [يونس: 24].

ومنها ما يجيء على طريق التشبيه الضمني، كقوله تعالى: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اجْتَنِبُواْ كَثِيراً مّنَ الظّنّ إِنّ بَعْضَ الظّنّ إِثْمٌ} [الحجرات: 12]؛ إذ ليس فيه تشبيه صريح.

ومنها ما لم يشتمل على تشبيه ولا استعارة، كقوله تعالى: {يَأَيّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ إِنّ الّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً} [الحج: 73] فقوله تعالى: {ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ} قد سماه الله مثلًا وليس فيه استعارة ولا تشبيه.

3. أنواع الأمثال في القرآن الكريم:

الأمثال في القرآن الكريم ثلاثة أنواع: الأمثال المصرحة، والأمثال الكامنة، والأمثال المرسلة:

النوع الأول: وهو الأمثال المصرِّحة -بكسر الراء-:

وهي ما صرِّح فيها بلفظِ المثلِ، أو ما يدل على التشبيه، وهي كثيرةٌ في القرآن الكريم، منها ما يلي:

ما جاء في قول الله تعالى في حق المنافقين: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاّ يُبْصِرُونَ (17) صُمّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ (18) أَوْ كَصَيّبٍ مّنَ السّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِيَ آذَانِهِم مّنَ الصّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (19) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ} إلى أن قال سبحانه: {وَلَوْ شَآءَ اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة:17- 20] ففي هذه الآيات ضرب الله -تبارك وتعالى- للمنافقين مثلين مثلًا ناريًّا في قوله: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً} [البقرة: 17]؛ لما في النار من مادة النور، ومثلًا مائيًّا: في قوله: {أَوْ كَصَيّبٍ مّنَ السّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ} [البقرة: 19] لما في الماء من مادة الحياة.

وقد نزل الوحي من السماء متضمنًا لاستنارة القلوب وحياتها، وذكر الله حظَّ المنافقين في الحالين؛ فهم بمنزلة من استوقد نارًا للإضاءة والنفع؛ حيث انتفعوا ماديًّا بالدخول في الإسلام ولكن لم يكن له أثر نوري في قلوبهم؛ فذهب الله بما في النار من الإضاءة، {ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ}، وأبقى ما فيها من الإحراق وهذا مثلهم الناري، وذكر مثلهم المائي فشبههم بحال من أصابه مطر فيه ظلمات ورعد وبرق، فخارت قواه ووضع أصبعيه في أذنيه وأغمض عينيه خوفًا من صاعقة تصيبه؛ لأن القرآن الكريم بزواجره وأوامره ونواهيه وخطابه نزل عليهم نزولَ الصواعق.

كما ذكر الله عز وجل هذين المثلين -الماء، والنار- في سورة الرعد أيضًا للحق والباطل، فقال تعالى: {أَنَزَلَ مِنَ السّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السّيْلُ زَبَداً رّابِياً وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ ابْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقّ وَالْبَاطِلَ فَأَمّا الزّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمّا مَا يَنفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأمْثَالَ} [الرعد: 17] شبه الله عز وجل هنا الوحي الذي أنزله من السماء لحياةِ القلوبِ بالماءِ الذي أنزله لحياةِ الأرضِ بالنباتِ، وشبَّه القلوبَ بالأوديةِ، والسبيل إذا جَرَى في الأوديةِ احتمل زبدًا وغثاءً، فكذلك الهدى والعلم إذا سرى في القلوب أثار ما فيها من الشهوات؛ ليذهب بها، وهذا هو المثل المائي في قوله: {فَاحْتَمَلَ السّيْلُ زَبَداً رّابِياً} وهكذا يضرب الله الحق والباطل.

وذكر المثل الناري في قوله: {أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مّثْلُهُ} فالمعادن من ذهب أو فضة أو نحاس أو حديد عند سبكها تخرج النار ما فيها من الخبث، وتفصله عن الجوهر الذي ينتفع به فيذهب جفاء، فكذلك الشهوات يطرحها قلب المؤمن ويجفوها، كما يطرح السيل والنار ذلك الزبد، وهذا الخبث.

أذكر كلام الإمام ابن القيم -رحمه الله، تبارك وتعالى- في المثل، المائي والناري، الذي ضربه الله عز وجل للمنافقين في أوائل سورة البقرة؛ لأنه قد تَكَلَّمَ كلامًا نافعًا فيه من إبراز فوائدِ الأمثالِ، ومكانتها وما تضمنته الشيءَ الكثير، وأذكره هنا لأعَقِّبَ بِهِ على ذكر المثل المائي والناري، يقول -رحمه الله-:

وقد اشتمل هذان المثلَان على حِكَمٍ عظيمةٍ، منها: أن المستضيء بالنار مستضيء بنورٍ من جهة غيره لا من قبل نفسه، فإذا ذهبت تلك النار بقي في ظلمة، وهكذا المنافق لما أقَرَّ بلسانِهِ من غير اعتقادٍ ومحبة بقلبه، وتصديق جازم، كان ما معه من النور كالمستعار.

ومن الحكم العظيمة، التي اشتمل عليها هذين المثلين: أن ضياء النار يحتاج دوامه إلى مادةٍ تحملُهُ، وتلك المادة للضياء بمنزلة غذاء الحيوان، فكذلك نورُ الإيمان يحتاج إلى مادةٍ من العلم النافع والعمل الصالح، يقوم بها ويدوم بدوامها؛ فإذا لم توجد مادةُ الإيمان طفئ كما تطفئ النار بفراغ مادتها.

ومنها: أن الظلمة نوعان: ظلمةٌ مستمرة لم يتقدمها نور، وظلمةٌ حادثةٌ بعد النور، وهي أشدُّ الظلمتين، وأشقهما على من كانت حظه، فظلمة المنافق ظلمة بعد إضاءة، فَمُثِّلَتْ حاله بحال المستوقد للنار الذي وقع في الظلمة بعد الضوء. وأما الكافر: فهو الظلمات لم يخرج منها قط.

ومنها: أن في هذا المثل إيذانًا وتنبيهًا على حالهم في الآخرة، وأنهم يعطون نورًا ظاهرًا، كما كان نورهم في الدنيا ظاهرًا، ثم يطفئ ذلك أحوج ما يكونون إليه، إذا لم تكن له مادة باقية تحمله وبقوا في الظلمة على الجسر لا يستطيعون العبور، فإنه لا يمكن أحدًا عبوره إلا بنور ثابت يصحبه حتى يقطع الجسر؛ فإن لم يكن لذلك النور مادة، من العلم النافع والعمل الصالح، وإلا ذهب الله تعالى به أحوج ما كان إليه صاحبه، فطابق مثلهم في الدنيا بحالتهم التي هم عليها في هذه الدار، وبحالتهم يوم القيامة عندما يُقَسَّمُ النور؛ ومن هاهنا يعلم السر في قوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ} [البقرة: 17] ولم يقل: أذهب الله نورهم.

النوع الثاني: الأمثال الكامنة:

وهي التي لم يصرح فيها بلفظِ التمثيلِ، ولكنها تدل على معانٍ رائعةٍ في إيجاز يكون لها وقْعُهَا إذا نقلت إلى ما يشبهها، ويمثلون لهذا النوع بأمثلةٍ كثيرة، وقد ذكر الإمام السيوطي -رحمه الله، تبارك وتعالى- في كتابه (الإتقان) كلامًا جميلًا حول ذلك فقال -رحمه الله-: وأما الكامنة فقال الماوردي: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن مضارب بن إبراهيم يقول، سمعت أبي يقول: سألت الحسين بن الفضل، فقلت: إنك تخرج أمثال العرب والعجم من القرآن؛ فهل تجد في كتاب الله: “خير الأمور أوساطها؟” قال نعم: في أربعة مواضع، في قوله تعالى: {قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبّكَ يُبَيّنَ لّنَا مَا هِيَ} [البقرة: 68], ومنها: {وَالّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} [الفرقان: 67]. والموضع الثالث: ما جاء في قوله تعالى: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىَ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مّحْسُوراً} [الإسراء: 29]. والموضع الرابع: ما جاء في قوله تعالى: {قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرّحْمَـَنَ أَيّاً مّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأسْمَآءَ الْحُسْنَىَ} [الإسراء: 110].

ثم قال له: فهل تجد في كتاب الله: “من جهل شيئًا عاداه؟” قال: نعم، في موضعين في قوله تعالى: {بَلْ كَذّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذّبَ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} [يونس: 39]، وفي قوله: {وَقَالَ الّذِينَ كَفَرُواْ لِلّذِينَ آمَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ} [الأحقاف: 11] قلت: فهل تجد في كتاب الله: “احذر شر من أحسنت إليه؟”، قال نعم: في قول الله تعالى: {وَمَا نَقَمُوَاْ إِلاّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ} [التوبة: 74]، قلت: فهل تجد في كتاب الله: “ليس الخبر كالعيان؟” قال: في قوله تعالى: {قَالَ بَلَىَ وَلَـكِن لّيَطْمَئِنّ قَلْبِي} [البقرة: 260].

ثم قال له: فهل تجد: “في الحركات البركات” قال في قوله تعالى: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً} [النساء: 100] ثم قال له: فهل تجد “كما تدين تدان؟” قال: نعم في قوله تعالى: {مَن يَعْمَلْ سُوَءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123]  ثم قال له: فهل تجد فيه قولهم: “حين تقلي تدري؟” قال: نعم: {وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلّ سَبِيلاً} [الفرقان: 42] ثم قال له: فهل تجد فيه: “لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين؟” قال: نعم: {قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاّ كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَىَ أَخِيهِ مِن قَبْلُ} [يوسف: 64] ثم قال له أيضًا: فهل تجد فيه “من أعان ظالمًا سُلِّطَ عليه؟” قال: {كُتِبَ عَلَيْهِ أَنّهُ مَن تَوَلاّهُ فَأَنّهُ يُضِلّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَىَ عَذَابِ السّعِيرِ} [الحج: 4] ثم قال له فهل: تجد فيه قولهم: “لا تلد الحية إلا حية؟” قال: قوله تعالى: {وَلاَ يَلِدُوَاْ إِلاّ فَاجِراً كَفّاراً} [نوح: 27].

النوع الثالث: الأمثال المرسلة في القرآن:

والأمثال المرسلة هي جمل أرسلت إرسالًا من غيرِ تصريحٍ بلفظِ التشبيه؛ فهي آياتٌ جاريةٌ مجرى الأمثال.

قال السيوطي -رحمه الله، تبارك وتعالى- في (الإتقان): عقد جعفر بن شمس الخلافة في كتاب (الآداب) بابًا في ألفاظ من القرآن، جارية مجرى المثل، وهذا هو النوع البديعي المسمى بإرسال المثال، وأورد من ذلك قول الله -تبارك وتعالى-: {لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللّهِ كَاشِفَةٌ} [النجم: 58]، {لَن تَنَالُواْ الْبِرّ حَتّىَ تُنْفِقُواْ مِمّا تُحِبّونَ} [آل عمران: 92]، {قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الاَنَ حَصْحَصَ الْحَقّ أَنَاْ رَاوَدْتّهُ عَن نّفْسِهِ} [يوسف: 51] {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} [يس:78]، {ذَلِكَ بِمَا قَدّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لّلْعَبِيدِ} [الحج: 10]، {يَصَاحِبَيِ السّجْنِ أَمّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبّهُ خَمْراً} [يوسف: 41]، {إِنّ مَوْعِدَهُمُ الصّبْحُ أَلَيْسَ الصّبْحُ بِقَرِيبٍ} [هود: 81]، {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} [سبأ: 54]، {لّكُلّ نَبَإٍ مّسْتَقَرّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [الأنعام: 67]، {السّيّىءِ وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السّيّىءُ إِلاّ بِأَهْلِهِ} [فاطر: 43]، {وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ} [الإسراء: 83]، {وَعَسَىَ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لّكُمْ} [البقرة: 216]، {لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ} [المدثر: 28]، {مّا عَلَى الرّسُولِ إِلاّ الْبَلاَغُ} [المائدة: 99]، {لّيْسَ عَلَى الضّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىَ الْمَرْضَىَ وَلاَ عَلَى الّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ} [التوبة: 91] {هَلْ جَزَآءُ الإِحْسَانِ إِلاّ الإِحْسَانُ} [الرحمن: 60]، {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي وَمَن لّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنّهُ مِنّيَ إِلاّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} [البقرة: 249]، {آلاَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [يونس: 91]، {لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاّ فِي قُرًى مّحَصّنَةٍ} [الحشر: 14]، {إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا اسْتَجَابُواْ لَكُمْ} [فاطر: 14]… إلى آخر ما جاء في القرآن الكريم.

وقد اختلف أهل العلم في هذا النوع من الآيات، الذي يسمونه “إرسال المثل”؛ ما حكم استعماله استعمال الأمثال؟ فرآه بعض أهل العلم خروجًا عن أدب القرآن، قال الرازي -رحمه الله- في تفسير قول الله -تبارك وتعالى: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون: 6]: جرت عادة الناس بأن يتمثلوا بهذه الآية عند المتاركة، وذلك غير جائز؛ لأنه تعالى ما أنزل القرآن ليُتَمَثَّلَ بِهِ، بل يتدبر فيه، ثم يعمل بموجبه.

ولا شك أن هذا كلام وجيه؛ فالقرآن الكريم، نزل للاتعاظ والاعتبار؛ والأمثال التي جاءت فيه إنما جاءت فيه وجرت كي يستفيد منها الإنسان؛ ولذلك نجد أن القرآن في بعض آياته يقول: {وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاّ الْعَالِمُونَ} [العنكبوت: 43] ؛ فدل ذلك على أن الأمثال إنما جاءت في كتابِ اللهِ تعالى كي نتدبرها ونعقل معانيها، وبلا شك نستفيد منها.

ورأى آخرون: أنه لا حرج فيما يظهر أن يتمثل الرجل بالقرآن في مقامِ الجَدِّ، كأن يأسف الإنسان مثلًا آسفًا شديدًا لنزول كارثة قد تقطَّعَتْ أسباب كشفها على الناس، فيقول: {لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللّهِ كَاشِفَةٌ} [النجم:58]، أو يحاوره صاحب مذهبٍ فاسد يحاول استهواءه إلى باطله، فيقول: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون:6] والإثم الكبير في أن يقصد الرجل إلى التظاهر بالبراعة، فيتمثل بالقرآن حتى في مقام الهزل والمزاح.

ونظرًا لانتشار ذلك بين بعض الناس؛ فإني أحذر غاية التحذير أن يأتي الإنسان في مقام مزاحه مع غيره فيذكر شيئًا من الأمثال المرسلة الواردة في كتاب رب العالمين سبحانه وتعالى جل في علاه.

error: النص محمي !!