Top
Image Alt

تعريف المسرحية ونشأتها وتطورها

  /  تعريف المسرحية ونشأتها وتطورها

تعريف المسرحية ونشأتها وتطورها

نتحدث عن فن من فنون الأدب العربي الحديث، وهذا الفن هو المسرح، أو المسرحية.

والمسرحية: هي رواية صالحة للتمثيل، وهي منسوبة للمسرح، وهو المكان الذي يُعد إعدادًا خاصًّا لتمثل عليه قصة بواسطة ممثلين يشاهدهم الجمهور، فالمسرحية تعالَج على مستويين:

المستوى الأول: هو النص الأدبي المكتوب الذي يكتبه الأديب، رواية فيها الأشخاص والأحداث والحوار والعقدة والحل، هذا هو المستوى الأدبي للمسرحية.

مستوى آخر: هو المستوى الفني أو العرض المسرحي المشاهد.

والمسرح فن يوناني قديم، لم يعرفه العرب إلا في العصر الحديث، ويرجع بعض الدارسين تأخر وجود المسرح في العالم العربي إلى طبيعة هذا الفن المركب الذي لا يتفق وعبقرية العرب الفنية، فقد نبغ العرب وأبدعوا في الخطابة والشعر، أما المسرح فلم يعرفوه.

ويرجع بعض الدارسين خلو الأدب العربي من الفن المسرحي إلى تعارض ماهية المسرح وطبيعته مع الإسلام، وأصحاب هذا الرأي يرون أن المسرح لا يقوم إلا على الصراع، وأن الصراع أو الدراما يظهر في أشكال أربعة كلها لا تتفق مع الإسلام.

قالوا: هذه الأشكال هي:

الصراع العمودي: أي: الصراع بين الإنسان والإلهيات أو الأقدار، أو ما يشبه ذلك، هذا يسمونه الصراع العمودي.

الصراع الأفقي: وهو الصراع الذي يكون بين الفرد والمجتمع الذي يعيش فيه.

الصراع المتحرك: حيث يتصادم الإنسان مع التاريخ والأحداث التي تجري عليه بقدر الله وقضائه.

الصراع الداخلي بين الإنسان ونفسه.

فالذين ذكروا هذا قالوا: إن الإسلام يساعد الإنسان على ألا يكون في نفسه ولا في سلوكه صراع من هذه الأشكال الأربعة، ومن هنا فإن فن المسرح المبني على شكل من أشكال هذا الصراع لم يوجد في البيئة العربية، ولم يوجد في الأدب العربي عبر العصور أو عبر القرون قبل أن يدخل إلينا في العصر الحديث منقولًا بطبيعة الحال عن الأدب الغربي.

وبعض الدارسين يعلل عدمَ وجود المسرح في الأدب العربي: بأن الحياة العربية القديمة التي كانت تغلب عليها البداوة والرحلة، هي السبب في عدم معرفة العرب لفن المسرح قديمًا، ويرى آخرون: أن الفنون تنشأ في الأمم أو تَنتقل إليها تبعًا لحاجة الأمم في هذه الفنون، أو إلى هذه الفنون، وأن العرب لم تكن لهم حاجة إلى فن المسرح، وهذا هو السبب في عدم وجوده عندهم.

أيًّا كان الأمر فإن بداية المسرح العربي كانت سنة ألف وثمانمائة وتسع وأربعين، حيث كوَّن مارون النقاش فرقةً تمثيليةً في بيروت بهدف تمثيل بعض الروايات التي كان ينقلها عن الأدب الغربي، ويترجمها إلى اللغة العربية، ثم يطفي عليها ما يجعلها تناسب الوطن الذي تمثل فيه.

والنهضة بالأدب المسرحي أو وجود المسرح يتطلب وجود نصوص روائية جيدة صالحة للتمثيل، هذا هو الأساس، لا بد أن تكون هناك نصوص صالحة للتمثيل المسرحي، ثم يتطلب المسرح وجود ممثلين، ومعدين، ومخرجين، ومسارح مجهزة؛ لعرض هذه الروايات الأدبية ممثلةً أمام جمهور المشاهدين.

وإذا كان الإسلام لا يقر صراعًا بين الإنسان ومجتمعه ولا بينه وبين القدر -كما ذكرنا أنواع الصراع الذي سبقت الإشارة إليها- وإذا كان الإسلام يهدي الإنسان إلى التوافق مع نفسه، فإن الحياة لا تخلو من مشكلات وألوان من الصراع تصلح للأدب المسرحي دون وقوع فيما يخالف الإسلام، ودون أن يكون هناك صدام بين النص المسرحي والرؤية الإسلامية. فالصراع بين الواجب والعاطفة وبين الخير والشر صراع موجود في كل المجتمعات عند المسلمين وغير المسلمين، والتاريخ الإنساني وواقع المجتمعات في كل زمان ومكان مليئان بما يمكن تصويره روائيًّا وعرضه مسرحيًّا بعد ذلك.

إذن، لم يكن عندنا في الأدب العربي القديم مسرح أو روايات مسرحية أو تمثيل مسرحي، المسرح -كما قلت- فن إغريقي يوناني قديم بَرعوا فيه، وألفوا فيه ونظروا له، وارتبطت نشأة المسرح بهدف أخلاقي فالمراد أو الهدف من تمثيل الروايات على المسرح أمام الناس إصلاح عيوب المجتمع، وتوجيه المشاهدين إلى العيوب التي تنتشر في سلوكياتهم، فلعلهم إذا رَأَوْا هذه العيوب انتبهوا إلى أنفسهم، وأصلحوا ما فيها من نقص أو قصور.

كما عرَفَ المصريون القدماء نوعًا من أنواع التمثيل المسرحي يسمى “خيال الظل”، وتاريخ المسرح العربي في العصر الحديث يبدأ -كما قلت- بمارون النقاش الذي ألف فرقة مسرحية في بيروت. وبعد مارون النقاش يأتي دور يعقوب صنُّوع -وهو أيضًا لبناني- إذ اهتم هذا الرجل أيضًا بالمسرح، وجاء إلى القاهرة في يوليو سنة ألف وثمانمائة وستة وسبعين، حيث أنشأ فرقة مسرحية بعد أن تعلَّم هذا الفن في إيطاليا، ودرسه هناك لمدة ثلاث سنوات. وقد كان المسرح في ذلك الوقت يقوم على تعريب بعض الروايات أو المسرحيات الغربية، ثم يقوم المعدون بتحويلها وترجمتها إلى اللغة العربية أو اللهجة العامية التي تمثل بها، سواء أكانت هذه اللهجة العامية اللبنانية إذا كان التمثيل هناك، أو اللهجة العامية المصرية إذا مُثلت هذه الروايات في مصر.

وقد شجع الخديوي إسماعيل يعقوب صنُّوع، وكان يحضر بعض مسرحياته ولقبه بـ”موليير مصر” و”موليير” هذا أديب غربي مشهور في فن المسرح. بعد ذلك وفد إلى مصر من لبنان أيضًا سليم النقاش في أواخر سنة ألف وثمانمائة وست وسبعين ومعه فرقة تمثيلية ومعه مسرحيات عمِّهِ مارون النقاش، مثل مسرحية “البخيل والسليط الحسود” وقام سليم النقاش بالإعداد والتجهيز والتمثيل لهذه المسرحيات في مصر. ومن الذين أسهموا في فن المسرح والترجمة له محمد عثمان جلال، وكان ينقل من الفرنسية ويضفي على مسرحياته روحًا مصرية خالصة، وكانت اللغة التي تؤدى بها المسرحيات بعد ترجمتها اللغة العامية، كما ألف محمد عثمان جلال مسرحية باللغة العامية عن “الخدم والمخدومين” وتعد هذه المسرحية باكورة الروايات المصرية، وتمثل البيت المصري والمجتمع في ذلك الوقت.

وأطلق بعض الدارسين على محمد عثمان جلال لقب «أبو المسرحيات الوطنية في العصر الحديث»؛ بسبب هذه المسرحية.

ومن أوائل المسرحيات التي كتبت شعرًا مسرحية “المروءة والوفاء” لخليل اليازجي سنة ألف وسبعمائة وست وثمانين، وقد مُثلت على مسرح بيروت عام ألف وثمانمائة وثمانية وثمانين، وممن كان له أثر في فن المسرح رجل اسمه أحمد أبو خليل القباني، وهو سوري وجاء بفرقته المسرحية من دمشق إلى مصر سنة ألف وثمانمائة وأربع وثمانين، وظل المسرح في ذلك الوقت معتمدًا في الغالب على المسرحيات الأجنبية المعربة، سواء أمثلت باللغة العربية أو انتقلت إلى اللهجة العامية. فلما جاء القباني اتجه نحو التاريخ العربي والإسلامي، فوضع مسرحيات: “عنترة”، و”الأمير محمود نجل شاه العجم”، و”ناكر الجميل”، و”هارون الرشيد”، و”نفح الرُّبا”، و”الشيخ وضاح” إلى غير ذلك، وكان أسلوبه في تلك المسرحيات أرقى لغةً، وأقرب إلى العربية الفصحى ممن كان قبله.

ومن الذين كان لهم إسهام في الكتابة المسرحية الشيخ محمد عبد المطلب، وهو أحد الشعراء المحافظين، ومن المسرحيات التي كتبها “المهلهل”، أو “حرب البسوس”، و”امرؤ القيس” وكلتاهما -كما واضح- مأخوذتان عن التاريخ العربي في العصر الجاهلي. ومن الذين شاركوا في النهضة المسرحية والاتجاه نحو التاريخ العربي والإسلامي، الزعيم الوطني مصطفى كامل حيث ألف رواية بعنوان (فتح الأندلس) وهو ما يزال طالبًا بمدرسة الحقوق سنة ألف وثمانمائة واثنين وتسعين.

ومن الذين كان لهم إسهام في الكتابة المسرحية محمد تيمور، وأحمد خيري سعيد، ومحمود تيمور، وحسين فوزي، وكانت اللغة المسرحية مسألة شائكة هل تكون المسرحية باللغة العربية الفصحى أم باللغة العامية؟ وهناك من أصحاب الأدوار أو الشخصيات التي تمثل في المسرحية لا يتصور أن يكون نطقها باللغة العربية كشخصية الأجنبي مثلًا، على أي حال كانت هذه مسألة خضعت للبحث، وبعض الأدباء كتب بالعامية وبعضهم كتب باللغة الفصحى؛ نثرًا أو شعرًا. ويبقى أحمد شوقي ليمثل علامةً فاصلةً في تاريخ الكتابة المسرحية في الأدب العربي الحديث؛ فقد أتاحت له إقامته في “فرنسا” أن يقف على أدب المسرح هناك، فلما عاد إلى مصر كتب عددًا من المسرحيات الشعرية التي استوحى بعضها من التاريخ الفرعوني، وبعضها من التاريخ العربي، من هذه المسرحيات “مصرع كليوباترا”، و”قمبيز”، و”مجنون ليلى”، كما كتب مسرحية نثرية هي “أميرة الأندلس”، وله مسرحية شعرية أخرى بعنوان “الست هُدَى”.

وتطورت الكتابة المسرحية عَبْر أجيال من الشعراء والأدباء، إذ جاء بعد أحمد شوقي عزيز أباظة، فسلك مسلكه وترسم خطاه، وجاء بعد ذلك جيل من الشعراء كتبوا المسرحيةَ في لغة الشعر الجديد أو شعر التفعيلة، ومن أشهرهم عبد الرحمن الشرقاوي، وصلاح عبد الصبور، وفاروق جويدة. ومن أشهر من كتب المسرحية نثرًا: توفيق الحكيم، وعلي أحمد باكثير، ويعد الحكيم أهم هؤلاء جميعًا بسبب موهبته واتصاله المباشر بالأدب المسرحي الغربي، وتنوع ما قدم من المسرحيات، وتعدد مصادر استلهامها وأقسامها، فقد كتب الحكيم مسرحيات ذهنية فلسفية، ومسرحياتٍ اجتماعية، وأخرى نفسية وسياسية، مِمَّا يجعله يحتل المكانة الأعلى بين كتاب المسرح في الأدب العربي في العصر الحديث. هذا هو تاريخ نشأة المسرحية.

error: النص محمي !!