Top
Image Alt

تعريف المصلحة لغة واصطلاحًا

  /  تعريف المصلحة لغة واصطلاحًا

تعريف المصلحة لغة واصطلاحًا

1. تعريف المصلحة لغة: قال ابن فارس في (مقاييس اللغة): “الصاد واللام والحاء أصل واحد يدل على خلاف الفساد، تقول: صلُح الشيءُ يصلح صلوحًا، مثل: دخل يدخل دخولًا، وحكى ابن السكيت: صلَح، وصلُح، فهما بمعنًى واحد، والمصلحة واحدة المصالح، أي: أن المصالح جمع، مفردها المصلحة، فالصلاح ضد الفساد، والاستصلاح نقيض الاستفساد”. ومعنى المصلحة لغة، أنه لفظ لا يوجد له مرادف، يؤدِّي معناه ومقصوده؛ لذلك اضطر علماء اللغة إلى تعريفها بالضد، وهو واحد من الطرق التي تعرف بها الأشياء، يقول الطاهر ابن عاشور -رحمه الله: “فهي كاسمها شيء فيه صلاح قوي؛ ولذلك اشتقَّ لها صيغة “المفعلة” الدَّالة على اسم المكان، الذي يكثر فيه ما منه اشتقاقه، وهو هنا مكان مجازي”. 2. تعريف المصلحة عند علماء الأصول: قال العز بن عبد السلام -رحمه الله: “يُعبِّر عن المصالح والمفاسد بالخير والشر، والنفع والضرر، والحسنات والسيئات؛ لأن المصالح كلها خيور نافعات حسنات، والمفاسد بأسرها شرور مضرات سيئات، وقد غلب في القرآن الكريم استعمال الحسنات في المصالح، والسيئات في المفاسد”. وعرَّف الإمام الغزالي المصلحة بقوله: “هي جلب منفعة، أو دفع مضرة”، وقال: إن هذه العبارة هي الأصل في مفهوم المصلحة، ويستدرك كلامه قائلًا: “ولسنا نعني به ذلك، فإن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق، وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم”. إذن: فما هو المقصود بالمصلحة عنده؟ يجيب الإمام الغزالي عن هذا السؤال، فيقول: “لكننا نعني بالمصلحة: المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق: خمسة، هي: أن يحفظ عليهم دينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم، فكل ما تضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما فوت هذه الأصول فهو مفسدة، ودفعها مصلحة”. والإمام ابن عاشور عندما تعرض للمصلحة عرَّفها، واستخلص من خلال تأمله فيما قاله الإمام الشاطبي، وابن الحاجب، والعضد في مفهوم المصلحة تعريفًا لها قال فيه: “المصلحة وصف الفعل يحصل به الصلاح”، أي: النفع منه دائمًا، أو غالبًا للجمهور أو الآحاد. والذي يتميز به هذا التعريف عن باقي التعاريف السابقة: أنه أضاف إلى مفهوم المصلحة انقسامها إلى عامة وخاصة، عندما قال: للجمهور أو الآحاد. ومن خلال ما تم استعراضه من الحدود الضابطة لماهية المصلحة، ومناقشتها، فقد يكون تعريفها: أنها هي كل تصرف قولي، أو فعلي، يُفضي إلى جلب منفعة أو دفع مضرة، مقصودة للشارع، عاجلة أو آجلة، عامة أو خاصة، مادية أو معنوية، ومعنى مقصودة للشارع: فيه إخراج لكل ما هو مصلحة في حكم الاعتياد والنظر البشري، وليست هي كذلك في نظر الشرع؛ كاللذة المترتبة على الزنا، والمتعة الحاصلة بالمال الآتي من الكسب الحرام، وغير ذلك. أما عاجلة أو آجلة: معناه: أن هذه المنفعة؛ سواء أكانت دنيوية أم أخروية أم مشتركة بينهما؛ وقوله: “عامة أو خاصة” فمعناه: سواء أكان حصولها لجميع أفراد الأمة، وعمومها، أم أغلبهم، أم بعضهم، أم فرد واحد من أفرادها، فكل ذلك يعتبر مصلحة في نظر الشرع إذا وقع على وجهة الشرع؛ أما معنى: “مادية أو معنوية” فيقصد به المنافع المستفاد بها استفادة محسوسة ملموسة؛ كالاستمتاع بالزوجة في النكاح المشروع، والانتفاع بالمال الحاصل من التجارة الجائزة، وكذلك المنافع الروحية الحاصلة من ازدياد الإيمان، وسمو النفس إلى ربها، والصعود في مراتب الورع. 3. المصلحة عند الطوفي: عرف الإمام الطوفي المصلحة من وجهين: الوجه الأول: بحسب العُرف، وقال فيه: أما حدها بحسب العرف فهي السبب المؤدِّي إلى الصلاح، والنفع. الوجه الثاني: بحسب الشرع، وقال فيه: وبحسب الشرع هي السبب المؤدِّي إلى مقصود الشارع، عبادة كانت أو عادة. والمهم هنا هو التعريف الثاني، فإذا تأملنا كلامه وجدناه يجعل مقصود الشارع خاضعًا للمصلحة، ويدور معها وجودًا وعدمًا، وذلك عندما قال عن المصلحة: “هي السبب المؤدي إلى مقصود الشارع”، ومعلوم أن السبب هو: ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم. وهذا الكلام يعني: أنه لو تعارض نصٌّ مع المصلحة في تحقيق مقصود شرعي سقط النص، ولو كان قطعيًّا؛ وذلك لعلاقة التلازم الموجود بين المصلحة وقصد الشارع، والتي قررها الإمام الطوفي، ويؤكد هو هذا المعنى في موقعين، قال في الأول منهما وهو يتحدث عن تقديم المصلحة على النص والإجماع في المعاملات والعادات دون العبادات، ونحن نرجح رعاية المصالح في العادات والمعاملات ونحوها؛ لأن رعايتها في ذلك هي قطب مقصود الشارع منها، بخلاف العبادات، فإنها حق الشرع، ولا يعرف كيفية إيقاعها إلا من جهة نص أو إجماع. ويقول في الموقع الثاني منهما، وبوضوح كبير: “وهذه الأدلة التسعة عشر أقواها النص والإجماع؛ ثم هما أن يوافقا رعاية المصلحة أو يخالفاها، فإن وافقاها فيما وضعت؛ فلا نزاع، وإن خالفاها وجب تقديم رعاية المصلحة عليهما بطريق التخصيص والبيان لهما؛ لا بطريق الافتئات عليهما، والتعطيل لهما”. ومما سبق يتبين أن الطوفي -رحمه الله- بنى كلامه على أمرين: الأمر الأول: إن المصلحة هي قطب مقصود الشرع، كما عبر عن ذلك هو، وبهذا فهي أقوى الأدلة الشرعية، وأخصّها بالاعتبار. الأمر الثاني: إذا ما تعارض نص قطعي أو إجماع مع رعاية المصلحة قدمت عليهما مطلقًا؛ ويئول النص، وكذا الحكم الثابت بالإجماع، سواء كان ذلك بتخصيصهما، أو ببيانهما إذا ما فرض أنهما من المجمل. ما يُؤخذ من عبارات العلماء عن المصلحة: أولًا: إن المصلحة تُطلق بإطلاقين: أحدهما: مجازيٌّ، من باب إطلاق السبب على المسبب؛ والثاني: حقيقي، وهو ما يترتب على السبب من نفع، أو خير، وأن المفسدة على الضد من المصلحة؛ فإطلاق المصلحة على الأعمال المؤدية إلى النفع إطلاق مجازي، وإطلاقها على نفس النفع المترتب على الفعل إطلاق حقيقي. ونرى أن إطلاق المصلحة على المعنى الحقيقي أولى؛ لأن أفعال المكلفين لا تُقصد لذاتها، بل تقصد باعتبار مآلاتها. ثانيًا: إن دفع المفاسد يعتبر من المصالح، وجاء ذلك في كلام الإمام الغزالي؛ حيث يقول: “وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة، ودفعه مصلحة”. ثالثًا: نأخذ من كلام الجميع: أن المصلحة المعنية عندهم هي: ما كانت راجعة إلى قصد الشارع، لا إلى قصد المكلف المجرد؛ لأن المصالح تُعتبر من حيث رَسَمَ الشرع وحَدَّهُ؛ لأنها لو رجعت إلى أهواء الناس وشهواتهم، لنقضت الشريعة من أساسها؛ لأن الإنسان قد يرى المصلحة في شرب الخمر، وأكل الربا، وقتل النفس، وهذا يناقض قصد الشارع من التشريع الذي وضعه؛ لإخراج المكلفين عن داعية أهوائهم، فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((لا يُؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به))، وقال تعالى: {وَلَوِ اتّبَعَ الْحَقّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السّمَاوَاتُ وَالأرْضُ} [المؤمنون: 71]. رابعًا: جميع المصالح الشرعية كبيرة كانت أو صغيرة تتصل من قريب أو بعيد بالمقاصد الخمس؛ وهي: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، وكل مصلحة ترجع إلى هذه، قد حظيت برعاية من الشارع، وكل مصلحة لا تحظى برعاية الشارع، فليست بمصلحة شرعية، وإن كانت مصلحة في نظر المكلف؛ ولذا قال الإمام الغزالي: وجميع أنواع المناسبات ترجع إلى رعاية المقاصد، وما انفك عن رعاية أمر مقصود فليس مناسبًا. وبعد هذا الرأي الذي قدمناه نستطيع القول بأن المصلحة الشرعية: هي الأثر المترتب على الفعل بمقتضى الضوابط الشرعية، التي ترمي إلى تحقيق مقصود الشارع من التشريع؛ جلبًا لسعادة الدارين.

error: النص محمي !!