Top
Image Alt

تعريف الملائكة، وحكم الإيمان بهم، والدليل على ذلك

  /  تعريف الملائكة، وحكم الإيمان بهم، والدليل على ذلك

تعريف الملائكة، وحكم الإيمان بهم، والدليل على ذلك

1. تعريف الملائكة، واشتقاق التسمية:

المراد بالملائكة لغة، واشتقاق التسمية:

تعريف الملائكة لغةً: جمع ملك، وأصله مَأْلَك، وقيل: مَلْأَك، على وزن “مَفْعَل”، فنقلت حركة الهمزة إلى اللام وأسقطتْ, فوزن مَلَك: مَفَل، وقيل: إنه مأخوذ من “لَأَك” إذا أرسل، فملأك وزنها “مفعل”, ثم نقلت الحركة وسقطت الهمزة فوزن ملك: مَفَل، وقيل غير ذلك. والهاء في الملائكة مزيدة لتأنيث الجمع، أو للمبالغة.

واشتقاق الملائكة من الأُلُوكَة، وهي الرسالة قال الشاعر:

فلست بِإنسي ولكن لملأكٍ

*تنزل من جو السماء يصوب

وسُمي الملائكة بهذا الاسم؛ لأنهم الواسطة بين الله تعالى وخلقه في إبلاغ رسالات الله تعالى إلى الناس، وإرسال أوامر الله تعالى ونواهيه، وتسيير شئون الكون والإنسان، قال بعض المحققين: المُلْك من المَلْك, والمتولّي من الملائكة شيئًا من السياسات يُقال له: مَلَك، والمتولي من البشر شيئًا من السياسات يقال له: مَلِك.

إذًا: الملائكة مخلوقات غيبية خلقهم الله تعالى لعبادته، وسخّرهم لطاعته، ليسوا بشرًا ولا جِنًّا، ولكنهم مخلوقات عجيبة نورانية، قادرون على التشكّل، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وليس لهم من خصائص الألوهية أو الربوبية شيء، وقدرتهم العجيبة بحول الله ومشيئته، وليست قدرة ذاتية بدون مشيئة الله.

وقد ورد أنهم يستغفرون للذين آمنوا في الأرض, وأنهم يشفعون لمن رضي الله عنهم وقبل شفاعتهم فيهم؛ قال تعالى: {وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى} [النجم: 26]، فالمراد بالملائكة هم أولئك الرسل السَّفَرة الكرام البررة، الموكلون بمهامّ تتعلق بالإنسان والكون. ومنهم الحافّون بالعرش، والذين يحملونه -أي العرش- وخزنة جهنم، وملائكة الرحمة وملائكة العذاب، ومنهم ملائكة سيّاحون يطلبون حِلَق الذكر، إلى غير ذلك من أصنافهم وأعمالهم.

من أجل ذلك سُميت الملائكةُ ملائكةً لوظيفة الإرسال، والسفارة بين الله تعالى وخلقه التي تميّزوا بها؛ فالملائكة مشتقّة من الألوكة، وهي الرسالة.

تعريف الملائكة اصطلاحًا: هم أجسام علويّة، قائمة بأنفسها، قادرة على التشكل بالقدرة الإلهية، ذَوُو قدرات خارقة لا حصر لهم، لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون، مقربون طائعون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وليس لهم من خصائص الربوبية أو الألوهية شيء.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمة الله-: اسم الملائكة والملك يتضمّن أنهم رسل الله، كما قال تعالى: {جَاعِلِ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً} [فاطر: 1]، وكما قال: {وَالْمُرْسَلاَتِ عُرْفًا} [المرسلات: 1], فالملائكة رسل الله في تنفيذ أمره الكوني الذي يدبّر به السموات والأرض، كما قال تعالى: {حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُون} [الأنعام: 61]، وكما قال {بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُون} [الزخرف: 80]، وأمره الديني الذي تنزل به الملائكة فإنه قال: {يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ} [النحل: 2]، وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيم} [الشورى: 51]، وقال تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ} [الحج: 75].

ومن المعلوم أن الملائكة لهم من العلوم والأحوال والإرادات والأعمال ما لا يحصيه إلا ذو الجلال، ووصفهم في القرآن بالتسبيح والعبادة لله أكثر من أن يُذكر هنا, كما ذكر تعالى في خطابه للملائكة وأمره لهم بالسجود لآدم.

وقوله تعالى: {فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْأَمُون} [فصلت: 38]، وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُون} [الأعراف: 206]. انتهى كلامه -رحمه الله.

وقال الشيخ حافظ الحكمي -رحمه الله-:

“الملائكة هم عباد الله المكرمون، والسفرة بينه تعالى وبين رسله -عليهم الصلاة والسلام- الكرام خَلْقًا وخُلُقًا، والكرام على الله تعالى (البررة) الطاهرين، أي: ذاتًا وصفة وأفعالًا، المطيعين لله عز وجل, وهم عباد من عباد الله عز وجل, خلقهم الله تعالى من النور لعبادته، ليسوا بنات لله عز وجل ولا أولادًا ولا شركاء معه، ولا أندادًا -تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون والملحدون علوًّا كبيرًا- قال الله تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُون * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُون * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُون * وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِين} [الأنبياء: 26- 29]” انتهى كلامه -رحمه الله.

المراد بالإيمان بالملائكة جملة:

لمّا كان الإيمان بالملائكة أحد أركان الإيمان الستة، وكانت الملائكة من الأمور الغيبية التي استأثر الله تعالى بمعرفة حقائقها، وأوصافها، وتفصيلات حياتها؛ كان الإيمان بها جملةً أمرًا واجبًا على المسلم، وكذلك الشأن فيما يتعلّق بأيّ أمرٍ وجب الإيمان به ولم يردْ تفصيله؛ فمثلًا: الأنبياء والمرسلون يجب الإيمان بهم جملةً، وأن الله تعالى أرسل رسلًا وبعث أنبياء؛ منهم من علّمنا الله اسمه ورسالته وشيئًا من حياته وقصته مع قومه، ومنهم من لم يقصصْ علينا خبره؛ فنؤمن بهم في الجملة، ولا نفرق بين أحد منهم، ونفصّل إيماننا فيمن جاء التفصيل عنه.

كذلك الحال بالنسبة للملائكة فنؤمن بهم في الجملة، ونعتقد جازمين أن الله سبحانه وتعالى خلق خلقًا من نور يسمون الملائكة، وهم مسخرون للطاعة ومستغرقون في العبادة, لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وأن هذه الملائكة أصناف عديدة لا يعلم كنه حقيقتها، ولا عدد طوائفها إلا خالقها -جلّ وعلا- وأن هذه الملائكة موكّلة بأعمال كثيرة؛ فمنها من وُكّل بالمطر، ومنها من وُكّل بالأرزاق، ومنها من وُكّل بالنبات، ومنها من وُكّل بحركة الشمس، ومنها من وُكّل بحركة القمر والأفلاك.

ومنها الموكلون ببني آدم، ومنها ملائكة الجنة، وخزنة جهنم -أعاذنا الله منها- ومنها حملة العرش، ومنها الملك الموكل بالوحي إلى الأنبياء والرسل، ومنها ملك الموت؛ فنؤمن بهذه الملائكة في الجملة، وأن الملائكة لهم حقيقة ولهم أجسام نورانية، وهم قادرون على التشكل بالقدرة الإلهية، وأن كل حركة في هذا العالم وراءها ملائكة موكلة بذلك.

يقول صاحب كتاب (الإيمان: أركانه – حقيقته – نواقضه) بعد أن ذكر جملة من الملائكة, الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم:

“فهؤلاء وغيرهم ممن ورد ذكر أسمائهم في أحاديث ثبتت صحتها، يجب الإيمان بهم، وبما نيط بهم من الوظائف والأعمال، وأما الملائكة الذين لم يرد ذكرهم فيجب أن نؤمن بهم بصورة إجمالية، ونؤمن بما ذكر من أصنافهم وأفعالهم في القرآن والسنة؛ فنؤمن بالكرام الكاتبين الذين جعلهم الله علينا حافظين، كما قال تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِين * كِرَامًا كَاتِبِين * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُون} [الانفطار: 9، 10]، وكما قال أيضًا: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ} [الرعد: 11]، وكما قال: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُون} [الزخرف: 80]، وقد ورد في بعض كتب التفسير أنهم اثنان عن اليمين وعن الشمال يكتبان الأعمال -صاحب اليمين يكتب الحسنات، وصاحب الشمال يكتب السيئات- وملكان آخران يحفظانه ويحرسانه -واحد من أمامه، وواحد من ورائه- فهو بين أربعة من الملائكة.

وروى الإمام مسلم والإمام أحمد -رحمهما الله تعالى- عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما منكم من أحد إلا وقد وُكِّل به قرينه من الجنّ، وقرينه من الملائكة، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياي، لكن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير)). وقوله صلى الله عليه وسلم: ((فأسلم)) وجّهها أهل العلم بالحديث أنها إما أن تكون من أسلم -أي: الجني- فصار من المسلمين، أو فأسلم، أي: أسلمت أنا من أذاه.

ونؤمن كذلك بملك الموت المُوَكّل بقبض أرواح العالمين, قال تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُون} [السجدة: 11] ولم يصرح القرآن باسمه، ولا الأحاديث الصحيحة، وجاء في بعض الآثار تسميته بعزرائيل, ونؤمن بحملة العرش الذين أخبر عنهم القرآن, فقال سبحانه: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَة} [الحاقة: 17]، ومنهم إسرافيل الذي ينفخ في الصور، ونؤمن كذلك بالملائكة الموكلين بالنار -أعاذنا الله منها- وهم الزبانية، ومقدموهم تسعة عشر, قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَاب} [غافر: 49]، وقال تعالى: {عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون} [التحريم: 6]، وقال أيضًا: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَر * وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً} [المدثر: من 30، 31].

ونؤمن أيضًا بالملائكة الموكلين بالجنان, الذين يهيّئون الضيافة لساكنيها من ملابس، ومآكل، ومشارب، ومصانع، وغير ذلك ممّا لا عين رأتْ، ولا أذن سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر- جعلنا الله وإياكم من أهلها, المتنعمين بهذه النعم فيها” انتهى كلامه -رحمه الله.

ويقول ابن أبي العز الحنفي -رحمه الله-:

“فهم رسل الله في خلقه وأمره، وسفراؤه بينه وبين عباده، ينزلون بالأمر من عنده في أقطار العالم، ويصعدون إليه بالأمر، قد أطت السموات بهم وحُقّ لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك قائم أو راكع أو ساجد لله، ويدخل البيت المعمور منهم كل يوم سبعون ألفًا, لا يعودون إليه آخر ما عليهم.

والقرآن مملوء بذكر الملائكة وأصنافهم ومراتبهم؛ فتارة يقرن الله تعالى اسمه باسمهم وصلاته بصلاتهم، ويضيفهم إليه في مواضع التشريف، وتارةً يذكر حفّهم بالعرش… والتقريب والعلو، والطهارة والقوة والأخلاق، قال تعالى: {كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} [البقرة: 285]، {شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ} [آل عمران: 18]، {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [الأحزاب: 43] {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ} [غافر: 7]، {وَتَرَى الْمَلاَئِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} [الزمر: 75]، {بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُون} [الأنبياء: 26]، {إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُون} [الأعراف: 206] {فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْأَمُون} [فصلت: 38]، {كِرَامًا كَاتِبِين} [الانفطار: 11] {يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُون} [المطففين: 21] {كِرَامٍ بَرَرَة} [عبس: 16] {لاَ يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإِ الأَعْلَى} [الصافات: 8]، وكذلك الأحاديث طافحة بذكرهم؛ فلهذا كان الإيمان بالملائكة أحد الأصول الخمسة التي هي أركان الإيمان” انتهى كلام ابن أبي العز -رحمه الله.

إذًا: يجب على المسلم أن يُؤمن بما ورد في حق الملائكة إجمالًا إيمانًا مجملًا، وما ورد في حقّهم تفصيلًا يجب الإيمان به إيمانًا مفصلًا، كما يتضح مما يأتي: 

الإيمان بالملائكة على التفصيل:

أما الإيمان بالملائكة على جهة التفصيل, فنقصد به أنه يجب على المسلم الإيمان بوجود الملائكة الذين ورد ذكرهم في الكتاب العزيز، أو في سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم بالتفصيل الذي ورد عنهم؛ فيؤمن بأن المادة التي خُلقوا منها هي النور، وأنهم عباد مكرمون، طائعون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وأنهم مقربون؛ فمنهم حملة العرش، ومنهم الحافون به، ومنهم الملك الموكل بالوحي، وهو جبريل عليه السلام وهو أفضلهم وأشرفهم، ومنهم ملك الجبال والذي يسوق السحاب, وصاحب النبات وصاحب الأرزاق، والحفظة لبني آدم، وملائكة الجنة، وخزنة النار – أعاذنا الله منها- والملكان الموكلان بسؤال الميت في قبره، إلى غير ذلك من الملائكة، فيجب الإيمان بهم جميعًا على التفصيل الوارد عنهم، ومعرفة أسماء من ذكر اسمه منهم.

فالذي ورد لنا من أسماء الملائكة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل, وأما ملك الموت فلم يثبت في القرآن ولا في السنة الصحيحة تسميته -وقد جاءت في بعض الآثار تسميته بعزرائيل- وكذلك: هاروت، وماروت، ومنكر ونكير، ورضوان، ومالك -عليهم السلام جميعًا.

ويجب معرفة أصنافهم ووظائفهم؛ فقد جاء في النصوص الشرعية أن الملائكة أصناف، كما ثبت أن لكل منهم وظائف وأعمالًا؛ فوظيفة الملائكة الأولى التي تقوم بها في الجملة: تسبيح الله تعالى، والتعبد له ليلًا ونهارًا من غير ملل ولا فتور.

وهناك أعمال ووظائف، وكّل الله بالقيام بها أنواعًا مخصوصة من الملائكة؛ فمنهم جبريل عليه السلام الأمين على وحي الله، يرسله به إلى الأنبياء والرسل، كما وكله بالهلكات إذا أراد الله أن يهلك قومًا، كما حصل في قصة قوم لوط؛ فورد في التفسير أنه رفع القرية على جناحيه حتى سمعت الملائكة صياح ديكة القرية، ثم جعل عاليها سافلها حتى لاقوا العذاب الأليم -والعياذ بالله- كما وكله بالنصر عند القتال, كما صرّح بذلك الإمام السيوطي -رحمه الله- في (الحبائك في أخبار الملائك), ومنهم ميكائيل “ميكال عليه السلام” الموكل بالمطر، ونبات الأرض، وأرزاق العباد، ومنهم إسرافيل عليه السلام الموكل بالنفخ في الصور, ومنهم ملك الموت الموكل بقبض الأرواح، وله أعوان من الملائكة، ومنهم الملائكة الموكلون بنفخ الأرواح في الأجنة، وكتابة أعمالهم مستقبلًا، وآجالها، وأرزاقها، وسعادتها، أو شقاوتها. ومنهم الملائكة الموكلون بحفظ بني آدم بأمر الله، وآخرون يحصون أعمالهم ويكتبونها. ومنهم الملكان الموكلان بسؤال الميت إذا وضع في قبره، ومنهم خزنة الجنة الذين يسلمون على أهلها، ومنهم خزنة جهنم المكلفون بها, وغير ذلك.

يقول ابن أبي العز الحنفي -رحمه الله-: “وأما الملائكة فهم الموكلون بالسموات والأرض، فكل حركة في العالم فهي ناشئة عن الملائكة كما قال تعالى: {فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا} [النازعات: 5]، {فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا} [الذاريات: 4]، وهم الملائكة عند أهل الإيمان وأتباع الرسل.

وقد دلّ الكتاب والسنة على أصناف الملائكة، وأنها موكلة بأصناف المخلوقات، وأنه سبحانه وكّل بالجبال ملائكة، ووكل بالسحاب والمطر ملائكة، ووكل بالرحم ملائكة تُدَبّر أمر النطفة حتى يتمّ خلقها، ثم وكّل بالعبد ملائكة لحفظ ما يعمله وإحصائه وكتابته، ووكّل بالموت ملائكة، ووكّل بالسؤال في القبر ملائكة، ووكّل بالأفلاك ملائكة يحركونها، ووكل بالشمس والقمر ملائكة، ووكل بالنار وإيقادها وتعذيب أهلها وعمارتها ملائكة، ووكل بالجنة وعمارتها وغرسها وعمل آلاتها ملائكة.

فالملائكة أعظم جنود الله، ومنهم: المرسلات عرفًا، والناشرات نشرًا، والفارقات فرقًا، والملقيات ذكرًا، ومنهم: النازعات غرقًا، والناشطات نشطًا، والسابحات سبحًا، فالسابقات سبقًا، ومنهم: الصافات صفًّا، فالزاجرات زجرًا، فالتاليات ذكرًا. ومعنى جمع التأنيث في ذلك كله: الفِرَق والطوائف والجماعات التي مفردها: فرقة، وطائفة، وجماعة.

ومنهم: ملائكة الرحمة، وملائكة العذاب، وملائكة قد وُكّلوا بحمل العرش، وملائكة قد وكلوا بعمارة السموات بالصلاة والتسبيح والتقديس… إلى غير ذلك من أصناف الملائكة التي لا يحصيها إلا الله.

ولفظ الملك يشعر بأنه رسول منفذٌ لأمر مرسله، فليس لهم من الأمر شيء؛ بل الأمر كله لله الواحد القهار.

ومنهم الأملاك الثلاثة جبرائيل، وميكائيل، وإسرافيل الموكلون بالحياة؛ فجبرائيل موكل بالوحي الذي به حياة القلوب والأرواح، وميكائيل موكل بالقطر الذي به حياة الأرض والنبات والحيوان, وإسرافيل موكّل بالنفخ في الصور الذي به حياة الخلق بعد مماتهم، فهم رسل الله في خلقه وأمره، وسفراؤه بينه وبين عباده” انتهى كلامه. 

التقيد بالكتاب والسنة, وفهم السلف في الكلام عن الملائكة:

إذا كانت أركان الإيمان الستة من أمور الغيب, التي يتوقّف في الكلام حولها على الدليل من الكتاب والسنة، وفهم السلف الصالح -رحمة الله عليهم- فإن الكلام عن الملائكة وحقيقتهم وعددهم وأسمائهم، والوظائف المنوطة بهم، والأعمال الموكلة إليهم؛ كل ذلك يجب التقيّد فيه بالكتاب والسنة، وفهم سلف الأمة -رحمهم الله.

وهذا هو الإيمان بالغيب الذي ميّز الله به المؤمنين عن الكافرين، كما قال تعالى: {الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِين * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُون} [البقرة: 1-3]؛ ولهذا نهى الله سبحانه وتعالى عن القول بغير علم ولا هدى من كتاب أو سنة، كما قال تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولا} [الإسراء: 36].

وهذا التقيّد هو منهج أهل السنة والجماعة في جميع مسائل الاعتقاد؛ ولهذا لمّا تكلّم الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- عن الملائكة, لم يخرج عن الأدلة من الكتاب والسنة، وفهم السلف في الحديث عنها.

يقول الدكتور صالح العبود:

“والشيخ يؤمن بالملائكة ويصدق بوجودهم، عباد لله مكرمون لا يسبقون الله بالقول وهم بأمره يعملون، والله يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى, وهم من خشية الله مشفقون.

وقال الشيخ في كتاب (أصول الإيمان), باب: ذكر الملائكة والإيمان بهم، ثم يستدل على الإيمان بهم في قول الله تعالى: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} [البقرة: 177]، ويستدل الشيخ بقول الله تعالى: {وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى} [النجم: 26] ويؤمن الشيخ بكل ما ورد من وصفهم وذكرهم وأصنافهم, وأعيانهم في القرآن الكريم والسنة الشريفة” انتهى كلامه.

وجملة القول: أنه يجب الإيمان بكل ما ورد في شأن الملائكة -عليهم السلام- مع التقيد في ذلك بما ورد في القرآن والسنة في شأنهم, وحسب فهم السلف -رحمهم الله تعالى- بأن هذه المخلوقات مخلوقات غيبية، لا يستطيع العقل إدراك كنهها ولا تصورها، والذي عرفه عنها إنما عرفه عن طريق الوحي الذي جاء به المصطفى صلى الله عليه وسلم فينبغي التقيد بذلك، وعدم إطلاق العنان بالتصورات الخاطئة، والخرافات والأوهام لتصورهم، وادّعاء رؤيتهم، ومخاطبتهم كما وجدنا بعض الطوائف تدّعي أنه يجوز رؤية الملك بعد انقطاع الوحي، ولكنهم قالوا: إنه يوحى للشيخ الولي، وقد يراه إلا أنه لا يجتمع له رؤيته ووحيه في آنٍ واحد، كما كان يحصل للنبي المصطفى صلى الله عليه وسلم. 

error: النص محمي !!