Top
Image Alt

تعريف الملحمة، وأهم أنواعها، وسماتها

  /  تعريف الملحمة، وأهم أنواعها، وسماتها

تعريف الملحمة، وأهم أنواعها، وسماتها

في المادة المخصصة لـ”Epic poetry” أي: الشعر الملحمي في موسوعة “الويكيبيديا” يُعرّف كاتبها الملحمة بأنها: “قصيدة قصصية شديدة الطول، تدور عادة حول أعمالٍ بطولية، ووقائع ذات دلالة لأمة من الأمم أو ثقافة من الثقافات”.

ويفرق الكاتب بين نوعين من الملاحم: النوع القديم، كملحمة “جلجامش الصومالية” وملحمة “الـإلياذة” لـ”هوميروس الإغريقي” والنوع الأحدث أو الثانوي مثل: “الإلياذة” لـ”فيرجين الروماني” و”الفردوس المفقود” لـ”جون ميلتون الإنجليزي” وهذا الأخير هو من إبداع كتاب كبار معروفين استعملوا له لغة أدبية راقية، ونسجوه عامدين على منوال تلك الملاحم القديمة، التي كانت في الأصل شفوية غير مكتوبة، وإن كان قد تم تسجيلها كتابة بعد ذلك، ووصلت من ثم على هذا النحو إلينا.

ويَمضي كاتب المادة مسجلًا، الخصائص التي تميز الملحمة عن غيرها، من الإبداعات الأدبية قائلًا: “إنه لا بد أن يكون بطل الملحمة شخصًا جليلًا ذا مكانة كبيرة بين أبناء وطنه، أو في العالم أجمع، ويَحظى بأهمية تاريخية أو أسطورية، كذلك ينبغي أن يكون ميدان الأحداث شديد الاتساع، بحيث يشمل كثيرًا من الأمم والبلاد المختلفة، وأن تتسم تصرفات البطل بالشجاعة الفائقة؛ حتى لتكون خارقة في كثير من الأحيان، فضلًا عن مشاركة الآلهة والملائكة والشياطين فيها، مع حرص المؤلف على فخامة الأسلوب والموضوعية في رواية الوقائع، ورسم الشخصيات بكل سبيل.

وعلى وجه العموم؛ نرى البطل يقوم برحلة يلقى فيها خصومًا يحاولون إنزال الهزيمة به؛ ليعود في نهاية المطاف إلى بلاده وقد تغير، فلم يعد كما كان وهو في كل ذلك يعْكِسُ الملامح القومية والخلقية، التي تميز أمته، ويأتي من الأعمال ما يمثل أهمية قصوى لتلك الأمة”.

وقد قام كاتب “الويكيبيديا” في نهاية المادة بتزويدنا بقائمة لأهم الملاحم المعروفة في العالم كله، مرتبة ترتيبًا تاريخيًّا بدءًا من القرن العشرين قبل الميلاد حتى عصرنا هذا، وتتوالى في تلك القائمة عشرات بعد عشرات بعد عشرات من أسماء الملاحم، بعضها لا يزال موجودا حتى الآن، وبعضها مفقود، فعدد الملاحم إذًا أضخم كثيرًا جدًّا مما يُظَنّ عادة، وبخاصة إذا عرفنا أن هذه القائمة لا تَضُمّ كل الملاحم المعروفة، فضْلًا عن أن هناك ملاحم لا تزال مجهولة حتى الآن.

ولعل ما تناقلته وكالات الأنباء العالمية يوم الحادي والثلاثين من ديسمبر سنة ألفين وأربع تحت عنوان “اكتمال أقدم ملحمة صينية” يعطينا لمحة في هذا الصدد، إذ جاء في الخبر أن الصين أعلنت عن اكتمال أطول ملحمة شعرية على مستوى العالم، وهي الملحمة المعروفة باسم: “ملك قصار” التي لا أذكر أن أحدًا أورد اسمها مجرد إيراد بين ملاحم العالم، وذلك إثر العثور على الجزء الناقص منها، ويستغرق ألف كلمة منقوشة على الأحجار والتماثيل الكائنة بمعبد “السمكة الذهبية” جنوب الصين.

وقد وصفت الملحمة بأنها أطول ملحمة شعبية عرفها العالم، إذ تقع في ست وثلاثين مجلدًا، وتضم قرابة مليوني بيت من الشعر، كما وصفت أيضًا بأنها تضاهي في قيمتها الأدبية أشهر الملاحم الغربية؛ حتى ليطلق عليها “الإلياذة الشرقية”.

وهذه الملحمة -كما جاء في الخبر- تُدَرّس في عشرات المعاهد والكليات في أرجاء العالم، وبالمُناسبة فقد ذكرت صحيفة “الشعب الصينية” على الإنترنت بتاريخ الثالث والعشرين من شهر أكتوبر سنة ألفين وثلاث، أن صبيًّا صينيًّا عمره ثلاث عشرة سنة يحفظ هذه الملحمة عن ظهر قلب، وأنّ عملية الحفظ قد تمت على نحو خارق، إذ كان الصبي نائمًا ذات ليلة، ثُمّ استيقظ فوجد نفسه يحفظ تلك الملحمة، التي تشتمل على عشرة ملايين كلمة، دون أن يبذل في حفظها أي جهد، بل دون أن تكون عنده النية أصلًا في هذا الحفظ.

وفي موقع “مجلة الصين” المصورة على “الإنترنت” وتحت عنوان: “نظرة تاريخية للشعب والأرض” نقرأ أنه في عام تسعة وسبعين وتسعمائة وألف للميلاد أسست الصين معهدًا أكاديميًّا لحفظ تلك الملحمة، وأنه يوجد حاليًا في أرجاء الصين أكثر من مائة من رواة الشعر ينشدون الملحمة المذكورة بعضهم يبلغ من العمر تسعين عامًا.

والسؤال الآن: هل في أدبنا العربي ملاحم كتلك التي يعرفها الكثير من الآداب الأخرى؟ فأما في الأدب الفصيح القديم؛ فلا يوجد شيء يمكن أن يقال عنه: إنه ملحمة بالمعنى الذي شرحناه هنا، ولقد أشاد “ابن الأثير” من أهل القرنين السادس والسابع الهجريين في كتابه (المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر) بما يوجد في آداب الفرس من القصائد الطويلة، التي تبلغ الواحدة منها عدة آلاف من الأبيات كـ”الشهنامة” وما إليها؛ فكان رد صلاح الدين الصفدي من أهل القرن الثامن الهجري في كتابه (نصرة الثائر على المثل السائر) هو التذكير بما في أدبنا من منظومات وقصص طويلة أشار إلى بعضها كما سوف نرى بعد قليل.

ومن الواضح أنه ظَنّ المسألة في الطول وحده، و إلا فإن الأمثلة التي ضربها على ما في بعضها، من إبداع أدبي جميل، ورائع ليست من سبيل الملحمة، ولا الملحمة من سبيلها، وكان ابن الأثير في كتابه المذكور يوازن بين فني النثر والشعر، ويرصد الفروق بينهما إلى أن أتى إلى مسألة التطويل والتقصير، فقال: “إنه مما لا يحسن في الذوق العربي أن يطول الشاعر قصائده، ويُشقق المعاني ويستوفي الكلام فيها، مما هو أليق بالنثر”.

ثم انطلق في موازنة بين العرب والفرس في تلك النقطة قائلًا: “إن الشاعر إذا أراد أن يشرح أمورًا متعددة ذوات معانٍ مختلفة في شعره، واحتاج إلى الإطالة بأن ينظم مائتي بيت، أو ثلاثمائة أو أكثر من ذلك؛ فإنه لا يجيد في الجميع ولا في الكثير منه، بل يُجِيد في جزء قليل، والكثير من ذلك رديء غير مرضي، والكاتب لا يؤتى من ذلك بل يطيل الكتاب الواحد إطالة واسعة، تبلغ عشر طبقات من القراطيس أو أكثر، وتكون مشتملة على ثلاثمائة سطر أو أربعمائة أو خمسمائة، وهو مجيد في ذلك كله.

وهذا لا نزاع فيه؛ لأننا رأيناه، وسمعناه، وقلناه. وعلى هذا؛ فاني وجدت العجم يفضلون العرب في هذه النكتة المشار إليها؛ فإنّ شاعرهم يذكر كتابًا مصنفًا من أوله إلى آخره شعرًا، وهو شرح قصص وأحوال، ويكون مع ذلك في غاية الفصاحة والبلاغة في لغة القوم، كما فعل الفردوسي في نظم الكتاب المعروف بـ(شهنامة) وهو ستون ألف بيت من الشعر، يشتمل على تاريخ الفرس، وهو قرآن القوم، وقد أجمع فصحاؤهم على أنه ليس في لغتهم أفصح منه. وهذا لا يوجد في اللغة العربية على اتساعها، وتشعب فنونها وأغراضها، وعلى أن لغة العجم بالنسبة إليها كقطرة من بحر”.

فكان من جراء ذلك أن ألف صلاح الدين الصفدي كتابه (نصرة الثائر على المثل السائر) للرد على بعض ما جاء في كتاب ابن الأثير السابق الذكر، كما هو واضح من عنوانه. وهذا الرد يجري على النحو التالي: “قد ختم ابن الأثير -رحمه الله تعالى- كتابه بهذه النكتة التي مال فيها إلى الشعوبية، وما قال معمر بن المثنى، ولا سهل بن هارون، ولا ابن غرثية في رسالته مثل هذا.

وقد وُجِد في أهل اللسان العربي من نظم الكثير أيضًا، وإنْ عد هو “الفردوسي” عددت له مثل ذلك جماعة منهم من نظم (تاريخ المسعود) نظمًا في غاية الحسن، ومنهم من نظم كتاب (كليلة ودمنة) في عشرة آلاف بيت، ونظمها “أبان اللاحقي” أيضًا، وأخبرني الشيخ الإمام الحافظ “شمس الدين أبو عبد الله محمد الذهبي” أن “مكي بن أبي محمد بن محمد بن أبيه الدمشقي” الذي كان يعرف بـ”ابن الدجاجية” نظم كتاب (المهذب) قصيدة على روي الراء، سماها “البديعة في أحكام الشريعة” انتهى.

قلت -هذا كلام الصفدي-: و(المهذب) في أربع مجلدات، وبعض المغاربة امتدح سيدنا رسول الله صلى الله عليه  وسلم في قصيدة عدتها ثمانية عشر ألف بيت، ولابن الهبارية كتاب (الصادح والباغم) في ألفي بيت كل بيت منها قصر مشيد، ونكته عليها من الحسن مزيد، يشتمل على الحكايات والنوادر والأمثال والحكم، وكلها في غاية الفصاحة والبلاغة، ليس فيها لو ولا ليت. وأما من نظم الألف وما دونه؛ فكثير جدًّا لا يبلغهم الحصر.

وأما (الشاطبية) وما اشتملت عليه معرفة القراءات السبع واختلافاتها، وتلك الرموز التي ظاهرها الغزل وباطنها العلم، فكتاب اشتهر وظهر، وخلب سحره الألباب وبهر، وأما أراجيز النحو والعروض، والفقه كالذي نظم (الوجيز) ومنظومة (الحنفية) وغير ذلك من الطب وغيره من العلوم، فكثير جدًّا إلى الغاية التي لا يحيط بها الوصف”.

إذًا؛ ففي أدبنا الفصيح القديم لا وجود لهذا الفن الشعري، ولكنا لدينا مع هذا ما يسمى بالسير الشعبية كـ”سيرة عنترة” و”سيرة سيف ابن ذي يزن” و”السيرة الهلالية” و”سيرة ذات الهمة” و”سيرة حمزة البهلوان” و”سيرة فيروز شاه” و”سيرة علي الزيبق” و”سيرة أحمد الدنف” وهي تقترب جدًّا من فن المَلحمة؛ فهي قصص، وهي شديدة الطول حتى لا تتجاوز سيرة عنترة مثلًا ثلاثة آلاف صفحة وخمسين.

إلا أن هذه السير ليست مصوغة كلها شعرًا بل هي عمل نثري في المقام الأول، تكلله الأشعار على ألسنة بعض أبطالها، مع تفاوت في مقدار هذا الشعر بين سيرة وأخرى، ومع هذا؛ لا يَصِحُّ أنْ نُغفل أنها مصبوبة في قالب السجع الذي يقترب خطوة من الشعر، أي أن أسلوب السيرة النثري ليس خاليًا من النغم هو أيضًا، كذلك لا يوجد لها مؤلف معين؛ إذ هي من إبداع المخيلة الشعبية.

ولعلنا لم ننسَ أن الملاحم الأولى الموغلة في القدم هي أيضًا عارية عن أسماء مؤلفيها، بل إن من الدارسين من ينفي أن يكون “هوميروس” هو صاحب “الإلياذة” قائلًا: إنها عمل شعبي عام اكتمل على مدار الزمان، ومن هنا كان أسلوب السير الشعبية مختلفًا عن أسلوب الأدب الرسمي، رغم أنها مكتوبة بالفصحى؛ إذ هي فصحى تنفح بالنكهة الشعبية من حيث بساطتها، وعدم احتفالها بالصياغة اللغوية بوجه عام.

وفوق ذلك: ففي السير تداخل بين الأماكن والأحداث، والأزمنة التاريخية، كما هو الحال مثلًا في “سيرة عنترة” حيث نرى “عنترة” في اليمن، وفارس، والشام ومصر، وحيث تستغرق الأحداث ما يقرب من ستة قرون، وكما هو الحال أيضًا في “سيرة الظاهر بيبرس” حيث يشتبك العصر العباسي، والعصر الأيوبي، والعصر المملوكي.

ووجه الشبه بين السير الشعبية والملاحم: أنها شديدة الطول، وأن الأبطال فيها يتميزون بالشجاعة الخارقة، كما تختلط الأحداث التاريخية بكثير من الخرافات والأساطير؛ فضلًا عن اتساع رقعة الميدان الذي تتحرك فيه الوقائع والشخصيات، كذلك فللجن والسحر، والمعجزات والكرامات والرؤى، والنبوءات الصادقة وجود في تلك السير، وقد أشار لها “روجر ألن” في كتابه (an intrudaction to arabic literature) بوصفها ملاحم شعبية.

وللدكتور “عبد الحميد يونس” والدكتورة “نبيلة إبراهيم” والأستاذ “فاروق خورشيد” وغيرهم دراسات هامة حول تلك الأعمال.

أما في العصر الحديث: فقد ظهرت بعض الأعمال الشعرية العربية التي أطلق عليها ملاحم، رغم أنها لا تتطابق والملاحم القديمة التي نعرفها، إلا أنّ فيها مع ذلك بعض السّمات التي تصلها على نحو ما بها، فهي أعمال قصصية طويلة يقع بعضها في عدة آلاف من الأبيات كملحمة “الغدير” لـ”بولس سمير اللبناني النصراني” الذي لم تمنعه نصرانيته من الإعجاب ببطولة ختن الرسول الكريم -صلوات الله عليه- والعكوف على سيرته، وشخصيته يدرسهما ويستوحيهما؛ حتى أخرج لنا في نهاية الأمر عملًا ملحميًّا يصور بطولاته وإنجازاته الخارقة.

على حين يكتفي البعض الأخر بعدة مئات من الأبيات كـ”ترجمة شيطان” التي صور بها العقاد ما حاق بنفسه عقب الحرب العالمية الأولى من شكوك في القدرة البشرية على مصارعة عوامل الشر والانتصار عليها، ويأس من انتصار الخير في دنيانا هذه، بسبب الأهوال وألوان الدمار، والتقتيل التي أنزلتها تلك الحرب بجنس الإنسان.

 والأولى تتناول سيرة بطل عربي مسلم، مشهور بالشجاعة غير الاعتيادية، وله إنجازاته الحربية، التي أسهمت في تغيير مجرى التاريخ، وهو الصحابي الجليل علي بن أبي طالب رضي الله  عنه على حين تحكي الثانية قصة الشيطان في تمرده المستمر على رب العباد، وعمله على بث الغواية في كل مكان، رغم معرفته بما ينتظره من عقاب رهيب في نهاية المطاف، فهي إذًا تدور حول قضية فلسفية ودينية خطيرة، هي قضية الخير والشر والصراع بينهما، ووقوع الإنسان بين شقي الرحى. وكما يرى القارئ فإن في هاتين الملحمتين العنصر الخارق.

وهناك أيضًا ملحمة “عبقر” لشفيق المعلوف و”محمد” لالعلي شلق و”الإلياذة الإسلامية” لأحمد محرم الذي جاء عمله أقرب إلى السرد التاريخي منه إلى الملحمة، رَغْمَ أنّ الأسلوب الذي كُتب به ذلك العمل أسلوب شعري، إذ ينقصه الوحدة العضوية التي يتطلبها البناء القصصي.

ولا مانع أن تُعدّ تلك الأعمال الحديثة بوجه عام من الملاحم، ولا ريب أن من الصعب استمرار ملامح جنس أدبي ما دون تغيير أو تعديل أو تطور، طوال كل هاتيك القرون الشاسعة، وهناك مقال لـ”ماتيا كافانيا” يتناول بعض الأعمال الأدبية الفرنسية المعاصرة؛ فيعدها من الملاحم رغم أنها لا تتوفر فيها كل العناصر الملحمية، ذلك أن هذه الأعمال قد ساهمت في إحداث ذلك التغيير الذي كان من جرائه أن أصبحت الملاحم تكتب نثرًا، بعد أن كانت على الدوام تصب في قالب الشعر؛ علاوة على غلبة الطابع العاطفي عليها.

وقد كانت ترجمة “سُليمان البستاني” الشعرية لـ”إلياذة هوميروس” إلى لسان العرب ونشره إياها في أول القرن العشرين خير دافع لشعرائنا المحدثين إلى دخول هذا الميدان، الذي كان الشعر العربي يخلو منه قبله، وكان الدكتور “يعقوب صروف” قد شجع “البستاني” على ترجمة الإلياذة أثناء زيارته لمجلة ” المقتطف ” بالقاهرة سنة سبع وثمانين وثمانمائة وألف للميلاد.

وكان “البستاني” من جانبه مشغوفًا بالشعر القصصي، هائمًا بأساطيره وخرافاته، وكان ينظم المقطوعات الشعرية، فاختمرت الفكرة من يومها في ذهنه، وأخذ يطلع على ترجمة الإلياذة باللغات الإنجليزية والفرنسية، والإيطالية، فضلًا عن قيامه بتعلم اليونانية التي كتب ذلك العمل بها، ثم قام بتعريبها شعرًا مع آلاف الهوامش التي يشرح فيها كل ما يحتاج إلى توضيح، وصدرت الترجمة بالقاهرة سنة أربع وتسعمائة وألف، فأقام له المفكرون والأدباء في مصر حفلة تكريمية بـ”فندق شبر” بذلك العام.

ولم يكتف “البستاني” بترجمة “الإلياذة” وشرح ما يحتاج فيها إلى شرح، بل زاد فوضع معجمًا ملحقًا بها، كما كتب مقدمة مطولة عرف فيها بفن الملاحم، وقام ببعض المقارنات بين الشعر العربي، وأشعار الأمم الغربية، وغير ذلك من الموضوعات شديدة الأهمية، وهذه المقدمة هي في واقع الأمر بمثابة كتاب قائم بذاته.

وفي النهاية لا ينبغي أن يفوتنا النص رغم ذلك كله على أن ترجمة “البستاني” لـ”ملحمة هوميروس” قد غلب فيها النظم على النفس الشعري.

ويجدر بنا في هذا السياق أيضًا أن نبرز الدور الذي نهض به “محب الدين الخطيب” صاحب مجلة “الفتح القاهرية” في حث الشعراء المسلمين على أن يجتهدوا في إبداع ما سَمّاه “إلياذة إسلامية” إذ بعث للشاعر “أحمد مُحرم” برسالة الخامس من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة وألف للهجرة.

يقول فيها: “سيدي الأستاذ الجليل مفخرة البيان العربي، وشاعر مصر الكبير الأستاذ: أحمد محرم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ وبعد: فكنت هممت أكثر من مرة أن أكتب إليكم اقترح عليكم مشروعًا، كنا نحاول إقناع شوقي بك -رحمه الله- به، ولكني خشيت أن يصرفكم ذلك عن معاني الجهاد الأخرى، وهذا المشروع هو إرسال نظركم الكريم بين حين وآخر إلى مفاخر التاريخ الإسلامي الخلقية والعمرانية والسياسية والإصلاحية والحربية… إلخ. ونظم كل مفخرة منها في قطعة خالدة تنقش في أفئدة الشباب؛ فإذا ذخر أدبنا بكثير من هذه القطع، على اختلاف أوزانها وقوافيها، أمكن بعد ذلك ترتيبها بحسب تاريخ الوقائع، وتأليف إلياذة إسلامية من مجموعها.

أليس من العار أن يكون للفرس الذين حفل تاريخهم زمن جاهليتهم بالشنائع، ديوان مفاخر يغطي فيه البيان على العيوب؟ -يشير بذلك إلى شاهنامة الفردوسي- وأن يكون لليونان زمن وثنيتهم وأوهامهم الصبيانية ديوان مفاخر “كالإلياذة” تتغنى بها الإنسانية إلى يوم الناس هذا”.

وكان هذا الخطاب الذي كتبه “محب الدين خطيب” لأحمد محرم هو الشرارة التي أججت شعلة الحماس في نفس الشاعر؛ فكان أن نظم “الإلياذة الإسلامية” التي عرض فيها خلاصة التاريخ الإسلامي، في قالب شعري قوي التعبير؛ كي يلفت شباب الإسلام إلى مفاخر تاريخهم، ويدفع عنهم الشعور بالضآلة تجاه آداب الأمم الأخرى، وما تشتمل عليه من ملاحم.

وكان الخطيب قد ذهب قبل هذا إلى “أحمد شوقي” عارضًا عليه فكرة نظم ملحمة إسلامية، إلّا أنّ “شوقي” صمت ولم يعلن قبوله أو رفضه؛ فقصد عندئذ أحمد محرم، وأعاد عرض الاقتراح فقبله على الفور، وبدأ في نظم “الإلياذة الإسلامية” أو مجد الإسلام، ناشرًا إياها على أجزاء في “مجلة الفتح”؛ ليكون بذلك أول من راد هذا الطريق، وعبده لغيره من الشعراء العرب المحدثين، رغم ما تفتقر إليه إلياذته من الوحدة العضوية القصصية كما أشرنا.

 ثم فاجأ “شوقي” الناس بعد ظهور إلياذة محرم، بنشر مطولته “دول العرب وعظماء الإسلام” التي يرصد فيها تاريخ الإسلام منذ فجر الدعوة حتى أيامه، فكما نرى كان الشعور بأن أدبنا ينقصه هذا الفن، هو السبب الرئيسي في التحمس في إدخالها عندنا، كي لا يكون أدبنا أقل من الآداب الأخرى. ومِن نَاحية ثانية فإن هذا الأمر دليل على ما يمكن أن يؤدي إلى التفاعل بين الآداب، وتَعَاوُنها فيما بينها، واستعارة بعضها من بعض من نتائج طيبة.

error: النص محمي !!