Top
Image Alt

تعريف المنطوق، وذكر أقسامه

  /  تعريف المنطوق، وذكر أقسامه

تعريف المنطوق، وذكر أقسامه

1. المراد بالمنطوق والمفهوم:

حين تريد نقل معنًى من ذهن إلى ذهن فإن الوسيلة لذلك هي الكلمات والألفاظ؛ فالألفاظ هي قوالب المعاني، أو الظروف الحاملة للمعاني؛ فكل لفظٍ ينقل جزءًا من المعنى حتى يتم نقل المعنى كاملًا.

ودَلالة الألفاظ على المعاني إما أن تستفاد من جهة النطق والتصريح، أو من جهة التعريض والتلميح، ومن التصريح ما يخفى حتى يكاد أن يكون تلويحًا، ومن التلويح ما يظهر حتى يكاد أن يكون تصريحًا، وتحت هذه الحالات يدرس العلماء المنطوق والمفهوم.

وبالتالي يظهر لنا: أن دراسة المنطوق والمفهوم مهمة؛ حتى نتوصلَ ونفهمَ دلالات الألفاظ.

2. تعريف المنطوق:

المنطوق: هو ما دل عليه اللفظ في محل النطق، أو دلالة اللفظ على حكم نُطِق به مطابقةً أو تضمنًا أو التزامًا. يعني: أن اللفظ الذي ينطق به الإنسان يدل على حكم يريده، وهذا الحكم إما أن يكون مطابقةً أو تضمنًا أو التزامًا.

وزيادة في الفائدة: أعرف هنا الدلالات الثلاث التي ذكرتها -وأعني بها: دلالة المطابقة والتضمن والالتزام-:

  1. دلالة المطابقة: عبارة عن دلالة اللفظ على ما وضع له؛ كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق، وهذا في الحقيقة من مصطلحات المَناطقة.
  2. أما دلالة التضمن: فهي عبارة عن دلالة اللفظ على جزءِ موضوعِه؛ كدلالة الإنسان على الحيوان وحده أو الناطق وحده.
  3. أما دلالة الالتزام: فهي عبارة عن دلالة اللفظ على ما هو خارج عن معناه؛ وذلك يتم بواسطة انتقال الذهن عن مدلول اللفظ إلى الأمر الخارج؛ كدلالة لفظ الإنسان على الكاتب والضاحك ونحوه…

هذه هي الدلالات، وأود من طالب العلم أن يعرفها وألا ينساها؛ لأنها ستمر به في مباحث متعددة.

3. أقسام المنطوق: وينقسم المنطوق إلى قسمين:

الأول: منطوق صريح:

ويُراد به دلالة اللفظ على الحكم مطابقةً أو تضمنًا، وقيل: هو ما وضع له اللفظ.

وهذا المنطوق الصريح يأتي على ثلاثة أنواع:

النوع الأول: النص: وهو ما أفاد بنفسه معنًى صريحًا لا يحتمل غيره، وقيل: ما لا يحتمل التأويل، وقيل: ما أفاد معنًى لا يحتمل غيره، ولا بد من ذكر مثال يتبين به المراد بالتعريف السابق:

– مثال ذلك: ما جاء في قول الله -تبارك وتعالى-: {فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة:196] فإن قوله: {إِذَا رَجَعْتُمْ} دفع توهم دخول “الثلاثة” في “السبعة”، وقوله: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} تأكيد لهذا المعنى، ودفع لأي احتمال آخر غير “العشرة”. هذا -في الحقيقة- منطوق صريح نُصَّ فيه على المراد نصًّا لا يحتمل غيره بحال، وقال قوم بندرة هذا النوع في الكتاب والسنة، ويُجاب: بأن هذا إن عز حصوله بوضع الصيغ ردًّا إلى اللغة؛ فما أكثره مع القرائن الحالية والمقالية.

وقال الإمام السيوطي -رحمه الله-: في كتابه (الإتقان في علوم القرآن): وقد نُقِل عن قوم من المتكلمين: أنهم قالوا بندور النص جدًّا في الكتاب والسنة، وقد بالغ إمام الحرمين وغيره في الرد عليهم، قال: لأن الغرض من النص الاستقلال بإفادة المعنى على قطعٍ، مع انحسام جهات التأويل والاحتمال، هذا هو المقصود من النص. وهذا، وإن عز حصوله بوضع صيغه ردًّا إلى اللغة؛ فما أكثره مع القرائن الحالية والمقالية.

النوع الثاني: الظاهر: وهو ما أفاد بنفسه معنًى صريحًا واحتمل غيره احتمالًا مرجوحًا، وقيل: ما يسبق إلى الفَهم منه عند الإطلاق معنًى مع احتمال غيره احتمالًا مرجوحًا.

– ومثاله: ما جاء في قول الله -تبارك وتعالى-: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النّسَآءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنّ حَتّىَ يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222]؛ فإنه يقال: “الطهر”: لانقطاع الدم، وللاغتسال منه، والثاني أظهر، وهو الراجح.

النوع الثالث: المؤول: وهو ما حُمِلَ لفظه على المعنى المرجوح لدليل.

– ومثاله: ما جاء في قول الله -تبارك وتعالى-: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذّلّ مِنَ الرّحْمَةِ وَقُل رّبّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبّيَانِي صَغِيراً} [الإسراء: 24]؛ فالظاهر من كلمة: {جَنَاحَ} هو جناح الريش، ويستحيل حمله على الظاهر؛ لاستحالة أن يكون للإنسان أجنحة فيحمل على الخضوع وحسن الخلق، وبهذا صُرِف اللفظُ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل، وهو هنا الاستحالة.

الثاني: منطوق غير صحيح:

ويراد به: دلالة اللفظ على الحكم التزامًا، وهو نوعان:

النوع الأول: دلالة الاقتضاء: ومعناها: ما توقفت دلالة اللفظ فيه على إضمار، يعني: أن يتضمن الكلام إضمارًا ضروريًّا لا بد من تقديره؛ لأن الكلام لا يستقيم بدونه.

– ومثاله من السنة: ما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان))؛ فإن: ((الخطأ والنسيان)) لم يرتفعَا؛ فلا بد هنا من أن يتضمن الكلام تقدير رفع الإثم أو المؤاخذة على الخطأ أو النسيان، وهذا اقتضاه الحديث؛ فيقال: هذا من دلالة الاقتضاء؛ لأن الحديث اقتضى رفعَ الإثم والمؤاخذة به طالما أن رب العالمين سبحانه وتعالى وضع عن هذه الأمة الخطأ والنسيان.

– ومثاله من كتاب رب العالمين سبحانه وتعالى: ما جاء في قول الله عز وجل: {أَيّاماً مّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مّرِيضاً أَوْ عَلَىَ سَفَرٍ فَعِدّةٌ مّنْ أَيّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184]؛ فإن دلالة اللفظ على المعنى تلزم إضمار كلمة: “فأفطر”؛ والمعنى: “فمن كان منكم مريضًا أو على سفر، فأفطر؛ فعدة من أيام أخر”؛ لأن قضاء الصوم إنما يجب إذا أفطر، وليس لمجرد السفر أو المرض.

– وأيضًا ما جاء في قول الله -تبارك وتعالى-: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ} [النساء: 23]؛ فإن دلالة اللفظ على المعنى تلزم إضمار كلمة “وطء” أو “نكاح”؛ لأن التحريم ليس لأعيان الأمهات؛ فلزم إضمار فعل يتعلق به التحريم، ويصبح المعنى: “حرم عليكم وطء الأمهات”، أو “نكاح الأمهات”.

– ومثاله أيضًا ما جاء في قول الله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مّن رّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196]؛ لا بد هنا من تقدير وهو، “فحلق؛ ففدية”؛ لأن الفدية إنما تجب إذا حلق وليس لمجرد المرض أو الأذى.

وهذا النوع من باب إيجاز القصر في علوم البلاغة؛ وسمي “دلالة اقتضاء”؛ لاقتضاء الكلام لفظًا زائدًا على المنطوق.

النوع الثاني: دلالة الإشارة: هو ما دل لفظه على ما لم يقصد به قصدًا أوليًّا؛ بل من لازمه.

– ومثاله قوله تعالى: {وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتّىَ يَتَبَيّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمّ أَتِمّواْ الصّيَامَ إِلَى الّليْلِ} [البقرة: 187].

فإنه يلزم من جواز الأكل والشرب والجماع حتى الفجر بحيث لا يتسع الوقت للغُسل من الجنابة، أي: يصبح الصائم على جنابة، فتكون دلالة اللفظ أشارت إلى جواز إصباح الصائم على جنابة، وهو معنًى لم يُقصَد باللفظ قصدًا أوليًّا؛ بل من لوازمه؛ قال السيوطي -رحمه الله-: وحُكِيَ هذا الاستنباط عن محمد بن كعب القرظي.

– وكقوله تعالى في بيان مصارف الغنيمة: {لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّنَ اللّهِ وَرِضْوَاناً} [الحشر: 8]، ففي وصفهم بأنهم فقراء مع أن لهم أموالًا ودورًا في مكة؛ إشارةً إلى تملك الكفار أموالهم بالاستيلاء عليها؛ وهي دلالة غير مقصودة بالنص؛ لأنها إنما سيقت لبيان مصارف الفيء والغنيمة، واستحقاقهم لسهم فيها، لا لبيان أن الكفار يملكون أموال المسلمين بالاستيلاء؛ لكن وقعت الإشارة إليه من حيث إن الله سماهم “فقراء” مع إضافة الأموال إليهم؛ فلو كانت أموالهم باقيةً على ملكهم لَمَا صحت تسميتهم بـ”الفقراء” إلا مجازًا، وهو خلاف الأصل.

وقد وقع خلاف بين العلماء في اعتبار دلالة الاقتضاء ودلالة الإشارة من المنطوق أو المفهوم، فجعلهما الآمدي وابن الحاجب والسيوطي وغيرهم من المنطوق، وجعلهما الغزالي في (المستصفى) والبيضاوي والزركشي

من المفهوم.

والخلاصة: أن المنطوق خمسة أقسام، هي كما يلي: النص، والظاهر، والمؤول، ودلالة الاقتضاء، ودلالة الإشارة.

error: النص محمي !!