Top
Image Alt

تعريف المنهج بمفهوميه القديم والحديث

  /  تعريف المنهج بمفهوميه القديم والحديث

تعريف المنهج بمفهوميه القديم والحديث

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أكرم الخلق وأشرف المرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين؛ وبعد:

نتناول تعريف المنهج بمفهومه القديم ومفهومه الحديث مع المقارنة بينهما، وكذلك نتناول مصادر المنهج المختلفة، وبعض النظريات المرتبطة بالمنهج.

تعريف المنهج:

ورد في (لسان العرب) أن المنهج هو الطريق الصحيح، كما جاء في (القاموس المحيط) المنهج هو الطريق الواضح، أو الطريق الذي يتبعه الإنسان لتحقيق هدف ما.

كما وردت كلمة المنهج في القرآن الكريم في قوله تعالى:{ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] كلمة المنهج باللغة الإنجليزية Curriculum تعني تعريفه بأنه الطريق المؤدي إلى شيء ما وهدف محدد بالتفصيل، ومن ثم تم تعريف المناهج على أنها تلك المقررات الدراسية أو التدريبية، وقد تطور مصطلح المناهج فأصبح يعنى به أو يراد به محتوى المواد الدراسية أو الخطط الخاصة بتلك المواد.

بمعنى أنه التحديد والتخطيط لإعداد المحتوى الدراسي لأي مادة ما سواء أكانت هذه المادة ثقافية أو أدبية أو غير ذلك من المواد، وهناك تعريف قاموسي للمنهج قديما، وهذا التعريف القاموسي مستمد من خلال قواميس التربية، وكذلك قواميس علم النفس والأدبيات ذات الصلة بمجال التربية والتعليم، وفي التعريف القاموسي للمنهج قديما يمكن أن يعرف المنهج بأنه: مجموعة من المعلومات التي تعمد المدرسة على إكسابها للتلاميذ أو تعمد الجامعة على إكسابها للطلاب من خلال المقررات أو المواد الدراسية التي تلزم للتخرج أو للحصول على درجة علمية في ميدان رئيس من ميادين الدراسة.

وذلك مثل منهج المواد الاجتماعية أو مناهج الرياضيات أو مناهج العلوم أو مناهج اللغة وما إلى ذلك من أنواع المناهج و المقررات الدراسية المختلفة في كافة المراحل، والمؤسسات التعليمية؛ ولذا تعد المواد الدراسية هي عند البعض مرادف للمنهج أو هي التي يتضح فيها آثار المنهج وتخطيطه، وإعداده وتنظيمه، وقد عد المنهج مرادفا لمصطلح المقررات الدراسية عند البعض من التربويين، وهي التي يتم دراستها داخل حجرة الدراسة.

أما الأنشطة الرياضية أو الفنية أو الخبرات أو الاتجاهات أو الميول أو القيم، فكان البعض ينظر إليها من التربويين على أنها ليست لها علاقة مطلقًا بالمنهج الدراسي، وبهذا فقد اتصف هذا المفهوم للمنهج بأنه مفهوم محدود، وغير شامل إذ إن هذا المفهوم للمنهج لم يهتم بجوانب النمو الشامل للمتعلم أو التلميذ؛ إذ إنه ركز فقط على الجانب المعرفي للمتعلم، وهو المعلومات والمفاهيم والمبادئ والخبرات التي يحتوي عليها المنهج أو المقرر الدراسي، فلم يركز هذا التعريف على النمو الوجداني والجسمي والانفعالي للتلميذ أو الطالب بل جعل كل اهتمامه منصبا فقط على تحصيل المعلومات، واستدعاء هذه المعلومات عند الحاجة إليها في موقف الامتحان، وهو مؤشر على اكتساب الطالب للمنهج بمفرداته ومحتواه أو عدم اكتسابه لذلك.

وقد أدى هذا التعريف القاموسي للمنهج قديمًا إلى ظهور ما يسمى بالتعريف الحديث للمنهج، وفيما يلي التعريف الحديث للمنهج، فقد عرف هذا المنهج بمفهومه الحديث، وبالتعريفات الحديثة للتربويين والمتخصصين في المجال، ويتضح ذلك جليًّا من خلال الأدبيات والقواميس والدراسات ونتائج البحوث، والتتبع لأخبار المجال، وميدان التربية والمناهج وطرق التدريس على وجه التحديد عرف المنهج حديثا بأنه: إكساب المتعلمين للمعارف والمهارات والاتجاهات والقيم وتعديد سلوكهم بما يحقق الأهداف التعليمية المنشودة، وتلك الأهداف التعليمية المنشودة هي المرتبطة بنواتج التعلم المرجوة.

إذ إن المدارس والمؤسسات التعليمية والجامعات لا بد وأنها بالضرورة في حسبانها أهدافًا ينبغي تحقيقها في الخريج الذي يتخرج في هذه المدارس أو الكليات أو الجامعات، وينبغي بالضرورة أن يكون هناك ارتباط جلي وواضح ما بين المنهج بمحتواه، ومكوناته وعناصره وما بين تحقيق هذه النواتج ليس على المستوى المعرفي فحسب، ولكن أيضًا على المستوى الوجداني وعلى المستوى الجسمي، وعلى المستوى الانفعالي؛ ولذلك فقد تنوعت تعريفات المنهج حديثا ويمكن أن تصنف هذه التعريفات للمنهج حديثًا إلى صنفين:

الصنف الأول منها: حيث نظر إلى مفهوم المنهج نظرة تقليدية قديمة.

أما الصنف الثاني منها: بمثابة نظرة متطورة وتقدميةً وحديثةً نظرت إلى مفهوم المنهج بالمعنى الحديث، وعلى أن المنهج لا يعتمد فقط على المعلومات الموجودة داخل الكتاب، ولكن يستمد معلومات جديدة من خارج محتوى الكتاب، كما أن له وسائلَ وآثارًا ومصادر عديدة، ويمكن أن يؤثر بالضرورة على كافة نواحي النمو في الإنسان؛ ولذلك فإن المنهج يتمثل لدى أصحاب النظرة الحديثة في المادة الدراسية وكذلك في الأنشطة، وفي المصادر المعلوماتية البيئية ومصادر المعلومات المختلفة وفي بيئة المناخ التعليمي داخل المدرسة أو داخل الجامعة، وأيضًا في أساليب ومصادر وأشكال تقويم المختلفة للطلاب.

مقارنة ما بين التعريف أو النظرة القديمة للمنهج والنظرة الحديثة:

البعض يرى أن المنهج القديم والمنهج الحديث يوجد بينهما اختلافات، فإذا نظرنا من حيث المادة الدراسية في المنهج القديم نجد أن المادة الدراسية هي غاية في حد ذاتها، وتبنى المادة الدراسية وفقًا للتنظيم المنطقي للمادة، والمادة الدراسية أو المواد الدراسية بصفة عامة منفصلة، فلكل مادة شأن مستقل لا علاقة ولا تكامل بينها، وبين كافة المواد الدراسية الأخرى التي يدرسها الطالب في مرحلة ما، كما أن مصدر المادة الدراسية الوحيد هو الكتاب المقرر أيًّا كان هذا الكتاب، ففي مرحلة ما قبل التعليم الجامعي في المدارس والمعاهد المختلفة نجد أن الكتاب المطبوع والمقرر من قبل الدولة أو من قبل المؤسسة هو المصدر الوحيد للمادة الدراسية.

وإذا نظرنا إلى المادة الدراسية في المنهج الحديث وجدنا أن المادة الدراسية وسيلة للنمو المتكامل المتعلم أي: أنها تؤدي إلى تنمية كافة مواد المتعلم ليست على المستوى المعرفي فقط، وإنما أيضًا على المستوى الانفعالي والمستوى المهاري، والمستوى الوجداني، وما إلى ذلك من النواتج المرجوة والمحمودة للتعلم كما أن المادة الدراسية تبنى في المنهج الحديث وفقا لاحتياجات المتعلم أي: وفقا لما يطلبه المتعلم أو يحتاج إليه، وترتبط بالضرورة مع متطلبات سوق العمل والمواد الدراسية في المنهج الحديث مترابطة ومتكاملة، حيث تخلو هذه المواد من الانفصال، وعدم الترابط والتكامل بينها وبين كافة المقررات سواء على مستوى المرحلة الدراسية أو المراحل الدراسية المختلفة التي يمر بها الطالب، وينتقل بينها حتى يتخرج من الدراسة سواء أكان ذلك في مرحلة التعليم الجامعي أو مرحلة التعليم قبل الجامعي.

والمادة الدراسية أيضًا في منهج الحديث ليس لها مصدر واحد فحسب، فكما كان في المنهج القديم لها مصدر واحد وهو الكتاب المقرر أو الكتاب المطبوع نجد أن المادة الدراسية في المنهج الحديث لها عدة مصادر متعددة ومتنوعة ومختلفة من بين هذه المصادر بالضرورة الأخبار والأحداث الجارية والدوريات، ومواقع الإنترنت التعليمية، وكافة الوسائل والأشكال الالكترونية والإذاعة والقنوات الفضائية والمجلات المتخصصة، والندوات والمؤتمرات إلى غير ذلك من أشكال الأنشطة ومن أشكال الممارسات التعليمية التي يمكن أن تؤدي بالضرورة إلى تدعيم كافة النواحي المختلفة في المتعلم سواء أكانت نواحي ترتبط بالجانب المعرفي أو الجانب الوجداني أو الجانب الانفعالي.

وإذا انتقلنا إلى المجال الثاني، وهو المعلم ما بين المنهج قديمًا، والمنهج حديثًا أو نظرة المنهج قديمًا ونظرة المنهج حديثًا: وجدنا أن هناك اختلاف أيضًا، فكانت وظيفة المعلم في المنهج القديم أو في التعريف القديم للمنهج هي نقل وتوصيل المعلومات للطالب أو المتعلم، ونجد أنه كان في سبيل ذلك يعتمد المعلم على طريقة الإلقاء والتلقين كما أنه كان يهتم فقط أي: المعلم بما يحصله المتعلم، ويعد ذلك قياسًا، ومؤشرًا، ودليلًا وشاهدًا على مدى قدرة وكفاءة المعلم بكفاءة ما يحصله التلميذ أو الطالب من هذا المعلم، ويتضح ذلك بالضرورة في نتائج الاختبارات التحريرية، كما أن المعلم في المنهج قديمًا كان يشجع المتعلم أو التلميذ أو الطالب على الحفظ فقط من أجل أن يصل أو يحصل أعلى قدر من المعلومات المعرفية من أمثلة، ومفاهيم، وتشبيهات، ومبادئ، وقواعد، وتعريفات، وكل ما يتضمنه المنهج قديما.

ولذلك لم يكن المعلم يشجع الطالب على الإبداع أو على الابتكار أو على أي نشاط خلاف الحفظ لضمان اكتساب وتحصيل الطالب للمزيد من المعلومات، وبالتالي يمكن للطالب أن يستدعي هذه المعلومات في موقف الامتحانات التحريري أو عند الضرورة، ونجد أيضًا أن وسيلة المتعلم الوحيد بتقويم المتعلم هي تلك الامتحانات التي تقيس جانب الحفظ فقط أو التي يكون فيها الترتيب والتسابق ما بين الطلاب أو التلاميذ وفقا لمدى قدرتهم على تحصيل معلومات معرفية؛ ولذلك نجد أن أساليب التقويم وأنماط الأسئلة والامتحانات كانت تركز دائما على أسئلة تهتم بقياس الحفظ فقط، فيقول مثلا: اكتب ما تعرفه عن، أو عرف بالتفصيل، أو اذكر مع الشرح وما إلى من أشكال وأنواع الأسئلة التي تهتم وتعتمد على الحفظ فقط في المقام الأول.

بينما نجد أن وظيفة المعلم في المنهج الحديث هي توجيه المتعلم وإرشاده فتوجيه المتعلم، وإرشاد المتعلم من جهة المعلم هو ما يتمشى مع مبادئ وثقافة العصر الحالي، حيث لم يعد المعلم هو المصدر الوحيد للمعرفة والمعلومات، كما لم يعد هو الملقن والمؤدي، والقائم بكل شيء داخل قاعة الدراسة أو داخل الفصل الدراسي، وكذلك انتقل التعلم والمنهج من تمركزه حول المعلم إلى تمركزه حول المتعلم، فالهدف والغاية الأسمى هي المتعلم؛ ولذلك فإن المتعلم في النمط الجديد والنمط الحديث للمنهج يعتمد بنفسه على تحصيل المعلومات، وعلى التوصل والمعرفة، والبحث والاستقصاء عن المعلومات حتى يصل إلى هذه المعلومات بنفسه، وذلك في إطار التوجيه والإرشاد والإدارة، والتيسير من جانب المعلم، وبذلك فإن المنهج الحديث قد حمل عن المعلم العديد من الأعباء وأراحه من العديد من الهموم، مما يوفر له الوقت اللازم لتطوير مهاراته هو الآخر، فيكون المعلم ليس منشغلا طول الوقت بالإلقاء والتلقين، وإنما ينشغل بتطوير مهاراته ومساعدة وتوجيه، وإرشاد المتعلمين فقط.

ونجد أن طريقة المعلم في المنهج الحديث هي الحوار والمشاركة، والتفاعل مع المتعلمين، وإذا نظرنا إلى الفرق ما بين ذلك في المفهوم القديم والمفهوم الحديث لوجدنا اختلافًا كبيرًا حيث إن المعلم في المنهج القديم كان لا يسمح بالكثير من الحوار والمناقشة، والتفاعل داخل قاعة الصف الدارسي حتى لا يمر منه الوقت دون أن يحقق الأهداف المرجوة لأنه مرتبط بمنهج محدد، ويريد أن يستغرق الوقت المخصص للحصة أو الدرس في توصيل وشرح هذا المنهج؛ لكنه في المنهج الحديث حيث إن المتعلم هو الذي يصل إلى المعلومة بنفسه، فإن المعلم ينشغل بإدارة الحوار، وتنظيم النقاش والتفاعل وإشراك الطلاب بأنفسهم في عملية التعلم مما ينتج عن هذا الحوار والمشاركة نشر جو يسود فيه التفاعل، والديمقراطية والنشاط والفاعلية، مما يؤدي بالضرورة إلى جذب انتباه المتعلمين طوال الوقت.

نجد أن المعلم أيضًا في المنهج الحديث يهتم ليس فقط بمحتوى المنهج، وإنما يهتم أيضًا بالضرورة بكافة جوانب النمو الشامل للمتعلم، فهو ينظر المتعلم من الجانب المعرفي، وينظر إليه أيضًا من الجانب المهاري، وينظر إليه أيضًا من الجانب الوجداني، ومن جانب القيم والميول والاتجاهات هل اكتسب ذلك أو نمى ذلك أم لا، وبذلك فإن المعلم قد ترقى في دوره، وكان أكثر إيجابية وتفاعلًا في المنهج الحديث، فهو لا يعتمد على جانب واحد بل جوانب متعددة، وعليه أن يضع طلابه أو تلاميذه تحت عدسة المراقبة التربوية التعليمية الحكيمة والضابطة لتصرفات وسلوكيات، وممارسات المتعلمين والطلاب داخل قاعة الصف الدراسي، وخارجه إن تمكن من ذلك أيضًا، فهو يهتم وينظر إلى كيفية التنفيذ، وكيفية التطوير لمهارات وقدرات الطالب، فعندما ينظم مجموعات للتعلم الصفي، والتعلم في مجموعات صغيرة يمكن أن ينظر إلى مدى تفاعل، واندماج وتعاون وتشارك أو مشاركة الطالب أو التلميذ مع بقية زملائه، فعندما يحقق الطالب أو التلميذ مشاركة فعالة يمكن القول آنئذ بأن هذا الطالب أو التلميذ لديه مهارات اجتماعية، ويمكن بعد ذلك أن يسهم في قيادة وإدارة فريق يتوصل أو يستنتج أو يستنبط أو يبحث عن معلومات فيما بعد.

وتلك الخصائص هي التي تنقل الأمة، وتنقل المتعلمين من الحفظ والاستظهار إلى البحث وإلى الاستكشاف، وإلى الابتكار والإبداع مما يكون علامة ونبراسا على طريق الأمم المتطورة، والأمم المتحضرة نجد أن المتعلم في المنهج الحديث يتلقى كل التشجيع، وكل الدعم من المعلم للمزيد من التعلم، فبينما كان المعلم في المنهج القديم يقتصر فقط على تغطية كافة العناصر وكافة مفردات المحتوى المفروضة أو المحددة أو المقررة سلفًا من قبل وزارة التعليم أو التربية أو غيرها في كافة الدول نجد أن المعلم يشجع المتعلم على المزيد من التعلم، وعلى أن يخرج المتعلم خارج إطار المنهج الدراسي المقرر، وذلك من أجل أن يتوصل المتعلم بنفسه للمزيد من المعلومات مما يستدعي بالضرورة عدة أمور وهي تعويد أو تدريب المتعلم على الوصول إلى المعلومات من مصادرها المختلفة بنفسه، وكذلك مساعدة المتعلم على التفكير والإبداع والابتكار والكتابة والقراءة، وإلى غير ذلك من الممارسات التي تؤدي إلى زيادة معلوماته، وأيضًا تعطي المتعلم جوًّا من الحرية يسود فيه التعلم والتفاعل وفقًا لقدرات المتعلم وميوله وحاجاته. لا شك أن هذه الأمور في مجموعها تؤدي إلى زيادة الكم الذي سوف يحصله أو يكتسبه المتعلم. 

وما دام الأمر كذلك، فإننا نجد أن المعلم في المنهج الحديث يعتمد في تقويم تلاميذه ليس على وسيلة واحدة، وهي وسيلة الاختبار التحريري أو الأسئلة التي تقيس الحفظ والتلقين فقط إنما يعتمد أيضًا على عدة وسائل وأساليب متنوعة للتقويم، فيمكن أن يستخدم أساليب الاستدعاء الحر، وأساليب حل المشكلات، وأساليب الإبداع والابتكار في قياس مدى تعلم الطلاب مما يكون له تغذية راجعة، ومردود تربوي يسهم في المزيد من التطوير سواء لأدوار المعلم أو لأساليب التقويم معا.

وحين ننظر إلى المجال الثالث في الفرق ما بين المنهج قديمًا والمنهج حديثًا نجد أن المتعلم كان هناك إهمال كامل أو شبه تام للميول، والفروق الفردية بين المتعلمين؛ إذ إن المحاضرة كانت واحدة أو الدرس كان واحدًا، وأسلوب الشرح أيضًا كان واحدًا.

كذلك فإن طريقة الشرح والوسائل التعليمية المستخدمة داخل قاعة التعليم والدرس أو داخل قاعة المحاضرة في الجامعات كانت أيضًا واحدة، فكان هناك إهمال كامل لكل الفروق الفردية، والميول والرغبات والاتجاهات للمتعلمين في المنهج القديم؛ ولذا قال البعض: إن المنهج قديمًا أو النظام التعليمي بصفة عامة قديمًا قد ثبت ما ينبغي تغييره، وغير ما ينبغي تثبيته، فالمنهج يغير ما ينبغي تثبيته ويثبت ما ينبغي تغييره أو النظام التعليمي بصفة عامة، وذلك مثل المنهج أو المحتوى الدراسي، فهو ثابت لجميع الطلاب أو التلاميذ أو المتعلمين بصفة عامة مع أن المفترض أن يكون هذا المنهج متنوعًا ومتباينًا ومختلفًا في محتواه؛ حيث يستطيع كل تلميذ أن يجد فيه ما يبغيه، أو أن يجد في المعلومات المحددة التي يرغب في أن يتعلمها، بعض التلاميذ يكون لديه الميول والاتجاهات لتعلم المزيد حول أمر ما أو مسألة أو موضوع معين، ولكن المنهج يبخل عليه بذلك، وبعض التلاميذ يود أن يتعلم معلومات موجزة أو مختصرة حول مسألة ما، ولكن المنهج قد يستفيض فيها بطريقة تجعل المتعلم يشعر أن بالمنهج حشوًا، ويمل منه وينصرف عنه في أحيان كثيرة كما أن المنهج يثبت الوسائل التعليمية المستخدمة في الشرح، فحين نجد في منهج العلوم أو منهج الرياضيات أو منهج اللغة أو منهج الدراسات الاجتماعية يتطلب المنهج القديم وسائل محدودة، ولعلها كانت جميعًا تعتمد على الشرح والتوضيح فقط، واستخدام السبورة في أحيان كثيرة.

كما أن المنهج في مفهومه القديم كان ثابتًا في الزمن الخاص بتعلمه، فنجد أن المعلم ملتزم بزمن الحصة، وبعدد الحصص الدراسية في مرحلة ما لكي يعلم هذا المحتوى بكافة جوانبه، وخبراته بما فيه للمتعلمين جميعا بصرف النظر عن اتجاهاتهم وقدراتهم العقلية، والفروق الفردية فيما بينهم.

وفي ذلك ظلم، وإجحاف للكثير من المتعلمين فنجد أن بعض المتعلمين يمكن أن يساير المعلم وأن يكتسب كل المعلومات التي شرحها المعلم في المنهج في حصة دراسية معينة، ولكن البعض الآخر لا يستطيع أن يساير المعلم في ذلك، ولا يمكن له أن يكتسب كافة المعلومات التي شرحها المعلم في حصة واحدة بل يمكن أن يحتاج إلى زمن أطول من ذلك قد يصل إلى ضعف هذا الزمن أو يزيد، ويمكن لهذا المتعلم إذا أعطيناه الوقت اللازم لتعلمه أن يصل في النهاية إلى نفس المعدل التحصيلي، والاكتساب للمعلومات التي اكتسبها زميله الآخر في نفس الصف الدراسي، ويعد ذلك من عيوب المنهج القديم، فنجد أن المتعلم في المنهج القديم سلبي لا يشارك المعلم، فهو مجرد وعاء يضع فيه المعلم ما معه فقط، ويلقنه المعلومات التي يرى أنها صحيحة؛ ولذلك يعد كل من المعلم والكتاب هما المصدر الأوحد للمعرفة لدى المتعلم في المنهج القديم، كما أن المتعلم لا يحق له بحال أن يشارك في تدعيم، وإثراء وزيادة المعلومات، فإذا بحث عن معلومة وجلب معرفة أو معلومات جديدة، فهو لا يستطيع أن يضيفها إلى المنهج؛ لأن الامتحان بالضرورة سيخلو من كل المعلومات التي توصل إليها المتعلم بنفسه؛ ولذلك، فإن المتعلم كان سلبيًّا في المنهج القديم لا يشارك في الوصول إلى المعلومات، ولا يشارك في إبداع وتركيب، وبناء المعرفة، وبناء المحتوى الدراسي للمنهج.

كما نجد أن المتعلم في المنهج القديم كان يعتمد على المعلم؛ لتحصيل معارفه فهو يرى أن المعلم هو المصدر الأوحد للمعرفة، وهو المنقذ وهو الدليل، وهو المرشد له، وليس للمعلم أن يعمل قدراته العقلية أو ميوله المعرفية في سبيل الوصول إلى المعرفة، ولكن المعلم هو المصدر الأساسي، وهو الطريق الوحيد، وهو البغية المقصودة للمتعلم ليحصل منه المعلومات وقد أدى ذلك بالضرورة إلى أن يجعل كثيرا من المتعلمين في ظل المنهج القديم خاملين، وغير نشطين، وليس لهم مهارة في البحث والاستكشاف، والاستقصاء للمعرفة والمعلومات نجد أن المتعلم في المنهج القديم كان هدفه أيضًا تحصيل أكبر قدر وأكبر كم من المعلومات والمعارف التي سوف تساعده في النهاية على اجتياز الامتحان، وعلى حصوله على أعلى الدرجات والتقديرات، وبالتالي لم يكن هدف المتعلم أن يكون نشطًا إنما يكون حافظًا، ومكتسبًا وملمًّا فقط بأكبر قدر وكم من المعلومات المعرفية التي تعرض له داخل بيئة الدراسة أو داخل الصف الدراسي؛ ولذا كان المتعلم مهتمًا فقط بالكتاب والمعلم معا، المتعلم في المنهج القديم كان يقاس نجاحه بمقدار تحصيله؛ لذا نجد كثيرًا من الطلاب والمتعلمين في ظل المنهج القديم لم يكونوا على اتفاق تام، ولم يكونوا على تواؤم كامل مع المعلم لبعض خصائصه النفسية، وشكله الخارجي وممارسات المعلم داخل الفصل الدراسي، وبعض خصائص المعلم الخاصة به لذلك لم يكن بينهم وبين المعلم ارتباط وجداني كما أن هؤلاء المتعلمين أيضًا كان لهم انصراف، وعدم اتفاق كامل، وعدم اقتناع كبير بالمحتوى الدراسي؛ ذلك نظرًا لعدة أمور منها ما يرتبط بطبيعة المحتوى الدراسي، وصعوبته وعدم ارتباطه بالحياة أو لأن هذا المحتوى مجرد أي صعب إلى حد كبير لا يشبه أشياء يعرفونها في البيئة الواقعية؛ لذا نجد الطلاب أو المتعلمين كانوا على انصراف كامل؛ ولذلك على الرغم من حضورهم إلى المدرسة أو إلى الجامعة إلا أنهم في النهاية العام الدراسي لا يكون من بين المتفوقين أو الناجحين؛ لأنهم لم يحبوا المعلم، ولم يكتسبوا منه المعلومات، وكذلك أيضًا لم يتفقوا، ولم يميلوا، ولم يستطيعوا أن يتفعلوا ويتعلموا من خلال المنهج الدراسي؛ ولذا فإن بعض هؤلاء قد يتسرب من التعليم تماما مع أن السبب في ذلك هو المعلم أو المنهج الدراسي.

وفي المنهج الحديث نجد أن المتعلم قد أخذ الكثير من الاهتمام والتركيز من قبل المنهج والإدارة، فنجد أن المتعلم في المنهج الدراسي الحديث، وفي التعريف الحديث للمنهج الدراسي، وقد تمت المراعاة والتركيز على الفروق الفردية والميول والاتجاهات للمتعلمين، فالمنهج يضع في اهتمامه في المقام الأول المتعلم بكافة قدراته واستعداداته وخصائصه التعليمية والمعرفية، والاجتماعية والوجدانية إلى غير ذلك من المتغيرات الخاصة بالمتعلم كما أن المتعلم في المنهج الحديث إيجابي ونشط ومشارك للمعلم؛ لذا فإن المتعلم في المنهج الحديث يقوم بنفسه بتجميع المعلومات والوصول إلى المعارف والمبادئ والخبرات ويضمها ويجمعها جنبا إلى جنب مع ما تعلمه داخل الكتاب الدراسي، وداخل قاعة الدراسة بعد أن يعرض ما توصل إليه على معلمه، وعلى مجموعة من أقرانه وزملائه المتفوقين داخل المدرسة.

نجد أن المتعلم في المنهج الحديث يعتمد على نفسه في تعلمه، فهو لا يعتمد على المعلم أو على الكتاب؛ بل يعتمد على إثارة ميوله وقدراته وعقله، وذكائه واستعداداته ليصل بنفسه إلى التعلم الجديد، وإلى المعرفة والخبرة الجديدة، وبالتالي فهو شريك ومشارك في الحصول والوصول إلى المعلومات والمعارف، والخبرات مما يؤدي بالضرورة إلى الاقتناع التام والكامل من قبل المتعلم بهذه المعلومات، وسرعان ما يستدعيها بأقل مجهود عقلي وذهني في موقف الامتحان الشفهي أو التحريري أو حين يريد أن يحصل على هذه المعلومات أو حين يريد أن يحصل أو يستخدم هذه المعلومات في مواقف لاحقة نجد أن المتعلم أيضًا في المنهج الحديث يقاس نجاحه بمقدار نموه الشامل، فهو لا يتم تقويمه فقط على الجانب المعرفي فقط أو الجانب النفسي أو السيكولوجي أو الجانب الميولي أو الاتجاهات أو ما إلى ذلك إنما يتم تقويم المتعلم على أساس شامل وكامل لكافة الجوانب والنواحي والخبرات السابقة.

فهو يقاس من الجانب المعرفي، ويقاس أيضًا من الجانب الوجداني، والانفعالي، والمهاري إلى كافة الجوانب الرئيسة والمرتبطة بتعلمه، وإذا نظرنا إلى الحياة المدرسية أو الحياة الجامعية ما بين المنهج قديمًا، والمنهج حديثًا نجد أن الحياة الدراسية في المنهج القديم نمطية، ومملة، وخالية من أي نشاط تعليمي أو معرفي؛ إذ إن المتعلم ليس له من الأمر شيئا فهو مجرد مستقبل ومستعدي ومخزن فقط للمعلومات كما أنه يعتمد في الاتصال أي المتعلم، وكذلك المعلم، والموقف الدراسي يوصف بصفة عامة في موقف الاتصال التعليمي يعتمد هذا الاتصال على اتجاه واحد، ما بين المعلم إلى المتعلم، ونادرا ما يحدث اتصال ما بين المعلم، والمتعلم، فالمتعلم لا يقوم بشرح أجزاء من المنهج، ولا يبدي رأيه فيما قام به المعلم إنما عليه السمع والطاعة والحفظ فقط.

كذلك نجد أن بيئة التعلم بيئة تسلطية، فالمعلم لا يسمح فيها بالحوار والمناقشة الكثيرة لا يسمح فيها بإبداء الآراء حتى لا يضيع منها وقت الحصة أو الدرس كذلك نجد أن الحياة الدراسية بمعزل تام عن الحياة اليومية الواقعية للمتعلم، فما يدرسه في المدرسة أو الجامعة في جانب وما يراه في واقع الحياة العملية في جانب آخر.

أما الحياة المدرسية أو الحياة الجامعية بالنسبة للمنهج الحديث، فهي مختلفة؛ حيث إن الحياة التعليمية المدرسية أو الجامعية في المنهج الحديث حافلة بالنشاط والمتعة في التعلم وتعتمد على الاتصال التفاعلي المتبادل بين المتعلم والمعلم، وتقوم على الأسلوب الإنساني الديمقراطي، والأسلوب المريح، والأسلوب الحر في إعطاء الفرصة الكاملة للمتعلم؛ ليقوم بعمل ما يريد في إطار ضوابط مدرسية وتعليمية وجامعية إذا كان التعليم جامعي، كما أن هناك ارتباط وثيق بما يقوم المتعلم بدراسته داخل المدرسة أو الجامعة وما يراه في واقع حياته اليومية.

error: النص محمي !!