Top
Image Alt

تعريف اليمين، وبيان أنها طريق من طرق الحكم القضائي

  /  تعريف اليمين، وبيان أنها طريق من طرق الحكم القضائي

تعريف اليمين، وبيان أنها طريق من طرق الحكم القضائي

اليمين في لغة العرب، تعني: القوة، ويُطلِقُونها أيضًا على الحلْف أو الحلف أما الحَلِف فلأنه بهذا الحلف يتقوى صدق الخبر، أو يتقوى بها الصدق الذي هو أحد طرفي الخبر؛ فمن المعلوم أن الخبر: “قول يحتمل الصدق والكذب” والحلف يُرجح جانبًا على آخر ألا وهو جانب الصدق.

وكذلك الحِلْف؛ لأنهم كانوا إذا تحالفوا أي: تعاهدوا فيما بينهم على اتفاق معين؛ كانوا يضرب كل واحد منهم يمينه على يمين صاحبه؛ فسُمّي الحلف يمينًا من باب المجاز.

واليمين على ثلاثة أقسام: لأنّها إما أن تكون لدفع الدعوة، وإما أن تكون لتصحيحها، وإمّا أن تكون لتتميم الحُكْم، وتُسمى في هذه الحالة يمين الاستظهار، من ذلك أن يدعي رجلٌ على آخر حقًّا، وليس له بينة على ذلك؛ فيُنْكِر المدعى عليه؛ فتتوجه عليه اليمين لنفي ما ادعاه عليه خصمه، أو ما ادعى به خصمه أي: المدعي.

فهذه هي اليمين الرافعة للدعوة؛ فإن حلف برئ، وانْقَطعت الخُصومة بينه وبين المُدّعى عليه في هذا النزاع في الحال والاستقبال على الراجح؛ لأنّ الإثبات في البينة بعد العجز عنها نادرٌ، وإن نكل -أي: رفض- أن يحلف حكم عليه القاضي بالحق المُدّعى به عليه؛ إلّا إذا كان قصاصًا بالنفس.

وقد نتساءل: لماذا جُعلت البينة على المدعي وجعل اليمين على المدعى عليه؟ ذلك لأنّ المدعي ضعيف الجانب؛ لأنّه يدعي خلاف الظاهر، وجُعلت اليمين على المدعى عليه؛ لأن جانبه قوي إذ إن معه ظاهر الحال، فأُريد تَقوية هذا الظاهر باليمين.

 والدليل على ذلك: قضية الحضرمي والكندي؛ فإنهما اختصما في شيء -يقال: اختصما في بئر أو في أرض درست- اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال للحضرمي: ((ألك بينة، قال: لا، قال: فلك يمينه، فقال الحضرمي: يا رسول الله، الرّجل فاجرٌ، ولا يبالي على ما حلف عليه، وليس يتورع من شيء، فقال صلى الله عليه وسلم: ليس لك منه إلا ذلك)) “ذلك” يعني ليس لك منه إلا هذا التصرف، وهو القسم باليمين.

وقد أخَذَ الفُقهاء بظاهر الأحاديث المروية في حلف المدعى عليه، وأبقوها على عمومها، واشترط الإمام مالك في تحليف المدعى عليه أن يكون بين المدعي والمدعى عليه نوع من المعاملة؛ كأن يتبايع المدعي والمدعى عليه مرتين أو ثلاثًا، أو أن يكونا شريكين أو متعارضين، أو متجاورين، أو أن يكون أحدهما أجيرًا لصاحبه، أو مستأجرًا منه دابته أو داره.

 الإمام مالك يقصد بذلك  حتى لا تفتح أبواب الادعاء من جانب بعض من لا خلاق لهم؛ يفتحون دعاوى وشكاوى في حق أناس أشراف لا يعقل أن يكون بينهما نوع من المعاملة؛ فيؤدي ذلك إلى أن المدعى عليه لا يحلف، ويأخذ المدعي ما يدعيه كذبًا، بعض الناس يستنكف أو لا يريد أن يذهب إلى المحاكم والقضاء، أو مشغول، أو ما إلى ذلك من الأمور؛ فالإمام مالك احتاط لهذا.

واستدل الإمام مالك في موطئه بخبر عن حميد بن عبد الرحمن، أنه كان يحضر عمر بن عبد العزيز، وهو يقضي بين الناس؛ فإذا جاءه الرجل يدعي على الرجل حقًّا نَظَر؛ فإن كان بينهما مُخالطة أو مُلامَسة أحلف الذي ادعى عليه وإن لم يكن شيء من ذلك لم يحلفه، وهذا من فقه سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لأنه أراد أن يغلق هذا الباب على بعض الناس، ممن لا خلاق لهم.

والحلف يكون بالله لا بشيء آخر؛ حلف فليحلف بالله أو ليصمت قال: ((من حلف بغير الله فقد أشرك)) فلا يحلف المدعى عليه بطلاق أو عتاق، أو بأبيه أو شرف أسرته… إلى آخره لا يجوز هذا، فهو منهي عنه؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تحلفوا بآبائكم ولا بالطواغيت))  الطواغيت جمع طاغوت، وهو ما عُبد من دون الله وهو راض ((ومن كان حالف فليحلف بالله أو ليزر)) أي: فليترك يحلف بالله أو ليزر.

المفهوم من هذا الحديث: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الحلف بالطريقة الجاهلية، الحلف بمنزلة الآباء، ولا الطواغيت ولا أي شيء تعظم عند الناس من دون الله؛ فمن كان حالفًا؛ أي إن كان ولا بد من الحَلِفْ؛ فليكن حلف أحدنا بالله، أو ليترك هذا الأمر -أي: لا يحلف- ولو كانت هناك خصومة بين مسلم ونصراني مثلًا؛ فكيف يحلف النصراني يحلف بالذي أنزل الإنجيل على عيسى، واليهودي كذلك يحلف بالله الذي أنزل التوراة على موسى، وإذا كان مجوسيًّا فإن المجوسي يحلف بالله الذي خلق النار، والصابئ يحلف بالله الذي خلق الكواكب، بمعنى أنه يحلف بمن يعظمه ويعتبره الإله الذي يتوجه إليه بقلبه.

ولو عرض القاضي يمين على المدعى عليه؛ فإن أبى أن يحلف -رفض أن يحلف- ثم قال قبل القضاء: أنا أحلف يُحلفه القاضي، ولا يقضي عليه بشيء؛ لماذا؟ لأنه رفض في البداية، ثُمّ لما رأى أن القاضي سيحكم استدرك على نفسه؛ فالقاضي يستجيب له، ويقبل منه هذا القسم. ولا يقضي عليه بشيء، أي: ولا يقضي عليه بشيء من العقوبة نتيجة لهذا التردد، ولو كان قوله هذا بعد القضاء بالمقول، لا يلتفت إليه، يعني لو أنه رفض في الأول، ثم طلب القاضي من المدعي أن يحلف فقال المدعى عليه: لا أنا سأحلف  لا يلتفت إليه لأنه كان هذا بعد أن حكم، أما قبل الحكم فيعطيه الفرصة ولا يحكم عليه بشيء.

واليمين ليس طريقًا لإثبات الحق، وإنما يوجهه المدعي إلى المدعى عليه رجاء مقوله؛ أي: رجاء رفضه في مجلس القضاء؛ فيقضي له القاضي بالحق، وينبغي للقاضي أن يخوِّف المدعى عليه سوء عاقبة الحلف بالكذب؛ فيَحْمِله ذَلك على الإقرار بالحق، النبي صلى الله عليه وسلم سمى الحلف بالكذب  باليمين الغموس؛ لأنها تغمس صاحبها في نار جهنم والعياذ بالله، أو سماها الصابرة؛ لأنها تصبر صاحبها في النار، يعني تحبسه في النار.

وهي من نوع شهادة الزور؛ كأنه قسم بالله كذبًا استهانة بالله، وعاقبة الكذب على الله وخيمة جدًّا، ولذلك فإنّ الأيمان يهابها الفاجر والبار، والمؤمن والكافر على حد سواء؛ أما المؤمن فيهابها بسبب إيمانه بالله، واستحضاره لعظمته سبحانه؛ فيخاف أن يحلف كذبًا، والفاجر يهاب اليمين لما يراه -أي يتوقعه- من تعجيل العقوبة من الله تعالى لمن حلف يمينًا فاجرًا.

ولهذا صرحت اليمين للهجوم بها – التخويف بها-  على المدعى عليه رجاء أن يُقرّ بالحَقّ المدعى به، لا فَرْقَ في ذلك بين المؤمن والكافر، وسبق أن ذكرنا في حديث الحضرمي والكندي: أنّ الحَضرمي اعترض وقال: “يا رسول الله، يحلف وهو رجل لا يتورع عن الكذب، رجل فاجر  فسيحلف، ومع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ((ليس لك إلا ذلك)).

وفي موقف آخر النبي صلى الله عليه وسلم بين أن “الذي يحلف كذبًا وهو يعلم أنه كاذب لا ينظر إليه المولى عز وجل يوم القيامة ولا يكلمه، وله عذاب أليم” يعني: معنى هذا أن اليمين أمر خطير جدًّا، ويهاب الحلف به البار والفاجر، والمؤمن والكافر، المؤمن تدفعه خشيته لله وخوفه منه؛ لأنّ المؤمن دائمًا يراقب الله عز وجل ويعبده حق عبادته، ويعلم أنه يراه وأنه يسمعه، ألم يقل المولى عز وجل: {مّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18]. وقال: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [النور: 24] {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىَ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلّمُنَآ أَيْدِيهِمْ} [يس: 65]…. إلخ.

فإذًا المؤمن يعلم هذا جيدًا، ويَعْلَمُ أنّ كل ما ينطق به يسجل عليه، ويُجازى به إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، والكافر كذلك والفاجر لما يراه من أحداث، وما يتوقعه لأن الفطرة تقتضي أن أي إنسان يعلم أن له ربًا، وأن له إلهًا وأنه يراه؛ فيخشى أن يحلف كذبًا فيُعجل الله له العقوبة في الدنيا قبل الآخرة.

ولهذا كانت اليمين صالحة للهجوم على المدعى عليه؛ رجاء أن يتذكر هذا، وأن يرفض الحلف وينكل فتحول اليمين إلى المدعي، والمدعي مضطر  يحلف؛ لأنه رفع الدعوى ويعتقد أنه صادق، حتى يُحكم له بما ادعاه إذا رفض فالأمر للقاضي. هذا بالنسبة لتعريف اليمين، وبيان الدليل عليها، وبيان لماذا كانت اليمين في جانب المدعى عليه والبينة في جانب المدعي.

error: النص محمي !!