Top
Image Alt

تعريف اليهودية

  /  تعريف اليهودية

تعريف اليهودية

اليَهُودِيَّةُ واليَهُودُ فِي التَّعْرِيفِ اللُّغَوِي: كلمة مأخوذة من التهود، والتهود هو التوبة والعمل الصالح، قال ابن الأعرابي: “هاد إذا رجع من خيرٍ إلى شرٍّ، أو من شرٍّ إلى خيرٍ، وهاد إذا عقل، ويهود اسم للقبيلة، وقِيل: إنما اسم هذه القبيلة يهوذ بالذال وعُرِّبَ بقلبِ الذال دالًا”، وقال ابن سيده: وليس هذا بالقوي، وقالوا: يهود واليهود، فأدخلوا الألف واللام فيها على إرادة النسب يُريدون اليهوديين، وقد ذكرها القرآن مجردة فقال سبحانه: {وَعَلَى الّذِينَ هَادُواْ حَرّمْنَا كُلّ ذِي ظُفُرٍ} [الأنعام: 146]، جاء في معناها أي دخلوا في اليهودية.

وقال الفرَّاءُ في قول الله تعالى: {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنّةَ إِلاّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىَ} [البقرة: 111]، قال: “يريد يهودًا، فحذفت الياء الزائدة ورجع إلى الفعل من اليهودية”، وفي قراءة أبيِّ رضي الله  عنه: “إلا من كان يهوديًّا أو نصارنيًّا”، قال: “قد يجوز أن يجعل هودًا جمعًا واحده هائد، مثل: حائل وعائط من النوق والجمع حول وعوط، وجمع اليهودي يهود، كما يقال في المجوسي: مجوس، وفي العربي: عرب، وفي الأعجمي: عجم، هَوَّدَ الرجل: أي حَوَّلَهُ إلى مِلَةِ يهود.

والتهود أن يصير الإنسان يهوديًّا، وهَاد تَهَوَّدًا إذا صار يهوديًّا ومنه الحديث ((كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرنه ويمجسانه))، والهود الرجوع، ومن قوله تعالى: {إِنّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ} [الأعراف: 156]، أي: رجعنا إليك؛ هذا من حيث المعنى اللغوي.

أما اليهود اصطلاحًا: فهم قوم موسى عليه السلام، جاءهم برسالته ونزلت فيهم التَّوْرَاة من عند الله تعالى، وذلك قبل ميلاد عيسى عليه السلام  بثلاثة عشر قرنًا تقريبًا، وكلمة يهود هي اسمهم الذي اشتهروا به، ولهم أسماءٌ أخرى معدودة ومعروفة لقوم موسى عليه السلام فهم يعرفون بالعبريين أو العبرانيين، قِيل: نسبة إلى “عابر بن سام” أكبر أبناء نوح عليه السلام، أو إلى جنس بشري يسمى “عبير” ومنه اشتق الاسم، أو ربما كان نسبة إلى حادثة العبور التي سطرها القرآن وسجلها من مصر إلى الشام حين اعترضهم البحر، وأظهر الله عز وجل آيته وأمر موسى عليه السلام أن يضرب البحر بعصاه فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، أو سُموا بهذا الاسم -العبريين أو العبرانيين- نظرًا لتنقلهم من مكان إلى آخر باعتبارهم من الأمم البدوية التي دأبت على الرحلة، وبهذا كانوا يعبرون الأماكن ويتنقلون في البوادي فارتبط بهم هذا الاسم حينًا من الزمان، وإن كان من الأسماء غير المحببة لهم؛ لأنه يذكرهم بفترة بداوتهم وعدم استقرارهم.

وعلى الجملة فكل هذه العلل واردة وممكنة وليس بالمستطاع إلغاء بعضها أو إثباته على وجه القطع، والشيء الذي يمكن القطع به هو أنه من الممكن إطلاق اسم العبريين والعبرانيين على اليهود، وأن هذه التسمية من أقدم ما عرفوا بها.

وسبب هذه التسمية -كما يرى بعض العلماء- راجعٌ إلى نسبة القوم إلى أحد أبناء يعقوب عليه السلام، وهو “يهوذا” أكبر أبنائه وأحبهم إليه، وهو أمر غير مُسَلَّمٍ بِهِ؛ لأنهم من نَسْلِ “لاوي” لا من نَسْلِ “يهوذا”، فكيف يُنسبون إلى غير أبيهم، ولكن يمكن تسميتهم باليهود نسبة إلى الحادثة التي حدثت لهم، وهي طلبهم من نبي الله موسى عليه السلام أن يروا الله عز وجل جهرةً فكانت النتيجة {فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ} [الذاريات: 44]، وفي النهاية طلب موسى عليه السلام منهم أن يتوبوا إلى الله، واختار سبعين رجلًا منهم لهذا الشيء، وهو الذي قاله الله {وَاخْتَارَ مُوسَىَ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لّمِيقَاتِنَا فَلَمّا أَخَذَتْهُمُ الرّجْفَةُ قَالَ رَبّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مّن قَبْلُ وَإِيّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السّفَهَآءُ مِنّآ إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ تُضِلّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِي مَن تَشَآءُ أَنتَ وَلِيّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155) وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَـَذِهِ الدّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الاَخِرَةِ إِنّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ} [الأعراف: 155، 156]، أي: تُبْنَا وَرَجِعْنَا، فَسُموا بذلك يهودًا.

وقد ظهرت هذه التسمية بعد موسى عليه السلام، والراجح فيها أنها بسبب هذه التوبة، أقول: وإن كانت هذه التسمية عرفت مع أيام موسى عليه السلام لا قبله، وينبغي أن نعرف أن اللهَ عز وجل ما أنزل دينًا من السماء يُسمى اليهودية، ولا رسالة موسى عليه السلام تسمى اليهودية؛ فالله عز وجل ما أنزل من السماء سوى الإسلام {إِنّ الدّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ} [آل عمران: 19]، كذلك في قول الله عز وجل: {وَقَالَ مُوسَىَ يَقَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكّلُوَاْ إِن كُنتُم مّسْلِمِينَ (84) فَقَالُواْ عَلَىَ اللّهِ تَوَكّلْنَا رَبّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلْقَوْمِ الظّالِمِينَ (85) وَنَجّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [يونس: 84- 86].

نعم ينبغي أن نعتقد أن الرسالة التي جاء بها موسى عليه السلام هي الإسلام وأن أتباعه كانوا مسلمين، وأما هذه المسميات فهي مرتبطة بأسبابها، سموا بالعبريين والعبرانيين على نحو ما ذكرنا أو باليهود نسبة إلى تلك الحادثة أو غيرها، كما أنهم عرفوا أيضًا ببني إسرائيل، وكثيرا ما نادهم القرآن بهذه التسمية؛ كما جاء في قوله تعالى: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 40].

وكلمة إسرائيل كلمة مركبة من جزءين: (إسرى): ومعناها عبد، و(إيل): معناها الله، فمعنى الكلمة إذًا (عبد الله)، والمراد به يعقوب عليه السلام حفيد إبراهيم عليه السلام وابن إسحاق عليه السلام وهو أصل هؤلاء القوم فهو إسرائيل، وكل من جاء من بعده هم بنو إسرائيل، وقد جاء في التوراة: “ظهر الله ليعقوب فباركه، وقال له: اسمك يعقوب لا يكون من بعد اسمك يعقوب بل إسرائيل يكون اسمك، فسماه إسرائيل” سفر التكوين الإصحاح الخامس والثلاثين الفقرة التاسعة والعاشرة.

أقول: وعند اليهود -عليهم لعنة الله- أسطورة تزعم أن سبب هذه التسمية مصارعة وقعت بين يعقوب عليه السلام وبين الرب -جَلَّ وَعَلَا عما يقولون علوًّا كبيرًا- وأنه أثناء هذه المشاجرة وتلك المصارعة كاد يعقوب أن يغلب الرب، فغضب الرب من ذلك قائلًا: دعني يا يعقوب وضربه على فخذه فأصابه بعرق النسا، وقال: أنت من الآن إسرائيل ولست يعقوب؛ كذا في مزاعم اليهود وأساطيرهم، لكن فقط نقول هذا من باب الإشارة لهذه الضلالة؛ وإلا فيعقوب عليه السلام ملقب بإسرائيل؛ أي عبد الله وهذا الوصف وصفٌ وصفه الله عز وجل لأصفيائه من خلقه وأنبيائه ورسله {وَاذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيّوبَ} [ص: 41]، {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ} [ص: 17]، {وَاذْكُرْ عِبَادَنَآ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} [ص: 45]، {وَأَنّهُ لّمَا قَامَ عَبْدُ اللّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً} [الجن: 19]، فلا عجب أن يوصف يعقوب بأنه عبد الله، وأن يتسمى بهذه التسمية حتى يخترع لها اليهود هذه الأسطورة بأنه لما كاد أن يغلب ربه أعطاه الله هذا اللقب ومنحاه ذلك النيشان تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا.

وعلى هذا تكون تسمية يعقوب بإسرائيل من قِبَلِ اللهِ تعالى، وهي حقيقة مسلمة؛ لأن الإنسان عبد الله منذ خلقه الله سُمي بذلك أم لم يُسَمَ.

هذا؛ ومن الأسماء التي عُرف بها القوم حديثًا (الصهيونية) أو يُقال (الصهاينة)، وليس لهذه التسمية أصلًا قديم، وإنما أخذت لتدل على مفهوم معين؛ لأنها تفيد في اللغة الصيانة والتحصن، وهو طبع قديم عند اليهود، بل قديم حديث، فإنهم يعيشون وراء حصون تصونهم من أعدائهم، وقد سُمي أحد التلال المحيطة بالقدس القديمة باسم جبل صهيون؛ رمزًا من اليهود إلى الحصن ودعوة إلى تحقيق فكرة عودة اليهود إلى فلسطين لإقامة دولة تجمع شملهم، ومن أجل إنجاح هذه الفكرة قامت الحركة الصهيونية ونشطت في الدعوة لأهدافها.

ومما يذكر أن الصهاينة هم غلاة اليهود في العالم كله؛ لذلك فإن اسم الصهيونية من الأسماء الخاصة التي تَسَمَّى بها البعضُ دون البعضِ الآخر، حتى قِيل: كل صهيوني يهودي وليس كل يهودي صهيونيًّا.

فهذه إذًا أسماء اشتهر بها بنو إسرائيل، أو اشتهر بها هؤلاء القوم، وأحبُّ هذه الأسماء إليهم بنو إسرائيل؛ لأنه يُذَكِّرهم بمنزلتهم التي يتمنونها لأنفسهم عند الله تعالى؛ ولذلك نجدهم يُسَمُّون دولتهم الحديثة بهذا الاسم المحبب إليهم بإسرائيل، والقرآن الكريم حينما يريد مخاطبتهم بالهداية ودعوتهم إلى الحق يناديهم بهذا الاسم المحبب إليهم، وكأنه يريد أن يقول لهم: أنتم أولاد الأنبياء وأنت نسل الرسل وأبناء إسرائيل يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فأنتم سلالة الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- وجدير بكم بمقتضى هذه الصفة أن تستقيموا وتتبعوا الصراط المستقيم، ولا تحيدوا عنه وأن لا تكونوا أول الكافرين، بل ينبغي أن تكونوا أول المؤمنين.

وحينما يريد القرآن الكريم الإشارة إلى كفرهم وجُحُوْدِهم يذكر اسم اليهود، كما يرتبط اسم الصهيونية بالفكر العنصري المتزمت الذي يدعو إلى اغتصاب فلسطين والاستيلاء على حقوق الآخرين، وأما اسم العبرانيين فهو يُذكرهم بعنصر الضعف والبداوة؛ ولذلك كره الإسرائيليون أن يشتهروا بهذا الاسم وكذا باسم الصهاينة أيضًا.

اليهودُ أُمَّةٌ منعزلةٌ عن سائر الأمم تكره الاختلاط بغيرها، فهم عاشروا المصريين، ومع ذلك لم يأتلفوا معهم، حتى إنهم في تواجدهم في أي بلد يكونون منعزلين، ويكون لهم مكان يستقل بهم يعرف باسم حارة اليهود، واليهود حين اختلطوا بالمصريين قديمًا لم يأتلفوا معهم حتى جاءهم موسى عليه السلام وأخرجهم من مصر، على الرغم من أنهم سادوا أيام يوسف عليه السلام وكان يمكنهم أن يمتزجوا مع أبناء الشعب بصورة كاملة، وعلى مَرِّ العصور لازمتهم جبلتهم، فلقد عاشوا في بلدان عديدة مُدَدًا طويلة، ومع ذلك، خرجوا منها مطرودين ومحاطين بالكراهية والمقت، ولقد عُرف اليهوديُّ المعاصرُ بأوصافه الخاصة القائمة على حُبِّ الذات، والتعصب، ومحاولة فرط السيادة على العالم كله بمنهج مرحلي مُعتمدًا في مسلكه على تعاليم اليهود الأوائل الذين تركوا له كُتُبًا تحدد له المنهج الواجب اتباعه.

فاليهود إذًا إنما هم بقايا متحجرة، فهم مجتمعات استثنائية منعزلة قد بقيت من عصر سابق، كما أن المتحجرات سجل باقٍ لأشكال الحياة التي وجدت في العصور الخالية.

قال الأستاذ عباس العقاد: إن إصبعًا من الأصابع اليهودية كامنة وراء كل دعوة تستخف بالقيم الأخلاقية، وترمي إلى هدم القواعد التي يقوم عليها المجتمع الإنساني في جميع الأزمان؛ فاليهودي “كارل ماركس” وراء الشيوعية التي تهدم الأخلاق والأديان، واليهودي “دوركايم” وراء علم الاجتماع الذي يلحق نظام الأسرة بالأوضاع المصطنعة ويحاول أن يبطل آثارها في تطور الفضائل والآداب، واليهودي “جانبول سارتر” وراء الوجودية التي نشأت معززة لكرامة الفرد مجنحة به إلى حيوانية تصيب الفرد والجماعة؛ ولذلك فمن الخير أن تدرس المذاهب الفكرية كلما شاع منها مذهب جليل، ولكن من الشَّرِّ أن تدرس بعناوينها وظواهرها دون ما وراءها من عوامل المصادفة العارضة والتدبير المقصود.

error: النص محمي !!