Top
Image Alt

تعريف بالباطنية

  /  تعريف بالباطنية

تعريف بالباطنية

أولًا: الباطنية هم الذين يرون أنَّ الإمامة بعد جعفر الصادق انتقلت إلى ابنه موسى الكاظم، ثم إلى ابنه علي الرضا، ثم إلى ابنه محمد الجوّاد، ثم إلى ابنه محمد المهدي المنتظر، وهو الإمام الثاني عشر، ويزعمون أنه دخل سردابًا في دار أبيه بسرِّ من رأى، ولم يعد بعد، وأنه سيخرج في آخر الزمان، يملأ الدنيا عدلًا وأمنًا كما مُلِئت ظلمًا وخوفًا.

وسموا بالباطنة لقولهم بالإمام الباطن، أي: المستور، أو لقولهم: بأنَّ للقرآن ظاهرًا وباطنًا، والمراد منه باطنه دون ظاهره.

ويقول الدكتور محمد حسين الذهبي في كتابه (التفسير والمفسرون جـ2، صـ235):

والحق أنَّ هذه الطائفة لا يمكن أن تكون داخلة في عداد طوائف المسلمين، وإنما هي في الأصل جماعة من المجوس، رأوا شوكة الإسلام قوية لا تقهر، وأبصروا عزة المسلمين فتية لا تهلك ولا تكسر، فاشتعلت بين جوانحهم نار الحقد على الإسلام والمسلمين، ورأوا أنه لا سبيل لهم إلى التغلُّب على المسلمين بقوة الحديد والنار، ولا طاقة لهم بالوقوف أمام جيشهم الزاخر الجرار، فسلكوا طريق الاحتيال الذي يوصلهم إلى مآربهم وأهوائهم؛ ليطفئوا نور الله بأفواههم، وخفي على هؤلاء الملاحدة أنَّ الله متمّ نوره ولو كره الكافرون. انتهى كلام الذهبي.

مؤسسو هذه الطائفة:

ظهرت بوادر هذه الفتنة ونبتت زمن المأمون، وبيد جماعة جَمَعَ بينهم سجن العراق، هم: عبد الله بن ميمون القدَّاح -وكان مولى جعفر بن محمد الصادق- ومحمد بن الحسين -المعروف بذي زان- وجماعة كانوا يدعون الجهاربجة، أي: العلماء الأربعة، اجتمع هؤلاء النفر فوضعوا مذهب الباطنية وأسسوا قواعده، فلما خلصوا من السجن ظهرت دعوتهم، ثم استفحل أمرها -يعني: أمر هذه الدعوة- واستطار خطرها إلى كثير من بلاد المسلمين، وما زالت لها بقية إلى يومنا هذا بين كثير ممن يدَّعون الإسلام.

أقسام التفسير الباطني:

ينقسم إلى قسمين: تفسير صوفي نظري، وتفسير صوفي عملي، التفسير الصوفي النظري هو الذي يقوم على البحث والدراسة، والتفسير الصوف العملي هو التصوف الذي يقوم على التقشف والزهد والتفاني في طاعة الله، وكلٌّ من القسمين كان له أثره في تفسير القرآن الكريم، مما جعل التفسير الصوفي ينقسم أيضًا إلى قسمين: تفسير صوفي نظري، وتفسير صوفي إشاري:

والتفسير الصوفي النظري يخرج بالقرآن في الغالب عن هدفه الذي يرمي إليه، يقصِد القرآن هدفًا معينًا بنصوصه وآياته، ويقصد الصوفي هدفًا معينًا بأبحاثه ونظرياته، وقد يكون بين الهدفين تنافرٌ وتضادٌّ، فيأبى الصوفي إلَّا أن يحول القرآن عن هدفه ومقصده إلى ما يقصده هو ويرمي إليه، وغرضه بهذا كله أن يروّج لتصوفه على حساب القرآن، وأن يقيم نظرياته وأبحاثه عن أساسٍ من كتاب الله تعالى.

وبهذا الصنيع يكون الصوفي قد خَدَم فسلفته التصوفية، ولم يعمل للقرآن شيئًا، اللهمَّ إلَّا هذا التأويل الذي كله شر على الدين، وإلحاد في آيات الله، أمَّا التفسير الذي يبنَى على قواعد نحوية أو بلاغية، فهو إن ساعده السياق قبله، وإلّا أعرضنا عنه، وأخذنا بما يصححه النظر ويقويه الدليل.

التفسير الصوفي الإشاري: ما حقيقته؟

هو تأويل آيات القرآن الكريم على خلاف ما يظهر منها، بمقتضى إشارات خفية تظهر لأرباب السلوك، ويمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة.

الفرق بينه وبين التفسير الصوفي النظري:

الفرق من وجهين:

أولًا: أنَّ التفسير الصوفي النظري ينبني على مقدِّمات علمية، تنقدح في ذهن الصوفي أولًا، ثم ينزل القرآن عليها بعد ذلك؛ أمَّا التفسير الإشاري فلا يرتكز على مقدِّمات علمية؛ بل يرتكز على رياضة روحية يأخذ بها الصوفي نفسه؛ حتى يصل إلى درجةٍ تنكشف له فيها من سجف العبارات هذه الإشارة القدسية وتنهل على قلبه من سحب الغيب ما تحمله الآيات من المعارف السبحانية.

ثانيًا: أنَّ التفسير الصوفي النظري يرى صاحبه أنَّه كل ما تحتمله الآية من المعاني، وليس وراءه معنًَى آخر، يمكن أن تحمل الآية عليه، وهذا بحسب طاقته طبعًا، أمَّا التفسير الإشاري فلا يرى الصوفي أنه كل ما يراد من الآية؛ بل يرى أن هناك معنًَى آخر تحتمله الآية، ويراد منها أولًا وقبل كل شيء، ذلك هو المعنى الظاهر الذي ينساق إليه الذهن قبل غيره.

الأصل الشرعي للتفسير الإشاري:

دائمًا يكون هناك تساؤل: هل للتفسير الإشاري أصلٌ في الشرع؟

لم يكن التفسير الإشاري بالأمر جديد في إبراز معاني القرآن الكريم؛ بل هو أمر معروف من لدن نزوله على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أشار إليه القرآن، ونبه عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، وعرَّفه الصحابة رضي الله عنهم وقالوا به.

أمَّا إشارة القرآن إليه ففي قوله تعالى: {فَمَا لِهَـؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} [النساء: 78]، وقوله تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24]، فهذه الآيات كلها تشير إلى أن القرآن له ظهر وبطن؛ وذلك لأنَّ الله سبحانه ينعي على الكفار أنَّهم لا يكادون يفقهون حديثًا، ويحضُّهم على التدبر في آيات القرآن، لا يريد بذلك أنَّهم لا يفهمون نفس الكلام، أو حضّهم على فهم ظاهره؛ لأن القوم عرب، والقرآن لم يخرج عن لغتهم.

فهم يفهمون ظاهره ولا شك، وإنما أراد بذلك أنهم لا يفهمون عن الله مراده من الخطاب، وحضَّهم على أن يتدبروا في آياته؛ حتى يقفوا على مقصود الله ومراده، وذلك هو الباطن الذي جهلوه، ولم يصلوا إليه بعقولهم.

هذا دليل على أن التفسير الإشاري كان معروفًا عند الصحابة، والدليل هنا من القرآن؛ أمَّا تنبيه الرسول صلى الله عليه وسلم على التفسير الإشاري، فذلك في الحديث الذي أخرجه الفريابي من رواية الحسن مرسلًا، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لكل آية ظهر وبطن، ولكل حرف حدّ، ولكل حد مطلع))، وفي الحديث الذي أخرجه الديلمي من رواية عبد الرحمن بن عوف مرفوعًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((القرآن تحت العرش له ظهر وبطن يحاجّ العباد)).

ففي هذين الحديثين تصريح بأنَّ القرآن له ظهر وبطن، ولكن ما هو الظهر وما هو البطن؟:

اختلف العلماء في بيان ذلك، فقيل: ظاهرها –أي: الآية- لفظها، وباطنها تأويلها، وقوله: ((ولكل حرف حد)) فمعناه على ما قيل: لكل حرف حد أي: منتهى فيما أراده الله من معناه، أو لكل حكم مقدار من الثواب والعقاب، والأول أظهر، وقوله: ((ولكل حد مطلع)) معناه على ما قيل أيضًا: لكل غامض من المعاني والأحكام مطلع يُتوصَّل به إلى معرفته، ويوقَفُ على المراد به، وقيل: كل ما يستحقه من الثواب والعقاب، تطلع عليه في الآخرة عند المجازاة، والأول أظهر أيضًا.

وأمَّا الصحابة فقد نُقِلَ عنهم من الأخبار ما يدل على أنهم عرفوا التفسير الإشاري وقالوا به، أمَّا الروايات الدالة على أنهم يعرفون ذلك فمنها:

عن أبي الدرداء أنه قال: “لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يجعل للقرآن وجوهًا”، وعن ابن مسعود أنه قال: “من أراد علم الأولين والآخرين فليثوّر القرآن”، وأما الروايات الدالة على أنهم فسروا القرآن تفسيرًا إشاريًّا: ما ورد من أن أنه لمَّا نزل قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} [المائدة: 3] فرح الصحابة، وبكى عمر رضي الله عنه، وقال: “ما بعد الكمال إلا النقص”، مستشعرًا نعيه صلى الله عليه وسلم.

التفسير الإشاري في الميزان:

إنَّ التفسير الباطني ليس أمرًا خارجًا من مدلول اللفظ القرآني؛ ولهذا اشترطوا لصحة المعنى الباطن شرطين أساسيين:

أولهما: أن يصح على مقتضى الظاهر المقرّر في لسان العرب؛ بحيث يجري على المقاصد العربية.

ثانيهما: أن يكون له شاهد نصًّا أو ظاهرًا في محلٍّ آخر يشهد لصحته من غير معارض.

إذا توافر هذان الشرطان في معنًى من المعاني الباطنة، قيل: لأنه معنى باطن صحيح، وإلا رفض رفضًا باتًّا؛ لأنه معنى باطن فاسد، وتقوَّل على الله بالهوى والتشهي.

error: النص محمي !!