Top
Image Alt

تعريف بالشاعر وقصيدته

  /  تعريف بالشاعر وقصيدته

تعريف بالشاعر وقصيدته

هذا الدرس سنخصصه لدراسة قصيدة لشاعر من شعراء أبولو دراسةً تحليليةً مفصلةً، هذه القصيدة هي قصيدة “العودة” للشاعر إبراهيم ناجي.

نتعرف أولًا على الشاعر، ثم نقرأ القصيدة، ثم نقف مع دراستها دراسة تحليلية.

الشاعر إبراهيم ناجي:

وُلِدَ إبراهيم ناجي في الحادي والثلاثين من ديسمبر سنة ألف وثمانمائة وثمان وتسعين من الميلاد، ووالده أحمد ناجي كان رجلًا مثقفًا من طبقة كبار الموظفين في مصر في ذلك الوقت، كان الرجل يعرف عددًا من اللغات الأجنبية، ويملك في بيته مكتبة عامرة. واهتم الوالد بتوجيه ولده إلى القراءة والاطلاع منذ طفولته، ورغبه في قراءة الأدب وتذوق الشعر باللغة العربية والإنجليزية والفرنسية، وانجذب الفتى الناشئ إلى دائرة الإبداع، فأعجب بشعر المتنبي والشريف الرضي من القدماء، وبشعر البارودي وأحمد شوقي من الشعراء المحدثين.

وأخذ إبراهيم ناجي يتأمل الطبيعة الجميلة من حوله، حيث كان يسكن وأسرته في منطقة شبرا ولم تك شبرا هي شبرا التي نعرفها الآن، فقد كانت في مطلع القرن العشرين ضاحية من ضواحي القاهرة تغطيها المروج الخضر، وتزينها الأزهار، وتمرح في جوها الأطيار، وفي هذه المنطقة الجميلة -أو التي كانت جملية- عَرَفَ الحبُّ الأول طريقه إلى قلب هذا الشاب فدخله، ولم يخرج منه حتى ودَّع الحياة رغم زواجه وإنجابه.

اتجه إبراهيم ناجي إلى دراسة الطب وتخرج طبيبًا وعمل بمهنة الطب في القاهرة، ثم في سوهاج، ثم نقل إلى المنصورة، وهناك التقى بكبار الأدباء والشعراء الذين كان منهم أحمد حسن الزيات، وعلي محمود طه، ومحمد الهمشري، وصالح جودت، ومختار الوكيل.

ولما أنشئت جماعة أبولو انضم إليها إبراهيم ناجي وعين وكيلًا لها سنة ألف وتسعمائة واثنين وثلاثين. وفي عام ألف وتسعمائة وأربع وثلاثين أصدر ديوانه الأول بعنوان (وراء الغمام).

وقد تعرض الدكتور طه حسين بالنقد العنيف لهذا الديوان، ومما قاله فيه وفي صاحبه: “هو شاعر هين لين رقيق، حلو لطيف، عذب النفس، خفيف الروح، قوي النتاج، لكن إلى حد لا يستطيع أن يتجاوز الرياض المألوفة، ولا أن يرتفع في الجو ارتفاعًا بعيد المدى”.

وتتبع الدكتور طه حسين الشاعر في إحدى قصائد الديوان بالنقد اللغوي، فأسرف في تخطئته والغض من شأنه، وعلى إثر هذا النقد عزَمَ ناجي على هجر الشعر، وكف عن كتابته فعلًا، لكنه عاد إليه بتحريض من طه حسين نفسه، فصدر له ثلاثة دواوين هي (ليالي القاهرة) سنة ألف وتسعمائة وأربع وأربعين، وديوان بعنوان (في معبد الليل) سنة ألف وتسعمائة وست وأربعين، والديوان الأخير بعنوان (الطائر الجريح) صدَرَ سنة ألف وتسعمائة وثلاث وخمسين. وجمعت دواوينُه كلها في مجلد واحد بعد ذلك يحمل عنوان (شعر إبراهيم ناجي).

وشعره كله يكاد يكون قصيدة حب، فهو أحد الشعراء الرومانسيين الذين تأثروا بالأدب الغربي، وبالشعر المهجري، وبدعوة التجديد التي أطلقها العقاد وشكري والمازني، فانصرفوا إلى التعبير عن عواطفهم الخاصة، مع ميل واضح إلى تصوير معاني الحزن، والتلهف على الأمل الضائع والحب الهارب، والسعادة الغائبة، والحلم المستحيل.

والسمات الغالبة على شعر ناجي هي:

– الرقة العاطفية.

– والسهولة اللفظية.

– والبراعة في التصوير.

– والعذوبة في الموسيقى.

– واستخدام الأسلوب الرمزي أحيانًا.

وهذه هي السمات الشائعة عند شعراء جماعة أبولو جميعًا.

والقصيدة التي سندرسها له هي قصيدة “العودة”، فيها هذه السمات -التي أشرنا إليها- وتدل عليها دلالة واضحة، وهي سمات متحققة في شعر ناجي كله -كما قلت- بل في شعر شعراء جماعة أبولو جميعًا.

القصيدة:

يقول إبراهيم ناجي في قصيدة “العودة”:

هذه الكعبة كنا طائفيها

*والمصلين صباحًا ومساء

كم سجدنا وعبدنا الحسن فيها

*كيف بالله رجعنا غرباء

دار أحلامي وحبي لقِيَتنا

*في جمود مثلما تلقى الجديد

أنكرتنا وهي كانت إن رأتنا

*يضحك النور إلينا من بعيد

رفرف القلب بجنبي كالذبيح

*وأنا أهتف يا قلب اتئد

فيجيب الدمع والماضي الجريح

*لم عدنا ليت أنَّا لم نعد

لِمَ عدنا أَوَ لم نطو الغرام

*وفرغنا من حنين وألم

ورضينا بسكون وظلام

*وانتهينا لفراغ كالعدم

أيها الوكر إذا طار الأليف

*لا يرى الآخر معنى للهناء

ويرى الأيام صُفرًا كالخريف

*نائحات كرياح الصحراء

آه مما صنع الدهر بنا

*أو هذا الطلل العابث أنت؟!

والخيال المطرق الرأس أنا

*شد ما بتنا على الضنك وبت

أين ناديك وأين السمر

*أين أهلوك بساطًا وندامَى

كلما أرسلت عيني تنظر

*وثب الدمع إلى عيني وغام

موطن الحسن ثوى فيه السأم

*وسرت أنفاسه في جوه

وأناخ الليل فيه وجثم

*وجرت أشباحه في بهوه

والبلى أبصرته رأي العيان

*ويداه تنسجان العنكبوت

صحت يا ويحك تبدو في مكان

*كل شيء فيه حي لا يموت

كل شيء من سرور وحزن

*والليالي من بهيج وشج

وأنا أسمع أقدام الزمن

*وخُطا الوحدة فوق الدرج

ركني الحاني ومغناي الشفيق

*وظلال الخلد للعاني الطليح

علم الله لقد طال الطريق

*وأنا جئتك كيما أستريح

وعلى بابك ألقي جعبتي

*كغريب آب من وادي المحن

فيك كف الله عني غربتي

*ورسا رحلي على أرض الوطن

وطني أنت ولكني طريد

*أبدي النفي في عالم بؤسي

فإذا عدتُ فللنجوى أعود

*ثم أمضي بعدما أفرغ كأسي

بعد أن قرأت لك النص كاملًا ندرس هذه القصيدة دراسة تحليلية مفصلة:

مناسبة القصيدة:

عاد إبراهيم ناجي بعد فترة من الزمن إلى المكان الذي شَهِدَ حبه الأول، ونظر إلى البيت الذي كانت تُقيم فيه محبوبته وقد تركته منذ زمن وتزوجت، وهو أيضًا كان قد ذهب إلى حال سبيله وتزوّج، تفرق كل منهما عن الآخر، وشق طريقه في الحياة، لكنه عاد إلى هذا المكان ونظر إلى هذا البيت، فثارت ذِكرياته القديمة في نفسه، وقال هذا النص أو هذه القصيدة وسماها: “العودة”.

ويمكن أن نعدَّ هذه القصيدة من بُكاء الأطلال؛ وبكاء الأطلال موضوع قديم في الشعر العربي، ونحن نعرف أن الشعراء الجاهليين كانوا يبكون الأطلال ويقفون عند آثار الديار، ويتحدثون عن المحبوبة التي رحلت، والذكريات التي كانت، فهذا غرض قال فيه الجاهليون أعذب شعرهم، وتبعهم بعد ذلك شعراء العرب في العصور المتوالية.

وكان القدماء يبكون الأطلال في مقدمات القصائد، ثم يخلصون من بكاء الأطلال إلى التغزل في الحبيبة الراحلة، ووصف جمالها، وتصوير الحزن على فِراقها، ثم ينتقل الشاعر بعد ذلك إلى ما شاء مِن أغراض، كـ: المديح، أو الفخر، أو الوصف،… أو غير ذلك، هذا كان في القديم.

أما قصيدة “العودة” لإبراهيم ناجي، فهي بُكائية مختلفة عن البكائيات المعروفة في الشعر القديم.

إذًا الموضوع قديم، ولكن التناول جديد؛ فتجربة ناجي في هذه القصيدة تجربة جديدة، أي التجربة الشعرية. أما التجربة الشعورية: وهي مدى الإحساس بمرارة فَقْد المحبوبة والإحساس بوطء الذكريات، فهذا الشعور شعور قديم، ولكن التعبير عنه في قصيدة ناجي تعبير جديد.

إن بكاء ناجي لأطلال حبيبته لم يجئ مقدمةً لقصيدة تتعدد أغراضها وموضوعاتها، بل هو القصيدة كلها.

إذن، هذا ملمح من الملامح الفارقة بين هذه القصيدة التي قلتُ: إنها يمكن أن تعد من بكاء الأطلال، وبين الشعر القديم في بكاء الأطلال، بكاء الأطلال في القديم يأتي مقدمة لقصيدة، أما قصيدة ناجي فالقصيدة كلها بكاء للأطلال. ولم يسلك ناجي مسلكَ القدماء في التغزل بمحاسن الحبيبة الراحلة، كسواد العيون، وحمرة الخدود، وجمال القدود، وغير ذلك من الأوصاف المعروفة في شعر الغزل القديم، ولم يسر إبراهيم ناجي في تلك الطرق المعبّدة المطروقة التي سار عليها أجيال من الشعراء قبله. لقد صوَّر ناجي في قصيدته قصةَ حب غالها الزمن وبدَّد واقعها، لكنها ظلت حيةً في قلب الشاعر تعذبه وتبكيه وتضنيه.

error: النص محمي !!