Top
Image Alt

تعريف بالطبرسي، وبيان طريقته في التفسير

  /  تعريف بالطبرسي، وبيان طريقته في التفسير

تعريف بالطبرسي، وبيان طريقته في التفسير

الطبرسي ومنهجه في التفسير:

أولًا: ترجمة المؤلف ومكانته العلمية:

مؤلف هذا التفسير في نظر أصحابه، هو أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي المشهدي.

طبرسي نسبة إلى طبرستان، والمشهدي يعني: المشهد الرضوي المدفون فيه، الفاضل العالم المفسر الفقيه، المحدث الجليل الثقة الكامل النبيل، وهو من بيت عرف أهله بالعلم، فهو وابنه رضي الدين أبو نصر حسن بن الفضل صاحب مكارم الأخلاق، وسبطه أبو الفضل علي بن الحسن، وسائر سلسلته وأقربائه من أكابر العلماء.

ويروي عنه جماعة من العلماء، منهم ولده المذكور، وابن شهر الأشول، والشيخ منتخب الدين، والقطب الراوندي وغيرهم.

ويروي هو عن الشيخ أبي علي بن الشيخ الطوسي، قال الشيخ منتخب الدين في (الفهرس): هو ثقة فاضل دَين له تصانيف منها: (مجمع البيان في تفسير القرآن) و(الوسيط في التفسير) أربع مجلدات، و(الوجيز) مجلدة، و(إعلام الورى بأعلام الهدى) مجلدتين، و(تاج المواليد والآداب الدينية للخزانة المعيبة). انتهى.

قال صاحب (روضات الجنات) معقبًا على هذا: وقد فرغ من تأليف (المجمع) يعني (مجمع البيان) في منتصف ذي القعدة سنة 534 هجرية، ولعل مراده بالوسيط هو تفسير (جوامع الجامع) المشهور، وبـ (الوجيز) (الكافي الشافي عن الكشاف)، ويحتمل المغايرة، انتهى كلامه.

وقال صاحب (مجالس المؤمنين) ما معناه: إن عمدة المفسرين أمين الدين ثقة الإسلام أبو علي الفاضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي، كان من نحارير علماء التفسير، وتفسيره الكبير الموسوم بمجمع البيان، بيان كافي ودليل وافي لجامعيته لفنون الفضل والكمال، ثم لما وصل إليه بعد هذا التأليف كتاب (الكشاف)، واستحسن طريقته ألف تفسيرًا آخر مختصرًا شاملًا لفوائد تفسيره الأول ولطائف الكشاف، وسماه (الجوامع) وله تفسير ثالث أيضًا أخصر من الأول والثاني، وتصانيف أخرى في الفقه والكلام.

ويظهر من كتاب (اللمعة الدمشقية) في مبحث الرضاعة أن الطبرسي هذا كان داخلًا في زمرة مجتهدي علمائنا أيضًا، ومقالته في الرضاع معروفة، وهي قوله بعدم اعتبار اتحاد الفحل في نشر الحرمة، وكذا قوله بأن المعاصي كلها كبائر، وإنما يكون اتصافها بالصغيرة بالنسبة لما هو أكبر، انتهى.

يقول الذهبي: ومن العجيب أنهم يذكرون قصة في غاية الطرافة والغرابة في سبب تأليفه لتفسير (مجمع البيان) الذي نحن بصدده فيقولون: ومن عجيب أمر هذا الطبرسي، بل من غريب كراماته ما اشتهر بين الخاص والعام أنه قد أصابته السكتة فظنوا به الوفاة، فغسّلوه وكفنوه ودفنوه ثم رجعوا، فلما أفاق وجد نفسه في القبر ومسدودًا عليه سبيل الخروج عنه من كل جهة، فنذر في تلك الحالة أنه إذا نجاه الله من تلك الداهية ألف كتابًا في تفسير القرآن.

فاتفق أن بعض النباشين قصده لأخذ كفنه، فلما كشف عن وجه القبر أخذ الشيخ بيده، فتحير النباش ودهش مما رآه، ثم تكلم معه فازداد به قلقًا، فقال له: لا تخفْ أنا حي، وقد أصابتني السكتة ففعلوا بي هذا، ولما لم يقدر على النهوض والمشي من غاية ضعفه، حمله النباش على عاتقه، وجاء به إلى بيته الشريف، فأعطاه الخلعة وأولاه مالًا جزيلًا، وتاب على يده النباش، ثم إنه بعد ذلك وفى بنذره الموصوف وشرع في تأليف (مجمع البيان). انتهى.

وكانت وفاته ليلة النحر سنة 835 هجرية.

الكلام عن هذا التفسير، وطريقة مؤلفه فيه:

يقول الذهبي: قبل أن أخوض في الكلام عن هذا التفسير أرى أن أسوق ما جاء في مقدمة هذا التفسير للمؤلف -رحمه الله-؛ لما جاء فيها من بيان الحوافز التي دفعت مؤلفه إلى تأليفه، ولما أوضحه لنا من طريقته التي سلكها في تفسيره، فهو أدرى بها وأعلم.

يقول: ذكر الطبرسي هذه الدواعي التي حملته على كتابة هذا التفسير، يقول: وقد خاض العلماء قديمًا وحديثًا في علم تفسير القرآن، واجتهدوا في إبراز مكنونه وإظهار مضمونه، وألفوا فيه كتبًا جمة، غاصوا في كثير منها إلى أعماق لججه، وشققوا الشعر في إيضاح حججه، وحققوا في تفتيح أبوابه وتغلغل شعابه إلا أن أصحابنا رضي الله عنهم لم يدونوا في ذلك غير مختصرات نقلوا فيها ما وصل إليهم في ذلك من الأخبار، ولم يهتموا ببسط المعاني فيه وكشف الأسرار إلا ما جمعه الشيخ الأجل السعيد أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي من كتاب (التبيان)، فإنه الكتاب الذي يقتبس من ضيائه الحق، ويعول عليه رواء الصدق، وقد تضمن فيه من المعاني الأسرار البديعة، واختصر من الألفاظ اللغة الوسيعة، ولم يقنع بتدوينها دون تبيينها، وهو القدوة وأستضيء بأنواره، وأطأ مواقع آثاره، غير أنه خلط في أشياء مما ذكره في الإعراب والنحو الغث بالسمين، ولم يميز الصلاح مما ذكر فيه والفساد، وأدى الألفاظ في مواضع من متضمناته قاصرة عن المراد، وأخل بحسن الترتيب وجودة التهذيب، فلم يقع له لذلك من القلوب السليمة الموقع المرضي، ولم يعل من الخواطر الكريمة المكان العلي.

يقول الطبرسي: وقد كنت في ريعان الشباب، وحداثة السن، ونضارة الغصن كثير النزاع شديد التشوق إلى جمع كتاب في التفسير ينتظم أسرار النحو اللطيفة ولمع اللغة الشريفة، ويفي موارد القراءات من مصادرها مع بيان حججها الواردة من جميع جهاتها، ويجمع جوامع البيان في المعاني المستنبطة من معادنها المستخرجة من كوامنها، إلى غير ذلك من علومه الجمة.

أو وقد بلغ سن نحو الستين واشتعل الرأس شيبًا، وامتلأت العيبة عيبًا، فحداني على تصميم هذه العزيمة ما رأيت من عناية مولانا الأمير السيد الأجل العالم ولي النعيم جلال الدين ركن الإسلام، فخر آل رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله أبي منصور محمد بن يحيى بن هبة الله الحسين أدام الله علاه، بهذا العلم وصدق رغبته في معرفة هذا الفن، وقصر همه على تحقيق حقائقه، والاحتواء على جلائله ودقائقه، والله عز وجل أسأله أن يحرس للإسلام والمسلمين رفيع حضرته، ويفيض على الفضل والفضلاء سجال سيادته، ويمد على العلم والعلماء أمداد سعادته، فأوجبت على نفسي إجابته إلى مطلوبه، وإسعافه بمحبوبه، واستخرت الله تعالى، ثم قصرت وهمي على اقتناء هذه الذخيرة الخطيرة، واكتساب هذه الفضيلة النبيلة، وشمّرت عن ساق الجد، وبذلت غاية الجهد والكد، وأسهرت الناظر، وأتعبت الخاطر، وأطلت التفكير، وأحضرت التفاسير، واستمددت من الله التوفيق والتيسير.

ثم بعد ذلك، الطبرسي يصف تفسيره فقال: ابتدأت في تأليف كتاب هو في غاية التلخيص والتهذيب وحسن النظم والترتيب، بجميع أنواع هذا العلم وفنونه، ويحوي فصوصه وعيونه، من علم قراءاته وإعرابه ولغاته وغوامضه ومشكلاته ومعانيه وجهاته ونزوله وأخباره، وقصصه وآثاره، وحدود أحكامه، وحلاله وحرامه.

والكلام على مطاعن المبطلين فيه، ولكن ذلك فوق الإيجاز دون الإكثار، فإن الخواطر في هذا الزمان لا تحمل أعباء العلوم الكثيرة، وتضعف عن الإجراء في الحلبات الخطيرة؛ إذ لم يبقَ من العلماء إلا الأسماء.

ثم بعد ذلك يوضح منهجه فيقول: وقدمت في مطلع كل سورة ذكر مكيها ومدنيها، ثم ذكر الاختلاف في عدد آياتها، ثم ذكرت تلاوتها، ثم أقدم في كل آية الاختلاف في القراءات، ثم أذكر العلل والاحتجاجات، ثم أذكر العربي واللغات، ثم أذكر الإعراب والمشكلات.

ثم أذكر الأسباب والنزولات، ثم أذكر المعاني والأحكام والتأويلات والقصص والجهاد، ثم أذكر انتظام الآيات على أني قد جمعت في عربيتي كل غرة لائحة، وفي إعرابه كل حجة واضحة، وفي معانيه كل قول متين، وفي مشكلاته كل برهان مبين، فهو بحمد الله للأديب عمدة، وللنحوي عدة، وللمقرئ بصيرة، وللناسك ذخيرة، وللمتكلم حجة، وللمحدث محجة، وللفقيه دلالة، وللواعظ آلة، وسميته (مجمع البيان لعلوم القرآن).

ثم بعد ذلك، في مقدمته ذكر مقدمات تتعلق ببعض علوم القرآن، فقال: قبل أن نشرع في تفسير السور والآيات، فنحن نصدِّر الكتاب بذكر مقدمات لا بد من معرفتها لمن أراد الخوض في علومه تجمعها فنون سبعة.

الفن الأول منها: في أعداد آي القرآن، والفائدة من معرفتها. الفن الثاني: في ذكر أسامي القراء المشهورين في الأمصار ورواتهم. الفن الثالث: في ذكر التفسير والتأويل والمعنى، والتوفيق بين ما ورد من الآيات والآثار من النهي عن التفسير بالرأي وإباحته، الفن الرابع: في ذكر أسامي القرآن ومعانيه، الفن الخامس: في أشياء من علوم القرآن يحال في شرحها وبسط الكلام فيها على المواضع المختصة بها والكتب المؤلفة فيها، كإعجاز القرآن، والكلام عن زيادة القرآن ونقصانه.

وهنا يقول: فأما الزيادة فيه فمجمع على بطلانه، وأما النقصان منه، فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية العامة أن في القرآن تغييرًا ونقصانًا، والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه، وهو الذي نصره المرتضى -قدس الله- روحه، ثم ذكر من جملة العلوم التي يحال في شرحها، وبسط الكلام فيها على الكتب المؤلفة فيها، الكلام في النسخ والناسخ والمنسوخ وغير ذلك من العلوم المتعلقة بالقرآن، وليست داخلة في التفسير.

الفن السادس: في ذكر بعض ما جاء من الأخبار المشهورة في فضل القرآن وأهله. الفن السابع: في ذكر ما يستحب للقارئ من تحسين اللفظ وتزيين الصوت بقراءة القرآن.

ثم شرع الطبرسي في التفسير، فتكلم عن الاستعاذة، فالبسملة، ففاتحة الكتاب، وهكذا إلى آخر القرآن، يقول الذهبي في (التفسير والمفسرون) الجزء الثاني ص104: والحق أن تفسير الطبرسي -بصرف النظر عما فيه من نزاعات تشيعية وآراء اعتزالية- كتاب عظيم في بابه يدل على تبحر صاحبه في فنون مختلفة من العلم والمعرفة، والكتاب يجري على الطريقة التي أوضحها لنا صاحبه في تناسق تام وترتيب جميل.

وهو يجيد في كل ناحية من النواحي التي يتكلم عنها، فإذا تكلم عن القراءات ووجوهها أجاد، وإذا تكلم عن المعاني اللغوية للمفردات أجاد، وإذا تكلم عن وجوه الإعراب أجاد، وإذا شرح المعنى الإجمالي أوضح المراد، وإذا تكلم عن أسباب النزول وشرح القصص استوفى الأقوال وأفاض، وإذا تكلم عن الأحكام تعرض لمذاهب الفقهاء وجهر بمذهبه ونصره إن كانت هناك مخالفة منه للفقهاء، وإذا ربط بين الآيات آخى بين الجمل وأوضح لنا عن حسن السبك وجمال النظم، وإذا عرض لمشكلات القرآن أذهب الإشكال وأراح البال، وهو ينقل أقوال من تقدمه من المفسرين معزوة لأصحابها، ويرجّح ويوجه ما يختار منها.

وإذا كان لنا بعض المآخذ عليه، فهو تشيعه لمذهبه وانتصاره له، وحمله لكتاب الله على ما يتفق وعقيدته، وتنزيله لآيات الأحكام على ما يتناسب من الاجتهادات التي خالف فيها هو ومن على شاكلته، وروايته لكثير من الأحاديث الموضوعة، غير أنه والحق يقال: ليس مغاليًا في تشيعه، ولا متطرفًا في عقيدته، كما هو شأن كثير غيره من علماء الإمامية الاثني عشرية.

ونحاول أن نرى أمثلةً ونماذج من تفسير الطبرسي، ونرى كيف يحاول بكل قواه الجدلية العنيفة أن يقيم مذهبه على أسس من القرآن الكريم، وأن يرد ما يصادمه من ظواهر النصوص، ويدفع بها في وجه خصمه.

إمامة علي:

لما كان الطبرسي يدين بإمامة علي رضي الله عنه، ويرى أنه خليفة النبي صلى الله عليه وسلم بلا فصل- فإنا نراه يحاول بكل جهوده أن يثبت إمامته وولايته من القرآن، فنراه عند تفسيره لقوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُون} [المائدة: 55] يبذل مجهودًا كبيرًا لاستخلاص وجوب إمامة علي رضي الله عنه من هذه الآية، فنجده أولًا يتكلم عن المعاني اللغوية لبعض مفردات الآية، فيفسر الولي بقوله: الولي هو الذي يلي النصرة والمعونة، والولي هو الذي يلي تدبير الأمر، يقال: فلانٌ ولي أمر المرأة إذا كان يملك تدبير نكاحها، وولي الدم من كان إليه المطالبة بالقود، والسلطان ولي أمر الرعية، ويقال لمن يرشحه للخلافة عليهم بعده: ولي عهد المسلمين، وإنما أراد ولي الأمر في البيت الذي ذكره للكميت يمدح عليًّا:

ونعم ولي الأمر بعد وليه = ومنتجع التقوى ونعم المؤدب

أراد ولي الأمر والقائم بتدبيره، قال المبرد في كتاب العبادة عن صفات الله: أصل الولي الذي هو أولى الأحق، ومثله المولى.

ثم بعد ذلك فسر الطبرسي الركوع، وفسر أيضًا الحسبة، ثم ذكر الإعراب، ثم ذكر سبب النزول، فقال بعد سياقه بسند طويل: بينا عبد الله بن عباس جالس على شفير زمزم يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ أقبل رجل متعمم بعمامة، فجعل ابن عباس لا يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قال الرجل: قال رسول الله، فقال ابن عباس: سألتك بالله من أنت؟ فكشف العمامة عن وجهه، وقال: يأيها الناس من عرفني، فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا جندب بن جنادة البدري أبو ذر الغفاري، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بهاتين، ورأيته بهاتين، يقصد سمعته بهاتين يعني الأذنين، ورأيته بهاتين يعني العينين.

يقول: “علي قائد البررة، وقاتل الكفرة، ومنصور من نصره، ومخذول من خذله” أما إني صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا من الأيام صلاة الظهر، فسأل سائل في المسجد، فلم يعطه أحد شيئًا فرفع يده السائل إلى السماء، فقال: اللهم إني سألت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يعطني أحد شيئًا، وكان علي راكعًا فآوى بخنصره اليمنى إلي، وكان يتختم فيه، فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره، وذلك بعين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته، رفع رأسه إلى السماء فقال: “اللهم إن أخي موسى سألك فقال: {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي} [طه: 25-32]، فأنزلت عليه قرآنًا ناطقًا: {سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا} [القصص: 35] اللهم وأنا محمد نبيك وصفيك، اللهم فاشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واجعل لي وزيرًا من أهلي عليًّا اشدد به ظهري”.

قال أبو ذر: فوالله ما استتم رسول الله صلى الله عليه وسلم الكلمة حتى نزل عليه جبريل من عند ربه فقال: “يا محمد، اقرأ، قال: وما أقرأ؟ قال: اقرأ: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ} [المائدة: 55]” وروى هذا الخبر أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره بهذا الإسناد بعينه، وروى أبو بكر الرازي في كتاب (أحكام القرآن) على ما حكاه المغربي عنه، والروماني والطبري أنها نزلت في علي حينما تصدق بخاتمه، وهو راكع، وهو قول مجاهد والسدي، والمروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله وجميع علماء أهل البيت.

وقال الكليبي: نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه لما أسلموا، فقطعت اليهود موالاته فنزلت الآية، وفي رواية عطاء قال عبد الله بن سلام: يا رسول الله، أنا رأيت عليًّا تصدق بخاتمه وهو راكع ونحن نتولاه. وقد رواه السيد أبو الحمد عن أبي القاسم الحسكاري بالإسناد المتصل المرفوع إلى أبي صالح أبي الصلاح عن ابن عباس، قال: أقبل عبد الله بن سلام ومعه نفر من قومه ممن قد آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله إن منازلنا بعيدة، وليس لنا مجلس ولا متحدث دون هذه المجالس، وإن قومنا لما رأوا آمنا بالله ورسوله وصدقناه رفضوا وآلوا على أنفسهم ألا يجالسونا ولا يناكحونا ولا يكلمونا، فشق ذلك علينا، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ} إلى آخر الآيات. ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى المسجد، والناس بين قائم وراكع، فرأى سائلًا فقال النبي صلى الله عليه وسلم له: “هل أعطاك أحد شيئًا؟ فقال: نعم، خاتم من فضة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من أعطاه لك؟ قال: ذلك القائم، وأشار بيده إلى علي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: على أي حال أعطاه لك؟ قال: أعطاني وهو راكع، فكبر النبي صلى الله عليه وسلم ثم قرأ: {وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُون} ” [المائدة: 56].

وفي حديث إبراهيم بن الحكم بن ظهير أن عبد الله بن سلام أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع رهط من قومه يشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لاقوا من قومهم، فبينما هم يشكون إذ نزلت هذه الآية، وأذن بلال، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد، وإذا بمسكينٍ يسأل، فقال صلى الله عليه وسلم: “ماذا أُعطيت؟ قال: خاتم من فضة. قال: من أعطاكه؟ قال: ذلك القائم، فإذا هو علي، قال: على أي حال أعطاكه؟ قال: أعطاني وهو راكع، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: {وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ}” ثم شرح المعنى فقال، ثم بين تعالى من له الولاية على الخلق والقيام بأمرهم، ويجب طاعته عليهم، فقال: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ} أي: الذي يتولى مصالحكم، ويحقق تدبيركم هو الله تعالى، ورسوله يفعله بأمره والذين آمنوا، ثم وصف الذين آمنوا فقال: الذين يقيمون الصلاة بشرائطها، ويؤتون أي: ويعطون الزكاة وهم راكعون؛ أي: في حال الركوع.

وهذه الآية من أوضح الدلالة على صحة إمامة علي بعد النبي صلى الله عليه وسلم بلا فصل، والوجه فيه أنه إذا ثبت أن لفظة “وليكم” في الآية تفيد من هو أولى بتدبير أموركم، ويجب طاعته عليكم وثبت أن المراد بالذين آمنوا علي ثبت النص عليه بالإمامة ووضح، والذي يدل على الأول هو الرجوع إلى اللغة.

فمن تأملها علم أن القوم نصوا على ذلك، وإن الذي يدل على أنها في الآية تفيد ذلك دون غيره أن لفظة “إنما” في قوله: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ} تفيد التخصيص، ونفي الحكم عمن عدا المذكور، كما يقولون: إنما الفصاحة للجاهلية ويعنون نفي الفصاحة عن غيرهم، وإذا تقرر هذا لم يجز حمل لفظة الولي على الموالاة في الدين والمحبة؛ لأنه لا تخصيص في هذا المعنى لمؤمن دون مؤمن آخر، والمؤمنون كلهم مشتركون في هذا المعنى، كما قال سبحانه: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} [التوبة: 71].

وإذا لم يجز حمله على ذلك لم يبقَ إلا الوجه الآخر، وهو التحقيق للأمور وما يقتضي فرض الطاعة على الجمهور؛ لأنه لا محتمل للفظ إلا الوجهان، فإذا بطل أحدهما ثبت الآخر.

والذي يدل على أن المعنِي بالذين آمنوا هو علي الرواية الواردة من طريق العامة والخاصة بنزول الآية فيه لما تصدق بخاتمه في حالة الركوع، وأيضًا فإن كل من قال: إن المراد بلفظة “ولي” ما يرجع إلى فرض الطاعة والإمامة ذهب إلى أنه هو المقصود بالآية والمتفرد، ولا أحد من الأمة يذهب إلى أن هذه اللفظة تقتضي ما ذكرنا، ويذهب إلى أن المعني بها سواه.

وليس لأحد أن يقول: إن لفظة “الذين آمنوا” لفظ جمع، فلا يجوز أن يتوجه إليه على الانفراد؛ وذلك أن أهل اللغة قد يعبّرون بلفظ الجمع عن الواحد على سبيل التفخيم والتعظيم، وذلك أشهر في كلامهم من أن يحتاج إلى الاستدلال عليه، وليس لهم أن يقولوا: إن المراد بقوله: {وَهُمْ رَاكِعُون} [المائدة: 55] أن هذه شيمتهم وعادتهم ولا يكون حالًا لإيتاء الزكاة؛ وذلك لأن قوله: {يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ} [المائدة: 55] قد دخل فيه الركوع، فلو لم يحمل قوله: {وَهُمْ رَاكِعُون} على أنه حال من: {وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} وحملناه على من صفتهم الركوع- كان ذلك كالتكرار غير المفيد، والتأويل المفيد أولى من البعيد الذي لا يفيد.

ووجه آخر في الدلالة على أن الولاية في الآية مختصة -يعني مختصة بعلي- أنه قال: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ} فخاطب جميع المؤمنين، ودخل في الخطاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيره، ثم قال: {وَرَسُولُهُ}، فأخرج النبي صلى الله عليه وسلم من جملتهم لكونهم مضافين إلى ولايته، ثم قال: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ} فوجب أن يكون الذي خوطب بالآية هو الذي جعلت له الولاية، وإلا أدى إلى أن يكون المضاف هو المضاف إليه بعينه، وإلى أن يكون كل واحد من المؤمنين ولي نفسه، وذلك محال.

يقول الذهبي: ولا شك أن هذه محاولة فاشلة، فإن حديث تصدق علي بخاتمه في الصلاة، وهو محور الكلام حديث موضوع لا أصل له، وقد تكفل العلامة ابن تيمية بالرد على هذه الدعوى، في كتابه (منهاج السنة) جزء 4 ص3 إلى 9.

عصمةُ الأئمة:

يقول الذهبي في كتابه (التفسير والمفسرون) الجزء الثاني ص110: ولما كان الطبرسي يدين بعصمة الأئمة، فإنا نراه عند تفسيره لقوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33] يحاول محاولة جدية أن يقصر أهل البيت على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى فاطمة والحسن والحسين؛ ليصل من وراء ذلك إلى أن الأئمة معصومون من جميع القبائح كالأنبياء سواء بسواء؛ فلهذا نقول بعدما سرد من الروايات ما يشهد له بالقصر الذي يريده، يقول: والروايات في هذا كثيرة من طريق العامة والخاصة لو تصدينا لإيرادها لطال الكلام، وفيما أوردناه كفاية، واستدلت الشيعة على اختصاص الآية بهؤلاء الخمسة بأن قالوا: إن لفظة “إنما” محققة لما أثبت بعدها، نافية لما لم يثبت، فإن قول القائل: إنما لك عندي درهم، وإنما في الدار زيد، يقتضي بأنه ليس عندي سوى الدرهم وليس في الدار سوى زيد.

وإذا تقرر هذا فلا تخلو الإرادة في الآية أن تكون هي الإرادة المحضة أو الإرادة التي يتبعها التطهير وإذهاب الرجس، ولا يجوز الوجه الأول؛ لأن الله تعالى قد أراد من كل مكلف هذه الإرادة المطلقة، فلا اختصاص لها بأهل البيت دون سائر الخلق؛ ولأن هذا القول يقتضي المدح والتعظيم لهم بغير شك وشبهة ولا مدح في الإرادة المجردة، فثبت الوجه الثاني، وفي ثبوته ثبوت عصمة الأئمة بالآية من جميع القبائح، وقد علمنا أن من عدا من ذكرنا من أهل البيت غير مقطوع على عصمته، فثبت أن الآية مختصة بهم لبطلان تعلقها بغيرهم، ومتى قيل: إن صدر الآية وما بعدها في الأزواج، فالقول فيه أن هذا لا ينكره من عرف عادة الفصحاء في كلامهم، ثم هم يذهبون من خطاب إلى غيره ويعودون إليه، والقرآن من ذلك مملوء، وكذلك كلام العرب وأشعارهم.

ثم يقول الذهبي: فأنت ترى أن الطبرسي يحاول من وراء هذا الجدل العنيف أن يثبت عصمة الأئمة، وهي عقيدة فاسدة يؤمن بها هو ومن على شاكلته من الإمامية الاثني عشرية، ولا شك أن هذا تحكم في كلام الله، دفعه إليه الهوى، وحمله عليه تأثير المذهب.

منهج الطبرسي في تفسيره الرجعة:

ولما كان الطبرسي يقول بالرجعة فإنا نراه عندما فسر قوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون} [البقرة: 56] يقول ما نصه: واستدل قول من أصحابنا بهذه الآية على جواز الرجعة، وقول من قال: إن الرجعة لا تجوز إلا في زمن النبي لتكون معجزة له، ودلالة على نبوته- باطل؛ لأن عندنا، بل عند أكثر الأئمة يجوز إظهار المعجزات على أيدي الأئمة والأولياء.

منهج الطبرسي في تفسير المهدي:

والطبرسي يدين بالمهدي ويعتقد أنه اختفى، وسيرجع في آخر الزمان، وقد تأثر بهذه العقيدة، فنجده عند تفسيره لقوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُون} [البقرة: 3] يذكر الأقوال الواردة في معنى المراد بالغيب، وينقل في جملة ما ينقل من الأقوال: أن ابن مسعود وجماعة من الصحابة فسروا الغيب بما غاب عن العباد علمه. ثم يقول: وهذا أولى لعمومه ويدخل فيه ما رواه أصحابنا من زمان غيبة المهدي ووقت خروجه.

من منهج الطبرسي في تفسير التقية:

لما كان الطبرسي يقول بمبدأ التقية، فإننا نجده يستطرد إلى الكلام فيها ويؤيد مذهبه عندما فسر قوله تعالى:{لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً} [آل عمران: 28] فيقول: من اتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين فليس من الله في شيء أي: ليس هو من أولياء الله، والله بريء منه، وقيل: ليس هو من ولاية الله تعالى في شيء، وقيل: ليس من دين الله في شيء، ثم استثنى فقال: إلا أن تتقوا منهم تقاة، والمعنى: إلا أن يكون الكفار غالبين والمؤمنون مغلوبين، فيخافهم المؤمن إن لم يظهر موافقتهم، ولم يحسن العشرة معهم، فعند ذلك يجوز له إظهار مودتهم بلسانه ومداراتهم تقية منه، ودفعًا عن نفسه من غير أن يعتقد ذلك.

وفي هذه الآية دلالة على أن التقية جائزة في الدين عند الخوف على النفس، وقال أصحابنا: إنها جائزة في الأحوال كلها عند الضرورة، وربما وجبت فيها لضرب من اللطف والاستصلاح، وليس تجوّز من الأفعال في قتل مؤمن، ولا فيما يعلم أو يغلب على الظن أنه استفساد في الدين.

error: النص محمي !!