Top
Image Alt

تعريف بطريقة النظر في حال الحديث

  /  تعريف بطريقة النظر في حال الحديث

تعريف بطريقة النظر في حال الحديث

أي: أنّ الباحث في الحديث ليخرّجه، يلاحظ في الحديث وصفًا خاصًّا، يلاحظ أن الحديث مسلسل، فيبحث في الأحاديث المسلسلة، يلاحظ أن الحديث صحيح، فيبحث في كتب الصحاح، يلاحظ أنّ الحديث مرسل، فيبحث في كتب المراسيل، يلاحظ مثلًا أن الحديث ضعيف، فيبحث في الكتب الضعيفة، يلاحظ أنّ الحديث موضوع، فيبحث في الكتب التي ألفت في الأحاديث الموضوعة، مثل (اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة) للسيوطي، وكتاب (الموضوعات) لابن الجوزي، وكتاب (تنزيه الشريعة) لابن عراق الكتاني، وهكذا عندما يلاحظ وصفًا معينًا في الحديث يذهب إلى الكتب المتخصصة التي تخرج الأحاديث تحت كل وصف خاص بها.

من هذه المراجع التي تكون عُدّة للباحث في هذه الطريقة كتاب (معرفة التذكرة) للقيصراني، وكتاب (الموضوعات) لابن الجوزي، وكتاب (المنار المنيف في الصحيح والضعيف) لابن القيم، وكتاب (اللآلئ المصنوعة) للسيوطي، وكتاب (تنزيه الشريعة) لابن عراق، وكتاب (الموضوعات الصغرى) لعلي القارئ الهروي. ومن الكتب التي تكون في ذلك مثل كتاب (المقاصد الحسنة في الأحاديث المشتهرة) للسخاوي، وكتاب (كشف الخفاء) للعجلوني، ويوجد كتاب (اللُّمَع في أسباب الحديث) للسيوطي، وكتاب (البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث) لأبي حمزة الحسيني، ثم هناك كتب أخرى منها كتاب (المناهل السلسلة) لابن عبد الباقي، وكتاب (المراسيل) لأبي داود السجستاني، وكتاب (المراسيل) لابن أبي حاتم الرازي، وكتاب (جامع التحصيل) للعلائي، و(تحفة التحصيل) للعراقي.

وهناك سنقوم ببعض الدراسة أو بدراسة موجزة لكتاب (العلل لابن) أبي حاتم، وكتاب (العلل) للإمام الدارقطني، وتوجد كتب أخرى في هذا المضمون، منها كتاب (المبهمات) للخطيب والعراقي، وكتاب (المتواتر وقطف الأزهار) للسيوطي، و(نظم المتناثر) للكتاني، والكتب في ذلك كثيرة غير ذلك.

الكلام عن هذه الطريقة بالتفصيل:

بعد أن يقوم الباحث عن حديثه فيما سبق من طرق -قد بينتها- لكلٍّ من هذه الطرق -كما سبق- مفاتيح، يرجع بعد ذلك للكتب، فإذا لم يعثر على حديثه، فعليه أن يلجأ إلى الكتب المؤلّفة في الأحاديث ذات الصفات الخاصة، أي: في الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة خاصّة، وهي كتب قام مؤلّفوها بجمع الأحاديث التي تكلِّم فيها، سواء كان الكلام في الإسناد -أي: فيه طعن في الراوي- أو كان الكلام في متن الحديث من حيث مخالفة الحديث للفصاحة النبوية، بأن يكون ركيك اللفظ، مع مراعاة أن الركاكة في اللفظ قد تكون من بعض الرواة خاصة، أو يكون الحديث مخالفًا لصريح آيات القرآن الكريم المحكمة غير المنسوخة.

من هذه الكتب المؤلّفة في هذا النوع من الأحاديث -أي: من الأحاديث الضعيفة والموضوعة-: كتاب (الموضوعات) لابن الجوزي، وكتاب (اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة) للسيوطي، وكتاب (تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الشنيعة الموضوعة) لابن عراق الكتاني، وكتاب (المصنوع في معرفة الحديث الموضوع) المعروف بكتاب (الموضوعات الصغرى) للشيخ علي القاري الهروي، وكتاب (التذكرة في الموضوعات)، وكتاب (العلل) للدارقطني، وكتاب (علل الحديث) لابن أبي حاتم الرازي، وكتاب (سلسلة الأحاديث الضعيفة) للشيخ محمد ناصر الدين الألباني.

وهذه الكتب مؤلّفة بطريقتين:

الطريقة الأولى: بعض هذه الكتب رتِّبت فيها الأحاديث على حروف المعجم، بالنسبة للكلمة الأولى من الحديث، مع مراعاة الحرف الأول والثاني من الكلمة.

الطريقة الثانية: بعض هذه الكتب رتبت على طريقة التبويب الفقهي، وسنعرّف ببعض تلك الكتب -إن شاء الله.

البحث في هذه الكتب مبنيّ على طريقة ملاحظة وصف خاص للحديث، فلاحظ الباحث أن الحديث ضعيف أو موضوع، فرجع إلى الكتب التي ذكرتها الآن.

ومن الكتب التي يمكن البحث فيها حتى يصل الباحث إلى الحديث الذي يريده، الأحاديث الموجودة في الكتب الخاصة بتراجم الرجال المجروحين، ففي أثناء الترجمة للراوي الضعيف، يأتي المؤلّف ببعض مرويات الراوي المترجم له، وخاصة الأحاديث التي كانت سببًا في شهرته بالضعف، أو بالوضع، من هذه

الكتب -أي: كتب الرجال- التي فيها أحاديث، ويرجع للتخريج منها: كتاب (ميزان الاعتدال) للذهبي، وكتاب (لسان الميزان) لابن حجر العسقلاني، وكتاب (الضعفاء والمتروكين) للنسائي، وكتاب (الضعفاء والمتروكين) للدارقطني، وكتاب (المجروحين) لابن حبان، وكتاب (الكامل في التاريخ) لابن عديّ، وكتاب (الكشف الحثيث عن بعض رجال الحديث)، وكتاب (التاريخ الكبير) للبخاري، وكتاب (التاريخ الأوسط) للبخاري، وكتاب (التاريخ الصغير) للبخاري.

ومن الأمور التي تعين الباحث على تخريج الحديث الشريف، والوقوف على موطنه في دواوين السنة، أن يمعن الباحث النظر في الحديث -كما قلت- لكي يقف على ميزة تميز الحديث الذي يبحث عنه عن غيره، فإذا ظهر له مثلًا أن الحديث من الأحاديث القدسية، فعليه أن يرجع إلى الكتب التي ألّفت في هذا النوع من الأحاديث الشريفة، وهذه الكتب ذكر مؤلفوها الحديث الشريف القدسي، وبينوا تخريجه، وموطنه في كتب السنة، من هذه الكتب: (مشكاة الأنوار فيما روي عن الله سبحانه وتعالى من الأخبار)، الكتاب الثاني: (الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية)، وسنعرّف بهذين الكتابين -إن شاء الله-.

وإذا لاحظ الباحث أنّ الحديث الذي يبحث عنه مرسلًا، فليرجع في البحث عنه في الكتب التي ألّفت في المراسيل، والحديث المرسل هو الذي سقط من إسناده الصحابي، أو هو قول التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم.

من الكتب التي ألّفت في هذا النوع من الأحاديث -أي: في الأحاديث المرسلة-:

1. كتاب (المراسيل) لأبي داود السجستاني.

2. كتاب (المراسيل) لابن أبي حاتم الرازي.

وهما كتابان مفيدان، وسنعرّف بهما -إن شاء الله تعالى، مع ذكر نماذج من الكتابين؛ ليقف الباحث على طريقة الكتابين، وكيفية البحث فيهما.

3. (التفصيل لمبهم المراسيل) للخطيب البغدادي.

4. (جامع التحصيل لأحكام المراسيل) للإمام العلائي.

وإذا لاحظ الباحث أنّ حديثه يرويه أبٌ عن ابنه، فليرجع في البحث عن حديثه، إلى الكتب التي ألفت في هذا النوع من الأحاديث، مثل كتاب (رواية الآباء عن الأبناء) لأبي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي، المتوفّى سنة 463 هجرية.

وإذا لاحظ الباحث أن حديثه به علة من علل الحديث، فليراجع في البحث عن حديثه الكتب التي ألفت في هذا النوع من الحديث، وهي كتب كثيرة ومشهورة وموجودة، جمعها مؤلفوها؛ خدمةً للسنة الشريفة، وبينوا فيها علة كل حديث أوردوه، فمن هذه الكتب:

1. (علل الحديث) لابن أبي حاتم الرازي.

2. وكتاب (العلل) للدارقطني.

3. (الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة) للخطيب البغدادي.

4. (المستفاد من مبهمات المتن والإسناد) لأبي زرعة أحمد بن عبد الرحيم العراقي.

5. (العلل) لابن المديني.

6. (العلل ومعرفة الرجال) لأحمد بن حنبل.

7. (العلل الكبير والعلل الصغير) للترمذي.

وقد يلاحظ الباحث أنّ حديثه الذي يريد تخريجه؛ ليقف على موطنه في كتب السنة، يلاحظ أن الحديث مسلسل، فعليه أن يراجع في البحث عن حديثه الكتب التي أُلفت في الأحاديث المسلسلة، ومن هذه الكتب التي ألفت في هذا النوع من الحديث:

1. كتاب (المسلسلات الكبرى) للسيوطي، وقد جمع فيه الحافظ السيوطي خمسًا وثمانين حديثًا.

2. كتاب (المناهل السلسلة في الأحاديث المسلسلة) لمؤلفه محمد بن عبد الباقي الأيوبي، وقد جمع فيه اثني عشر حديثًا ومائتي حديث، كلها مسلسلة.

وإليك بيانًا شافيًا تعرف منه الحديث المسلسل:

الحديث المسلسل: هو عبارة عن تتابع رجال الإسناد وتواردهم فيه واحدًا بعد واحد، على صفة أو حالة واحدة، وينقسم ذلك إلى ما يكون صفة للرواية والتحمل، وإلى ما يكون صفة للرواة أو حالة لهم، وأحوال الرواة أقوالًا وأفعالًا في ذلك، تنقسم إلى أقسام كثيرة، أي: تتنوع إلى أنواع كثيرة، كما جاء في (مقدمة ابن الصلاح) في ص138، حصر الإمام الحاكم هذه الأنواع إلى ثمانية أنواع، وفي الحق أنها لا حصر لها، جاء ذلك عن الحاكم في كتاب (معرفة علوم الحديث) ص19، ص20.

فمن هذه الأنواع:

1. الحديث المسلسل بالسماع:

مثاله: قال الحاكم: سمعت أبا علي الحسين بن علي الحافظ يقول: سمعت علي بن سالم الأصبهاني يقول: سمعت أبا سعيد يحيى بن حكيم يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: سمعت سفيان الثوري يقول: سمعت أبا عون الثقفي يقول: سمعت عبد الله بن شداد يقول: سمعت أبا هريرة رضي الله  عنه يقول: ((الوضوءُ مما مست النار)). قال: فذكر ذلك إلى مروان، أو ذكر له، فأرسلني إلى أمّ سلمة، فحدثتني أن رسول الله صلى الله عليه  وسلم كان يخرج إلى الصلاة، فانتشل عظمًا أو أكل كتفًا، ثم صلى ولم يتوضأ.

2. ومنه المسلسل بالتحديث والسماع معًا:

ومثاله: قال الحاكم: حدثنا أبو جعفر محمد بن علي الصائغ بسنده حتى قال: أنه سمع جابرًا يقول: سمعت النبي صلى الله عليه  وسلم يقول: ((إذا نِمت فأطفئ السراج، وأغلق الباب، وأوقئ السقاء، وخمّر الإناء، فإن الشيطانَ لا يفتح غلقًا، ولا يحل وكاء، ولا يكشف إناء، وإن الفويسقة -أي الفأرة- تضرم على الناس بيوتهم -أي: توقد البيت نارًا- فإن لم تجد ما تخمّره -أي: ما تغطي بإناء- فأعرض عليه عودًا واذكر اسم الله عليه)).

قال الحاكم: “هذا النوع مما تكثر شواهده في الحديث، أن يكون علامة السماع بين كل راويين ظاهرًا، أو أن يكون بلفظ السماع، أو حدثنا، أو أخبرنا، إلى أن يصل مسلسلًا إلى النبي صلى الله عليه  وسلم.

3. المسلسل بعبارات متماثلة في كل رواية من حلقات رواية الحديث:

ومثاله ما رواه الحاكم قال: حدثنا أبو بكر محمد بن داود سليمان الزاهد، حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن المؤمّلي الضرير، حدثني إبراهيم بن راشد الآدمي، حدثني محمد بن يحيى الواسطي، خادم أبي منصور الشنابري، قال لي أبو منصور: ((قم، فصب عليّ أريك وضوء إبراهيم، فإن إبراهيم قال لي: قُم، فصبّ علي أريك وضوء علقمة، فإن علقمة قال لي: قُم فصبّ علي حتى أريك وضوء ابن مسعود، فإن ابن مسعود قال لي: قُم فصبّ عليَّ حتى أريك وضوء النبي صلى الله عليه  وسلم فإن النبي صلى الله عليه  وسلم قال لي: قُم، فصبّ علي حتى أريك وضوء جبريل عليه السلام فقلت لأبي جعفر: كيف توضأ؟ قال: ثلاثًا)).

هنا عبارة تسلسلت في كل الروايات مع كل راوٍ يقول: قُم فصب علي حتى أريك، ولذلك سمي هذا بالحديث المسلسل.

مثاله: قال الحاكم: أخبرنا جعفر بن محمد بن نصير الخلدي، ثنا القاسم -أي: حدثنا القاسم- بن محمد الدلال ومحمد بن عبد الله الحضرمي، قالَا: حدثنا أبو جلال الأشعري، حدثنا حصين بن زيال الجعفي، قال: ((قال رجل للحسن بن صالح: أمسح على الخفين؟، قال: نعم، قال: فإن قال لي ربي من أمرك بهذا؟ قال: قل أمرني الحسن بن صالح، قال: فإن قيل لك أنت، قال: فأقول أمرني المنصور بن المعتمر، قال: فإن قيل للمنصور، قال: يقول: أمرني إبراهيم، قال: فإن قيل لإبراهيم، قال: يقول: أمرني همام بن الحارث، قال: فإن قيل لهمام، قال: يقول: أمرني جرير، قال: فإن قيل لجرير، قال: يقول أمرني رسول الله صلى الله عليه  وسلم)).

هنا تكرر مع كل راوٍ كلمة: فإن قيل، فإن قيل، فإن قيل، وهذا يعرف بالحديث المسلسل.

ومثاله: قال الحاكم: إني شهدت على أبي بكر محمد بن داود الصوفي في أنه قال: شهدت على علي بن الحسن بن سالم أنه قال: شهدت على يحيى بن حكيم أنه قال: شهدت على أبي قُتيبة أنه قال: شهدت على زهير بن أبي خيثمة أنه قال: شهدت على عبد الملك بن أبي بشير أنه قال: شهدت على عكرمة أنه قال: شهدت على ابن عباس أنه قال: “شهدت على أبي بكر الصديق رضي الله  عنه أنه قال: كُلِ السمكة الطافية”.

4. المسلسل بفعل معين يفعله كل راوٍ من رواة الحديث:

مثاله: قال الحاكم: حدثني الزبير بن عبد الواحد، حدثني أبو الحسن يوسف بن عبد الأحد الشافعي بمصر قال: حدثني سليمان بن شعيب الكسائي، حدثني سعيد الآدم، حدثني شهاب بن خراش، سمعت يزيد الرقاشي يحدّث عن أنس بن مالك رضي الله  عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: ((لا يجد العبد حلاوة الإيمان حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره، قال: وقُبِضَ رسول الله صلى الله عليه  وسلم على لحيته، فقال: آمنت بالقدر خيره وشره حلوه ومره، قال: وقبض أنس على لحيته، فقال: آمنتُ بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره، قال: وأخذ يزيد بلحيته فقال: آمنت بالقدر خيره وشره وحلوه ومره، قال: وأخذ شهاب بلحيته فقال: آمنت بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره، قال: وأخذ سعيد بلحيته فقال: آمنت بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره، قال: وأخذ سليمان بلحيته فقال: آمنت بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره، قال: وأخذ يوسف بلحيته فقال: آمنت بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره، قال: وأخذ شيخنا الزبير بلحيته فقال: آمنت بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره، قال: قال لنا الشيخ أبو بكر الشيرازي: قال لنا الحاكم أبو عبد الله: وأنا أقول عن نية صادقة، وعقيدة صحيحة، آمنت بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره، وأخذ بلحيته، وأخذ الشيخ أبو بكر بلحيته فقال: آمنت بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره)).

هنا نجد الحديث اتصف بصفة خاصة تكرّرت مع كل راوٍ، وهي: أنّ كل راوٍ يقبض على لحيته ويقول: “آمنت بالقدر خيره وشره وحلوه ومره”، فهذا من الأحاديث المسلسلة بالقول والفعل.

ومثاله: ما عدّهنّ أبو بكر بن أبي دارم الحافظ بالكوفة، وقال لي: عدّهن في يدي علي بن أحمد بن الحسين العجلي، وقال لي: عدّهن في يدي حرب بن الحسن الطحان، وقال لي: عدّهن في يدي يحيى بن المساور الخياط، وقال لي: عدّهن في يدي عمرو بن خالد، وقال لي: عدهن في يدي زيد بن علي بن الحسين، وقال: عدّهن في يدي أبي الحسين بن علي، وقال لي: عدّهن في يدي علي بن أبي طالب، وقال لي: عدّهن في يدي الرسول صلى الله عليه  وسلم وقال الرسول صلى الله عليه  وسلم:

((عدّهن في يدي جبريل عليه السلام, وقال جبريل عليه السلام: هكذا نزلت بهنّ من عند رب العالمين، هكذا نزلت بهن من عند رب العزة، اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهمّ بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم ترحّم على محمد وعلى آل محمد، كما ترحّمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، اللهم تحنّن على محمد وعلى آل محمد، كما تحنّنت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم وسلّم على محمد وعلى آل محمد، كما سلمتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد)) وقبض حرب خمس أصابعه، وقبض علي بن أحمد العجلي خمس أصابعه، وقبض شيخنا أبو بكر خمس أصابعه، وعدّهن في أيدينا، وقبض الحاكم أبو عبد الله خمس أصابعه، وعدّهن في أيدينا، وقبض أحمد بن خلف خمس أصابعه، وعدّهن في أيدينا.

فهذا مسلسل بالوصف بالقول وبالفعل، الفعل في العد، والقول: في قوله: ((اللهم صلّ على محمد… اللهم سلّم على محمد… اللهمّ ترحّم على محمد… إلى آخره)) فهذا مسلسل بالقول والفعل معًا.

مثاله: قال الحاكم: ((شبك بيدي أحمد بن الحسين المقرئ، وقال: شبك بيدي أبو عمرو عبد العزيز بن عمر بن الحسن بن بكر بن الشرود الصنعاني وقال: شبك بيدي أبي وقال: شبك بيدي إبراهيم بن أبي يحيى، وقال إبراهيم: شبك بيدي صفوان بن سليم، وقال صفوان: شبك بيدي أيوب بن خالد الأنصاري، وقال أيوب: شبك بيدي عبد الله بن رافع، وقال عبد الله: شبك بيدي أبو هريرة رضي الله  عنه وقال أبو هريرة: شبك بيدي أبو القاسم صلى الله عليه  وسلم وقال: خلق الله الأرضَ يوم السبت، والجبالَ يوم الأحد، والشجرَ يوم الاثنين، والمكروهَ يوم الثلاثاء، والنورَ يوم الأربعاء، والدوابَّ يوم الخميس، وآدمَ يوم الجمعة)).

وهذه الصور -كما رأيت- تتنوع إلى نوعين: تسلسل في الرواة، وتسلسل في الرواية، والتسلسل في الحديث ظاهرة تدل على اعتناء الرواة بالحديث، ومدى حرصهم على نقل الحديث كما سمعوه، حتى بالكيفية التي تلقّوا بها هذا الحديث، قال ابن كثير: “فائدة التسلسل بعده من التدليس والانقطاع”، ويقول ابن الصلاح: “ومن فضيلة التسلسل اشتماله على مزيد الضبط من الرواة”.

وقال الحاكم بعد ذكره لصور الحديث المسلسل:

“فهذه أنواع المسلسل من الأسانيد المتصلة التي لا يشوبها تدليس، وآثار السماع بين الراويين ظاهرة، ومع ذلك، فإن الحديث المسلسل يخضع لقواعد الجرح والتعديل، فيكون منه الصحيح وغير الصحيح، يقول الدكتور صبحي الصالح في كتابه (علوم الحديث) في صفحة 253: “إن الحكم على حديث ما بالصحة أو بالضعف، لا يكون اعتباطًا، فسلامةُ الحكم من الخطأ متوقفة إلى حد بعيد على تتبع السند والمتن في جميع جوانبها؛ تمهيدًا لتوجيه الوصف اللائق بهما في أناة وروية، وهذا الكلام مأخوذ من كلام السابقين من علماء الحديث، فلقد قال الحاكم بعدما بَيّن فائدة التسلسل، وأنه سالم من التدليس، وأن آثار السماع ظاهرة بين الراويين، قال عن الأسانيد المسلسلة التي ذكرها: “غير أن رسم الجرح والتعديل عليها محكم، وإني لا أحكم لبعض هذه الأسانيد بالصحة، وإنما ذكرتها ليستدل بشواهدها عليها -إن شاء الله-“.

وقال ابن الصلاح: “وقلّما تسلم المسلسلات من ضعف -أعني: وصف التسلسل لا في أصل المتن- ومن المسلسل ما ينقطع تسلسله في وسط إسناده، وذلك نقص فيه”، وذكر الدكتور صبحي الصالح مثالًا لأصح حديث مسلسل، ومثالًا لحديث مسلسل وهو باطل متنًا وتسلسلًا، فقال: “أصح حديث مسلسل يروَى في الدنيا هو المسلسل بقراءة سورة الصف، وهو ما رواه عبد الله بن سلام قال: “قعدنا نقرأ مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه  وسلم، فتذكرنا فقلنا: لو نعلم أيّ الأعمال أقربُ إلى الله لعملناه، فأنزل الله عز وجل: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُون } [الصف: 1، 2] قال عبد الله بن سلام: فقرأها علينا رسول الله صلى الله عليه  وسلم هكذا”، قال أبو سلمة: وقرأها علينا عبد الله بن سلام رضي الله  عنه هكذا، قال يحيى: وقرأها علينا أبو سلمة، قال الأوزاعي: فقرأها علينا يحيى، قال محمد بن كثير: فقرأها علينا الأوزاعي، فقال الدارمي: فقرأها علينا محمد بن كثير.

ثم قال الدكتور صبحي الصالح: “ومن الأحاديث المسلسلة التي حكم النقاد ببطلانها متنًا وتسلسلًا، الحديث المسلسل بالقسم، وهو أن النبي صلى الله عليه  وسلم قال: “بالله العظيم لقد حدثني جبريل عليه السلام وقال: بالله العظيم لقد حدثني ميكائيل عليه السلام إلى أن ينتهي إلى رب العزة تبارك وتعالى” الحديث.

قال السخاوي: “هذا الحديث باطل متنًا وتسلسلًا، ومن هنا أقول لكم أيها الطلاب: إن علماء الحديث لم يخدعهم ظاهر في النقد، وإنما وضعوا كل الأسانيد تحت قواعد الجرح والتعديل؛ حرصًا منهم على الدفاع والذبّ عن سنة رسول الله صلى الله عليه  وسلم فجزاهم الله عن الإسلام وعن السنة خير الجزاء.

error: النص محمي !!