Top
Image Alt

تعريف ذوي الأرحام، وبيان مذاهب الفقهاء في توريثهم

  /  تعريف ذوي الأرحام، وبيان مذاهب الفقهاء في توريثهم

تعريف ذوي الأرحام، وبيان مذاهب الفقهاء في توريثهم

وحديثنا عن توريث ذوي الأرحام سنتناوله من سبعة مباحث:

المبحث الأول: في تعريف ذوي الأرحام وبيان مذاهب الفقهاء في توريثهم.

المبحث الثاني: في أصناف ذوي الأرحام وكيفية توريثهم.

المبحث الثالث: في طريقة أهل التنزيل.

المبحث الرابع: في طريقة أهل القرابة.

المبحث الخامس: في ميراث ذوي القرابتين من ذوي الأرحام.

المبحث السادس: في الفرع من ذوي الأرحام لا يحجب الزوجين نقصانًا.

المبحث السابع: في العول ومسائل ذوي الأرحام.

المبحث الأول: في تعريف ذوي الأرحام وبيان مذاهب الفقهاء في توريثهم:

تعريف الرحم في اللغة: الأرحام جمع رحم، بفتح الراء وكسر الحاء من الرحمة، والرِّحم بكسر الراء المشددة وسكون الحاء: بيت منبت الولد ووعاؤه في البطن، والرحم أيضًا القرابة أو أصلها وأسبابها، فهذا هو تعريف الأرحام أو الرحم في اللغة.

أما تعريف ذوي الأرحام في الشرع عامة: فهو اسمٌ لكافة الأقارب من غير فرق بين المَحرم بفتح الميم وسكون الحاء وفتح الراء وغيره، ومن غير فرق بين القرابة التي من جهة الأب أو التي من جهة الأم؛ لأن الرحم يجمعهم جميعًا، فهم بهذا في لسان الشرع يشملون أصحاب الفروض والعصبات والذين هم ليسوا كذلك، ولقد جاء في تبيين الحقائق: وفي الحقيقة الوارث لا يخرج من أن يكون ذا رحم وتحته ثلاثة أنواع: قريب ذو سهم وقريب هو عصبة وقريب ليس هو ليس بذي سهم ولا عصبة.

أما عن تعريف ذوي الأرحام في اصطلاح الفرضيين خاصة: فذوو الأرحام في اصطلاح الفرضيين هم كل قريب ليس بذي سهم فرض ولا عصبة؛ أي أن الأقارب ذوي الأرحام هم ما عدا الـ25 المجمع على توريثهم والذين ذكرناهم من قبل وهم 15 من الرجال و10 من النساء، ويرث ذوو الأرحام إذا لم يوجد عصبة ولا أصحاب فرض من أهل الرد فيرث ذوو الأرحام مع الزوج أو الزوجة.

وبادئ ذي بدء نقول: القائلون بتوريث ذوي الأرحام هم القائلون بالرد، وهم الحنفية والحنابلة والمتأخرون من المالكية والمتأخرون من الشافعية، لكن هذا إجمال نفصله فيما يأتي:

مذاهب الفقهاء في توريث ذوي الأرحام: اختلف فقهاء الصحابة رضي الله عنهم في توريث ذوي الأرحام وتبعهم في الاختلاف الأئمة الأربعة، والمسألة فيها مذهبان:

المذهب الأول: أن ذوي الأرحام يرثون إذا انعدمت العصبات وذوو الفروض غير الزوجين وهم أحق من بيت المال وهذا قول عامة الصحابة فهو مروي عن عمر وعلي وابن مسعود وأبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وأبي الدرداء وابن عباس في رواية عنه، وحكي عن أبي هريرة وعائشة رضي الله عنهم أجمعين وبه قال شريح وعمر بن عبد العزيز وعطاء وطاوس ومسروق وأهل الكوفة، وهذا هو مذهب الحنفية والحنابلة وقول عند الشافعية على غير الصحيح في المذهب قول الشافعي في الجديد إذا لم ينتظم بيت المال، وعليه الفتوى عند متأخرين كما أنه هو المفتى به عند متأخري المالكية أيضًا عند عدم انتظام بيت المال كذلك، ولقد جاء في بعض كتبهم: اتفق شيوخ المذهب بعد المائتين على توريث ذوي الأرحام والرد على ذوي السهام لعدم انتظام بيت المال.

المذهب الثاني: أن ذوي الأرحام لا يرثون بحال حتى لو انعدم أصحاب الفروض والعصبات، وتكون التركة كلها أو الباقي منها لبيت مال المسلمين، قال بهذا من الصحابة رضي الله عنهم زيد بن ثابت وابن عباس في رواية أخرى عنه، كما قال به سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والأوزاعي وأبو ثور، وهو مذهب المالكية والشافعية على الصحيح عندهم.

أدلة المذهب الأول القائل بتوريث ذوي الأرحام:

 استدل القائلون بتوريث ذوي الأرحام بالكتاب والسنة والمعقول.

أولا: الكتاب:

 قول الله تعالى: {وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ} [الأنفال: 75].

ووجه الدلالة من الآية الكريمة: أن الآية دليل على أن الأقارب أولى ببعضهم من غيرهم لأن أولي الأرحام لفظ عام يشمل كل قريب كما قلنا، فيشمل الأصحاب الفروض والعصبات وغيرهم ممن هم ليس بأصحاب فروض ولا عصبات، وبهذه الآية الكريمة نُسخ التوارث بالتبني والموالاة والمحالفة والهجرة والمؤاخاة، فقد كان يُتوارث بهذا في الجاهلية وصدر الإسلام، فنسخ هذا كله وحسر التوارث في الأقارب من النسب فقط عدا الزوجين والمعتق، غاية الأمر أن الشارع الحكيم جعل ترتيبًا بين الأقارب في استحقاق الإرث: فأصحاب الفروض أولا ثم العصبات ثم عند انعدام هؤلاء جميعًا يكون الميراث لذوي الأرحام فهم أحق من بيت المال.

ثانيا: من السنة:

1- عن أبي أمامة بن سهل رضي الله عنه قال: كتب عمر إلى أبي عبيدة رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الله ورسوله مولى من لا مولى له، والخال وارث من لا وارث له)) والحديث رواه أحمد في (المسند) وابن ماجه في سننه والترمذي في سننه وحسنه.

ووجه الدلالة من الحديث: أن الحديث قد دل على توريث ذوي الأرحام لقوله صلى الله عليه وسلم ((والخال وارث من لا وارث له)) أي: لا وارث للميت من أصحاب الفروض والعصبات. وفي بعض روايات الحديث: ((الخال وارث من لا وارث له يعقل عنه ويرثه)) والخال من ذوي الأرحام بالاتفاق، فيلحق به غيره ممن هو من ذوي الأرحام، حيث لم يرد نص على تخصيص الخال بالإرث دون غيره من بقية ذوي الأرحام، ثم إن الحديث باختلاف رواياته ورد بلفظ “وارث” أو بلفظ “يرثه”، فقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم وارثًا، والأصل في اللفظ الحقيقة فلا يحمل إلا على الميراث الشرعي، وقد فهم الصحابة رضي الله عنهم ذلك، فكتب به عمر إلى أبي عبيدة رضي الله عنهما حين سأله عن ميراث الخال والصحابة أحق الناس بالفهم والصواب.

2- والدليل الثاني من السنة: عندما مات ثابت بن الدحداح وكان غريبًا لا يعرف من أين هو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعاصم بن عدي: ((هل تعرفون له فيكم نسبًا؟)) قال: لا يا رسول الله، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا لبابة بن المنذر بن أخته؛ أي ابن أخت ثابت بن الدحداح، فأعطاه ميراثه. والحديث رواه أبو عبيدة في (الأموال) إلا أنه قال: ولم يخلف إلا ابنة أخ له، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم بميراثه لابنة أخيه.

ووجه الدلالة من الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الميراث لابن الأخت؛ حيث لا وارث للميت من أصحاب الفروض ولا من العصبات، وابن الأخت من ذوي الأرحام بالاتفاق.

 يقول الطحاوي: هذه آثار متصلة قد تواترت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وعلى هذا كان الصحابة رضي الله عنهم، حتى روي عن عمر رضي الله عنه في عم لأم وخالة، أنه أعطى العم الثلثين وأعطى الخالة الثلث. وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فيمن ترك عمة وخالة: “للعمة الثلثان وللخالة الثلث” فنزّل كلا منهما من هو من ذوي الأرحام منزلة من أدلى بهم إلى المبيت كما سنعرف إن شاء الله تعالى.

ثالثًا: دليل المعقول:

قال المورّثون لذوي الأرحام: إن أهل الرحم ذو قرابة فيرثون كذوي الفروض؛ وذلك لأنهم ساووا الناس -أي أهل بيت المال في الإسلام- وزادوا عليهم بالقرابة، فكانوا أولى بماله منهم، وبهذا كان أحق في الحياة بصدقته وصلته وبعد الموت بوصيته، فأشبهوا ذوي الفروض والعصبات المحجوبين إلا لم يكن من يحجبهم ولأن أصل القرابة سبب لاستحقاق الإرث على ما بيناه، إلا أن هذه القرابة أبعد من سائر القرابات فتأخرت، عنها.

 والمال متى كان له مستحق لا يجوز صرفه إلى بيت المال، وبيت المال ذو قرابة واحدة هي الإسلام، لو كان الميت المسلم وذوو الأرحام لهما قرابتا الإسلام والرحم، ولا شك أن من له قرابتان يقدم على من له قرابة واحدة كالأخ الشقيق ذي القرابتين يقدم لأخ لأب ذي القرابة الواحدة ويحجبه عن الميراث، فهذه هي أدلة القائلين بتوريث ذوي الأرحام من الكتاب والسنة والمعقول.

أدلة أصحاب المذهب الثاني القائلين بعدم توريث ذوي الأرحام:

استدل القائلون بعدم توريث ذوي الأرحام بالسنة والمعقول:

أولًا السنة: استدلوا بالأدلة الآتية:

الدليل الأول: قوله صلى الله عليه وسلم: ((ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر)).

ووجه الدلالة من الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن أول شيء في التوريث هو إلحاق الفرائض بأهلها، وذوو الأرحام ليسوا من أصحاب الفرائض كذلك فإن الباقي بعد أصحاب الفروض يكون للعصبات، وهم كذلك ليسوا من العصبات؛ إذن فلا ميراث لهم.

الدليل الثاني: فروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دُعي لجنازة -أي دعي للصلاة على جنازة فقيل: ترك عمة وخالة فقال: ((اللهم عمة وخالة ثم قال: ما أجد لكما في كتاب الله شيئًا)) وفي بعض طرقه أنه قال ((إن جبريل يخبرني: أنه لا شيء لهما)) والحديث رواه البيهقي في سننه والدارقطني في سننه.

وجه الدلالة من الحديث: أن الحديث قد دلّ على أن ذوي الأرحام لا ميراث لهم؛ لعدم وجود شيء لهم في كتاب الله.

الدليل الثالث: قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث)) والحديث أخرجه أبو داود في سننه وابن ماجه في سننه والترمذي وقال: حديث حسن.

ووجه الدلالة من هذا الحديث: أن الحديث قد بين أن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فدل على أن كل من لا يعطه شيئًا فلا حق له.

ثانيا: دليل المعقول: وهو أن الفرائض لما كانت لا مجال للقياس فيها كان الأصل ألا يثبت فيها شيء إلا بكتاب أو سنة ثابتة أو إجماع، وجميع ذلك معدوم في توريث ذوي الأرحام، كما قالوا أيضًا: أن كل أنثى لا ترث مع أخيها فلا ترث إذا انفردت مثل العمة فإنها لا ترث مع العم وبنت الأخ لا ترث مع ابن الأخ وهما من ذوي الأرحام.

الرأي الراجح في المسألة

 وبعد استعراض أدلة الفريقين وبيان وجهة نظر كلٍّ فإن الذي يترجح عند النظر وإعمال الفكر هو المذهب الأول “مذهب الحنفية والحنابلة” القائل بتوريث ذوي الأرحام؛ لأنه هو الأقرب إلى تحقيق العدالة عملًا بقوله سبحانه: {وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ} [الأنفال: 75] فإن أقارب الإنسان أحق به وأولى بماله من بيت المال؛ لأن صلتهم به أقوى وأوثق من صلة عامة المسلمين فهم يتصلون به من جهتين جهة الإسلام وجهة القرابة، بخلاف عامة المسلمين الذين يتصلون به من جهة واحدة هي الإسلام فقط، ولا شك أن الاتصال بجهتين أقوى وأوثق من الاتصال بجهة واحدة، فإن الأخ الشقيق يحجب الأخ لأب ويمنعه من الميراث.

الرد على أدلة المذهب الثاني “مذهب المالكية والشافعية” القائل بعدم التوريث:

أولًا: قوله صلى الله عليه وسلم: ((ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر)) ليس فيه ما يدل عدم توريث ذوي الأرحام، والحديث لم يتناولهم لا بالإيجاب ولا بالسلب، كل ما يفيده أن الباقي بعد أصحاب الفروض يكون لأقرب العصبة، وهذا قدر متفق عليه بين الجميع ولا نزاع فيه، والقول بتوريث ذوي الأرحام إنما هو عند انعدام أصحاب الفروض والعصبات، فبدل أن يذهب المال إلى الأجانب من عامة المسلمين يذهب إلى الأقارب المسلمين، فهم أحق به، ومن ثم فإن هذا الدليل خارج عن محل نزاع.

ثانيًا: قوله صلى الله عليه وسلم عن العمة والخالة: ((ما أجد لكما في كتاب الله شيئًا)) هذا الحديث مرسل، ويحتمل أنهما لا فرض لهما أو لا شيء لهما مع أصحاب الفروض والعصبات، وليس لا شيء لهما البتة بدليل توريثه صلى الله عليه وسلم للخال وتسميته له وارثًا؛ أي يرث عند عدم الوارث، أي وارث بالفرض أو بالتعصيب.

ثالثًا: وأما قوله صلى الله عليه وسلم ((إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث)) ليس فيه ما ينفي إرث ذوي الأرحام، بل الحديث لم يتعرض لهما لا من قريب ولا من بعيد، كل ما يثيره الحديث أنه بعد تشريع الميراث وتقدير الله له فرضًا وتعصيبًا فلا تجوز الوصية للوارث.

رابعًا: قولهم: إن الفرائض لا مجال للقياس فيها وأن الأصل إلا يثبت فيه شيء إلا بكتاب أو سنة ثابتة نقول: قد ثبتت فيها السنة بل أوردناها من توريثه صلى الله عليه وسلم للخال، وتسميته له وارثًا عند عدم الوارث، يقول ابن قدامة: ثم التعليل واجب مهما أمكن وقد أمكن ها هنا فلا يصار إلى التعجب المحض.

خامسًا: وأما قولهم: إن كل أنثى لا ترث مع أخيها فلا ترث منفردة، مثل العمة مع العم وبنت الأخ مع ابن الأخ. نقول: نعم لا ترث مع أخيها لأنه أقوى منها وأولى بالعصوبة، فيكون الميراث له، وهذا لا يمنع أن ترث منفردة؛ حيث لم يوجد هذا الأقوى، وكلامنا في هذا وهو إرثها عند عدم هذا العاصب، هذا وإن القائلين أيضًا بعدم توريث ذوي الأرحام يشترطون في بيت المال كي توضع فيه التركة أو باقيها يشترطون فيه أن يكون منتظمًا وأن يكون الحاكم أو القائم عليه عدلًا يصرف أمواله في مصالح المسلمين العامة، وأن يُعطي الحقوق إلى ذويها.

إذن فهذا الشرط عندهم لجعل بيت المال وارثا ومنع ذوي الأرحام من ذلك فمعنى هذا: إذا تخلف هذا الشرط وهو كون بيت المال منتظما وكون القائم عليه عدلًا فلا يلزم تحقق المشروط وهو جعل بيت المال وارثًا بعد أصحاب الفروض والعصبات، وهذا هو الحاصل فعلًا الآن، فإن بيت المال المنتظم لا وجود له؛ ولذلك فإننا نجد أن المتأخرين من المالكية والمتأخرين من الشافعية يقولون بتوريث ذوي الأرحام واستبعاد بيت المال من ذلك، وعليه الفتوى عند كلٍّ منهما، وهذا ما قاله الحنفية والحنابلة، وبذلك تكون المذاهب الأربعة قد اتفقت على توريث ذوي الأرحام بعد أصحاب الفروض والعصبات، وهو رأي جمهور الفقهاء من الصحابة رضي الله عنهم وقد أخذ قانون المواريث بمذهب المورثين لذوي الأرحام وهم الحنفية والحنابلة ومن حذا حذوهم، ونص في مادته رقم 31 على أنه إذا لم يوجد أحدٌ من العصبة من النسب ولا أحد من ذوي الفروض النسبية- كانت التركة أو الباقي منها لذوي الأرحام.

error: النص محمي !!