Top
Image Alt

تعقيبات ابن حجر على تصحيح بعض الأئمة بعض الأحاديث التي لم تصحح قبل ذلك

  /  تعقيبات ابن حجر على تصحيح بعض الأئمة بعض الأحاديث التي لم تصحح قبل ذلك

تعقيبات ابن حجر على تصحيح بعض الأئمة بعض الأحاديث التي لم تصحح قبل ذلك

التَّعقيب على تصحيح المنذريِّ:

وإنصافًا لابن الصَّلاح، وأنَّ قوله -وإن كان جُوبِهَ بمعارضةٍ شديدةٍ من العُلماء بعدَه- إلا أنَّ كلامه فيه جانبٌ من الصَّواب؛ ولذلك تعرَّض ابنُ حجر لبيان بعض هذه الأحاديث التي صحَّحوها، فقال في تصحيح المنذريِ لحديث غفران ما تقدّم وما تأخَّر: إنَّ المنذريَّ في جزءٍ له عدَّة أحاديث، وأورد في أثنائها حديثًا من طريق بحر بن نصر، عن ابن وهب، عن مالك ويونس، عن الزُّهري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة, وهو حديث: ((من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخَّر)). والأحاديث في هذا كلُّها ما عدا هذا الحديث: ((من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه)). وليس في طُرق الحديث: ((وما تأخّر)).

قال: قال المنذريُ -بعد أن أورد هذا الحديث من طريق بحر بن نصر، عن ابن وهب، عن مالك… إلى آخِره- قال: بحرُ بن نصر ثقةٌ، وابنُ وهب ومن فوقه محتجٌّ بهم في الصَّحيحيْن.

قال ابنُ حجر: ولا يلزم من كون رجال الإسناد من رجال الصَّحيح -كما هنا- أن يكون الحديثُ الواردُ به صحيحًا، لاحتمال أن يكون فيه شذوذٌ أو علَّة. وقد وُجد هذا الاحتمال هنا؛ فإنها رواية شاذة.

وقال ابن حجر: وقد بيَّنت ذلك بطُرقه، والكلام عليه في جزءٍ مفرد، ولخَّصته في كتاب بيان المدرج.

وكأنه يوحي بذلك: أن هذه العبارة، إنَّما هي مدرجة في الحديث.

التَّعقيب على تصحيح الدمياطيِّ:

أمَّا الدِّمياطيُّ، الذي صحَّح حديث: ((ماء زمزم لما شُربَ له))، فلفظه: هذا على رسم الصحيح، يعني: قال في هذا الحديث بعد أن أورده بروايةٍ من رواياته، قال: هذا على رسم الصحيح، يعني: لم يقل إنَّه صحيح، لأنَّ سويد بن سعيد في إسناده، احتجَّ به مسلم. وعبد الرحمن بن أبي الموالي احتجَّ به البخاريُّ. هذا لفظه.

وليس فيه -يقول ابن حجر-: حكمٌ على الحديث بالصِّحَّة، لِما قدَّمناه من أنَّه لا يلزم من كون الإسناد محتجًَّا برواته في الصَّحيح، أن يكون الحديثُ الذي يُروى به صحيحًا لما يطرأ عليه من العلل.

وقد صرح ابنُ الصَّلاح بهذا في مقدمة شرح مسلم، فقال: مَن حَكم لشخصٍ بمجرَّد رواية مسلم عنه في صحيحه بأنَّه من شرط الصَّحيح عند مسلم، فقد غفل وأخطأ؛ بل ذلك يتوقَّف على النَّظر في أنَّه: كيف روى عنه؟ وعلى أيِّ وجهٍ روى عنه؟

قال ابنُ حجر: وذلك موجود هنا؛ فإنَّ سويد بن سعيد، إنَّما احتجَّ به مسلم فيما توبع عليه لا فيما تفرَّد به. وقد اشتدَّ إنكار أبي زُرعة الرَّازي على مسلم في تخريجه لحديث سويد بن سعيد، فاعتذر إليه من ذلك بما ذكرناه من أنه لم يُخرِّج ما تفرَّد به. وكان سويد بن سعيد مستقيم الأمر، ثم طرأ عليه العَمى فتغيَّر، وحدَّث في حال تغيُّره بمناكير كثيرة، حتى قال يحيى بن معين: لو كان لي فرسٌ ورُمح لغزوتُه.

فليس ما ينفردُ به على هذا صحيحًا، فضلًا عن أن يخالفَ فيه غيره؛ بل قد اختُلف عليه هو في هذا الإسناد، فرُويَ عنه، عن ابن المبارك، عن عبد الله بن المؤمل، على ما هو المشهور.

ومنهم من رواه على الوجه المنكر، وهو قولُه: عن عبد الرَّحمن بن أبي الموالي، فهذا لا يُسلَّم مطلقًا، لإيراد هذا المثال احتجاجًا على ابن الصَّلاح.

وأقول أيضًا: إنَّ حديث الزِّيارة، وتصحيح السُّبكيِّ له لم يسلم له مطلقًا، وإنَّما هو نوع من الاختلاف في تصحيح الحديث، لأنَّ الحديث روي عن عبد الله العمري، وعن عبيد الله العمري. وعبدُ الله ضعيف، وعبيد الله ثقة، والسُّبكيُّ صحَّحه على أنَّه من رواية الاثنيْن، وهما أخوان. فهو صحيحٌ من رواية عبيد الله العمري.

لكن الَّذين خالفوه قالوا: إنَّ أكثر الرِّوايات والطُّرق إنَّما هي في هذا الحديث من رواية عبد الله العمري.

وقد بيَّن ابنُ حجر أيضًا، أو تعقَّب على شيخه العراقي، في قوله: إنَّ المعروف في هذا الحديث: ((ماءُ زمزم لما شُرب له))، رواية عبد الله بن المؤمل، عن محمد بن المنكدر، كما رواه ابن ماجة.

قال ابن حجر: هذا وقعَ منه سبقَ قلم، وإنما هو عند ابن ماجة وغيره من طريق ابن المؤمل عن أبي الزبير، والله المستعان.

قال: وأخرجه الطبراني في الأوسط عن علي بن سعيد الرَّازي، عن إبراهيم البرانسيِّ، عن عبد الرَّحمن بن المُغيرة عنه، وهذا اختلافٌ أيضًا في الحديث.                                                                                      

بيان جواز الاستناد إلى الوجادة:

إنصاف الإشبيليِّ:

من الإنصاف لابن خير: ما ذكره السُّيوطيُّ في البحر الذي زخر، هذا الكتاب الذي شرح فيه ألفيَّته.

قال السيوطي -مدافعًا عن ابن خير، قاصدًا أن يُفهَم كلامه الفهمَ الصَّحيح-: وهو إنَّما قصد بذلك ردع العوامِّ ومَن لا علْم له بالأحاديث، من الإقدام على الرِّواية عن النبي صلى الله عليه وسلم بغير مستند.

وأمَّا حمَلة العلْم الذين يمكنهم مراجعةُ الكتب والنَّقلُ منها، فلا يمتنع عليهم ذلك.

يعني: لا يمتنع عليهم أن يأخذوا الحديث من الكتب، ما دامت هذه الكتب قد وُثِّقت، ويكون مستندهم في ذلك الوجادة، وهي من أقلِّ وجوه الروايات؛ فهي داخلةٌ في قوله: حتى يكونَ عنده ذلك القولُ مرويًَّا، ولو على أقلِّ وجوه الرِّوايات.

فابنُ خير يريد أن يقول: ولو وجادةً؛ فهي داخلة في قوله: أن يكون عنده رواية.

قال السُّيوطيُّ: وانظر إلى قوله: حتى يكون عنده مرويًَّا، ولم يقل: حتى يكون مرويًَّا له، وبينهما فرق:

– فإنَّ العبارة الثَّانية: حتى يكون مرويًّا له تُشعر بأن يكون له به رواية.

– والأولى: حتى يكون عنده مرويًّا -وهذا لفظه- لا تدلُّ على ذلك؛ بل تدلُّ على أن يثبت عنده أنَّه مرويٌّ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وإن لم يتصل السَّنَد إليه، بأن يرويه غيره ويتحقق هو ذلك.

قال السيوطي: وهذا شرطٌ في غاية الحسن، وما أظنُّ أحدًا يُخالف فيه. ونظيرُه: تحريم الكلام في تفسير القرآن بغير علْم والنَّهي عن ذلك، وأنَّه يكون مخطئًا وإن صادف الصَّواب، لأنَّ الإقدام على الكلام والرِّواية بغير علمٍ جرأةٌ على الله تعالى وعلى رسوله، وإيذانٌ بقلّة المبالاة بالافتراء؛ إذ لا يدري: ما قاله ثابتٌ أو لا؟ لم يتحرَّ التَّصوُّن عن الوقوع في الكذب.

كلام إمام الحرميْن:

وأمَّا كلام إمام الحرميْن فحاصلُه: أنَّه منع الرِّواية، وأوجب العمل به.

يعني: نعم ينبغي ألا يروي أحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهذا في رأي إمام الحرميْن- إلا إذا كان له رواية؛ لكن يجب العمل بالحديث، هذا الذي في الكتب الموثوق بها. وهذا هو التَّحرير، لأنَّ الرواية لا تجوز إلا بأحد طُرق التَّحمُّل المشهورة، وأمَّا العمل فيجب على كلِّ أحدٍ إذا صحَّ الحديث، وإن لم يكن مرويًَّا له.

ولو كان العمل لم يجب إلا على من له به رواية، لم يجب العمل بغالب الشَّريعة، على غالب الأمّة، وهم العوامُّ الذين لا يدرون ما الرواية؛ وهذا كلام لا يقوله أحد.

ومسألة الرِّواية، مرجعُها إلى أهل الحديث، ومسألة العلْم مرجعها إلى أهل الفقه والأصول، لأنَّ الإخبار بالتَّكليف وظيفتهم وعنهم يؤخذ، والمحدِّثون أجانبُ عن ذلك، ولو تكلَّموا به لم يُقبل منهم لأنَّه ليس من فنِّهم، كما أنَّ الأصوليَّ لو أفتى في حديثٍ بحكمٍ لم يقبل منه، ولو وقعت له حادثة وجب عليه أن يستفتي الفقهاء، وكذلك المُحدِّث.

والحاصل: أنَّ كل أمرٍ، -يعني: هذا مقتضى كلام إمام الحرميْن- إنما يؤخذ عن أهله؛ فظهر بهذا تصويبُ ما قاله إمام الحرميْن، إلا أنَّه بقيت مطالبتُه بتصحيح النَّقل من المحدِّثين، أنهم يأبَون العمل به.

وعبارة “الكيا الهرَّاسي” في تعليقه: مَن وجد حديثًا في صحيفةٍ صحيحةٍ، كـ(صحيح مسلم) والبخاري، وهؤلاء الكبار، جاز له أن يرويَه وأن يحتجَّ به.

مناقشة الذين لا يجيزون الاستناد إلى الوجادة:

وقال قومٌ من أصحاب الحديث: لا يجوزُ له أن يرويَِه، لأنَّه لم يسمعه من شيخ.

وهذا غلط! لأنَّه بسماعه من شيخٍ، أيُّ شيءٍ يزداد له؟ بل ربَّما كان كونه في كتاب صحيح ونُسِخَ منه، أثبتُ عنده وأولى بالقبول من رواية راوٍ له.

قالوا: فكيف يرويه وما سمعه؟

قلنا: يقول: روى البخاري في صحيحه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، أو يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، ويحتجُّ به. نعم، لا يقول سمعتُه من فلان، ولا روى لي شيخٌ.

ثم إذا قلتم: لا يعمل بهذا الحديث، فبماذا يعمل؟ يرجع إلى قياس مع وجود النص؟ ما هذا إلا بمثابة من وجد نصًَّا في كتاب الله تعالى في مصحفٍ قرأه، لا يجوز أن يقول قائل: يجوز له تركه ويعمل بالقياس، لأنَّه ما تلقَّنه من معلِّمه. فكيف يجوز له أن يترك الحديث النَّص، وقد وجده في كتابٍ صحيحٍ، ويعمل بالقياس؟ أو حديثٍ منسوخٍ قد عُرِف أنَّ الحديث له ناسخٌ؟

وقال الغزالي في (المنخول): الاعتماد على الكتب قد منعه المحدِّثون، والمختار: إنه إذا تبيّن صحة النسخة عند إمامٍ، صحَّ التعويل عليه في العمل والنقل؛ ودليله مسلكان:

– أحدهما: اعتماد أهل الأقطار المتفرِّقة على صحف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصَّدقات المضمونة، إلى الولاة والرُّسل، من غير توقُّف على نقل الرَّاوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

– والثاني: أنَّا نعلم أنَّ المفتي إذا اعتاصت عليه مسألةٌ، فطالع أحد الصَّحيحيْن فاطَّلع على حديثٍ ينص على غرضه، لا يجوز له الإعراضُ عنه، ويجب عليه التَّعويل. ومن لم يجوِّز هذا فقد خرق الإجماع، وليس ذلك إلا لحصول الثِّقة به، وهو نهاية المرام.

نعم، لا يقول: سمعته من شيخي ولم يسمعه. انتهى.

وقد أطلنا في هذه المسألة، لأنَّ هذا واقع الأمر في هذه الأزمان، بعد أن قلَّ اتِّصال الرِّوايات وأصبح العلم كلُّه مبنيًَّا على الوجادة في الكتب. ولكن الذي ينبغي: أن يُحتاطَ له -كما نبّه ابن الصلاح وغيره- أن تُحقَّق هذه الكتب تحقيقًا دقيقًا، حتَّى يكون النقلُ منها نقلًا صحيحًا. والله تعالى أعلى وأعلم.                                                                

التَّنبيهات على أقسام الصَّحيح عند ابن الصَّلاح:

قسَّم ابن الصلاح الصحيح أقسامًا:

– أعلاها: ما اتَّفق عليه البخاريُّ ومسلم.

– ثمَّ ما انفرد به البخاريُّ.

– ثمَّ ما انفرد به مسلم.

– ثمَّ ما يكون صحيحًا على شرطهما ولم يخرجاه.

ومظانُّ ذلك -كما قلنا- في الزِّيادة على الصَّحيح، كما عند الحاكم، وما سُلم له من قوله: صحيحٌ على شرطهما ولم يخرجاه، أو صحيح على شرط البخاري ولم يخرجه، أو صحيح على شرط مسلم ولم يخرجه.

على كلِّ حال، قال ابنُ الصَّلاح:

– ثمَّ ما على شرطهما.

– ثم على شرط البخاري.

– ثم على شرط مسلم.

– ثم هو صحيحٌ عند غيرهما، أي: وليس على شرطهما.

تنبيهات السُّيوطي: قال السُّيوطي منبِّهًا في (تدريب الرَّاوي):

التَّنبيه الأول:

قال: أُُورِد على هذا التَّقسيم أقسامٌ:

– أحدها: المتواتر، يعني: لم يذكر ابن الصَّلاح المتواتر، وكان ينبغي أن يذكرَه أوَّل الأقسام. وأُجيب بأنَّه -أي: المتواتر- لا تُعتبر فيه عدالة، والكلام في الصَّحيح بتعريفه السَّابق، وهو: ما اتَّصل سنده بنقل العدل الضَّابط عن مثله… إلى آخر التَّعريف. أُورد على هذه الأقسام أيضًا:

– الثَّاني: المشهور، قال ابن حجر: وهو واردٌ قطعًا، وأنا متوقِّف في رتبته: هل هي قبل المتفق عليه أو بعده. أورد عليه أيضًا:

– الثالث: ما أخرجه السِّتَّة، وأجيب بأنَّ من لم يشترط الصَّحيح في كتابه، كالترمذي مثلًا وكابن ماجة لا يزيد تخريجه للحديث قوةً، ما دام لم يشترط الصَّحيح.

قال الزَّركشيُّ: ويُمنع بأنَّ الفقهاء قد يرجِّحون بما لا مدخل له في ذلك الشَّيء.

قال العراقيُّ: نعم، ما اتَّفق الستة على توثيق رواته أولى بالصحة مما اختلفوا فيه، وإن اتَّفق عليه الشَّيخان. والمراد بالستة كما نعلم: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة. فما أجمعوا عليه أولى ممَّا اتفق عليه الشَّيخان ولم يجمعوا عليه.

– الرَّابع من الأقسام: ما فقد شرط الاتصال عند من يعدُّه صحيحًا، وقد سبق أن ذكرنا أنَّ المرسَل هو صحيحٌ عند بعض الفقهاء، في تقسيمات الحاكم. يعني: قدَّمه الحاكم من الصحيح المُختلف في صحته.

قال ابن حجر: وعلى ذلك يقال: ما أخرجه السِّتَّة إلا واحدًا منهم، وكذا ما أخرجه الأئمَّة الَّذين التزموا الصَََِّحَّة، ونحو هذا، إلى أن تنتشر الأقسام فتكثر حتى يعسُر حصرها.

هذا هو التَّنبيه الأوَّل الَّذي ذكره السُّيوطي.

التَّنبيه الثاني:

قال السيوطي: قد عُلم ممَّا تقدم: أنَّ أصحَّ من صنَّف في الصَّحيح: ابنُ خزيمة، ثمَّ ابن حبَّان، ثم الحاكم؛ فينبغي أن يقال:

– أصحُّها بعد مسلم: ما اتفق عليه الثلاثة.

– ثم ابن خزيمة وابن حبان، أو والحاكم.

– ثم ابن حبان والحاكم.

– ثم ابن خزيمة فقط.

– ثم ابن حبان فقط.

– ثم الحاكم فقط.

هذا على اعتبار أن ابن خزيمة هو أصحُّها، ثم ابن حبان، ثم الحاكم، على ما تقرَّر قبل ذلك. وهذا إن لم يكن الحديث على شرط أحد الشيخيْن.

قال السيوطي: ولم أر من تعرَّض لذلك فليتأمل!

التَّنبيه الثَّالث على التقسيم الذي قسمه ابن الصَّلاح:

قال السُّيوطي: قد يعرَض للمفوق ما يجعله فائقًا، كأن يتَّفق البخاريُّ ومسلمٌ على إخراج حديثٍ غريب فرد، ويُخرج مسلمٌ أو غيرُه حديثًا مشهورًا، أو ممَّا وُصفت ترجمتُه بكونها أصحَّ الأسانيد، كـمالِك مثلًا، عن نافع، عن ابن عمر. ولا يقدح ذلك فيما تقدم، لأن ذلك باعتبار الإجمال.

يعني التقسيم: أن المتفق عليه، ثم ما انفرد به البخاري، ثم ما انفرد به مسلم… إلى آخِره، هذا على وجه الإجمال؛ لكن قد يُفضل مثلًا حديث تفرد به مسلم، ولكنه حديث مشهور على ما اتفقا على إخراجه، وهو حديث غريب فرد؛ فالتقسيم هذا والتفضيل باعتبار الإجمال، باعتبار الجملة لا باعتبار الأفراد.

قال الزَّركشي: ومن هنا يُعلم أنَّ ترجيح كتاب البخاري على مسلم، إنَّما المراد به ترجيح الجملة، جملة الأحاديث لا ترجيح كل فردٍ من أحاديثه على كل فردٍ من أحاديث الآخَر. فكما رأينا في المثال السابق: أنه قد يُفضل حديثٌ في مسلم لأنه مشهور، عن حديثٍ اتفقا على إخراجه، ولكنه حديث غريب.

التَّنبيه الرابع:

وضّح فيه السيوطي فائدة التقسيم المذكور، قال: فائدة التقسيم بكل التَّنبيهات السَّابقة، تظهر عند التَّعارض والتَّرجيح، بمعنى: أنه لو حدث تعارضٌ بين الأحاديث ولم يمكن الجمع بينها، فيرجح ما اتفق عليه البخاري ومسلم، ثمَّ ما انفرد البخاري بإخراجه، ثمَّ ما انفرد مسلم بإخراجه عن غيره، ثمَّ ما كان على شرطهما، ثم ما كان على شرط أحدهما، وهكذا…

وهذا أيضًا، إنما يكون في الجملة، ولكن ينبغي أن تؤخذ الاعتبارات السَّابقة -كما قلنا-. فمثلًا: قد يُرجَّح حديث في مسلم على حديثٍ اتفقا عليه، كما في التنبيه الذي قبل هذا، لأنَّه مشهور، بينما ما اتفقا عليه حديثٌ غريب.

تنبيهات ابن حجر:

– كذلك نبَّه ابن حجر على: أنَّه إذا كان المتن الواحد عند أحدهما من حديث صحابيٍ غير الصحابي الذي أخرجه عنه الآخَر، مع اتفاق لفظ المتن أو معناه، فهل يُقال في هذا: إنه من المتَّفق فيكون في أرفع الأقسام؟

قال ابن حجر: فيه نظر، على طريقة المحدثين.

يعني مثلًا: لو أنَّ حديثًا يبيِّن أركان الإسلام، ورواه أبو هريرة ورواه ابن عمر، فالصحابي مختلف ولكنَّ المتن في لفظه واحد أو في معناه، فهل يُقال في هذا: إنَّه من المتَّفق، باعتبار أنَّهما اتَّفقا على متن الحديث؟

قال ابن حجر: الظَّاهر من تصرفات المحدِّثين: أنَّهم لا يعدُّونه من المتفق، إلا أنَّ الجوزقي منهم استعمل ذلك في كتاب المتَّفق له في عدة أحاديث، وما يتمشَّى له ذلك إلا على طريقة الفقهاء. ولننظر مأخذ ذلك:

ما يتمشَّى له ذلك إلا على طريقة الفقهاء، لأنَّ الفقهاء يأخذون المتون ولا يهتمُّون بالأسانيد، فيَشيع في كتبهم: لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، أو فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا… إلى آخره.

قال ابنُ حجر: ولننظر مأخذَ ذلك. قال: وذلك أنَّ كونَ ما اتَّفقا على تخريجه أقوى ممَّا انفرد به واحدٌ منهما له فائدتان:

إحداهما: أنَّ اتِّفاقهما على التَّخريج عن راوٍ من الرُّواة يزيدُه قوَّة. يعني: الرَّاوي الَّذي يروي له البخاري ويروي له مسلم، فهذا الاتِّفاق يزيده قوة؛ فحينئذٍ ما يأتي من رواية ذلك الراوي الذي اتفقا على التَّخريج عنه أقوى ممّا يأتي من رواية من انفرد به أحدهما.

أمَّا الثَّاني: فالإسناد الَّذي اتَّفقا على تخريجه -الإسناد ككل- يكون متنُه أقوى من الإسناد الذي انفرد به واحدٌ منهما؛ ومن هنا يتبيَّن أنَّ فائدة المتَّفق إنَّما تظهر فيما إذا أخرج الحديث من حديث صحابي واحد، لأنَّ الأمر يتعلَّق هنا بالإسناد لا بالمتن.

قال ابن حجر: نعم، قد يكون في ذلك الجانب أيضًا قوة من جهةٍ أخرى، وهو: أن المتن الذي تتعدَّد طُرقه أقوى من المتن الذي ليس له إلا طريق واحدة. فالذي يظهر من هذا: ألا يُحكم لأحد الجانبيْن بحكمٍ كلِّيٍّ.

يعني: لا ينبغي أن تكون هناك قاعدةٌ في ذلك، لأن حديث الصحابي الواحد أوْلى من حديث صحابيّيْن اتفق متناهما؛ بل قد يكون ما اتفقا عليه من حديث صحابيٍ واحد -إذا لم يكن فردًا غريبًا- أقوى ممَّا أخرجه أحدُهما من حديث صحابيٍ غير الصحابي الذي أخرجه الآخَر. وقد يكون العكس: إذا كان ما اتفقا عليها من صحابي واحد فردًا غريبًا؛ وهذا الذي ذُكر من حديث صحابييْن مع اتِّفاق المتن لم يُصبح في هذه الحالة فردًا غريبًا، فيكون ذلك أقوى منه.

– نبَّه ابنُ حجر تنبيهًا آخر: فقال: هذه الأقسام التي ذكرها المصنِّف -يعني: ابن الصَّلاح- للصحيح، ماشية على قواعد الأئمَّة ومحقِّقي النُّقَّاد، إلا أنَّها قد لا تطَّرد.

يعني: لا تكون دائمةً على هذا النَّحو، لأنَّ الحديث الذي ينفرد به مسلم مثلًا، إذا فرض مجيئه من طرقٍ كثيرة حتى تبلغ التواتر أو الشهرة القويَّة، ويوافقه على تخريجه مشترطو الصحة مثلًا، لا يُقال فيه: إن ما انفرد البخاري بتخريجه -إذا كان فردًا- ليس له إلا مخرج واحد أقوى من ذلك الذي انفرد به مسلم؛ فليُحمل إطلاقُ ما تقدم من تقسيمه على الأغلب الأكثر.

والحقُّ: أنَّ الأمر يحتاج إلى ذكاءٍ وإلى طول بحثٍ وإلى تنقيبٍ عن الطُّرق، من الباحث ومن المخرِّج ومن المرجِّح للأحاديث؛ حتى يصل باجتهاده إلى ما هو الصواب، أو ما هو قريب من الصواب، أو حتى يأخذ أجرًا على اجتهاده إن أخطأ وأجريْن إذا أصاب. والله تعالى أعلم.

error: النص محمي !!