Top
Image Alt

تعقيب الحافظ العراقي وابن حجر على كلام ابن الصلاح

  /  تعقيب الحافظ العراقي وابن حجر على كلام ابن الصلاح

تعقيب الحافظ العراقي وابن حجر على كلام ابن الصلاح

قال الحافظ العراقي: “والجواب: أنّ ابن الصلاح لم يقل إنّ صيغة التمريض لا تُستعمل إلّا في “الضعيف”، بل في كلامه: أنّها تُستعمل في “الصحيح” أيضًا”.

يقول العراقي: “ألا ترى قوله: “لأنّ مثل هذه العبارات تُستعمل في الحديث الضعيف أيضًا”، فقوله: “أيضًا” دالّ على أنها تُستعمل في الصحيح أيضًا. فاستعمال البخاري لها في موضع الصحيح ليس مُخالفًا لكلام ابن الصلاح، وإنما ذكَر المصنف أنّا إذا وجدْنا عنده حديثًا مذكورًا بصيغة التمريض ولم يذكره في موضع آخَر من كتابه مسندًا أو تعليقًا مجزومًا به، لم يُحكَم عليه بالصحة؛ وهو كلام صحيح.

ويقول العراقي: “ونحن لم نحكم على الأمثلة التي اعتَرض بها المعترِض إلّا بوجودها في كتابه مُسندة، فلو لم نجدها في كتابه إلّا في مواضع التمريض، لم نحكم بصحّتها؛ على أن هذه الأمثلة الثلاثة التي اعتُرض بها يُمكن الجواب عنها بما ستراه. والبخاري -رحمه الله تعالى- حيث علّق ما هو صحيح، إنما يأتي به بصيغة الجزم، وقد يأتي به بغير صيغة الجزم لغرَض آخَر غير الضعف، وهو: إذا اختصر الحديث وأتى به بالمعنى عبّر بصيغة التمريض، لوجود الخلاف المشهور في جواز الرواية بالمعنى، والخلاف أيضًا في جواز اختصار الحديث”.

قال العراقي: “وإن رأيتَ أن يتّضح لك ذلك، فقابِلْ بين موضع التّعليق وموضع الإسناد، تجدْ ذلك واضحًا”.

فأمّا المثال الأوّل:  فقال البخاري في باب ذكْر العشاء والعتمة: “ويُذكَر عن أبي موسى: ((كنا نتناوب النبي صلى الله عليه وسلم عند صلاة العشاء، فأعْتَم بها))، ثم قال في باب فضل العشاء: “حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة، عن يزيد عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: ((كنتُ أنا وأصحابي الذين قدِموا معي في السفينة، نزولًا في بقيع بطحان، والنبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة. فكان يتناوب النبيَ صلى الله عليه وسلم عند صلاة العشاء كلّ ليلة نفرٌ منهم. فوافقْنا النبي صلى الله عليه وسلم وله بعضُ الشّغل في بعض أمْره، فأعتم بالصلاة حتى ابْهارّ الليل)) الحديث”.

قال العراقي: “فانظر كيف اختصره هناك، وذكره بالمعنى؛ فلهذا عدَل عن الجزم لوجود الخلاف في جواز ذلك”.

وأما المثال الثاني: فقد قال البخاري في الطّب، باب الرقى بـ(فاتحة الكتاب): “ويُذكر عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم”، ثم قال بعده: “باب الشروط في الرقية بقطيع من الغنم. سيدان بن مضارب أبو محمد الباهلي قال: حدثنا أبو معشر يوسف بن يزيد البراء قال: حدثني عبيد الله بن الأخنس أبو مالك عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس: ((أنّ نفرًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مرّوا بماء فيهم لديغ -أو سليم-، فعرض لهم رجل من أهل الماء، فقال: هل فيكم مِن راق؟ فإنّ في الماء رجلًا لديغًا -أو سليمًا-. فانطلق رجل منهم فقرأ بـ(فاتحة الكتاب) على شاء، فبرأ. فجاء بالشاء إلى أصحابه، فكرهوا ذلك، فقالوا أخذتَ على كتاب الله أجرًا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أحقّ ما أخذْتُم عليه أجرًا: كتابُ الله)). وإنّما لم يأتِ به البخاري في الموضع الأوّل مجزومًا به، لقوله فيه: “عن النبي صلى الله عليه وسلم”، والرّقية بـ(فاتحة الكتاب) ليست في الحديث المتّصل من قول النبي صلى الله عليه وسلم، ولا مِن فعْله، وإنما ذلك مِن تقريره صلى الله عليه وسلم على الرُّقية بها، وتقريره صلى الله عليه وسلم أحَدُ وجوه السُّنن، ولكنّ عزوْه إلى النبي صلى الله عليه وسلم من باب الرواية بالمعنى”.

ثم قال الحافظ العراقي: “والذي يدلّك على أنّ البخاري إنما لم يجزم به لِما ذكرناه: أنّه علّقه في موضع آخَر بلفظه، فجزم به. فقال في كتاب الإجارة: “باب ما يُعطى في الرُّقية بـ(فاتحة الكتاب)، وقال ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أحقّ ما أخذتُم عليه أجرًا: كتابُ الله))”، على أنه يجوز أن يكون الموضع الذي ذكَره البخاري بغير إسناد عن ابن عباس مرفوعًا، حديثًا آخَر في الرّقية بـ(فاتحة الكتاب) غير الحديث الذي رواه، كنحو ما وقع في حديث جابر المذكور بعْده”.

وأمّا المثال الثالث: فقوله: ((ردّ على المُتصدِّق صدقتَه)) هو بغير لفظ بيْع العبد المُدبَّر، بل أزيد على هذا. والظاهر أنّ البخاري لم يُرِد الصّدقة حديث جابر المذكور في بيع المُدَبَّر، وإنما أراد -والله أعلم- حديث جابر ((في الرجل الذي دخل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فأمَرهم فتصدّقوا عليه. فجاء في الجمعة الثانية، فأمَر النبي صلى الله عليه وسلم بالصّدقة، فقام ذلك المتصَدَّق عليه فتصدّق بأحَد ثوبيْه، فردّه عليه النبي صلى الله عليه وسلم))؛ وهو حديث ضعيف رواه الدارقطني، وهو الذي تأوّل به الحنفية قصّة سليك الغطفاني في أمْره بتحيّة المسجد حين دخل في حال الخطبة.

قال الحافظ ابن حجر: “وفي هذا أمور:

الأمر الأول: أنّ الدارقطني لم يرو قصّة الدّاخل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فأمَرهم فتصدّقوا عليه، من حديث جابر أصلًا، وإنما من حديث أبي سعيد الخدري. وسبب هذا: أنّ القصة شبيهة بحديث جابر, في قصة سليك الغطفاني التي أخرجها أصحاب الحديث الصحيح والدارقطني وغيرهم، من حديث جابر, لكن ليس فيها قصة المتصدِّق وردّ الصّدّقة عليه.

الأمر الثاني: أن الحديث المذكور عند الدارقطني، مع كونه ليس من حديث جابر, وإنما هو من حديث أبي سعيد ليس ضعيفًا، بل هو في “الصحيح”، أخرجه النسائي، وابن ماجه، والترمذي، وصحّحه ابن حبان في (صحيحه)، والحاكم؛ كلّهم من حديث محمد بن عجلان، عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح، عن أبي سعيد الخدري ، قال: ((جاء رجل يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب بهيئة بذَّة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصلّيْتَ؟ قال: لا. قال صلى الله عليه وسلم: صلِّ ركعتيْن. وحثّ الناس على الصّدقة. قال: فألقى أحدَ ثوبيْه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: جاء هذا يوم الجمعة -يَعني التي قبْلها- بهيئة بذَّة، فأمرتُ الناس بالصّدقة، فألقوْا ثيابًا، فأمرتُ بثوبيْن، ثم جاء الآن، فأمرت الناس بالصّدقة فألقى أحدَهما. فانتهره وقال: خُذْ ثوبَك)) هذا لفظ النسائي.

الأمر الثالث: نفْيُه أن يكون البخاري أراد بحديث جابر  حديثَه في بيْع المدبَّر ليس بجيّد، بل الظاهر: أنه أراده. وقد سبق مغلطاي إلى ذلك ابن بطال في (شرح البخاري)، وعبد الحق في أواخر (الجمْع بين الصحيحيْن)، وغيرهما. ولا يلزمه به منه ما ألزمه المعترِض الذي تعقّب الشيخ كلامه على ما سنبيِّنه.

وبيان ذلك: أنّ حديث جابر,  في بيْع المدبَّر قد اتّفق الشيخان على تخريجه من طُرق عن عطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار عنه، وأخرجه البخاري من طريق محمد بن المنكدر عن جابر، وليس في رواية واحد منهم زيادة على قصّة بيْعه وإعطائه الثمن لصاحبه. ورواه مسلم منفردًا من طريق أبي الزبير، عن جابر,  فزاد فيه زيادة ليست عند البخاري، ولفظه: ((أعتق رجل  من بني عذرة عبدًا له عن دبر، فبلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ألك مالٌ غيره؟ قال: لا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَن يشتريه مني؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله العدوي  بثمانمائة درهم، فجاء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفعها إليه. ثم قال صلى الله عليه وسلم: ابدأْ بنفسك فتصدَّقْ عليها. فإنْ فضَل شيءٌ فلأهلك. فإن فضَل عن أهلك شيءٌ فلذي قرابتك. فإنْ فضَل عن ذي قرابتِك شيء، فهكذا وهكذا)). فهذه الزيادة من حديث أبي الزبير عن جابر,  في قصّة المُدبَّر فيها إشعار بمعنى ما علّقه البخاري مِن أنّ النبي صلى الله عليه وسلم ردّ على المتصدِّق صدَقتَه قبل النّهي، ثم نهاه، لكن ليس في هذا تصريح بالنّهي. فإن كان هو الذي أراده البخاري، فلا حرج عليه في عدم جزْمه به، لأنّ راوي الزيادة -وهو أبو الزبير- ليس ممّن يُحتجّ به على شرْطه. وعلى تقدير صلاحيّته عنده للحجّة، فقد تقدّم أنه ربّما علّق الحديث بالمعنى أو بالاختصار، فلا يجزم به ولكن يذْكره بصيغة التّمريض للاختلاف في ذلك -كما قرّره العراقي-. فعلى كل تقدير، لا يتمّ للمعترِض اعتراضه.                                      

الأمر الرابع: ظهر لي مرادُ البخاري بالتعليق السابق عن جابر, حديث آخر غير حديث المُدبَّر، وهو: ما أخبرني به إبراهيم بن محمد المؤذن بمكة، أن أحمد بن أبي طالب أخبرهم قال: أنبأنا عبد الله بن عمر قال: أنبأنا أبو الوقت قال: أنبأنا أبو الحسن بن داود قال: أنبأنا عبد الله بن أحمد قال: أنبأنا إبراهيم بن خريم قال: أنبأنا عبد بن حميد قال: حدّثنا يعلى بن عبيد قال: حدّثنا محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن جابر بن عبد الله، قال: ((بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل بمِثْل البيضة من الذّهب أصابها في بعض المعادن، فجاء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مِن رُكنه الأيمن. فقال لِرسول الله صلى الله عليه وسلم: خُذْها منِّي صدقة. فوالله ما لي مال غيرها. فأعرض صلى الله عليه وسلم عنه. ثم جاء مِن ركنه الأيسر فقال مثْلَ ذلك. فجاءه من بيْن يديه فقال مثْل ذلك. فقال صلى الله عليه وسلم: هاتِها! مُغضَبًا، فحذفَه بها، فلو أصابه بها لعقَره أو أوْجَعه. ثم قال صلى الله عليه وسلم: يأتي أحدُكم بمالِه كلِّه لا يملك غيرَه، فيتصدّق به، ثم يقعد بعد ذلك يتكفّف الناس! إنّما الصدقة عن ظهر غِنىً. خُذْه! لا حاجة لنا به! قال: فأخذ الرّجلُ مالَه فذهب)). وهذا الحديث رواه أحمد في (مسنده)، والدارمي، وأبو داود في (السّنن)، وابن خزيمة وابن حبّان في “صحيحيْهما”، والحاكم في (مستدركه)؛ كلّهم من طريق محمد بن إسحاق به، يزيد بعضُهم على بعض في سياقه. ورواة إسناده ثقات، ومحمد بن إسحاق مشهور، ولم أره من حديثه إلّا معنعنًا، ثم رأيته في (مسند أبي يعلى) مصرَّح فيه بالتحديث. وسياقه أنسب وأشبه بمراد البخاري من الذي قبْله. والمتن الذي أورده الشيخ مناسب للمراد أنه ليس من حديث جابر, كما بيّنّاه سابقا”.

والرجل الذي جاء بالبيضة هذا -كما قال الحافظ ابن حجر- هو: الحجاج بن علاط السهمي، رواه عبد الغني بن سعيد الأسدي من رواية بعض أحفاده، عن أبيه، عن جدِّه، إلى أن انتهى إلى الحجّاج بن علاط,: ((أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بلبِنة من ذهب أصابها من كنز…))، فذكر هذا الحديث.

والمثال الرابع -كما قال الحافظ العراقي- وهو قوله: “ويُذكر عن علي بن أبي طالب…” إلخ، فليس فيه عليه اعتراض؛ لأنه إذا جمع بين ما صحّ وبين ما لا يصحّ أتى بصيغة التمريض، لأن صيغة التمريض تُستعمل في الصحيح، ولا تُستعمل صيغة الجزم في الضعيف. وأمّا عكس هذا -وهو الإتيان بصيغة الجزم في ما ليس بصحيح- فهذا لا يجوز، ولا يُظنّ بالبخاري -رحمه الله تعالى- ذلك، ولا يمكن أن يجزم بشيء إلّا وهو صحيح عنده.

وقول البخاري في التوحيد: “وقال الماجشون… إلخ” هو صحيح عند البخاري بهذا السند، وكونه رواه في أحاديث الأنبياء متّصلًا، فجعل مكان أبي سلمة: الأعرج، فهذا لا يدل على ضعف الطريق التي فيها أبو سلمة، ولا مانع أن يكون عند الماجشون في هذا الحديث إسنادان، وأن شيخه عبد الله بن الفضل سمِعه من شيخيْن: مِن الأعرج ومن أبي سلمة؛ فرواه مرّة عن هذا ومرّة عن هذا، ويكون الإسناد الذي وصله به البخاري أصحّ من الإسناد الذي علّقه به. ولا يُحكم على البخاري بالوهم والغلط بقول أبي مسعود الدمشقي: “إنه إنما يُعرف عن الأعرج”، فقد عرّفه البخاري عنهما، ووصَله مرة عن هذا، أو علّقه مرة عن هذا؛ الأمر اقتضى ذلك. فما وصل إسنادَه: صحيح، وما علّقه وجزم به: يُحكم عليه أيضًا بالصّحة.

قال السيوطي: “وما أورده البخاري في (الصحيح) ممّا عبّر عنه بصيغة التمريض، وقلنا لا يُحكم بصحّته، ليس بواهٍ -أي: ساقط جدًّا-، لإدخاله إياه في الكتاب الموسوم بالصحيح، قال: وعبارة ابن الصلاح: “ومع ذلك فإيراده له بصيغة الصحيح مُشعر بصحة أصله إشعارًا يُؤْنَس به ويُركن إليه”.

قال السيوطي: “ولهذا رددتُ على ابن الجوزي، حيث أورد في (الموضوعات) حديثَ ابن عباس مرفوعًا: ((إذا أُتي أحدُكم بهديّة، فجلساؤُه شركاؤُه فيها))، أورده من طريقيْن عنه، ومن طريق عن عائشة، ولم يُصب؛ فإنّ البخاري أورده في “الصحيح”، فقال: “ويُذكر عن ابن عباس”، وله شاهد آخَر من حديث الحسن بن علي، رويناه في “فوائد” أبي بكر الشافعي، وقد بيّنت ذلك في (مختصَر الموضوعات)، ثم كتاب (القول الحسَن في الذّبِّ عن السُّنن).

قال الحافظ ابن الصلاح: “إذا تقرّر حُكم التعاليق المذكورة، فقول البخاري: “ما أدخلتُ في كتابي إلّا ما صحّ”، وقول الحافظ أبي نصر السجزي: “أجمع الفقهاء وغيرُهم: أنّ رجلًا لو حلف بالطلاق أنّ جميع البخاري صحيح قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لا شكّ فيه، لم يحنث”، هذا القول محمول على مقاصد الكتاب، وموضوعه، ومتون الأبواب المسنَدة، دون التراجم ونحوها”.

 قال الحافظ العراقي: “إن قوله، وكذلك مطلق قول الحافظ أبي نصر الوائلي السجزي: “أجمع أهل العلم الفقهاء وغيرُهم: أنّ رجلًا لو حلف بالطلاق أنّ جميع ما في كتاب البخاري ممّا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قد صح عنه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاله لا شكّ فيه، أنه لا يحنث، والمرأة بحالها في حبالته”، وما ذكره الوائلي لا يقتضي أنه لا يُشكّ في صحّته، ولا أنه مقطوع به، لأن الطّلاق لا يقع بالشّكّ. وقد ذكَر المصنِّف هذا في (شرح مسلم) له؛ فإنه حكى فيه عن إمام الحرميْن: أنه لو حلف إنسان بطلاق امرأته أنّ ما في كتاب البخاري ومسلم ممّا حكما بصحّته من قول النبي صلى الله عليه وسلم، لما ألْزمْتُه الطلاق، ولا حنّثْتُه، لإجماع علماء المسلمين على صحّتهما”.

ثم قال الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح: “ولقائل أن يقول: إنه لا يحنث ولو لم يُجمع المسلمون على صحتهما، للشّكّ في الحنث؛ فإنه لو حلف بذلك في حديث ليس هذه صِفته لم يحنث، وإن كان راويه فاسقًا. فعدم الحنث حاصل قبل الإجماع، فلا يضاف إلى الإجماع”. ثم قال الشيخ أبو عمرو: “والجواب: أنّ المضاف إلى الإجماع هو: القطع بعدم الحنث ظاهرًا وباطنًا، وأمّا عند الشكّ فمحكوم به ظاهرًا، مع احتمال وجوده باطنًا؛ فعلى هذا، يُحمل كلام إمام الحرميْن؛ فهو الألْيق بتحقيقه”.

وقال النووي في (شرح مسلم): “إنّ ما قاله الشيخ في تأويل كلام إمام الحرميْن في عدم الحنْث، فهو بناءً على ما اختاره الشيخ. وأمّا على مذهب الأكثرين، فيُحتمل أنه أراد أنه لا يحنث ظاهرًا، ولا يستحب له التزام الحنث حتى يستحب له الرجعة، كما إذا حلف بمثل ذلك في غير “الصحيحيْن”، فإنّا لا نحنّثه، لكن تجب له الرجعة احتياطًا لاحتمال الحنث؛ وهو احتمال ظاهر”.

قال: “وأمّا “الصحيحان” فاحتمال الحنث فيهما في غاية من الضعف، فلا يستحب له الرجعة لضعف احتمال موجبها. قال ابن الصلاح: “وما ذكَره أبو عبد الله الحميدي في كتابه (الجمع بين الصحيحيْن) من قوله: “لم نجِدْ من الأئمة الماضين مَن أفصح لنا في جميع ما جمَعه بالصّحّة إلّا هذيْن الإمامين”، فإنما المراد بكلّ ذلك: مقاصد الكتاب، وموضوعه، ومتون الأبواب دون التراجم ونحوها، لأن في بعضها ما ليس من ذلك قطعًا، مثل قول البخاري: “باب ما يُذكر في الفخذ. ويُروى عن ابن عباس، وجرهد، ومحمد بن جحش، عن النبيصلى الله عليه وسلم: ((الفخِذُ عورة))”، وقوله في أول باب من أبواب الغسل: “وقال بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((الله أحقّ أنْ يُستحَيا منه))”، فهذا قطعًا ليس من شرْطه، ولذلك لم يُوردْه الحميدي في “جمْعه بين الصحيحيْْن”. فاعلمْ ذلك، فإنه مُبهم.

وقد اعتُرض عليه بأنّ حديث جرهد صحيح، وعلى تقدير صحّة حديث جرهد، ليس على المصنّف ردّ، لأنه لم ينْف صحّته مطلقًا، لكن نفى كونه من شرْط البخاري؛ فإنه لمّا مثّل به وبحديث بهز بن حكيم قال: “فهذا قطعًا ليس من شرطه”. على أنّا لا نسلِّم أيضًا صحّته لِما فيه من الاضطراب من إسناده. فقيل: عن زرعة بن عبد الرحمن بن جرهد، عن أبيه، عن جدّه. وقيل: عن زرعة، عن جده، ولم يذكر أباه. وقيل: عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، لم يذْكر جدّه. وقيل: عن زرعة بن مسلم، عن جرهد، عن أبيه، عن جدّه. وقيل: عن زرعة بن مسلم، عن جدّه، ولم يذكر أباه. وقيل: عن ابن جرهد، عن أبيه، ولم يُسمّ. وقيل: عن عبد الله بن جرهد، عن أبيه. وقد أخرجه أبو داود وسكت عليه، والترمذي من طُرق وحسّنه، وقال في بعض طُرقه: “وما أرى إسناده بمتّصل”.

error: النص محمي !!