Top
Image Alt

تعيين الفاروق مجلس شورى لاختيار خليفة له، وطريقة استخلاف عثمان

  /  تعيين الفاروق مجلس شورى لاختيار خليفة له، وطريقة استخلاف عثمان

تعيين الفاروق مجلس شورى لاختيار خليفة له، وطريقة استخلاف عثمان

تعيين الفاروق لمجلس الشورى لاختيار خليفة له:

إن صحابة رسول الله صلى الله عليه  وسلم والمسلمين في تلك المرحلة، قرروا طلب الاستخلاف من الخليفة عمر بعد أن طعن، كلهم دخلوا عليه وقالوا له: من الأفضل أن تستخلف، وأن تولي علينا مَن تراه حتى لا تتفاقم الأمور بعد وفاتك، ومن المعروف أيضًًا أن نفس الظروف ما زالت قائمة، ألا وهي: جيوش المسلمين في كل مكان في الشرق والغرب، و استقرار الأمور من الأمور الجيدة لصالح الجيش الإسلامي عندما تكون هناك حرب، أو عندما تكون هناك جيوش خارج الدولة الإسلامية، أخذ يتلمس مبدأ مَن كانوا حول رسول الله صلى الله عليه  وسلم، ومَن يستطيع أن يختاره من بينهم، ثم قال: لو كان أبو عبيدة حيًّا لاستخلفته عليكم، فإن سألني ربي قلت: سمعت النبي صلى الله عليه  وسلم يقول: ((إنه أمين هذه الأمة)).

ولقد روي عن أنس أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: ((إن لكل أمة أمينًا، وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح))، أو كما قال صلى الله عليه  وسلم.

وعن أنس: أن أهل اليمن قَدِموا على رسول الله صلى الله عليه  وسلم فقالوا: ابعث فينا رجلًًا يعلمنا السُّنة والإسلام. قال: فأخذ بيد أبي عبيدة فقال: ((هذا أمين هذه الأمة)).

لهذا كان عمر رضي الله  عنه يرشحه للخلافة، ولكنه ليس بحيٍّ.

ومن ثَمَّ قال عمر أيضًًا: ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيًّا لاستخلفته عليكم، فإن سألني ربي قلت: سمعت نبيك صلى الله عليه  وسلم يقول: ((إن سالمًا شديدُ الحب لله))، فقال رجل من الجالس: ألا أدلك عليه؟ قال: نعم. قال: هو عبد الله بن عمر. فغضب الفاروق غضبًًا شديدًا، وقال: قاتلك الله، والله ما أردتَ بهذا وجه الله، لا إرب لنا في أموركم، ما حمدتها لأرغب فيها لأحد من أهل بيتي، بحسب آل عمر أن يحاسب منهم رجلٌ واحدٌ يسأل عن أمة محمد صلى الله عليه  وسلم أمَا لقد اجتهدت، وحرمت على أهلي، وإن أنجو كفافًا لا وزر ولا أجر إني لسعيد.

ثم قال: “إن أستخلف فقد استخلف مَن هو خيرٌ مني”، ويقصد بذلك أبا بكر رضي الله  عنه؛ لأن المعروف أن أبا بكر استخلف الفاروق، ولكن بعد مشاورة أهل الحَل والعقد -كما ذكرنا- ورضاء المسلمين، هناك من اعترض، وهناك من أيد، والصديق أقنع الجميع، وكتب كتابًا باستخلاف الفاروق، والبيعة له قبل موته، وقبل وفاته رضي الله  عنه ومن ثَمَّ قال هذه العبارة: “إن أستخلف فقد استخلف مَن هو خير مني. وإن أترك فقد ترك مَن هو خيرٌ مني”، ويقصد بذلك رسول الله صلى الله عليه  وسلم، ولن يضيع الله دينه” -يعني: سواء استخلفت أو تركت فإن الله سبحانه وتعالى هو حامي الدين، ولن يضيع الله سبحانه وتعالى دينه بناء على ذلك.

وتقول بعض الروايات: إن الفاروق فكر في أن يعهد بالأمر لعلي -هذه رواية في الطبري- ولكنه خشي أن يستحيل الأمر، وينقلب الأمر -في موضوع الخلافة-: أن تكون الخلافة هاشمية بعد ذلك، وتكون القرابة والنسب هي أهم شيء في موضوع الخلافة، وليس الكفاية والعمل؛ ولذلك نقول: إن الفاروق -على ما يبدو- عدل عن هذا الرأي لأجل هذا السبب.

ذهب تفكير الفاروق لفكرة تعيين مجلس للشورى، وشخصيات هذا المجلس فيهم سبب رئيسي، يعني الذي دعا الفاروق لاختيار شخصيات هذا المجلس -مجلس الشورى-: أنهم من المبشرين بالجنة وتوفي رسول الله صلى الله عليه  وسلم وهو عنهم راضٍ، يقول الفاروق: لا أريد أن أتحملها حيًّا وميتًا، ولكن عليكم بهؤلاء الرهط الذين قال الرسول صلى الله عليه  وسلم عنهم: ((إنهم من أهل الجنة))، وهم: علي، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي، وقاص، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله؛ فلتختاروا من بينهم مَن يصلح معكم. إن الفاروق عمر بن الخطاب تحرج أن يجعل الخلافة في واحد من هؤلاء، وقال: لا أتحمل أمركم حيًّا وميتًا؛ إن يرد الله بكم خيرًًا يجمعكم على خير هؤلاء، كما جمعكم على خيركم بعد نبيكم صلى الله عليه  وسلم…”.

هناك ملحوظة: من تمام ورع الفاروق رضي الله  عنه أنه لم يذكر في الشورى: سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل؛ لأنه ابن عمه -ابن عم عمر- وخشي أن يراعى فيولى لكونه ابن عمه؛ لذلك تركه بالرغم من أنه أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وبرضا رسول الله صلى الله عليه  وسلم عنهم.

وجاء في رواية عن المدائني عن شيوخه أنه قال: أنه استثناه من بينهم، وقال: لست مدخله فيهم، وقال لأهل الشورى: يحضركم عبد الله -يعني: ابنه عبد الله بن عمر- وليس له من الأمر شيئًا، يعني: بل يحضر الشورى، ويشير بالنصح، ولا يولى شيئًًا، وأوصى أن يصلي بالناس صهيب بن سنان الرومي ثلاثة أيام حتى تنقضي الشورى، وأن يجتمع أهل الشورى، ويوكل بهم أُناس حتى ينبرم الأمر، وتقول المصادر: أنه وكل بهم وعليهم خمسين رجلًًا من المسلمين، وجعل عليهم مستحثًّا، وهو أبا طلحة الأنصاري، والمقداد بن الأسود الكندي، وقال عمر بن الخطاب: ما أظن الناس يعدلون بعثمان وعلي أحدًا، إنهما كانا يكتبان الوحي بين يدي رسول الله صلى الله عليه  وسلم.

طريقة اختيار الخليفة عثمان بن عفان رضي الله  عنه:

لما مات الفاروق رضي الله  عنه وأحضرت جنازته للصلاة عليها تبادر إليها علي وعثمان: أيهما يصلي عليها، فقال لهما عبد الرحمن بن عوف: لستما من هذا في شيء -يعني: لا يصلي عليه لا أنت يا علي ولا أنت يا عثمان؛ لستما من هذا في شيء- إنما هذا إلى صهيب الرومي، لماذا؟ لأن عمر أمره أن يصلي بالناس، وأولى الأمور في هذه الحالة هي صلاة الجنازة على الفاروق رضي الله  عنه وبالفعل تقدم صهيب وصلى على عمر رضي الله  عنه ونزل في قبره مع ابنه عبد الله وأهل الشورى، ويقال: أن طلحة كان غائبًا.

فلما فُرِغَ من شأن عمر؛ جمعهم المقداد بن الأسود في بيت، وبدأت المشاورات، المقصود أن القوم خلصوا من الناس في بيت يتشاورون في أمرهم؛ حتى يتم موضوع الاختيار كما أمر عمر، كثر القول، وعلت الأصوات، وقال أبو طلحة: إني كنت أظن أن تدفعوها ولم أكن أظن أن تنافسوها، -لم أكن أظن أنكم سوف تتنافسون وتصرون عليها، يعني: الخلافة أو الإمارة- ثم سار الأمر بعد حضور طلحة -طلحة كان غائبًا فحضر من سفره، وشاركهم في هذا الاختيار- إلى أن فوض ثلاث منهم ما لهم في ذلك إلى ثلاثة -هم ستة؛ ثلاثة لهم الحق فوضوا ما في أعناقهم من هذا الحق إلى ثلاثة آخرين- ففوض الزبير ما يستحقه من الإمارة إلى علي رضي الله  عنه وفوض سعد ما له من ذلك إلى عبد الرحمن بن عوف، وترك طلحة حقه في ذلك إلى عثمان بن عفان رضي الله  عنه فأصبح الأمر حاليًا يقتصر على ثلاثة، هم: عبد الرحمن بن عوف، وعلي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان رضي الله  عنهم.

قال عبد الرحمن بن عوف لعلي وعثمان: أيكما يبرأ من هذا الأمر؛ فنفوض الأمر إليه، والله عليه والإسلام لَيُولِّينَّ أفضل الرجلين؟ -يعني: واحد يخرج منها ونسلم له الأمر شريطة أن يختار من بين الاثنين الباقيين الأفضل- فسكت الشيخان -علي وعثمان- فقال عبد الرحمن: إني أترك حقي من ذلك والله علي والإسلام أن أجتهد فأولي أولاكما بالحق، فقالا: نعم، ثم خاطب كلَّ واحدٍ منهما بما فيه من الفضل، وأخذ عليه العهد والميثاق لئن ولاه ليعدلن، ولئن وُلِّي عليه ليسمعن وليطيعن، فقال كلُّ منهما: نعم، فرضوا بذلك، وأخذ عليهم العهود والمواثيق على السمع والطاعة، سواء صار أي واحد منهما خليفة أو خرجت منه الخلافة فوافقا على ذلك.

وهناك رواية أخرى تقول: أن أهل الشورى جعل الأمر مباشرة إلى عبد الرحمن بن عوف؛ ليجتهد للمسلمين في أفضلهم ليوليه، تقول الرواية: أنه سأل أنه مَن يمكنه سؤاله من أهل الشورى وغيرهم، كلهم لا يشير إلا بعثمان بن عفان رضي الله  عنه حتى إنه قال لعلي: أرأيت إن لم أولك بمن تشير؟ قال: بعثمان، وقال عثمان: أرأيت إن لم أولك بمن تشير؟ قال: بعلي بن أبي طالب رضي الله  عنه. والظاهر أن هذا الأمر كان قبل أن ينحصر الأمر في ثلاثة، وينخلع منها عبد الرحمن بن عوف لينظر الأفضل.

نهض عبد الرحمن بن عوف رضي الله  عنه يستشير الناس فيهما -في عثمان وعلي- ويجمع آراء المسلمين، وهم جماعات وهم فرادى، مجتمعين، سرًّا، وجهرًا، حتى تقول الروايات إنه ذهب إلى النساء في خدورهن، وسأل الأولاد في المكاتب الذين يحفظون القرآن ويتعلمون العلم، وسأل مَن يرد من الركبان والأعراب إلى المدينة طيلة مدة الثلاثة أيام، وهو يسأل، فلم يجد اثنين يختلفان في تقدم عثمان بن عفان رضي الله  عنه.

ولكن تذكر بعض الروايات أن عمارًا والمقداد أشارا بعلي بن أبي طالب.

على أية حال، بعد هذه المشاورة سعى عبد الرحمن بن عوف مدة ثلاثة أيام، وكان لا ينام في هذه الفترة، ويقوم بالصلاة، والدعاء، والاستخارة، وسؤال ذوي الرأي، و لم يجد أحدًًا يعدل بعثمان بن عفان، فلما جاءت الليلة التي يسفر صبحها عن اليوم الرابع من موت عمر جاء إلى منزل ابن أخته: المسود بن مخرمة، وقال له: اذهب فادفع إلي بعلي وعثمان. فقال له: بمن أبدأ؟ قال: أيهما شئت. فذهب إلى علي، فقال: أجب خالي. فقال: أمرك أن تدعو معي أحدًا؟ قال: نعم. قال: مَن؟ قلت: عثمان. قال: بأينا تبدأ؟ قال: لم يأمرني بذلك؛ بل قال: ادع لي أيهما شئت. فجئت إليك. قال: فخرج معي. فلما مررنا بدار عثمان بن عفان جلس عليٌّ حتى دخلت فوجدته يوتر مع الفجر، فقال لي كما قال علي سواء: هل أمرك أن تبدأ بي… إلى آخر هذا السؤال. وخرج بهما.

وذهب بهما إلى عبد الرحمن بن عوف، فقال: إني قد سألت الناس عنكما فلم أجد أحدًًا يعدل بكما أحدًا، ثم أخذ العهد على كلٍّ منهما أيضًًا لئن ولاه ليعدلن، ولئن وُلِّي عليهم ليسمعن وليطيعن، ثم خرج بهما إلى المسجد، وقد لبس عبد الرحمن العمامة التي عممه بها رسول الله صلى الله عليه  وسلم عندما ذهب إلى أُكيدر، وعندما دعاهم إلى الإسلام، ودخلوا إلى الإسلام، وتزوج ابنته تماضر؛ عممه رسول الله صلى الله عليه  وسلم عمامة بيده، وتقلد سيفًًا، وبعث إلى وجوه الناس من المهاجرين والأنصار، ونودي في الناس عامة: الصلاة جامعة؛ فامتلأ المسجد بالناس وتراصوا حتى لم يبقَ لعثمان مكان يجلس فيه إلا في أخريات الناس، وكان رجل حَيِيًّا رضي الله  عنه.

ثم صعد عبد الرحمن بن عوف منبر رسول الله فوقف وقوفًا طويلًا، ودعا دعاءً طويلًا لم يسمعه الناس، ثم تكلم فقال: أيها الناس، إني سألتكم سرًّا وجهرًا عن إمامكم؛ فلم أجدكم تعدلون بأحد هذين الرجلين: إما علي وإما عثمان، فقم إلي يا علي فقام إليه فوقف تحت المنبر، فأخذ عبد الرحمن بيده، فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه  وسلم وفعل أبي بكر وعمر؟ قال علي: اللهم لا، ولكن على جَهْدي من ذلك وطاقتي، فأرسل يده، وقال: قم إليَّ يا عثمان فأخذ بيده وقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه  وسلم وفعل أبي بكر، وعمر؟ قال: اللهم نعم، قال: فرفع رأسه إلى سقف المسجد، ويده في يد عثمان وقال: اللهم اسمع واشهد، اللهم اسمع واشهد، اللهم اسمع واشهد: اللهم إني قد جعلت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان.

تقول الروايات: ازدحم الناس يبايعون عثمان حتى غشوه تحت المنبر، قال: فقعد عبد الرحمن مقعد النبي صلى الله عليه  وسلم وأجلس عثمان تحته على الدرجة الثانية، وجاء إليه الناس يبايعونه، وبايعه علي بن أبي طالب أولًا، ويقال: آخرًا.

وهنا تعليق:

وحقيقة ابن كثير رضي الله  عنه له تعليق ظريف يعلق على ابن جرير وغيره من هؤلاء الذين قالوا: إن عليًّا قال لعبد الرحمن: لقد خدعتني، وإنك إنما وليته؛ لأنه صهرك ويشاورك كل يوم في شأنه، حتى قال له عبد الرحمن بن عوف: {فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 10]، إلى غير ذلك من الأخبار المخالفة لما ثبت في الصحاح، هكذا يقول ابن كثير، يرفض هذه الروايات التي ذُكِرَت عن ابن جرير الطبري وعن غيره يرفضها تمامًا، ويقول: هي مردودة على قائليها وناقليها، والله أعلم.

والمظنون للصحابة خلاف ما يتوهم كثير من الرافضة، وأغبياء القصاص الذين لا تمييز عندهم بين صحيح الأخبار وضعيفها ومستقيمها وسقيمها، والله الموفق للصواب. هذا كلام ابن كثير الذي ذكره في التعليق على تلك الآراء، التي تذهب للقول بأن عليًّا رضي الله  عنه رفض هذا التصرف، وقال لعبد الرحمن بن عوف: لقد حبوته حبو دهر، روايات كثيرة وردت في ذلك وروايات أخرى تقول: لقد خدعتني، وإنما وليته لأنه صهرك، هذه الروايات المنقولة أعجبني ابن كثير في الرد عليها، وحقيقة وقف موقفًا عظيمًا من صحابة رسول الله صلى الله عليه  وسلم، وأكد على فكرة أنهم أعلى وأرفع من ذلك، وأن ما يُتناقل من أخبار بهذه الصورة لا يمكن أن يُعتمد عليه، ولا يمكن أن يمثل حقيقة الأحداث.

وأن عليًّا رضي الله  عنه بايع عثمان بن عفان ولم يخرج عن البيعة؛ ولذلك هم صحابة رسول الله، وأنا أرى أن نتوقف عند هذا الحد، وأن لا نتجاوز حدودنا في التعليق على هذه الأحداث؛ لأننا قد نتجاوز ونحن نتحدث عن صحابة رسول الله صلى الله عليه  وسلم وهم من هم، وقال عنهم رسول الله صلى الله عليه  وسلم في حديث ما معناه: “لو أنفق أحدكم مثل جبل أُحد ذهبًًا أو مثيله، فلن يصل إلى مقدار أحد هؤلاء”. أو كما قال صلى الله عليه  وسلم.

ولكن حقيقة تبقى النقطة، وهي: موضوع استدعاء عبد الرحمن بن عوف لعلي رضي الله  عنه ولعثمان رضي الله  عنه وسؤال كلًّا منهما سؤالًا واحدًا، وهو موضوع: إذا وليت هل ستلتزم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه  وسلم وفعل أبي بكر وعمر؟ حقيقة السؤال الذي يتبادر إلى الذهن: من المعروف أن عليًّا أجاب بالرفض، قال: لا خلاف في أن تلتزم بكتاب الله وسنة نبيه، ولكن التزامه بفعل أبي بكر وعمر بالنسبة لعلي قال: أقوم بما أستطيع من جهدي وقدرتي واستطاعتي وطاقتي، أما ما خلاف ذلك فسوف أجتهد فيه -يعني: لن آلو سأجتهد- قدر طاقتي أيضًًا فيما لا أستطيع أن ألتزم به من فعل أبي بكر وعمر رضي الله  عنهما، ومعروف أن عثمان عندما عُرِضَ عليه هذا السؤال قال: نعم، ألتزم بهذا.

هل إجابة علي رضي الله  عنه بهذه الصورة كانت سببًا في صرف الخلافة عنه؟ وأن إجابة عثمان رضي الله  عنه بهذه الصورة كانت سببًًا في جلب الخلافة إليه؟

الإجابة عن هذا السؤال لا علاقة لها إطلاقًا بموضوع مَن اختار عبد الرحمن بن عوف؛ لأن الأصل في هذا الاختيار من قبل عبد الرحمن بن عوف قام على مشاورة أهل الحَل والعقد، بل ومشاورة مجتمع المدينة، بل ومشاورة كلّ مَن استطاع أن يصل إليه حتى من الأعراب القاطنين حول المدينة، ومن زوار المدينة، وساكنيها، ومن نسائها، ورجالها، وأطفالها، وعلمائها، ومن ثم فلا بد وأن عبد الرحمن بن عوف كان قد أخذ قرارًا نهائيًّا قبل هذه الجلسة في المسجد -في مسجد رسول الله، صلى الله عليه  وسلم هذا أمر طبيعي: لا يمكن أن يكون عبد الرحمن بن عوف قد علَّق أمر الخلافة بعد هذه المشاورات، وبعد سؤال أهل الحَل والعقد، وبعد اتصاله بالجميع، ومشاورة الجميع، وسؤال الجميع، لا يمكن أن يكون قد علّق أمر الخلافة على موضوع الإجابة على هذا السؤال… هذا مستحيلٌ… وإلا لكان كلُّ ما صنعه قبل ذلك نوعًا من العبث، وهذا لا يليق بصحابي من صحابة رسول الله: ما الداعي لهذه الأسئلة؟ ما الداعي لأن يطرح الأمر على العام والخاص، على الجماعات والأفراد، على الرجال والنساء والأطفال؟ لم يكن هناك أي داعٍ لذلك، إذا كانت الإجابة على سؤاله هي التي ستقرر مَن القادم؛ فمعنى ذلك أنه لا معنى لهذه المشاورة، هذا أمر.

أما الأمر الآخر، فلو فرض أن عليًّا رضي الله  عنه قال: نعم، وعثمان قال: نعم، ماذا كان سيكون موقف عبد الرحمن بن عوف؟!.

ولذلك أنا أقول: إن هذا السؤال لا علاقة له بموضوع تعيين الخليفة إطلاقًا من قريب أو من بعيد، وإن تعيين أمر خليفة كان عبد الرحمن بن عوف قد أقره في نفسه قبل هذه الجلسة في المسجد، وأجرى عليه المشاورات الكاملة والتامة، وأن هذا السؤال لم يغير من الأمر شيئًًا على الإطلاق، ولكن في نهاية الأمر أقول: هذه إرادة الله، وهذا قدره، وتصرف عبد الرحمن بن عوف كان تصرفًا ملتزمًا وملزمًا؛ لأنه ما اقتصر في هذا الأمر على نفسه، ولا على مجموعة بسيطة، ولكنه عمم دائرة السؤال قدر الطاقة وقدر الاجتهاد، وتقول الروايات: أنه لم يستمتع إلا بشيءٍ قليلٍ من النوم طوال فترة الثلاثة أيام، حتى الليلة التي يسفر صبحها عن اليوم الرابع، الذي توفِّي فيه الفاروق رضي الله  عنه أو دفن فيه الفاروق رضي الله  عنه.

error: النص محمي !!