Top
Image Alt

تغير الأحكام تبعًا لتغير المصلحة أو العرف

  /  تغير الأحكام تبعًا لتغير المصلحة أو العرف

تغير الأحكام تبعًا لتغير المصلحة أو العرف

الأفكار أو العناصر الأساسية في هذا المطلب, تتمثل فيما يلي:

الفكرة الأولى: المقصود بالتَّغيُّر أو التَّغيير، وفي أيِّ الأحكام الشرعيَّة يكون أو يتحقَّق؟

اعلموا أننا استخدمنا كلمتَي: “التَّغيُّر” و”التغيير”، مع أنَّ أهل العلم باللغة العربية وأوزانها واستعمالاتها، يُفرِّقون بين وزن “تفعُّل” و”تفعيل” من جهة:

أنَّ الأول يدلُّ على التَّفعُّل التِّلقائيِّ، أو الذَّاتي، أو الطَّبيعي، أو الدَّاخليِّ.

أمَّا الثاني، فيكون بناءً على تدخُّلٍ من الإنسان أو من غيره.

أي: إنَّ حدوث التغيير في الأوّل يكون من داخله، أمّا في الثاني فيحدث أو فيطرأ عليه من خارجه. ولعلَّ هذا يتّضح من تدبّر دلالات الألفاظ الآتية: “تطوُّر” و”تطوير”، و”تبدُّل” أو “تغيُّر” أي: من تلقاء نفسه، و”تبديل” أو “تغيير” أي: بفعل الغير.

وهذه الحقيقة اللُّغويَّة أو الدَّلاليَّة ليست مقصورةً على علماء اللغة، وإنَّما يفهمها الفقهاء والأصوليُّون أيضًا -أي: إنَّهم جميعًا يعرفون تلك التفرقة اللُّغويَّة والدلالية في الأساليب العربية- وهذا طبعًا من أوّل شروط الاجتهاد عندهم؛ ولذلك نجِدهم يتكلمون مثلًا عن عوارض الأهليَّة الطبيعيَّة والمكتسبة، وعن ذهاب المحلِّ -أي: محلِّ الحُكم مكانًا أو زمنًا أو تكليفًا- وأثره في الحُكم الشرعي.

والمقصود بالتَّبديل هنا: الانتقال من حكمٍ غير تعبُّديٍّ, ولا من المقدَّرات الشَّرعيَّة كان معمولًا به، إلى حُكم آخَر مغاير له، يُحقِّق مصلحةًً طارئةًً تقتضي القولَ به والعدول إليه.

أمَّا الأحكام التعبدية وما أُلحق بها، فإنَّ الفقهاء مُجمِعون على: أنَّها لا تقبلُ تبديلًا ولا تغييرًا بحال من الأحوال؛ لأنَّها أحكامٌ توقيفيَّة، حتى مع ذكْر حكمة مشروعيَّتها. وهي تختلف مع أحكام المعاملات ونحوها، ممَّا هو مبنيٌّ على مصالح العباد وحاجاتهم؛ فإنَّ الأحكام بالنسبة لها مرتبطة بالمعاني والآثار التي انْبَنَتْ عليها؛ ولذا جاءت النصوص فيها مجملةً وعامة في حدود القواعد الكلية، فكانت خاضعةً للمصالح ومرتبطةً بها.

ولهذا ذهب فريق من الفقهاء إلى جواز تبديل أحكامها، وإن وُجدت نصوص مخالفةٌ لها، أو وُجد إجماع يختلف في الظاهر مع هذا؛ لأنَّ الحُكم فيها يدور مع العلَّة والمقصد وجودًا وعدمًا؛ فأفتََوا ببعض أحكام تخالف منطوق النَّصِّ.

على أنَّ جمهور الفقهاء يخصُّون التبديل بالأحكام, التي لم يَرِد فيها نصٌّ ولا إجماع صحيح؛ وهذا ما نؤيِّده في الجملة؛ سدًَّا لباب التلاعب وتحكيم الهوى والغرض.

وهناك ما يؤيِّد القول بالتبديل بصفة عامة عند اقتضاء المصلحة له، وذلك ممَّا ورد عمّن فهموا روح الشَّريعة ومراميها من الفقهاء والباحثين, كما في قول ابن القيم مثلًا: “إنَّ تغيّر الفتوى بحسب الأمكنة والأحوال والنِّيَّات والعوائد، معنًى عظيمُ النَّفع جدًّا، وقع بسبب الجهل به غلطٌ عظيم على الشَّريعة، أوجب من الحرج والمشقَّة ما يفيد أنَّ هذه الشريعة لا يُعقل أن تأتيَ به”.

وكما في نقل الزَّيلعي الحنفي عن فقهاء بلخ: أنَّ الأحكام قد تختلف باختلاف الأزمان, وفي قول القرافي المالكي أيضًا: “إنَّ الجمود على المنقولات أبدًا ضلالٌ في الدين، وجهْل بمقاصد علماء المسلمين والسلف”.

الفكرة الثانية: الشارع الحكيم هو الذي رسم خطّة التَّغيير في بعض الأحكام:

الشارع الحكيم منذ نزول القرآن، هو الذي رسَم لنا تلك الخطة بالتَّغيير في الأحكام, بالنَّسخ لبعضها والتَّدرُّج في تشريعها؛ مسايرةً لمصالح الناس بالأخفّ والأيسر عند الحاجة، أو انتقالًا إلى الأشقِّ كذلك عند الحاجة؛ تثبيتًا للنُّفوس ومقاومةً لما فيها من رعونات أو انحرافاتٍ قد تجرُّ إلى فساد الاختلاف والعداوة، وإنَّ في هذا التَّصرُّف لَتعليمًا لولاة الأمر من الحُكام والعلماء أن يسلكوا هذا التصرف، وأن يتَّخذوا من حكمة الشارع حكمةً تُمكِّن الناس من خلافة الله في الأرض، بالتماس ما يُصلحُهم، والدَّوران حولَ ما تَطَلَّبُهُ حاجاتُهم ومنافعهم.

ومع هذا، فمعلومٌ أنَّ النسخ في الأحكام والتّدرج في تشريعها من اختصاصات المشرِّع، ومن الأمور التي لا تكون إلا في فترة الوحي ولا تقع بعدها؛ لكننا نفيد فقط من هذا المنهج في سياساتنا وأمورنا الاجتهادية, التي قد تتغير بتغيُّر الظروف والأحوال.

error: النص محمي !!