• العربية
Top
Image Alt

تفريعات ابن الصلاح على صيغ الأداء

  /  تفريعات ابن الصلاح على صيغ الأداء

تفريعات ابن الصلاح على صيغ الأداء

قال الشيخ أبو عمر بن الصلاح -رحمه الله تعالى-: تفريعات: الأول: إذا كان أصل الشيخ عند القراءة عليه بيد غيره، وهو موثوق به مراعٍ لما يُقرأ، أهلٌ لذلك، فإن كان الشيخ يحفظ ما يُقرأ عليه؛ فهو كما لو كان أصله بيد نفسه، بل أولى بتعاضد ذِهْنَيْ شخصين عليه، وإذا كان الشيخ لا يحفظ ما يُقرأ عليه؛ فهذا مما اختلفوا فيه، ورأى بعض أئمة الأصول أن هذا سماع غير صحيح، والمختار أن ذلك صحيح، وبه عمل معظم الشيوخ وأهل الحديث، وإذا كان الأصل بيد القارئ، وهو موثوق به دينًا ومعرفةً، فكذلك الحكم فيه وأولى بالتصحيح، وأما إذا كان أصله بيد من لا يوثق بإمساكه له، ولا يؤمن إهماله لما يُقرأ؛ فسواء كان بيد القارئ أو بيد غيره في أنه سماع غير معتدٍّ به، إذا كان الشيخ غير حافظ للمقروء عليه، والله أعلم. الثاني: إذا قرأ القارئ على الشيخ قائلًا “أخبرك فلان” أو قلت: “أخبرنا فلان” أو نحو ذلك والشيخ ساكت مصغٍ إليه، فاهم لذلك، غير منكر له؛ فهذا كافٍ في ذاته، واشترط بعض الظاهرية وغيرهم إقرار الشيخ نطقًا، وبه قطع الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وأبو الفتح سليم الرازي، وأبو نصر بن الصباغ من الفقهاء الشافعيين، قال أبو نصر: ليس له أن يقول حدثني أو أخبرني، وله أن يعمل بما قُرئ عليه، وإذا أراد روايته عنه قال: “قرأت عليه” أو “قرئ عليه وهو يسمع”. وفي حكاية بعض المصنفين للخلاف في ذلك أن بعض الظاهرية شرط إقرار الشيخ عند تمام السماع بأن يقول القارئ للشيخ: وهو كما قرأته عليك، فيقول: نعم، والصحيح أن ذلك غير لازم، وأن سكوت الشيخ على الوجه المذكور نازل منزلة تصريحه بتصديق القارئ؛ اكتفاءً بالقرائن الظاهرة، وهذا مذهب الجماهير من المحدِّثين والفقهاء، وغيرهم، والله أعلم”. الثالث: فيما نرويه عن الحاكم أبي عبد الله الحافظ -رحمه الله تعالى- قال: “الذي أختاره في الرواية وعهدت عليه أكثر مشايخي، وأئمة عصري أن يقول في الذي يأخذه من المحدِّث لفظًا وليس معه أحد: حدثني فلان، وما يأخذه من المحدِّث لفظًا ومعه غيره: حدثنا فلان، وما قرأ على المحدِّث بنفسه: أخبرني فلان، وما قرئ على المحدِّث وهو حاضرٌ: أخبرنا فلان. وقد روينا نحو ما ذكره عن عبد الله بن وهب صاحب مالك رضي الله عنهما، وهو حسن رائق، فإن شكَّ في شيء عنده أنه من قبيل حدثنا أو أخبرنا، أو من قبيل حدثني أو أخبرني بتردده في أنه كان عند التحمل والسماع وحده، أو مع غيره؛ فيحتمل: ليقل حدثني أو أخبرني؛ لأن عدم غيره هو الأصل. ولكن ذكر علي بن عبد الله المديني الإمام عن شيخه يحيى بن سعيد القطان الإمام، فيما إذا شك أن الشيخ قال: حدثني فلان، أو قال حدثنا فلان، أنه يقول: حدثنا. وهذا يقتضي فيما إذا شك في سماع نفسه في مثل ذلك أن يقول: حدثنا وهو عندي، يتوجه بأن حدثني أكمل مرتبة، وحدثنا أنقص مرتبة؛ بل يقتصر إذا شكَّ على الناقص؛ لأن عدم الزائد هو الأصل، وهذا لطيف. ثم وجدت الحافظ أحمد البيهقي -رحمه الله- قد اختار بعد حكاية قول القطان ما قدمته، ثم إن هذا التفصيل من أصله مستحبٌّ، وليس بواجب، حكاه الخطيب الحافظ عن أهل العلم كافة؛ فجائز إذا سمع وحده أن يقول حدثنا، أو نحوه بجواز ذلك للواحد في كلام العرب، وجائز إذا سمع في جماعة أن يقول: حدثني؛ لأن المحدِّث حدَّثه، وحدَّث غيره، والله أعلم. الرابع: روينا عن أبي عبد الله أحمد بن حنبل رضي الله عنه أنه قال: “اتبع لفظ الشيخ في قوله حدثنا وحدثني، وسمعت وأخبرني، ولا تَعْدُهُ. قال ابن الصلاح: “ليس لك فيما تجده في الكتب المؤلفة من روايات من تقدمك أن تبدل في نفس الكتاب ما قيل فيه أخبرنا بحدثنا، ونحو ذلك, وإن كان في إقامة أحدهما مقام الآخر خلاف وتفصيل سبق؛ لاحتمال أن يكون من قال ذلك ممن لا يرى التسوية بينهما, ولو وجدت من ذلك إسنادًا عرفت من مذهب رجاله التسوية بينهما، فإقامتك أحدهما مقام الآخر من باب تجويز الرواية بالمعنى، وذلك وإن كان فيه خلاف معروف؛ فالذي نراه الامتناع من إجراء مثله في إبدال ما وُضع في الكتب المصنفة، والمجامع المجموعة”. وما ذكره الخطيب أبو بكر في (الكفاية) من إجراء ذلك الخلاف في هذا، فمحمول عندنا على ما يسمعه الطالب من لفظ المحدِّث غير موضوع في كتاب مؤلف، والله أعلم. الخامس: يصح السماع ممن هو وراء الحجاب إذا عرف صوته فيما إذا حدَّث بلفظه، وإذا عرف حضوره بمسمع منه فيما إذا قُرئ عليه، وينبغي أنه يجوز الاعتماد في معرفة صوته وحضوره على خبر من يوثق به، وقد كانوا يسمعون من عائشة رضي الله عنها وغيرها من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من وراء حجاب، ويروونه عنهنَّ اعتمادًا على الصوت. واحتج عبد الغني بن سعيد الحافظ في ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: ((إن بلالًا ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم))، وروى بإسناده عن شعبة أنه قال: “إذا حدثك المحدِّث فلم ترَ وجهه؛ فلا تروِ عنه، فلعله شيطان قد تصور في صورته، يقول: حدثنا وأخبرنا” والله أعلم. السادس: من سمع من شيخ حديثًا ثم قال: لا تروه عني، أو لا آذن لك في روايته عني، أو قال: لست أخبرك به، أو رجعت عن إخباري إياك به، فلا تروه عنه، غير مسند ذلك إلى أنه أخطأ فيه أو شك فيه ونحو ذلك، بل منعه من روايته عنه مع جزمه بأنه حديثه وروايته، فذلك غير مبطل لسماعه، ولا مانع له من روايته عنه. وسأل الحافظ أبو سعيد النيسابوري الأستاذ أبا إسحاق الإسفرائيني -رحمهم الله تعالى- عن محدِّّث خص بالسماع قومًا، فجاء غيرهم، وسمع منه من غير علم المحدِّث به، هل يجوز له رواية ذلك عنه؟ فأجاب بأنه يجوز، ولو قال المحدِّث: إني أخبركم ولا أخبر فلانًا؛ لم يضره، والله أعلم. السابع: اختلف أهل العلم في صحة سماع من ينسخ وقت القراءة، فورد عن الإمام إبراهيم الحربي، وأبي أحمد بن علي الحافظ، والأستاذ أبي إسحاق الإسفرائيني الفقيه الأصولي وغيرهم نفيُ ذلك. وروينا عن أبي بكر أحمد بن إسحاق الضبعي أحد أئمة الشافعيين بخراسان أنه سُئل عمن يكتب في السماع فقال: يقول: حضرت، ولا يقل حدثنا ولا أخبرنا. وورد عن موسى بن هارون الحمال تجويز ذلك، وعن أبي حاتم الرازي قال: كتبت عند عالم وهو يقرأ، وكتبت عند عمر بن مرزوق وهو يقرأ، وعن عبد الله بن المبارك أنه قرئ عليه وهو ينسخ شيئًا آخر غير ما يُقرأ، ولا فرق بين النسخ من السامع والنسخ من المُسمع، قلت: وخير من هذا الإطلاق التفصيل، لذا فلا يصح السماع إذا كان النسخ بحيث يمتنع معه فهم الناسخ لما يُقرأ، قال ابن الصلاح: “وخير من هذا الإطلاق التفصيل، ولا يصح السماع إذا كان النسخ بحيث يمتنع معه فهم الناسخ لما يُقرأ، حتى يكون الواصل إلى سمعه كأنه صوت غُفل، ويصح إذا كان بحيث لا يمتنع معه الفهم، كمثل ما رويناه عن الحافظ العالم أبي الحسن الدارقطني أنه حضر في حداثته مجلس إسماعيل الصفار، فجلس ينسخ جزءًا كان معه، وإسماعيل يملي، فقال له بعض الحاضرين: لا يصح سماعك وأنت تنسخ، فقال: فهمي للإملاء خلاف فهمك، ثم قال: تحفظ كم أملى الشيخ من حديث إلى الآن؟ فقال: لا، فقال الدارقطني: أملى ثمانية عشر حديثًا، فُعدت الأحاديث فوجدت كما قال، ثم قال أبو الحسن: الحديث الأول منها عن فلان عن فلان، ومتنه كذا، والحديث الثاني عن فلان عن فلان ومتنه كذا، ولم يزل يذكر أسانيد الأحاديث ومتونها على ترتيبها في الإملاء حتى أتى على آخرها، فتعجب الناس منه، والله أعلم”.

error: النص محمي !!