Top
Image Alt

تفسير الباطنية “الصوفية”

  /  تفسير الباطنية “الصوفية”

تفسير الباطنية “الصوفية”

ينقسم التصوف إلى قسمين أساسيين:

تصوف نظري: وهو التصوف الذي يقوم على البحث والدراسة.

وتصوف عملي: وهو التصوف الذي يقوم على التقشّف، والزهد، والتفاني في طاعة الله سبحانه وتعالى.

1. التفسير الصوفي النظري:

أ. تفسير ابن عربي:

محيي الدين بن عربي، شيخ هذه الطريقة في التفسير، وهو أكثر أصحابه معالجة للقرآن على هذه الطريقة، وإن كان له من التفسير الإشاري ما يجعله في عداد المفسرين الإشاريين إن لم يكن شيخهم أيضًا، فنقرأ لابن عربي في الكتب التي يُشَكُّ في نسبتها إليه، كالتفسير المشهور باسمه، وفي الكتب التي تُنسب إليه على الحقيقة كالفتوحات المكية، والفصوص.

– تأثُّر ابن عربي بالنظريات الفلسفية:           

فنراه يطبق كثيرًا من الآيات القرآنية على نظرياته الصوفية الفلسفية؛ فمثلًا: يفسّر بعض الآيات بما يتّفق والنظريات الفلسفية الكونية، فعند قوله تعالى: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} [إدريس: 57]، يقول: وأعلى الأمكنة المكان الذي تدور عليه رحى عالم الأفلاك، وهو فلك الشمس، وفيه مقام روحانية إدريس، وتحته سبعة أفلاك، وفوقه سبعة أفلاك، وهو الخامس عشر.

ثم ذكر الأفلاك التي تحته والتي فوقه، ثم قال: وأما علوّ المكانة، فهو لنا -أعني: المحمديين- كما قال تعالى: {وَأَنتُمُ الأعْلَوْنَ} [النساء: 139]، والله معكم في هذا العلوّ، وهو يتعالى عن المكان لا عن المكانة.

وعند قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىَ الْكِتَابَ وَقَفّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرّسُلِ} [البقرة: 87]، إلى قوله: {كَأَنّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} يقول: والظاهر أن (جبرائيل) هو العقل الفعّال، و(ميكائيل) هو روح الفلك السادس، وعقله المفيض بالنفس النباتية الكلية الموكلة بأرزاق العباد، و(إسرافيل) هو روح الفلك الرابع، وعقله المفيض بالنفس الحيوانية الكلية الموكلة بالحيوانات، و(عزرائيل) هو روح الفلك السابع الموكّل بالأرواح الإنسانية كلّها يقبضها بنفسه، أو بالوسائط التي هي أعوانه، ويسلّمها إلى الله تعالى.

تأثره بنظرية وحدة الوجود:

تأثّر ابن عربي، في تفسيره للقرآن بنظرية وحدة الوجود -التي هي أهم النظريات التي بنى عليها تصوّفه- فنراه في كثير من الأحيان يشرح الآيات على وَفْق هذه النظرية، حتى أنه ليخرج بالآية عن مدلولها الذي أراده الله تعالى؛ فمثلًا: عندما تعرّض لقوله تعالى: {يَأَيّهَا النّاسُ اتّقُواْ رَبّكُمُ الّذِي خَلَقَكُمْ مّن نّفْسٍ وَاحِدَةٍ} [النساء: 1]، يقول: اتقوا ربكم، اجعلوا ما ظهر منكم وقاية لربكم، واجعلوا ما بطن منكم -وهو ربكم- وقاية لكم، فإن الأمر ذمّ وحمد، فكونوا وقايته في الذّمّ، واجعلوه وقايتكم في الحمد، تكونوا أدباء عالمين.

وفي تفسيره لقوله تعالى: {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي}(29) {وَادْخُلِي جَنّتِي} [الفجر: 29،30]، يقول: وادخلي جنتي التي هي ستري، وليست جنتي سواك، فأنت تسترني بذاتك الإنسانية فلا أعرف إلا بك، كما أنك لا تكون إلا بي؛ فمن عرفك عرفني، وأنا لا أُعْرَفُ، فأنت لا تُعرف، فإذا دخلت جنته دخلت نفسك، فتعرف نفسك معرفة أخرى غير المعرفة التي عرفتها حين عرفت ربك بمعرفتك إيّاها، فتكون صاحب معرفتين؛ معرفة به من حيث أنت، ومعرفة به بك من حيث هو لا من حيث أنت، فأنت عبد رأيت ربًّا، وأنت رب لمن له فيه أنت عبد، وأنت رب وأنت عبد لمن له في الخطاب عهد.

وعند قوله تعالى: {رَبّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً} [آل عمران: 191]، أي: شيئًا غيرك، فإن غير الحق هو الباطل؛ بل جعلته أسماءك ومظاهر صفاتك سبحانك، ننزهك أن يوجد غيرك، أي: يقارن شيء فردانيتك، أو يثني وحدانيتك.

وعند قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكّاهَا}(9) {وَقَدْ خَابَ مَن دَسّاهَا} [الشمس: 9- 10]، يقول: تحقيق هذا الذكر أن النفس لا تسكن إلا بربّها، فيه تشريف وتعظيم في ذاتها؛ لأن الزكاة زيادة، فمن كان الحق سمعَه وبصره وجميع قواه -والصورة في الشاهد صورة خلق- فَقَدْ زَكَّت من هذا نعمته، وربت، وأنبتت من كل زوج بهيج كالأسماء الإلهية لله، والخلق كله بهذا النعت في نفس الأمر، ولولا أنه هكذا في نفس الأمر ما صح بصورة الخلق ظهور، ولا وجود؛ ولذلك خاب من دسّاها؛ لأنه جهل ذلك، فتخيّل أنه دسّها في هذا النعت، وما علم أن هذا النعت لنفسه نعت ذاتيٌّ لا ينفك عنه ويستحل زواله؛ لذلك وصفه بالخيبة؛ حيث لم يعلم هذا؛ ولذلك قال: قد أفلح ففرض له البقاء، والبقاء ليس إلا للَّهِ، أو لما كان عند الله، وما ثمّ إلا الله أو ما هو عنده، فخزائنه غير نافذة، فليس إلا صور تعقب صورًا، انتهى.

وغير هذا الكثير من قَصْرِ الآيات، وإخضاعها لنظرية وحدة الوجود، التي يدين بها ابن عربي.

فهْمه بعض النصوص القرآنية، فهمًا خياليًّا منتزعًا من المُشَاهَدِ المحسوس:

ونجد ابن عربي يفهم بعض النصوص القرآنية فهمًا خياليًّا منتزعًا من المُشَاهَدِ المحسوس، فمثلًاعند تفسيره لقوله تعالى: {الرّحْمَـَنُ}(1) {عَلّمَ الْقُرْآنَ}(2) {خَلَقَ الإِنسَانَ}(3) {عَلّمَهُ البَيَانَ}(4) {الشّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ}(5) {وَالنّجْمُ وَالشّجَرُ يَسْجُدَانِ}(6) {وَالسّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ}(7) {أَلاّ تَطْغَوْاْ فِي الْمِيزَانِ}(8) {وَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ الْمِيزَانَ} [الرحمن: 1-9]، يقول ما نصه: {الرّحْمَـَنُ}(1) {عَلّمَ الْقُرْآنَ} على، أي: قلب نزل {خَلَقَ الإِنسَانَ} فعين له الصنف المنزل عليه {عَلّمَهُ البَيَانَ}، أي: نزل له البيان، فأبان عن المراد الذي في الغيب {الشّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} ميزان حركات الأفلاك، والنجم والشجر يسجدان لهذا الميزان، أي: من أجل هذا الميزان، فمنه ذو ساق -وهو الشجر- ومنه ما هو ما لا طاقة له -وهو النجم- فاختلفت السجدتان، وقوله: {وَالسّمَآءَ رَفَعَهَا} هي قبة الميزان، ووضع الميزان؛ ليزن به الثقلان {أَلاّ تَطْغَوْاْ فِي الْمِيزَانِ} بالإفراط والتفريط من أجل الخسران، {وَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ} مثل اعتدال نشأة الإنسان؛ إذ الإنسان لسان الميزان، وقوله: {وَلاَ تُخْسِرُواْ الْمِيزَانَ} أي: لا تفرطوا بترجيح إحدى الكفتين إلا بالفضل، وقال تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ} [الأنبياء: 47]، أنه ما من صنعة، ولا مرتبة، ولا حال، ولا مقام إلا والوزن حاكم عليه علمًا وعملًا؛ فللمعاني ميزان بيد العقل، يُسمّى المنطق، يحتوي على كفّتين تُسمّى المقدّمتين، وللكلام ميزان يُسمّى النحو، يُوزن به الألفاظ لتحقيق المعاني التي تدل عليه ألفاظ ذلك اللسان، ولكل ذي لسان ميزان، وهو المقدار المعلوم الذي قرنه الله بإنزال الأرزاق، فقال: {إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}، وقد خلق جسد الإنسان على صورة الميزان، وجعل كفتيه يمينه وشماله، وجعل لسانه قائمة ذاته، فهو لأي جانب مال، وقرن الله السعادة باليمين، وقرن الشقاء بالشمال، وجعل الميزان الذي يُوزن بالأعمال على شكل القطبان؛ ولهذا وصف بالثقل، والخفة؛ ليجمع بين الميزان العددي، وهو قوله: {بِحُسْبَانٍ} وبين ما يوزن بالرطل، ولا يكون ذلك إلا في القطبين؛ فلذلك لم يعين الكفتين؛ بل قال: {فَأَمّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} [القارعة: 6]، في حق السعداء، وأما من خفت موازينه في حق الأشقياء، ولو كان ميزان الكفتين، لقال: وأما من ثقلت كفة حسناته فهو كذا، وأما من خفت كفة سيئاته فهو كذا، وإنما جعل ميزان الثقل، هو عين ميزان الكفة التي هي صورة القطبين، ولو كانتا كفتين لوصف كفة السيئات بالثقل أيضًا، إذا رجحت على الحسنات، وما وصفها قط إلا بالخفة، فعرفنا أن الميزان على شكل القطبين.

تطويع النحو على حسب هواه:

يخضع ابن عربي التفسير الصوفي النظري إلى القواعد النحوية أحيانًا، ولكنه خضوع يُكَيِّفُهُ الصوفي على حسب ما يرضي روحه، ويوافق ذوقه، فنجد ابن عربي، مثلًا عند تفسيره لقوله تعالى: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظّمْ حُرُمَاتِ اللّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لّهُ عِندَ رَبّهِ} [الحج: 30]، يقول: وقوله: {عِندَ رَبّهِ} العامل في هذا الظرف في طريقنا، قوله: {وَمَن يُعَظّمْ} أي: من يعظمها، أي: ومن يعظمها عند ربه، أي: في ذلك الموطن، فلتبحث في المواطن التي تكون فيها عند ربك ما هي؟ كالصلاة مثلًا؛ فإن المصلِّي يُناجي ربه، فإذا عظم حرمة الله في هذا الموطن كان خيرًا له، والمؤمن إذا نام على طهارة فروحه عند ربه، فَيُعَظَّم هناك حرمة الله، فيكون الخير الذي له في مثل هذا الموطن المَبْشَرَة التي يحصل له في نومه، أو يراها له غيره، والمواطن التي يكون فيها العبد عند ربه، كثيرة يعظم فيها حرمات الله على الشهود.

ب. التفسير الصوفي النظري في الميزان:

ومن هذه الأمثلة نستطيع أن نقرّر أن التفسير الصوفي النظري، تفسير يخرج بالقرآن في الغالب عن هدفه الذي يرمي إليه؛ بأن يقصد القرآن هدفًا معينًا بنصوصه وآياته، ويقصد الصوفي هدفًا معينًا بآياته ونظرياته، وقد يكون بين الهدفين تنافر وتضاد، فيأبى الصوفي إلا أن يحول القرآن عن هدفه ومقصده، إلى ما يقصده هو ويرمي إليه، وغرضه أن يروج لتصوفه على حساب القرآن، وأن يقيم نظرياته وأبحاثه على أساس من كتاب الله، وبهذا الصنيع يكون قد خدم فلسفته التصوفية، ولم يعمل للقرآن شيئًا اللهم إلا هذا التأويل، الذي هو إلحاد في آيات الله.

فابن عربي يميل ببعض الآيات إلى مذهبه القائل بوحدة الوجود، ورأينا غيره كأبي يزيد البسطامي، والحلاج وغيرهما يسلك هذا المسلك نفسه، أو قريبًا منه، ووحدة الوجود عندهم، معناها: أنه ليس هناك إلا وجود واحد لكل العالم، فالله سبحانه هو الموجود الحق وكل ما عداه ظواهر وأوهام، ولا تُوصف بالوجود، إلا بضرب من التوسع والمجاز، وهذه النظرية سرت إلى بعض المتصوّفة عن طريق الفلاسفة، وعن طريق الإسماعيلية الباطنية الذين خالطوهم، وأخذوا عنهم مذهبهم القائل: بحلول الإله في أئمتهم، وصوّروه -أعني: الصوفية- بصورة أخرى تتفق مع مذهب الباطنية في الحقيقة، وإن اختلفت في الاصطلاح والألفاظ.

هذا المذهب الذي خَوَّلَ لمثل الحلاج، أن يقول: أنا الله، ولمثل ابن عربي، أن يقول: إن عجل بني إسرائيل، أحد المظاهر التي اتخذها الله وحلّ فيها، والذي جرّه فيما بعدُ إلى القول بوحدة الأديان؛ لا فرق بين سماوي وغير سماوي؛ إذ الكل يعبدون الإله الواحد المتجلي في صورهم، وصور جميع المعبودات، هذا المذهب الذي يذهب بالدين من أساسه، هل يكون سائغًا ومقبولًا أن نجعله أصلًا نبني عليه أفهامنا لآيات القرآن الكريم؟ وهل يليق بابن عربي -وهو الأستاذ الأكبر- أن ينظر من خلاله، إلى مثل قوله تعالى: {إِنّ الّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}(6) {خَتَمَ اللّهُ عَلَىَ قُلُوبِهمْ وَعَلَىَ سَمْعِهِمْ وَعَلَىَ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ} [البقرة: 6- 7]، فيقول -شارحًا لهذا النص القرآني-: يا محمد، إن الذين كفروا ستروا محبّتهم فيَّ، دعهم فسواء عليهم أأنذرتهم بوعيدك الذي أرسلتُك به، أم لم تنذرهم، لا يؤمنون بكلامك فإنهم لا يعقلون غيري، وأنت تنذرهم بخلقي، وهم ما عقلوه ولا شاهدوه، وكيف يُؤمنون بك، وقد ختمت على قلوبهم، فلم أجعل فيها متسعًا لغيري، وعلى سمعهم فلا يسمعون كلامًا في العالم إلا منّي، وعلى أبصارهم غشاوة من بهائي عند مشاهدتي، فلا يبصرون سواي، ولهم عذاب عظيم عندي!.

وهذا التفسير لابن عربي -والذي أسس على نظريات الفلاسفة، الذين بحثوا في الطبيعة، وما وراء الطبيعة، والذي جرى عليه ابن عربي، وغيره من المتصوفة، في تفسيرهم لبعض الآيات القرآنية- لا نقبله على أنه تفسير موافق لمراد الله تعالى ومقصوده الذي جاء القرآن من أجله، وإن كنا نقبله -إن صح- على أنه مما تحتمله الآية، ما دام لا يعارض القرآن، ولا ينافيه على أن كل ما جاء من ذلك، لا يعدو أن يكون ظنّيًّا، وقد يظهر خطّؤه في يوم من الأيام، فكيف نحمل عليه القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟

أما التفسير الذي يبنى على قياس الغائب على الشاهد، كتفسير ابن عربي لحقيقة الميزان الذي تُوزن به الأعمال يوم القيامة، فهذا ضرب من التخمين، والتخمين لا يجوز أن يدخل في فهم الأشياء التي لا يتوصّل إلى حقيقتها، إلا من طريق السمع عن المعصوم صلى الله عليه وسلم.

وأما التفسير الذي يبنى على قواعد نحويةٍ أو بلاغية فهذا إن ساعده السياق والسباق قُبل، وإلا أعرضنا عنه، وأخذنا بما يصحّحه النظر ويقويه الدليل، هذا ما نراه في تفسير ابن عربي؛ لذلك لم نسمع بأن أحدًا ألف في التفسير الصوفي النظري كتابًا خاصًّا يتتبع القرآن آية آية كما أُلِّفَ مثل ذلك بالنسبة للتفسير الإشاري، وكل ما وجد منه، نصوص متفرقة اشتمل عليها التفسير المنسوب إلى ابن عربي، و(الفتوحات المكية)، له، و(الفصوص)، له أيضًا، كما يوجد بعض ذلك في كثير من كتب التفسير المختلفة.

2. التفسير الإشاري:

أ. حقيقة التفسير الفيضي أو الإشاري:

حقيقة التفسير الفيضي، أو الإشاري: هو تأويل آيات القرآن الكريم على خلاف ما يظهر منها، بمقتضى إشارات خفيّة تظهر لأرباب السلوك، ويمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة.

الفرق بين التفسير الإشاري، والتفسير الصوفي النظري، هو أن التفسير الصوفي النظري ينبني على مقدمات علمية تنقدح في ذهن الصوفي أولًا، ثم ينزل القرآن عليها بعد ذلك، أما التفسير الإشاري فلا يرتكز على مقدمات علمية؛ بل يرتكز على رياضة روحية، يأخذ بها الصوفي نفسه، حتى يصل إلى درجة تنكشف له فيها من سَجَفِ العبارات هذه الإشارات القدسية، وتنهال على قلبه من سحب الغيب ما تحمله الآيات، من المعارف السُّبْحَانِيَّة، والتفسير الصوفي النظري يرى صاحبه أنه كل ما تحتمله الآية من المعاني، وليس وراءه معنى آخر يمكن أن تحمل الآية عليه، وهذا بحسب طاقته.

ب. هل للتفسير الإشاري أصل شرعي؟

لا يرى الصوفي أنه كل ما يراد من الآية؛ بل يرى أن هناك معنًى آخر تحتمله الآية، ويراد منها أولًا، ذلك هو المعنى الظاهر الذي ينساق إليه الذهن قبل غيره، لكن هل للتفسير الإشاري أصل شرعي؟

التفسير الإشاري ليس بالأمر الجديد في إبراز معاني القرآن الكريم؛ بل هو أمر معروف من لدن نزوله على رسول الله صلى الله عليه وسلم أشار إليه القرآن كما في قوله تعالى: ف{َمَا لِهَـَؤُلآءِ الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً} [النساء: 78]، وقوله تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً} [النساء: 82]، وأما تنبيه الرسول صلى الله عليه وسلم ففي حديثه الذي أخرجه الفريابي، برواية الحسن مرسلًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لكلّ آية ظهر وبطن، ولكل حرف حدّ، ولكل حدّ مطلع”، وفي الحديث أخرجه الديلمي من رواية عبد الرحمن بن عوف مرفوعًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “القرآن تحت العرش له ظهر وبطن، يحاجُّ العباد”، الحديث يثبت أن للقرآن ظهرًا وبطنًا، لكن ما المراد بالظاهر؟ وما المراد بالباطن؟ قيل: ظاهرها لفظها، وباطنها تأويلها.

ونقل عن الصحابة من الأخبار، ما يدل على أنهم عرفوا التفسير الإشاري، وقالوا به.

رُوي عن أبي الدرداء، أنه قال: “لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يجعل للقرآن وجوهًا”، والروايات الدالة على أنهم فسّروا القرآن تفسيرًا إشاريًّا، ما رواه البخاري، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه قال: كان عمر يُدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه -غضب- فقال: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه من حيث علمتم، فدعاه ذات يوم فأدخله معهم، فما رُئِيتُ أنه دعاني يومئذٍ إلا ليريهم، قال: ما تقولون في قوله تعالى: {إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر: 1]؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا، فقال لي: أكذلك تقول يابن عباس؟ فقلت: لا، فقال: فما تقول? قلت: هو أَجَلُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه له، قال: {إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر:1]، وذلك علامات أجله {فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنّهُ كَانَ تَوّابَا} [النصر: 3]، فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول.

وورد أن بعض الصحابة، فسّروا القرآن تفسيرًا إشاريًّا، حينما نزل قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلاَمَ دِيناً} [المائدة: 3]، فرح الصحابة، وبكى عمر رضي الله عنه وقال: ما بعد الكمال إلا النقص؛ مستشعرًا نعيه صلى الله عليه وسلم فقد أخرج بن أبي شيبة: أن عمر رضي الله عنه لما نزلت الآية بكى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما يُبكيك؟ قال أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا، فأما إذا كَمُلَ، فإنه لم يكمل شيء إلا نقص، فقال صلى الله عليه وسلم: (صدقت).

فأدرك عمر رضي الله عنه المعنى الإشاري، وهو نعي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقرّه النبي على فهمه، وأما باقي الصحابة، فقد فرحوا بنزول الآية؛ لأنهم لم يفهموا أكثر من المعنى الظاهري لها.

ونجد أن الصوفية -أهل الحقيقة، وأصحاب الإشارة- قد اعترفوا بظاهر القرآن ولم يجحدوه، كما اعترفوا بباطنه، لكنهم حين فسرّوا المعاني الباطنة، خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، فبينا تجد لهم أفهامًا مقبولة سائغة، تجد بجوارها أفهامًا لا يمكن أن يقبلها العقل، أو يرضى بها الشرع.

جـ. شروط التفسير الإشاري:

أولًا: ألّا يكون التفسير الإشاري منافيًّا للظاهر من النظم القرآني الكريم.

ثانيًا: أن يكون له شاهد شرعي يؤيّده.

ثالثًا: ألا يكون له معارض شرعي، أو عقلي.

رابعًا: ألا يدّعي أن التفسير الإشاري، هو المراد وحده دون الظاهر؛ بل لا بد أن يعترف بالمعنى الظاهر أولًا؛ إذ لا يطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر، ومن ادّعى فَهْمَ أسرار القرآن، ولم يحكم التفسير الظاهر، فهو كمن ادعى البلوغ إلى صدر البيت قبل أن يجاوز الباب، إذا علمت هذا علمت بصورة قاطعة أنه لا يمكن لعاقل أن يقبل ما نقل عن بعض المتصوّفة، من أنه فسّر قوله تعالى:{مَن ذَا الّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255]، فقال معناه: (من ذل) من الذل إلى النفس، (يشف) من الشفاء، (عِ) أمر من الوعي.

وما نُقل عن بعضهم، من أنه فسر قوله تعالى: {وَإِنّ اللّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69]، فجعل {لَمَعَ} فعلًا ماضيًا بمعنى أضاء، و {الْمُحْسِنِينَ} مفعوله.

هذا التفسير وأمثاله إلحاد في آيات الله، والله تعالى يقول: {إِنّ الّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيَ آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ} [فصلت: 40]، قال الألوسي في تفسير هذه الآية: أي: ينحرفون في تأويل آيات القرآن عن جهة الصحة والاستقامة، فيحملونها على المحامل الباطلة، وهو مراد ابن عباس بقوله: يضعون الكلام في غير موضعه.

هذه هي الشروط التي إذا توفّرت في التفسير الإشاري، كان مقبولًا، ومعنى كونه مقبولًا عدم رفضه لا وجوب الأخذ به؛ أما عدم رفضه فلأنه غير منافٍ للظاهر، ولا بالغ مبلغ التعسّف، وليس له ما ينافيه، أو ما يعارضه من الأدلة الشرعية، أما عدم وجوب الأخذ به؛ فلأنه من قبيل الوجدانيات، والوجدانيات لا تقوم على دليل ولا تستند إلى برهان؛ وإنما هي أمرٌ يجده الصوفي من نفسه، وسرّ بينه وبين ربه، فله أن يأخذ به، ويعمل بمقتضاه دون أن يُلزم به أحدًا سواه.

2. أهم كتب التفسير الإشاري:

من العلماء من غلبت عليه ناحية التفسير الإشاري، ومع ذلك فهو يتعرّض أحيانًا للتفسير الظاهر كما فعل سهل التستري، ومنهم من وجّه همّته كلها للتفسير الإشاري، ولم يَحُمْ حول المعاني الظاهرة كما فعل أبو عبد الرحمن السُّلَمِي، ومنهم من أعرض عن الظاهر، وجمع في تفسيره بين التفسير الصوفي النظري والتفسير الصوفي الإشاري، كما فعل صاحب التفسير المنسوب لابن عربي.

تفسير التستري:

وأهم الكتب التي تتحدّث عن التفسير الإشاري، هي (تفسير القرآن العظيم)، للتستري، المولود بِتُسْتَر، سنة (200) هـ.

في هذا التفسير نجد مؤلفه يقدّم له بمقدمة يوضّح فيها معنى ظاهر القرآن وباطنه، ومعنى الحد والمطلع، فيقول: ما من آية في القرآن إلا ولها أربعة معانٍ؛ ظاهر، وباطن، وحد، ومطلع، فالظاهر: التلاوة، والباطن: الفهم، والحد: حلالها وحرامها، والمطلع: إشراق القلب على المراد بها، فقهًا من الله عز وجل، فالعلم الظاهر علم عام، والفهم لباطنه، والمراد به خاصّ.

قال تعالى: {فَمَا لِهَـَؤُلآءِ الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً} [النساء: 78]، أي: لا يفقهون خطابًا، ويقول في موضع آخر: قال سهل: إن الله تعالى ما استولى وليًّا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلا علمه القرآن؛ إما ظاهرًا وإما باطنًا، قيل له: إن الظاهر نعرفه، فالباطن ما هو؟ قال: فهمه، وإن فهمه هو المراد.

فنأخذ من هاتين العبارتين، أن سهل التستري يرى أن الظاهر: هو المعنى اللغوي المجرد، وأن الباطن: هو المعنى الذي يُفْهم من اللفظ، ويريده الله تعالى من كلامه، كما نأخذ منه، أنه يرى أن المعاني الظاهرة أمر عام، يقف عليها كل من يعرف اللسان العربي، أما المعاني الباطنة فأمر خاص يعرفه أهل الله، بتعليم الله إياهم، وإرشادهم إليه، كذلك نجد سهلًا رضي الله عنه لم يقتصر في تفسيره على المعاني الإشارية وحدها؛ بل يذكر المعاني الظاهرة أحيانًا، ثم يعقبها بالمعاني الإشارية، وقد يقتصر أحيانًا على المعنى الإشاري وحده، كما يقتصر أحيانًا على المعنى الظاهري، دون أن يعرج على باطن الآية، وحين يعرض سهل للمعاني الإشارية، لا يكون واضحًا في كل ما يقول؛ بل تارة بالمعاني الغريبة، التي نستبعد أن تكون مرادة لله، وذلك كالمعاني التي وردت عنه، في معنى البسملة، و{الَمَ} فاتحة البقرة، وتارة يأتي بالمعاني الغريبة، التي يمكن أن تكون من مدلول اللفظ، أو بما يشير إليه اللفظ، وذلك هو الغالب في تفسيره.

ونجده ينحو في كتابه هذا منحى تزكية النفس، وتطهير القلوب، والتحلّي بالأخلاق والفضائل التي يدل عليها القرآن -ولو بطريق الإشارة- وكثيرًا ما يسوق من حكايات الصالحين وأخبارهم ما يكون شاهدًا لما يذكره، كما أنه يتعرّض في بعض الأحيان لدفع إشكالات قد ترد على ظاهر اللفظ الكريم، وإليك نماذج من تفسيره:

عند تفسيره لقوله تعالى: {وَاتّخَذَ قَوْمُ مُوسَىَ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لّهُ خُوَارٌ} [طه: 148]، يقول ما نصّه: قد تعجل كل إنسان ما أقبل عليه، فأعرض به عن الله من أهل وولد، ولا يتخلّص من ذلك إلا بعد إفناء جميع حظوظه من أسبابه، كما لم يتخلص عبدة العجل من عبادته إلا بعد قتل النفوس.

وعند تفسيره لقوله تعالى: {الّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ}(78) {وَالّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ}(79) {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ}(80) {وَالّذِي يُمِيتُنِي ثُمّ يُحْيِينِ}(81) {وَالّذِيَ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدّينِ} [الشعراء: 78- 82]، يقول ما نصه: {الّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} أي: الذي خلقني لعبوديته يهديني إلى قربه، و {وَالّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ} قال: يطعمني لذة الإيمان، ويسقيني شراب التوكل والكفاية، و {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} قال: يعني إذا تحركت بغيره لغيره عصمني، وإذا ملت إلى شهوة من الدنيا منعها عني، و {وَالّذِي يُمِيتُنِي ثُمّ يُحْيِينِ} قال: الذي يميتني ثم يحيىني بالذكر، و{وَالّذِيَ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدّينِ} قال: أخرج كلامه على شروط الأدب بين الخوف والرجاء، ولم يحكم عليهم بالمغفرة.

فهذه المعاني كلها مقبولة، ويمكن إرجاعها دون تكلف إلى اللفظ القرآني، دون معارضة شرعية أو عقلية، ومنهج التستري يسير غالبًا على هذه الطريقة؛ وهي طريقة لا شوب فيها.

حقائق التفسير وعرائس البيان، للسلمي:

كتاب (حقائق التفسير)، للسلمي، المولود سنة (330 ) هـ، وهو يستوعب جميع سور القرآن، لكنه لا يتعرّض لكل الآيات؛ بل يتكلم عن بعضها ويترك البعض الآخر، ولا يتعرّض فيه لظاهر القرآن؛ وإنما جرى في جميع ما كتبه على نمط واحد؛ وهو التفسير الإشاري، وهو إذ يقتصر على ذلك لا يعني أن التفسير الظاهر غير مراد، فهو أَحَبَّ أن يجمع تفسير أهل الحقيقة في كتاب مستقل، كما فعل أهل الظاهر، ولم يكن للسلمي، مجهود من هذا التفسير أكثر من أنه جمع مقالات أهل الحقيقة بعضها إلى بعض، ورتّبها على حسب السور والآيات، وأخرجها للناس في كتاب سماه: (حقائق التفسير)، وأهم من ينقل عنه السلمي في حقائقه: جعفر بن محمد الصادق، وابن عطاء الله السكندري، والجُنَيْد، والفضيل بن عياض، وسهل بن عبد الله التستري، وغيرهم كثير.

وهاك نماذج من تفسير السلمي:

في قول الله تعالى: {وَلَوْ أَنّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوَاْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ مّا فَعَلُوهُ إِلاّ قَلِيلٌ مّنْهُمْ} [النساء: 66]، يقول: قال محمد بن الفضل: اقتلوا أنفسكم بمخالفة هواها، و {أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ} أي: أخرجوا حبّ الدنيا من قلوبكم، و {مّا فَعَلُوهُ إِلاّ قَلِيلٌ مّنْهُمْ} في العدد، كثير في المعاني، وهم أهل التوفيق والولايات الصادقة.

وفي قوله تعالى: {وَهُوَ الّذِي مَدّ الأرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ} [الرعد: 3]، يقول: قال بعضهم: هو الذي بسط الأرض، وجعل فيها أوتادًا من أوليائه، وسادة من عبيده، فإليهم الملجأ، وبهم النجاة، فمن ضرب في الأرض يقصده فاز ونجا، ومن كان بغيته لغيرهم خاب وخسر، سمعت عليّ بن سعيد يقول: سمعت أبا محمد الحريري يقول: كان في جوار الجنيد إنسان مصاب في خربة، فلما مات الجنيد وحملنا جنازته حضر الجنازة، فلما رجعنا تقدم خطوات، وعلا موضعًا من الأرض عاليًا، فاستقبلني بوجهه، وقال: يا أبا محمد، إني راجع إلى تلك الخربة، وقد فقدت ذلك السيد.

وفي قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ أَنزَلَ مِنَ السّمَآءِ مَآءً فَتُصْبِحُ الأرْضُ} [الحج: 63] قال بعضهم: أنزل مياه الرحمة من سحائب القربة، وفتح إلى قلوب عباده عيونًا من ماء الرحمة، فأنبتت، فاخضرّت بزينة المعرفة، وأثمرت الإيمان، وأينعت التوحيد، وأضاءت بالمحبّة، فهامت إلى سيّدها، واشتاقت إلى ربها، فطارت بِهِمَّتِهَا، وأناخت بين يديه، وعكفت فأقبلت عليه، وانقطعت عن الأكوان أجمع؛ ولذلك آواها الحق إليه، وفتح لها خزائن أنواره، وأطلق لها الخيرة في بساتين الأنس، ورياض الشوق والقدس.

وفي قوله تعالى: {إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر: 1] يقول: قال ابن عطاء الله: إذا شغلك به عمّا دونه فقد جاءك الفتح من الله تعالى، والفتح هو النجاة من السجن البشري بلقاء الله تعالى.

(عرائس البيان في حقائق القرآن)، لأبي محمد الشيرازي، المتوفى سنة (666)هـ:

هذا التفسير، جرى فيه مؤلفه على نمط واحد؛ هو التفسير الإشاري، ولم يتعرّض للتفسير الظاهر بحال، فمثلًا في قوله تعالى: {لّيْسَ عَلَى الضّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىَ الْمَرْضَىَ وَلاَ عَلَى الّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ} [التوبة: 91]، يقول: وصف الله زمرة أهل المراقبات، ومجالس المحاضرات، والهائمين في المشاهدات، والمستغرقين في بحار الأزليَّات، الذين أنحلوا جسومهم بالمجاهدات، وأمرضوا نفوسهم بالرياضات، وأذابوا قلوبهم بدوام الذكر، وجولانها في الفكر، وخرجوا بعقائدهم الصافية عن الدنيا الفانية، بمشاهدته الباقية؛ بأن رفأ عنهم بفضله حرج الامتحان، وأبقاهم في مجالس الأنس ورياض الإيقان، وقال: {لّيْسَ عَلَى الضّعَفَآءِ} يعني: الذين أضعفهم حمل أوقار المحبة، و {وَلاَ عَلَىَ الْمَرْضَىَ} الذين أمرضهم مرارة الصبابات، و {وَلاَ عَلَى الّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ} الذين يتجرّدون عن الأكوان، بتجديد التوحيد، وحقائق التغريب، و {حَرَجٌ}  عتاب من جهة العبودية والمجاهدة؛ لأنهم مقتوّلون بسيف المحبة، مطروحون بباب الوصلة، ضعفهم من الشوق، ومرضهم من الحب، وفقرهم من حسن الرضا.

وفي قوله تعالى: {وَاللّهُ جَعَلَ لَكُمْ مّمّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُمْ مّنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلّكُمْ تُسْلِمُونَ} [النحل: 81] يقول: يعني ظلال أوليائه؛ ليستظل بها المريدون من شدة حر الهجران، ويأوُوْن إليها من قهر الطغيان وشياطين الإنس والجان؛ لأنهم ظلال الله في أرضه؛ لقوله عليه السلام: ((السلطان ظلّ الله في أرضه يأوي إليه كل مظلوم))، و {وَجَعَلَ لَكُمْ مّنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً} أكنان الجبال، قلوب أكابر المعرفة، وظلال أهل السعادة من أهل المحبّة، يسكن فيها المنقطعون إلى الله، و {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرّ} جعل للعارفين سرابيل روح الإنس؛ لِئَلَّا يحترقوا بنيران القدس، و {وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ} سرابيل المعرفة، وأسلحة المحبة؛ لتدفعوا بها محاربة النفوس والشياطين، ثم زاد نعمته ومنته عليهم بقوله: {كَذَلِكَ يُتِمّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ}

فهذا هو منهج الشيرازي صاحب تفسير (عرائس البيان في حقائق القرآن).                

التفسير المنسوب لابن عربي:

نسبته لابن عربي:                             

بعض الناس يعتقد أن هذا التفسير من عمل ابن عربي؛ بل يرى أنه من عبد الرزاق القاشاني، وإنما نسب لابن عربي؛ ترويجًا له بين الناس، وتشهيرًا له بشهرة ابن عربي، وممن يرى هذا الرأي الأخير الشيخ محمد عبده في مقدمة التفسير التي اقتبسها الشيخ رشيد رضا من درسه، ورواها عنه بالمعنى، ووضعها في مقدمة (تفسير المنار)، وذلك حيث يذكر وجوه التفسير؛ يعدّ منها التفسير الإشاري، ثم يقول: وقد اشتبه على الناس فيه كلام الباطنية بكلام الصوفية، ومن ذلك التفسير الذي ينسبونه للشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي؛ وإنما هو للقاشاني الباطني الشهير، وفيه من النزعات ما يتبرأ منه دين الله وكتابه العزيز.

يقول الدكتور محمد حسين الذهبي: ونحن مع الأستاذ الإمام في أن هذا التفسير للقاشاني لا لابن عربي، وإن كنا لا نوافقه على دعواه أن القاشاني من الباطنية.

ويقول: وإني حين أميل لهذا الرأي -أعني: كون التفسير للقاشاني- أؤيده بما يلي:

أولًا: أن جميع النسخ الخطيَّة منسوبة للقاشاني، والاعتماد على النسخ المخطوطة أقوى؛ لأنها الأصل الذي أخذت عنه النسخ المطبوعة.

ثانيًا: قال في (كشف الظنون): تأويلات القرآن المعروفة بتأويلات القاشاني، هو تفسير بالتأويل على اصطلاح أهل التصوف إلى سورة “ص”، للشيخ كمال الدين أبي الغنائم عبد الرازق جمال الدين القاشاني السمرقندي، المتوفى سنة (730)، أوله: “الحمد لله الذي جعل مناظم كلامه مظاهر حسن صفاته”، وقد رجعنا إلى مقدمة التفسير المنسوب لابن عربي فوجدنا أوله هذه العبارة المذكورة بنصها.

ثالثًا: في تفسير سورة “القصص”، من هذا الكتاب، عند قوله تعالى: {وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرّهْبِ} [القصص:23]، يقول: وقد سمعت شيخنا نور الدين عبد الصمد -قدّس روحه العزيز في شهود الوحدة ومقام الفناء- عن أبي، فهذا التفسير ليس لابن عربي؛ وإنما هو لعبد الرزاق القاشاني الصوفي.

منهج المؤلف في التفسير:

لقد جمع فيه بين التفسير الصوفي النظري وبين التفسير الإشاري، ولم يتعرّض فيه للكلام عن التفسير الظاهر بحال من الأحوال، أما ما فيه من التفسير الصوفي النظري، فغالبه يقوم على مذهب وحدة الوجود، ذلك المذهب الذي كان له الأثر السيّئ في تفسير القرآن الكريم.

ولذلك نذكر نماذج من التفسير الإشاري في تفسير منسوب لابن عربي:

في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً ثُمّ أَضْطَرّهُ إِلَىَ عَذَابِ النّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 126]، يقول ما نصّه: وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا الصدر -الذي هو حرم القلب- بلدًا آمنًا من استيلاء صفات النفس واغتيال العدو اللعين، وتخطف جنِّ القوى البدنية أهله، وارزق أهله من ثمرات معارف الروح، أو حكمه، أو أنواره، و {مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ} من وحد الله منهم وعلم المعاد، قال: {وَمَن كَفَرَ} أي: ومن احتجب أيضًا من الذين سكنوا الصدر، ولا يجاوزونه حدّه بالترقي إلى مقام العين؛ لاحتجابهم بالعلم الذي وعاءه الصدر، و {فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً} من المعاني العقلية، والمعلومات الكلية النازلة إليهم من عالم الروح -على قدر ما تعيشه به- ثم اضطره إلى عذاب نار الحرمان والحجاب، وبئس المصير مصيرهم؛ لتعليمهم بنقصانهم، وتألههم بحرمانهم.

ومن منهجه وحدة الوجود: فمثلًا عند قوله تعالى: {رَبّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النّارِ} [آل عمران: 191]، يقول: ربّنا ما خلقت هذا الحق باطلًا، أي: شيئًا غيره، فإن غير الحق هو الباطن؛ بل جعلته أسماءك ومظاهر صفاتك، سبحانك، ننزّهك أن يوجد غيرك، أن يقارن شيء فردانيتك.

وفي قوله تعالى: {نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدّقُونَ} [الواقعة: 57]، يقول: نحن خلقناكم بإظهاركم بوجودنا، وظهورنا في صوركم.

وفي قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} [الحديد: 6]، يقول: وهو معكم أينما كنتم بوجودكم به، وظهوره في مظاهركم.

وفي قوله تعالى: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبّكَ وَتَبَتّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً} [المزمل: 8 ، 9]، أي: اعرف نفسك واذكرها ولا تنسها فينسك الله، واجتهد لتحصيلك كمالها بعد معرفة حقيقتها، يقول تعالى: {رّبّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ}أي: الذي ظهر عليك نوره، فطلع من أفق وجودك بإيجادك، أو المغرب الذي اختفى بوجودك، وغرب نوره فيك، واحتجب بك.

ابن عربي ومذهبه في تفسير القرآن الكريم:

وُلد ابن عربي سنة (560) هـ وانتقل إلى إشبيلية سنة (568) هـ ثم استقرّ به النوى في دمشق، وتُوفّي بها سنة (638) هـ ودُفن بها.

وكان لابن عربي أتباع، حتى لقّبوه فيما بينهم بالشيخ الأكبر، والعارف بالله، كما كان له أعداء يمكرون عليه، ويرمونه بالكفر والزندقة؛ لما كان يدين به من القول بوحدة الوجود، ولما كان يصدر عنه من المقالات الموهمة التي تحمل في ظاهرها كل معاني الكفر والزندقة، فمن الموجبين لابن عربي قاضي القضاة، وقد كتب كتابًا يُدافع فيه عنه ردًّا على رضا الدين بن الخياط، الذي كتب عن عقيدة ابن عربي ورماه بالكفر، ومكانته العلمية تبيّن أنه ما كان يقتصر ببراعته على ابن العربي في التصوف؛ بل يرعى مع ذلك في كثير من العلوم، فكان عارفًا بالآثار والسنن، أخذ الحديث عن جمع من علمائه، وكان شاعرًا وأديبًا؛ ولذلك كان يكتب الإنشاء لبعض ملوك العرب، وقد بلغ منه مبلغ الاجتهاد والاستنباط، وتأسيس القواعد والمقاصد التي لا يحيط بها إلا من طالعها ووقف على حقيقتها.

وكان له منهج في وحدة الوجود؛ يرى أن الوجود حقيقة واحدة، ويعدّ التعدد والكثرة أمرًا قضت به الحواس الظاهرة، وقد أبداه قوله بوحدة الوجود إلى قوله بوحدة الأديان؛ لا فرق بين سماوي وغير سماوي؛ إذ الكل يعبدون الإله الواحد المتجلّي في صوره، وصور جميع المعبودات والغاية الحقيقية من عبادة العبد لربه، هو التحقق من وحدته الذاتية معه، وإنما الباطن من العبادة أن يقصر العبد ربه على مجلّى واحد دون غيره، ويسمّيه إلهامًا.

وبالجملة: فمنزلة ابن عربي العلمية كبيرة، ولا أدلّ على ذلك من مؤلفاته الكثيرة التي تدل على سعة بابه، وتبحّره في العلوم الظاهرة والباطنة، وقد بلغ ما بقي منها إلى اليوم (مائة وخمسون) كتابًا؛ (الفتوحات المكية)، الذي ذاع صيته، ثم (فصوص الحكم)، وله ديوان في الأشعار الصوفية، و(كتاب الأخلاق)، و(مجموع الرسائل الإلهية)، وغير ذلك من مؤلفاته الكثيرة، غير أن هذه المؤلفات يوجد في تضاعيفها كثير من الكلمات المُشْكِلَة، التي حببت خوض الناس في عقيدته، ورميه إيّاهم بالكفر والزندقة، لكن أتباعه ومريديه ومن أعجب به من العلماء، لم يأخذوا هذه الألفاظ على ظواهرها؛ بل قالوا: إن من أوهمته تلك الظواهر ليس هو المراد، وإنما المراد أمور اصطلح عليها متأخرو أهل الطريق غيرةً عليها؛ حتى لا يدعيها الكذّابون، وقد قال السيوطي في كتابه (تنبيه الغبي على تنزيه ابن عربي): والقول الفصل في ابن عربي اعتقاد ولايته، وتحريم النظر في كتبه، فقد نقل عنه أنه قال: نحن قوم يحرم النظر في كتبنا.

قال السيوطي: “وذلك لأن الصوفية تواضعوا على ألفاظ اصطلحوا عليها، وأرادوا بها معاني غير المعاني المتعارفة، فمن حمل ألفاظهم على معانيها المتعارفة بين أهل العلم الظاهر كَفَرَ، نص على ذلك الغزالي في بعض كتبه، وقال: إنه شبيه بالمتشابه من القرآن والسنة، ومن حمله على ظاهره كفر، ومما يستند به على أن ابن عربي لا يريد الظاهر الموهم من كلامه ما يروونه عنه من أنه أنشد بعض إخوانه هذا البيت -وهو من نظمه- يقول:

يا من يراني ولا أراه

*كم ذا أراه ولا يراني

فاعترض عليه السامع وقال: كيف تقول: إنه لا يراك، وأنت تعلم أنه يراك، فقال مرتجلًا:

يا من يراني مجرمًا

*ولا أراه آخذا

كم ذا أراه مُنْعِمًا

*ولا يراني لائذا

فهذا يدل على أن كلام الشيخ لا يُراد به ظاهره؛ وإنما له محامل تليق به، ومن العلماء من ينزه ابن عربي عن هذه العبارات الموهمة، ويقول: إنما جاء ذلك فهو مدسوس عليه، ويرون في ذلك أن الشعراني الذي اختصر الفتوحات قال: وقد توقفت حال الاختصار في مواضع كثيرة منه، لم يظهر لي موافقتها لما عليه أهل السنة والجماعة، فحذفتها من هذا المختصر، وربما سهوت فاتبعت ما في الكتاب -كما وقع للبيضاوي مع الزمخشري-، ثم لم أزل كذلك أظن أن المواضع التي حذفت ثابتة عن الشيخ محيي الدين، حتى قَدِمَ علينا الأخ العالم الشريف شمس الدين السيد محمد بن السيد أبي الطيب المدني، المتوفى سنة (955) هـ فذاكرته في ذلك، فأخرج إليّ نسخة من الفتوحات التي قابلها على النسخة التي عليها خط الشيخ محيي الدين نفسه، فلم أَرَ فيها شيئًا مما توقفت فيه، وحذفته، فعلمت أن النسخ التي في مصر الآن كلها كتبت من النسخة التي دسّوا على الشيخ فيها ما يُخالف عقائد أهل السنة والجماعة، كما وقع له ذلك في كتاب (الفصوص) وغيره، ومهما يكن من شيء، فابن عربي معقّد في أفكاره، موهم في ألفاظه وتعابيره، مشكل في أكثر ما يقول.

ومع كل هذا فلا أتّهمه في عقيدته؛ لجهلي باصطلاحات القوم ورموزهم، وكلمة الإنصاف فيه -كما أعتقد- قول الحافظ الذهبي عنه: وله توسع في الكلام وذكاء، وقوة خاطر، وحافظة وتدقيق في التصوف، وتآليفه جمّة في العرفان، ولولا شطحه في الكلام لم يكن به بأس.

معالم التفسير الصوفي النظري عند ابن عربي:

ففي قوله تعالى: {مّمّا خَطِيَئَاتِهِمْ أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ مّن دُونِ اللّهِ أَنصَاراً} [نوح: 25]، فهي التي خطّت بهم فغرقوا في بحار العلم بالله، وهو الحيرة، فأدخلوا نارًا في عين الماء فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارًا، فكان الله عين أنصارهم، فهلكوا فيه إلى الأبد.

ومن أمثلة تفسيره الإشاري: قوله تعالى: {وَهُوَ الّذِي يُرْسِلُ الرّيَاحَ بُشْرىً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتّىَ إِذَآ أَقَلّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مّيّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلّ الثّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَىَ لَعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ}(57) {وَالْبَلَدُ الطّيّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبّهِ وَالّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاّ نَكِداً كَذَلِكَ نُصَرّفُ الاَيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} [الأعراف: 57- 58]، نراه يذكر أنه لما أدركته الفطرة التي لا بد منها لكل داخل في الطريق، وتحكمت فيه رأى الحقَّ -سبحانه- فتلا عليه هاتين الآيتين، قال: فعلمت أني المراد بهذه الآية، وقلت: ينبّه بما تلاه علينا على التوفيق الأول الذي هدانا الله به على يد عيسى ومحمد وموسى -سلام الله عليهم جميعهم-، فإن رجوعنا إلى هذا الطريق كان ببشرى على يد عيسى، وموسى، ومحمد -عليهم السلام- {بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} وهي العناية بنا، و {حَتّىَ إِذَآ أَقَلّتْ سَحَاباً ثِقَالاً} وهو ترادف التوفيق سقنا لبلد ميت، وهو أنا، فأحيينا به الأرض بعد موتها، وهو ما ظهر علينا من أنوار القبول والعمل الصالح والتعشب به، ثم مثَّل فقال: {كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَىَ لَعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ}، يشير بذلك إلى خبر ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في البعث، أعني: حشر الأجسام، من أن الله يجعل السماء تمطر مثل مني الرجال… الحديث، ثم قال: {وَالْبَلَدُ الطّيّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبّهِ} وليس سوى الموافقة والسمع والطاعة لطهارة المحل، والذي خبث، وهو الذي غلبت عليه نفسه والطبع، وهو معتنى به في نفس الأمر، لا يخرج إلا نكدًا، مثل قوله: ((إن لله عبادًا يقادون إلى الجنة بالسلاسل)).

ومن تفسيره الظاهر في قوله تعالى: {وَأَنّ هَـَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتّبِعُوهُ وَلاَ تَتّبِعُواْ السّبُلَ فَتَفَرّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلّكُمْ تَتّقُونَ} [الأنعام: 153]، يقول: {وَأَنّ هَـَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً} فأضافه إليه ولم يقل: “صراط الله”، ووصفه بالاستقامة، ثم قال: {فَاتّبِعُوهُ} الضمير يعود على صراطه، {وَلاَ تَتّبِعُواْ السّبُلَ} يعني: شرائع من تقدمهم ومناهجهم، من حيث ما هي شرائع لهم، إلا إن وجد فيها حكم شرعي فاتبعوه، من حيث ما هو شرع لنا، لا من حيث ما كان شرعًا لهم، {فَتَفَرّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} يعني: تلك الشرائع عن سبيله، أي: عن طريقه الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ولم يقل: عن سبيل الله؛ لأن الكل سبيل الله؛ إذ كان الله غايتها.

قوله: {ذَلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلّكُمْ تَتّقُونَ} أي: تتخذون تلك السبيل وقاية تحول بينكم وبين المشي على غيره، انتهى كلامه.

يقول الدكتور محمد حسين الذهبي: هذا تفسير مقبول لجريانه على مقتدى الظاهر من الآية، ولكن نجد صاحبنا أحيانًا يشطح في فهمه لظاهر الآيات شطحات لا نستطيع أن نسلّمها له على ظاهرها، وإنما أقول: على ظاهرها؛ لأنه ربما كان يعني من وراء هذا الظاهر معنى لا غبار عليه أراده هو وجهلته أنا.

فمن ذلك أنه يقول: اعلم -وفقك الله- أن الله أخبر عن نبيه ورسوله عليه السلام في كتابه، أنه قال: {إِنّ رَبّي عَلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ} [هود: 56]، فوصف نفسه بأنه على صراط مستقيم، وما أخطأ هذا الرسول في هذا القول، ثم إنه ما قال ذلك، إلا بعد قوله: {مّا مِن دَآبّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ} فما ثم إلا من هو مستقيم على الحقيقة على صراط الرب؛ لأنه ما ثم إلا من الحق آخذًا بناصيته، ولا يمكن إزالة ناصيته من يد سيده، وهو على صراط مستقيم، ونكر لفظ: {دَآبّةٍ} فعمّ، فأين المعوج حتى نعدل عنه؟ فهذا الجبر، وهذه الاستقامة، فالله يوفقّنا في إنزال كل حكمة في موضعها، انتهى كلامه.

هذه بعض نماذج من تفسير ابن عربي، التي من خلالها نستطيع الحكم على فهمه لمعاني القرآن، كما نستطيع المقارنة بينها وبين ما في تأويلات القاشاني، المنسوبة لابن عربي؛ لنقف على مقدار التشابه بين التفسيرين، وتأثر كل منهما بعقيدته في وحدة الوجود.

error: النص محمي !!