Top
Image Alt

تفسير الخوارج

  /  تفسير الخوارج

تفسير الخوارج

1. كلمة إجمالية عن الخوارج:

بعد مقتل عثمان رضي الله عنه نشط أنصار عليّ رضي الله عنه في الدعوة له، حتى أخذوا له البيعة من المسلمين؛ ليكون خليفة لهم، ولكن لم تكد تتمّ له البيعة حتى قام ثلاثة من كِبار الصحابة ينازعونه الأمر؛ لاعتقادهم أن الحقّ في غير جانبه، وهؤلاء الصحابة هم: معاوية بن أبي سفيان، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وكان لعلي رضي الله عنه شيعة وأنصار، وكان لمعاوية رضي الله عنه شيعة وأنصار كذلك.

وكانت حروب طاحنة بين الفريقين، كان النصر فيها لعلي وحزبه، إلى أن جاءت موقعة صفين، فكاد الفشل يحيق بجيش معاوية، وأوشكت الهزيمة أن تحدق به، لولا أن لجأ إلى حيلة رفع المصاحف على أسنة الرماح؛ طلبًا للهدنة، ورغبة في التحكيم بين الحزبين، وبعد أَخْذٍ وردٍّ بين جيش عليّ في قبول التحكيم وعدمه، رأى عليّ رضي الله عنه قبول التحكيم؛ رغبة منه في حقن الدماء، واختار معاوية عمرو بن العاص ليمثله، واختار أصحاب عليّ أبا موسى الأشعري.

وكان قبول عليّ رضي الله عنه لمبدأ التحكيم أول عامل من عوامل التصدّع في جيشه وحزبه؛ إذ إن بعض شيعته رَأَوْا أن التحكيم خطأ؛ لأن الحقّ ظاهر في جانب علي، وقبول التحكيم دليل الشّكّ من عليّ في أحقيته بالخلافة، وهم إنما قاموا معه في حروبه؛ لاعتقادهم بأن الحق في جانبه، فكيف يشك هو فيه؟ لم يرضَ هؤلاء بفكرة التحكيم، فخرجوا علَى علي، ولم يقبلوا أن يرجعوا إليه، إلا إذا أقرّ على نفسه بالكفر؛ لقبوله التحكيم، وإلا إذا نقض ما أبرم من الشروط بينه وبين معاوية.

ولكن عليًّا رضي الله عنه لم يستجب لرغبتهم هذه، فأخذوا كلما خطب علي، أو ضمّهم وإياه مكان جامع رفعوا أصواتهم بقولهم: لا حكم إلا لله، وكان التحكيم تحكيمًا فاشلًا، أمالَ قلوب كثيرٍ من الناس إلى ناحية الخوارج.

وأخيرًا، وبعد يأس الخوارج من رجوع عليّ إليهم اجتمعوا في منزل أحدهم، وخطب فيهم خطبة، حثهم على التمسك بمبدئهم، والدفاع عنه، وطلب منهم الخروج من الكوفة إلى قريةٍ بالقرب منها يقال لها: حاروراء، فخرجوا إليها، وأمَّروا عليهم: عبد الله بن وهب الرازي، ووقعت بينهم وبين عليّ حروب طاحنة، هزمهم فيها، ولكن لم يقض عليهم، وأخيرًا دبّروا له مكيدة قتله، فقتله عبد الرحمن بن ملجم.

وجاءت دولة الأمويين فكان الخوارج شوكة في جنبها، يهدّدونها، ويحاربونها، حتى كادوا يقضون عليها، ثم جاءت الدولة العباسية فكان بينهم وبينها حروب كذلك، ولكن لم يكونوا في قوّتهم الأولى؛ لتفرّق كلمتهم، وتشتّت وحدتهم، وضعف سلطانهم، وخور قواهم، فتفرّقوا أحزابًا، بلغ عدد أحزابهم عشرين حزبًا، ولكن يجمع الكل على مبدأين اثنين:

أحدهما: إكفار علي، وعثمان، والحكمين، وأصحاب الجمل، وكل من رضي بتحكيم الحكمين.

ثانيهما: وجوب الخروج على السلطان الجائر.

ثالثًا: ويقول بهذا المبدأ أكثر الخوارج، وهو: الإكفار بارتكاب الكبائر.

وهذه نبذة مختصرة عن الخوارج.

2. موقف الخوارج، من تفسير القرآن الكريم:

أ. التعريف بتفسير إطفيش:

ويعرف ذلك من خلال تفسيرهم للقرآن الكريم، فمثلًا: تفسير (هميان الزاد إلى دار الميعاد)، لمحمد بن يوسف إطفيش، وهو واحد من الخوارج.

فصاحب هذا التفسير يذكر في أول كل سورة: عدد آياتها، والمكي منها، والمدني، ثم يذكر فضائل السورة، مستشهدًا بذلك في الغالب بالأحاديث الموضوعة في فضائل السور، ثم يذكر فوائد السورة بما يشبه كلام المشعوذين الدجالين، ثم بعد ذلك كله يشرح الآيات شرحًا وافيًا، فيسهب في المسائل النحوية واللغوية والبلاغية، ويفيض في مسائل الفقه، والخلاف بين الفقهاء، كما يتعرّض لمسائل علم الكلام، ويفيض فيها مع تأثرٍ كبيرٍ بمذهب المعتزلة، كما لا يَفُوتُه أن يعرض للأبحاث الأصولية، والقراءات، وهو مكثر إلى حدٍّ كبيرٍ من ذكر الإسرائيليات التي لا يؤيّدها الشرع؛ ولا يصدّقها العقل.

كما يطيل في ذكر تفاصيل الغزوات التي كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم هو بعد ذلك لا يكاد يمرّ بآيةٍ يمكن أن يجعلها في جانبه إلا مال بها إلى مذهبه، وجعلها دليلًا عليه، ولا بآيةٍ تصارحه بالمخالفة إلا تلمس لها كل ما في طاقته من تأويل؛ ليتخلّص من معارضتها، وقد يكون تأويلًا متكلفًا وفاسدًا، لا ينجيه من معارضة الآية له، لكنه التعصب الأعمى، يدفع الإنسان إلى أن ينسى عقله، ويطرح تفكيره الصائب؛ ليمشي مع الهوى، بعقلٍ فارغ وتفكيرٍ خاطئ.

ب. تعريفه للإيمان، وعلاقته بالعمل:

ويتضح ذلك من خلال التفسير فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى: {هُدًى لّلْمُتّقِينَ}(2) {الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصّلاةَ وَممّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة: 2، 3] يقرّر أن الإيمان يُطلق على مجموع الاعتقاد، والإقرار، والعمل، ثم يقول: فمن أخلّ بالاعتقاد وحده، أو به وبالعمل فهو مُشرِك من حيث الإنكار، منافق أيضًا من حيث أنه أظهر ما ليس في قلبه، ومن أخلّ بالإقرار وحده، أو بالإقرار والعمل فهو مشرك عند جمهورنا، وجمهور قومنا، وقال: إنه يعني: شخص آخر قال: إذ أخلّ بالإقرار وحده، فهو مسلم عند الله من أهل الجنة، وإن أخل به وبالعمل ففاسق، كافر كفر نعمة، وإن أخلّ بالعمل فقط فمنافق عندنا، فاسق ضالّ، كافر كفرًا دون شرك، غير مؤمن الإيمان التام.

ثم قال: واختلفت الخوارج، وهم الذين خرجوا عن ضلالة عليّ، فقالت الإباضية الوهبية وسائر الإباضية فيمن أخلّ بواحدٍ من الثلاثة ما تقدّم من إشراكه بترك الاعتقاد، أو بترك الإقرار، وينافق بترك العمل، ويثبتون الصغيرة، وقال الباقون كذلك، وإنه لا صغيرة، ومذهب المحدثين: أن انضمام العمل والإقرار إلى الاعتقاد على التكميل لا على أنه ركن، ونحن نقول: انضمامهما إليه ركن، وهما جزء من ماهيته.

ومثلًا: عند تفسيره لقوله تعالى: {وَبَشّرِ الّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ أَنّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ} [البقرة: 25]، يحاول محاولة جدّية في تحقيق أن العمل جزء من الإيمان، ولا يتحقّق الإيمان بدونه، فيقول: ترى الإنسان يقيّد كلامه مرّة واحدة بقيد، فيحمل سائر كلامه المطلق على هذا التقييد، فكيف يسوغ لقومنا أن يلغوا تقييد الله عز وجل الإيمان بالعمل الصالح؟ مع أنه لا يكاد يذكر الفعل من الإيمان إلا مقرونًا بالعمل الصالح، بل الإيمان نفسه مفروض لعبادة من يجب الإيمان به وهو الله تعالى، إذ لا يخدم الإنسان مثلًا سلطانًا لا يعتقد بوجوده، وثبوت سلطته، فالعمل الصالح كالبناء النافع، المظلّل المانع للحر، والبرد، والمضرات.

والإيمان أسّ، ولا ينفع الأس بلا بناء عليه، ولو بنى الإنسان ألوفًا من الأسس، ولم يبنِ عليها لهلك باللصوص، والحرّ، والبرد، وغير ذلك، فإذا ذكر الإيمان مفردًا قيد بالعمل الصالح، وإذا ذُكر العمل الصالح فما هو إلا فرع الإيمان، إذ لا نعمل لمن لا نقرّ بوجوده، وفي عطف الأعمال الصالحات على الإيمان دليل على أن كلًّا منهما غير الآخر؛ لأن الأصل في العطف المغايرة بين المتعاطفين، ففي عطف الأعمال الصالحات على الإيمان إيذان بأن البشارة بالجنات إنما يستحقّها من جمع بين الأعمال الصالحات والإيمان.

جـ. موقفه من أصحاب الكبائر:

ويحاول أن يأخذ من القرآن ما يدل على أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار، وليس بخارجٍ منها، فمثلًا: عند تفسيره لقوله تعالى: {بَلَىَ مَن كَسَبَ سَيّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـَئَتُهُ فَأُوْلَـَئِكَ أَصْحَابُ النّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 81]، يقول: سيئة: خَصلة قبيحة، وهى: الذنب الكبير، سواء كان نفاقًا أو إشراكًا، ومن الذنوب الكبيرة: الإصرار، فإن نفسه كبيرة، سواء كان على الصغيرة أو الكبيرة، والدليل على أن السيئة: الكبيرة، قوله تعالى: {فَأُوْلَـَئِكَ أَصْحَابُ النّارِ} [البقرة:81]، ويحتمل وجه آخر، وهو: أن السيئة: الذنب صغيرًا أو كبيرًا، ثم يختص الكلام بالكبيرة، بقوله: {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـَئَتُهُ} [البقرة: 81].

وإن قلنا: روى قومنا عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن السيئة هنا: الشرك، وكذا قال الشيخ هود -رحمه الله-: إنها الشرك، قلت: ما ذكرتَه أولى مما ذكراه، فإن لفظ السيئة عام، وحمله على العموم أولى، وإذ ذلك تفسير منهما لا حديث، ولا سيما أنهما وقومنا يعترفون بأن الكبيرة تدخل فاعلها النار، ولم يحصروا دخولها على الشرك، ومعترفون بأن لفظ الخلود يطلق على المكث الكبير، سواء كان أبديًّا أو غير أبدي.

وادّعاء أن الخلود في الموحدين، بمعنى: المكث الطويل، وفي الشرك بمعنى: المكث الدائم، استعمال للكلمة في حقيقتها ومجازها، وهو ضعيف، وأيضًا: ذكر إحاطة الخطيئات ولو ناسب الشرك كغيره، لكنه أنسب بغيره؛ لأن الشرك أقوى، وقوله: {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـَئَتُهُ} [البقرة:81]، أي: ربطته ذنوبه، وأوجبت له دخول النار، فصار لا خلاص له منها، كمن أحاط به العدو، أو الحرق، أو حائط السجن، وذلك بأن مات غير تائب.

د. حَمْلة المؤلف، على أهل السنة:

إنه كلما سنحت له الفرصة للتنديد بجمهور أهل السنة، القائلين: بأن صاحب الكبيرة من المؤمنين يعذب في النار على قدر معصيته، ثم يدخل الجنة بعد ذلك، ندّد بهم، ولمزهم، وأعابهم.

فمثلًا: عند تفسيره لقوله تعالى: {والّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالاَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [البقرة: 4] يقول: وترى أقوامًا ينتسبون إلى الملة الحنيفية، يضاهئون اليهود في قولهم: {لَن تَمَسّنَا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مّعْدُودَةً} [آل عمران: 24].

ثم إنه حمل كل آيات العفو والمغفرة على مذهبه، القائل: بأن الكبائر لا يغفرها الله إلا بالتوبة، والرجوع عنها، ويَحمل على الأشاعرة، القائلين: بأن الله يجوز أن يغفر لصاحب الكبيرة، وإن لم يتب.

فمثلًا: عند تفسيره لقوله تعالى: {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيَ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذّبُ مَن يَشَآءُ} [البقرة: 284]، يقول: ولا دليل في الآية على جواز المغفرة لصاحب الكبيرة الميت، بلا توبةٍ منها، كما زعم غيرنا؛ لحديث: ((هلك المصرون…)) الحديث.

وعند قوله تعالى: {وَللّهِ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذّبُ مَن يَشَآءُ} [آل عمران: 129]، يغفر لمن يشاء الغفران له، بأن يوفّقه للتوبة، ويعذب من يشاء تعذيبه بألا يوفقه للتوبة، وليس من الحكمة أن يعذب المطيع الموفّي بالعهد، وليس من الحكمة أن يرحم العاصي المصر، ولقد انتفى الله من أن يكون ظالمًا، وعد من الظلم، النقص من حسنات المحسن، والزيادة في سيئات المسيء، وليس من الجائز عليه ذلك، خلافًا للأشعرية، في قولهم: يجوز أن يدخل الجنة جميع المشركين، والنار جميع الأبرار، وقد أخطئوا في ذلك.

هـ. رأيه في الشفاعة:

ومن منهجه: أن الشفاعة لا تقع لغير الموحدين، ولا لأصحاب الكبائر، ومن خلال رأيه هذا يَنظر إلى آيات الشفاعة، فلا يرى فيها إلا ما يتفق ومذهبه.

فمثلًا: عند تفسيره لقوله تعالى: {يَوْماً لاّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ} [البقرة: 48]، يقول: وإن قلت: فهل الشفاعة والفداء بالعدل واقعان ولكن لا يقبلان، أم غير واقعين؟ قلت: غير واقعين؛ أما مَن تأهّل للشفاعة من الملائكة والأنبياء والعلماء والصالحين فلا يتعرّضون بها، لمن ظهرت شقاوته لهم، فإن تعرضوا بها لهم قبل أن تظهر لهم قيل لهم: إنهم بدلوا وغيروا، وليسوا أهلًا لها، فيتركوا التعرض لها، وأما من لم يتأهل لها فمشغول بنفسه لا يدري ما يفعل به.

وعند قوله تعالى: {إِنّ الّذِينَ فَرّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} [الأنعام: 159]، يقول:

فالآية نصّ، أو كالنص في ألا شفاعة لأهل الكبائر، أي: أنت بريء منهم على كل وجه، وقد علمت عن عمر، وأبي هريرة: أن الآية في أهل البدع من هذه الأمة.

و. نفيه رؤية الله تعالى:

ويرى أن رؤية الله تعالى غير جائزة، ولا واقعة لأحدٍ مطلقًا، ويصرّح بذلك في تفسيره لآيات الرؤية، ويردّ على أهل السنة القائلين بجوازها في الدنيا، ووقوعها للمؤمنين في الآخرة.

فمثلًا: عند تفسيره لقوله تعالى{وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىَ لَن نّؤْمِنَ لَكَ حَتّىَ نَرَى اللّهَ جَهْرَةً} [البقرة: 55]، نراه يذكر ما ورد من الروايات في هذا الباب، ومن الروايات، رواية تفيد: أن موسى سأل ربّه أن ينظر إليه بالمجاهرة، يعقّب عليها، فيقول: وهذه الرواية تقتضي أن موسى يُجيز الرؤية حتى سألها ومنعها، وليس كذلك، بل إن صحّ سياق هذه الرواية فقد سألوه الرؤيا قبل ذلك، فنهاهم عن ذلك، وحرّمه، أو سكت؛ انتظارًا للوحي في ذلك، فلما فرغ وخرج عاودوه ذكر ذلك، فقال لهم: قد سألته على لسانكم كما تحبّون، لأخبركم بالجواب الذي يقمعكم، لا لجواز الرؤية، فتجلّى للجبل بعض آياته فصار دكًّا، فكفروا بطلب الرؤية، لاستلزامها اللون، والتركيب، والتحيّز، والحدود، والحلول، وذلك كلّه يستلزم الحدوث، وذلك كلّه محال على الله تعالى، وإن كان ذلك مستلزمًا عقلًا لم يختلف دنيا وأخرى، فالرؤية محال دنيا وأخرى، ولا بالإيمان والكفر والنبوة وعدمها.

ز. منهجه من ناحية أفعال العباد:

ثم يبيّن منهجه في تفسيره من ناحية أفعال العباد، فيقول: إن أفعال العباد كلها بإرادة الله، وأن العبد لا يخلق أفعال نفسه، ونراه يردّ على المعتزلة، ولا يرضى موقفهم من هذه المسألة.

فمثلًا: عندما فسّر قوله تعالى: {وَلَوْ شَآءَ اللّهُ مَآ أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} [الأنعام: 106] يقول: ولو شاء الله عدم إشراكهم بالله ما أشركوا به تعالى شيئًا، فالآية دليل على أن إشراكهم بإرادة الله، ومشيئته، وفيه ردّ على المعتزلة في قولهم: لم يرد معصية العاصي، وزعموا أن المعنى: لو شاء الله لأكرههم على عدم الإشراك، ولزم عليهم أن يكون مغلوبًا على أمره إذا عصى الله، ولم يرد المعصية، بل أراد الإيمان منهم، ولم يقع -تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا- والحق: أن المصيب بإرادته ومشيئته، مع اختيار العاصي، لا جبر للذّمّ عليها، والعقاب عنها.

ح. موقفه من المتشابه:

ونجده يقف من المتشابه موقف التـأويل، ويعيب على من يقول بالظاهر، وإن فوّض علمه وكيفيته لله.

فمثلًا: عند تفسيره لقوله تعالى{هَلْ يَنظُرُونَ إِلاّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأمْرُ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الامُورُ} [البقرة: 210]، يقول: {إِلاّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مّنَ الْغَمَامِ} على حذف مضاف، أي: أمر الله، بدليل قوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبّكَ} [النحل: 32]، والحاصل: أن مذهبنا، ومذهب هؤلاء -يريد المعتزلة ومن وافقهم- تأويل الآية عن ظاهرها إلى ما يجوز وصف الله به.

وعند تفسيره لقوله تعالى: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُقْسِطِينَ} [المائدة: 42]، نراه يذكر الحديث القائل: ((إن المقسطين على منابر من نور يوم القيامة عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين))، ثم يقول: ويمين الرحمن عبارة عن المنزلة الرفيعة، والعرب تذكر اليمين في الأمر الحسن، ودلّ لذلك قوله: ((وكلتا يديه يمين))، والتأويل في مثل ذلك هو الحقّ؛ وأما قول سلف الأشعرية، في مثل ذلك إنا نؤمن به، وننزهه عن صفات الخلق، ونكلّ معناه إلى الله، ونقول هو على معنى يليق به، وكذا طوائف من المتكلمين، فجمود وتعامٍ عن الحق.

ط. موقفه من تفسير الصوفية:      

ونجده يُبدي رأيه في تفسير الصوفية، ويحمل على من يفسّر هذا التفسير، فيقول عند تفسيره لقوله تعالى: {وَمِمّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [البقرة: 3]، قيل: ويحتمل أن يُراد الإنفاق من جميع ما رزقهم الله من أنواع الأموال، والعلم، وقوّة البدن، والجاه، وفصاحة اللسان، ينفعون بذلك عيال الله سبحانه وتعالى على الوجه الجائز، وقيل المعنى: ومما خصصناهم به من أنوار معرفة الله عز وجل يَفيضون أي: يسرعون، وهذا القول والذي قبله أظنهما للصوفية، أو لمن يتصوّف.

وليس تفسير الصوفية مقبولًا إذا خالف الظاهر، وكان تكلفًا، أو خالف أسلوب العربية، ولا أعذر من يفسّر به، ولا تقبل شهادته، ويُتقرب إلى الله ببغضه والبراءة منه، فإنه ولو كان في نفسه حق لكن جعله معنى للآية أو الحديث خطأ؛ لأنه خروج عن الظاهر، وأساليب العرب التي يتخاطبون بها، وتكلّف من التكلف الذي يبغضه الله، فإن القولين وإن ناسبَهُما قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن علمًا لا يقال به ككنزٍ لا ينفق منه))، الذي رواه الطبراني، في (الأوسط)، لكن لا يصحان تفسيرًا للآية، إذ لا يتبادر ذلك، ولا يجري على أسلوب العرب، والقول الأخير أبعد، وقد أقبل القول الذي قَبِلَه؛ لأنه قريب من أسلوب العرب، وقليل التكلف، والصحيح: أن المراد النفقة الواجبة، وغير الواجبة من المال.

ك. موقفه من تفسير الشيعة:

لا يُسلّم للشيعة استدلالهم على إمامة علي؛ لقول تعالى: {إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُواْ الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة: 55]؛ بل نراه يفنِّد احتجاجَهم بالآية، فيقول: وزعم الشيعة أن: {وَالّذِينَ آمَنُواْ الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ} إلى قوله: {رَاكِعُونَ} المراد به: عليّ بن أبي طالب، وأن جملة {وَهُمْ رَاكِعُونَ} حال من الواو، في قوله: {وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ} وهي مقارنة، وأنه أعطى الزكاة، وهو في الصلاة راكعًا، سأل سائل وهو في ركوع الصلاة، فأعطاه خاتمه في حالة ركوعه، وأراد به الزكاة، وعبّر عنه بلفظ الجمع؛ تعظيمًا، وهي دعوى لا دليل عليها، والأصل العموم، والأصل ألا يطلق لفظ الجمع على المفرد، ومن دعوى الشيعة: أن المراد بالولي في الآية: المتولّي للأمور، المستحقّ للتصرف فيها، وأن هذه الآية دليل على إمامة علي، وهذا أيضًا تكلّف بلا دليل.

ل. رأيه في التحكيم:

يتأثر المؤلف في تفسيره بعقيدته في مسألة التحكيم، بين عليّ ومعاوية رضي الله عنهما فيفرُّ من الآيات التي تعارضه، ويمكن أن تكون مستندًا لمخالفيه؛ فمثلًا: عند تفسيره لقوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مّنْ أَهْلِهَآ} [النساء: 35]، يقول: ولا دليل في الآية على جواز التحكيم؛ لأن مسألة الحال إنما هي ليتحقق بالحكمين ما قد يخفى من حال الزوجين، بخلاف ما إذا ظهر بطلان إحدى الفرقتين بأن الله قد حكم بقتالها، وأيضًا المراد هنا الإصلاح مثلًا لا مجرد بيان الحق.

وعند تفسيره لقوله تعالى: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9- 10]، إلى قوله: {لَعَلّكُمْ تُرْحَمُونَ} يقول: والإصلاح بالنص والدعاء إلى حكم الله، ثم يقول: وسمع عليّ رجلًا يقول في ناحية المسجد: لا حكم إلا لله. فقال: كلمة حق أريد بها باطل، لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم في أيدينا، ولا نبدؤكم بقتال. قلت: الحقّ أنه إذا حكم الله بحكم في مسألة فلا حكم لأحد فيها سواه، فالحق مع الرجل -ولو كان عليّ أعلم عالم- ثم قال: قيل: وفي الآية دليل على أن البغي لا يزيل اسم مؤمن؛ لأن الله سمّاهم مؤمنين مع كونهم باغين، وسماهم إخوة مؤمنين، قلت: لا دليل، أما: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} فتسميتهم فيه (مؤمنين)، باعتبار ما يظهر لنا قبل ظهور البغي، وأما {إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} فتسميتهم فيه مؤمنين إخوة باعتبار ما ظهر لنا قبل البغي، فقوله: {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} في معنى: اهدوهم إلى الحال التي كانوا عليها قبل، أو المراد بالمؤمن: الموحد، بدليل: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن))، وأما لفظ (آمن)، و(إيمان)، فلا يختصّان بالموفي. انتهى كلامه.

م. تعصّبه للخوارج، واستنقاصه عليًّا، وعثمان:

ونجده يشيد بالخوارج، فلا تأتي مناسبة لذكر الخوارج، إلا رفع من شأنهم، ولا لذكر عليّ، أو عثمانَ أو من يلوذ بهما، إلا وغض من شأنهم، ورماهم بكل نقيصة؛ فمثلا: عند تفسيره لقوله تعالى: {وَلاَ تَكُونُواْ كَالّذِينَ تَفَرّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْبَيّنَاتُ وَأُوْلَـَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}(105) {يَوْمَ تَبْيَضّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدّ وُجُوهٌ} [آل عمران: 105- 106]، نراه يعيب على من يقول من المفسرين: إن الذين تفرقوا واختلفوا، هم من خرج على عليّ عند قبوله التحكيم، ويقول: إن أمر الحكمين لم يكن حين نزلت الآية؛ بل في إمارة علي، و(تفرقوا واختلفوا)، صيغتان في الماضي، ولا دليل على صرفهما للاستقبال، ولا على التعيين لمن ذكر؛ بل دلّت الآية على خلوصهم من ذلك، وعلى أنهم المحقّون الذين تبيضّ وجوههم، فمن خالفهم فهو داخل في قوله تعالى: {فَأَمّا الّذِينَ اسْوَدّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} [آل عمران: 106]، وهو يعمّ كل من كفر بعد إيمانه، واعلم أنه قد خرج على عليّ حين أذعن للحكومة، صحابة كثيرون رضي الله عنهما وتابعون كثيرون، فترى المخالفين يذمّون ويشتمون من خرج عنه، ويلعنونه، غير الصحابة الذين خرجوا عنه، والخروج واحد؛ إما حقّ في حقّ الجميع، وإما باطل في حق الجميع، فإذا كان حقّا في جنب الكل، فكيف يشتمون من خرج عليه غير الصحابة الذين خرجوا عنه؟ وإن كان باطلًا في جانب الكل، فقد استحق الصحابة الشتم أيضًا -عافاهم الله- ونرى المخالفين يروُون أحاديث لم تصحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد يصحّ الحديث ويزيدون فيه، وقد يصح ويئولونه فينا -وليس فينا- ثم سرد المؤلف بعض الأحاديث التي حُمِلَتْ عليه، وردّها بعدم صحّتها، أو بحملها على غُلاة الخوارج كالصفرية، أو بحملها على من قَبِلَ التحكيم.

ثم قال: والدليل الأقوى على أن تلك الأحاديث ليست فينا، ولا فيمن اقتدينا بهم، وأن الراضين بالتحكيم، هم المبطلون: ما رواه أبو عمر، وعثمان بن خليفة: أن رجلًا من تلاميذ أبي موسى الأشعري -عبد الله بن قيس- لقيه بعد ما وقع فيما وقع من أمر التحكيم، فقال له: قف يا عبد الله بن قيس أستفتك، فوقف، وكان التلميذ قد حفظ عنه أنه حكى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: سيكون في هذه الأمة حَكَمَانِ ضَالَّانِ مُضِلَّانِ، يُضِلَّان وَيَضِلُّ من اتبعهما، قال: فلا تتبعهما -وإن كُنْتُ أحدهما- ثم قال له التلميذ: إن صدقت، فعليك لعنة الله، وإن كذبت فعليك لعنة الله.

ومعنى ذلك: إذا كانت الرواية التي رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحة ثم وقع فيها، فعليه لعنة الله، وإن كان كاذبًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعليه لعنة الله؛ لنقله الكذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا محيص عن الأمرين جميعًا.

وعند تفسيره لقوله تعالى: {وَعَدَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنّهُمْ فِي الأرْضِ} [النور: 55]، عن الضحاك: إن الذين آمنوا هم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وإن استخلافهم إمامتهم العظمى، وسيأتي ما يدلّ على بطلان دخول عثمان، وعلي في ذلك، ثم قال: وفي أيام أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وبعدهم كانت الفتوح العظيمة وتمكين الدين لأهله، لكن لا دليل في ذلك على إصابة عثمان، وعلي؛ فإنهما وإن كانت خلافتهما برضا الصحابة، لكن ما ماتا إلا وقد بدَّلَا وغَيَّرا فسحقًا، كما في أحاديث عنه صلى الله عليه وسلم أنهما مفتونان.               

وعند تفسيره لقوله تعالى: {وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55]، يقول: أقول -والله أعلم-: إن أول من كَفَرَ بتلك النعمة وجحد حقّها عثمان بن عفان، جعله المسلمون على أنفسهم وأموالهم فخانهم في كل ذلك، زاد في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ووسعه، وابتاع من قوم وأبى آخرون فَغَصَبَهُمْ، فصاحوا به، فسيرهم للحبس، وقال: قد فعل بكم عمر هذا فلم تُصَيِّحُوا به، فكلمه فيهم عبد الله بن خالد بن أسيد فأطلقهم من السجن، وقد جمع في ذلك غصب المال، وقذف عمر رضي الله عنه واستعمل أخاه لأمه؛ وهو الوليد بن عقبة، ونزل قوله تعالى: {وَاتّقُواْ فِتْنَةً} [الأنفال: 25]، بحضرة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي فقال لعثمان: بك تفتح، وقال لعلي: أنت إمامها وزمامها وقائدها، تمشي فيها مشي البعير في قيده، وقال لبعض الجلوس: أنتم في نار جهنم أعظم من جبل أحد، وقال: يثور دخانها تحت قدمي رجل يزعم أنه مني وليس مني، ألا إن أوليائي المتقون، إلى آخر ما ذكره من النقائص في حقّ عليّ وعثمان رضي الله عنهما.

وعند تفسيره لقوله تعالى: {قُل لاّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَىَ} [الشورى: 23]، يقول: فما ودت قرابته صلى الله عليه وسلم من لم يبدل منهم ولم يغيّر، مثل: فاطمة، وحمزة، والعباس، وابنه رضي الله عنهما المودة واجبة بالنسبة لهؤلاء، ثم ذكر روايات كثيرة، في الحثّ على حبّ آل البيت ومودّتهم، وبعدما فرغ منها، قال: لكنَّ المراد بآله: الذين لم يبدلوا، فخرج عليّ ونحوه ممّن بدل، فإنه قتل من قال صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل قاتله الجنة)، ولم يصح عندنا -معشرَ الإباضية- رواية: أنه لما نَزَلَتْ، قيل: مَن قرابتك الذين تجب علينا مودّتهم؟ فقال: عليّ، وفاطمة وابناهما.

ن. افتخار المؤلف بنفسه، وبأهل نِحلته:

ونجد المؤلف يفخر كثيرًا بنفسه وبأهل نحلته، ويرى أنه وحزبه أهل الإيمان الصادق، والدين القويم والتفكير السليم، وأما من عداهم فضالّون مضلّون، مبتدعون مخطئون.

فمثلًا: عند تفسيره لقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتّبِعُوا مَآ أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ} [البقرة: 170]، يقول ما نصّه: واعلم أن الحق هو القرآن والسنة، وما لم يُخالفهما من الآثار، فمن قام بذلك فهو السواد الأعظم، ولو كان واحدًا؛ لأنه نائب النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين الذين اهتدوا، وكلّ مهتدٍ، ومن خالف ذلك فهو مبتدع ضالّ ولو كان جمهورًا، فأصحابنا -الإباضية الوهابية- هم السواد الأعظم، وأهل السنة ولو كانوا أقلّ الناس؛ لأنهم المصيبون في أمر التوحيد، وعلم الكلام، والبراءة، والولاية، والأصول دون غيرهم: وعند تفسيره لقوله تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ} [هود: 112]، يقول ما نصه: واعلم يا أخي -رحمك الله- أنّي استقريت هذه المذاهب المعتبرة، كمذهبنا -معشر الإباضية- ومذهب المالكية، ومذهب الشافعية، ومذهب الحنفية، ومذهب الحنبلية بالمنقول والمعقول، فلم أَرَ مستقيمًا منها في علم التوحيد والصفات سوى مذهبنا، فإنه مستقيم خالٍ عن التشبيه والتعطيل، حججه لا تقاومها حجّة، ولا نُثبت لها، والحمد لله وحده. هذا هو المفسر الإباضي، وهذا تفسيره الذي ملأه بالدفاع عن العقيدة الزائفة، والتعصب للمذهب الفاسد، وهو لا يسلم من مجاراة المعتزلة في بعض عقائدهم، كما لم يسلم من الأحاديث الموضوعة التي هي من ضع الخوارج؛ لينصروا بها مذهبهم، ويروجوا له بين الناس.

error: النص محمي !!