Top
Image Alt

تفسير الصوفية للقرآن الكريم

  /  تفسير الصوفية للقرآن الكريم

تفسير الصوفية للقرآن الكريم

1. أقسام التصوف:

التصوف ينقسم إلى قسمين:

الأول: تصوف نظري فلسفي؛ وهو: التصوف الذي يقوم على دراسات وأبحاث فلسفية، وقد تطور هذا النوع وأدى بأكثر أصحابه إلى الإلحاد، والخروج عن الإسلام بما أوردوه من اصطلاحات وعبارات تخالف الإسلام من أصوله، وهو إلحاد فكري.

الثاني: تصوف عملي؛ وهو: القائم على التقشف والزهد والتفاني في الطاعة، وقد أدى هذا القسم بطائفة كبيرة من المنتسبين إليه إلى أمور شركية من اتخاذ الأولياء، وعبادة القبور، واتخاذ التكايا، وما يُسمى مجالس الذكر؛ فكثر فيهم المشعوذون والدجالون، واتخذوا بعض الاصطلاحات والعبارات، وضمنوها أسرارًا ومكنونات لا يكشفها ولا يدريها إلا أصحاب المقامات، وفسروا على ضوئها آيات القرآن الكريم، وعلى ضوء هذين القسمين انقسم التفسير عند الصوفية إلى اتجاهين: تفسير صوفي نظري. وتفسير صوفي فيضي أو إشاري.

2. التفسير الصوفي النظري:

وقد سلك هذا الاتجاه في التفسير فلاسفة الصوفية، ويعد ابن عربي شيخ هذه الطريقة، وهي طريقة قصدها الشيخ محمد حسين الذهبي حين قال: يأبى الصوفي إلا أن يحول القرآن عن هدفه ومقصده، إلى ما يقصده هو ويرمي إليه، وغرضه بهذا كله أن يروج لتصوفه على حساب القرآن الكريم، وأن يُقيم نظرياته وأبحاثه على أساس من كتاب الله، وبهذا الصنيع يكون الصوفي قد خدم فلسفته التصوفية، ولم يعمل للقرآن شيئًا؛ اللهم إلا هذا التأويل الذي كله شر على الدين وإلحاد في آيات الله.

وإذا كان الذهبي -رحمه الله تعالى- يصرح بهذا، ولم نسمع بأن أحدًا ألف في التفسير الصوفي النظري كتابًا خاصًّا يتبع القرآن آية آية، كما ألف مثل ذلك بالنسبة للتفسير الإشاري، وكل ما وجدناه من ذلك هو نصوص متفرقة اشتمل عليها التفسير المنسوب إلى ابن عربي، وكتاب (الفتوحات المكية) له وكتاب (الفصوص) له أيضًا؛ كما يوجد بعض من ذلك في كثير من كتب التفسير المختلفة المشارب، إذا كان الذهبي -رحمه الله- يصرح بهذا، والفترة التي يدرسها فترة طويلة من نشأة التصوف إلى عصرنا هذا.

وقد ضمنها فترة انتشر فيها التصوف، وكثر فيها أربابه؛ ولذلك فإني أقول اليوم: إننا لم نجد في هذا العصر أيضًا أحدًا كتب في هذا الاتجاه من التفسير الصوفي، وإن كان هناك من يقول به إلا أنه لم يتعرض في دراسته له إلى القرآن الكريم -والحمد لله- ما وجد من التفسير الصوفي النظري عبارة عن كلمات ضمنها أو أدخلها ابن عربي في كتابه، وهو صاحب دعوة الحلول والاتحاد، وما ذهب إليه من آيات فسر بها القرآن الكريم كان تفسيره زندقة وإلحاد.

3. التفسير الفيضي الإشاري:

لا بد أن أعرف أولًا ما هو التفسير الفيضي أو الإشاري، التفسير الفيض هو: تأويل آيات القرآن الكريم بغير ظاهرها، بمقتضى إشارات خفية؛ تظهر لأرباب السلوك كما يقولون، ويمكن الجمع بينها وبين الظاهر المراد أيضًا، وقد ذكر الشيخ محمد حسين الذهبي -رحمه الله- وجهين للتفريق بين التفسير الصوفي الإشاري، والتفسير الصوفي النظري الذي سبق أن ذكرته:

الفرق الأول: أن التفسير الصوفي النظري ينبني على مقدمات علمية تنقدح في ذهن الصوفي أولًا، ثم ينزل القرآن الكريم عليها بعد ذلك، وأما التفسير الإشاري؛ فلا يرتكز على مقدمات علمية، بل يرتكز على رياضة روحية، يأخذ بها الصوفي نفسه، حتى يصل إلى درجة تنكشف له فيها هذه الإشارات القدسية، وتنهال على قلبه من سحب الغيب ما تحمله الآيات من المعارف.

الفرق الثاني: فهو أن التفسير الصوفي النظري يرى صاحبه أنه كل ما تحتمله الآية من المعاني، وليس وراءه معنى آخر يمكن أن تحمل الآية عليه، هذا بحسب طاقته طبعًا، أما التفسير الإشاري؛ فلا يرى الصوفي أنه كل ما يراد من الآية، بل يرى أن هناك معنى آخر تحتمله الآية، ويراد منها أولًا وقبل كل شيء ذلك هو المعنى الظاهر الذي ينساق إليه الذهن قبل غيره، ولغرابة مواقف هؤلاء الناس من التفسير، ولأنهم لم يلتزموا بالمنهج الصحيح الذي سبق أن ذكرته في تفسير القرآن الكريم، سواء كان بالتفسير بالمأثور أو بالرأي المحمود.

4. موقف العلماء من تفسير الصوفية.

اختلف العلماء في قبول التفسير الإشاري أو رده؛ فمنهم من قبله، ومنهم من اعتبره من صفات الكمال والعرفان، ومنهم من رده ومنهم من اعتبره إلحادًا في آيات الله، وخروجًا به عن الحق، وليس لنا أن نطلب من الرافضين لهذا التفسير دليلًا، ذلكم أن الأصل عدم قبول هذا النوع من التفسير؛ لأن تفسير القرآن الكريم لا يكون إلا بالقرآن أو بالسنة، أو بالمتبادر من عموم لغة العرب؛ لأن القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين؛ فلا يصح تفسيره بخلاف ظاهر اللفظ إلا بدليل يصرف المعنى المراد من ظاهر اللفظ إلى معنى آخر، أما من قال بهذا اللون من التفسير، ومال إليه؛ فهو المطالب بالدليل، ولذلك سأذكر هنا أدلة المؤيدين لهذا التفسير بعد أن ذكرت أن القول الصحيح أنه تفسير مردود غير مقبول.

من الأدلة التي استدل بها من ذهب إلى القول بالتفسير الإشاري، أو الفيضي، ما رواه الفريابي بسنده عن الحسن، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لكل آية ظهر وبطن، ولكل حرف حد، ولكل حد مطلع”، وفي الحقيقة هذا كلام باطل، وليس بحديث، ولا تجوز نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما استدلوا أيضًا بما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: “كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر؛ فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال: لم تدخل هذا معنا، ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه من حيث علمتم، فدعاه ذات يوم فأدخله معهم، قال ابن عباس رضي الله عنه فما رئيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم، قال: فما تقولون في قول الله تعالى: {إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر:1] فقال بعضهم: أمرنا نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم؛ فلم يقل شيئًا. فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه له قال: {وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللّهِ أَفْوَاجاً} [النصر:2]  وذلك علامة أجلك {فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنّهُ كَانَ تَوّابَا} [النصر:3]  فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول”.

وهذا في الحقيقة فتح يفتح الله به على بعض عباده، وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس؛ ولكن هل لأحد بعد ذلك أن يحدد شيئًا من مثل كلام ابن عباس، أو أن يتكلم فيه دون علم بكتاب أو سنة، أو بأقوال سلف هذه الأمة، أو دون الرجوع إلى القواعد المقررة التي سبق أن ذكرتها في ذلك، لا شك أن هذا الدليل صحيح، ولكن لا وجه لهم فيه لأن حبر هذه الأمة قد دعا له النبي صلى الله عليه وسلم وهو لم يقل يومًا ما في كتاب الله عز وجل برأيه أو بعقله , ولم يقل كلامًا كما ذهب إليه المتصوفة بعد ذلك.

ولتمام الفائدة: أختم حديثي هنا عن التفسير الإشاري بإيراد أقوال بعض العلماء في ذلك، ومن هؤلاء ما ذكره الإمام الزركشي -رحمه الله- في كتابه (البرهان) قال: “كلام الصوفية في تفسير القرآن، قيل: إنه ليس بتفسير وإنما هو معانٍ، ومواجيد يجدونها عند التلاوة”.

وقال ابن الصلاح -رحمه الله تبارك وتعالى- في فتاويه، وقد سئل عن كلام الصوفية في القرآن قال: “وجدت عن الإمام أبي الحسن الواحدي المفسر أنه قال: صنف أبو عبد الرحمن السلمي (حقائق التفسير)؛ فإن كان قد اعتقد أن ذلك تفسير فقد كفر. قال ابن الصلاح: وأنا أقول: الظن بمن يوثق به منهم أنه إذا قال شيئًا من أمثال ذلك أنه لم يذكره تفسيرًا، ولا ذهب به مذهب الشرح للكلمة المذكورة من القرآن العظيم؛ فإنه لو كان كذلك كانوا قد سلكوا مسلك الباطنية، وإنما ذلك منهم تنظير لما ورد به القرآن، فإن النظير يذكر بالنظير ثم قال: ومع ذلك فيا ليتهم لم يتساهلوا في مثل ذلك لما فيه من الإيهام والإلباس.

وقال النسفي -رحمه الله تبارك وتعالى- في (العقائد): “النصوص على ظواهرها، والعدول عنها إلى معانٍ يدعيها أهل الباطل إلحاد”. والتفتازاني -رحمه الله- علق على كلام النسفي في شرحه (للعقائد النسفية) على هذا بقوله: “سميت الملاحدة باطنية؛ لادعائهم أن النصوص ليست على ظاهرها، بل لها معانٍ لا يعرفها إلا المعلم، وقصدهم بذلك نفي الشريعة بالكلية”. قال: “وأما ما يذهب إليه بعض المحققين من أن النصوص على ظواهرها، ومع ذلك ففيها إشارات خفية إلى دقائق تنكشف لأرباب السلوك، يمكن التوفيق بينها وبين الظواهر المرادة فهو من كمال الإيمان ومحض العرفان”.

وقال الإمام الغزالي -رحمه الله تبارك وتعالى- وكلامه في الحقيقة هنا مهم؛ لأنه ينسب إلى الصوفية قال في كتابه (إحياء علوم الدين): “وأما الشطح فنعني به صنفين من الكلام أحدثه بعض الصوفية:

أحدهما: الدعاوى الطويلة العريضة في العشق مع الله تعالى والوصال، المغني عن الأعمال الظاهرة حتى ينتهي قوم إلى دعوى الاتحاد، وارتفاع الحجاب، والمشاهدة بالرؤيا، والمشافهة بالخطاب؛ فيقولون: قيل لنا كذا، وقلنا كذا، وهذا فن من الكلام عظيم ضرره في العوام خطير وكبير، وقد ترك جماعة من أهل الفلاحة فلاحتهم، وأظهروا مثل هذه الدعاوى؛ فإن هذا الكلام يستلذه الطبع؛ إذ فيه البطالة من الأعمال مع تزكية النفس بدرك المقامات والأحوال، فلا تعجز الأغبياء عن دعوى ذلك لأنفسهم؛ ولا عن تلقف كلمات فيها من التخبيط والزخرفة، ومهما أنكر عليهم ذلك لم يعجزوا عن أن يقولوا: هذا إنكار مصدره العلم والجدل، والعلم حجاب والجدل عمل النفس، وهذا الحديث لا يلوح إلا من الباطن بمكاشفة نور الحق، فهذا ومثله مما قد استطار في البلاد شرره، وعظم في العوام ضرره، حتى من نطق بشيء منه فقتله أفضل في دين الله من إحياء عشرة.

الثاني: كلمات غير مفهومة لها ظواهر رائقة، وفيها عبارات هائلة، وليس وراءها طائل، وذلك إما أن تكون غير مفهومة عند قائلها، بل يصدرها عن خبط في عقله، وتشويش في خياله؛ لقلة إحاطته بمعنى كلام قرع سمعه، وهذا هو الأكثر، وإما أن تكون مفهومة له، ولكنه لا يقدر على تفهيمها، وإيرادها بعبارة تدل على ضميره؛ لقلة ممارسته للعلم، وعدم تعلمه طريق التعبير عن المعاني بالألفاظ الرشيقة، ولا فائدة لهذا الجنس من الكلام، إلا أنه يشوش القلوب ويدهش العقول ويحير الأذهان”.

إلى أن قال -رحمه الله-: “وأما الطامات فيدخلها ما ذكرناه في الشطح، وأمر آخر يخصها وهو صرف ألفاظ الشرع عن ظواهرها المفهومة، إلى أمور باطنة لا يسبق منها إلى الأفهام فائدة، كدأب الباطنية في التأويلات؛ فهذا أيضًا حرام وضرره عظيم، فإن الألفاظ إذا صرفت عن مقتضى ظواهرها بغير اعتصام فيه بنقل عن صاحب الشرع، من غير ضرورة تدعو إليه من دليل العقل؛ اقتضى ذلك بطلان الثقة بالألفاظ، وسقط به منفعة كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم فإن ما يسبق منه إلى الفهم لا يوثق به، والباطن لا ضبط له، بل تتعارض فيه الخواطر، ويمكن تنزيله على وجوه شتى، وهذا أيضًا من البدع الشائعة العظيمة الضرر، وإنما قصد أصحابها الإغراب؛ لأن النفوس مائلة إلى الغريب ومستلذة له، وبهذا الطريق توصل الباطنية إلى هدم جميع الشريعة، بتأويل ظواهرها وتنزيلها على رأيهم.

ومثال تأويل أهل الطامات: قول بعضهم في قوله تعالى: {اذْهَبْ إِلَىَ فِرْعَوْنَ إِنّهُ طَغَىَ} [طه: 24] أن ذلك إشارة إلى قلبه، وقال: هو المراد بفرعون وهو الطاغي على كل إنسان، وفي قوله تعالى: {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمّا رَآهَا تَهْتَزّ كَأَنّهَا جَآنّ وَلّىَ مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقّبْ يَمُوسَىَ أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ} [القصص: 31] أي: كل ما يتوكأ عليه ويعتمده مما سوى الله عز وجل فينبغي أن يلقيه”.

إلى أن قال: “ومن يستجيز من أهل الطامات مثل هذه التأويلات، مع علمه أنها غير مرادة بالألفاظ، ويزعم بها أنه يقصد بها دعوة الخلق إلى الخالق، يضاهي من يستجيز الاختراع والوضع على رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هو في نفسه حق، ولكن لم ينطق به الشرع، بل الشر في تأويل هذه الألفاظ، أطم وأعظم؛ لأنها مبطلة للثقة بالألفاظ، وقاطعة طريق الاستفادة والفهم من القرآن بالكلية”.

هذا ما قاله الإمام الغزالي -رحمه الله تبارك وتعالى- وقد أطلت في نقل نصوصه لما فيه من الدقة والشمول، وعلينا إذن أن نعرف بهذا موقف العلماء من التفسير الصوفي حتى نتجنبه.

error: النص محمي !!