Top
Image Alt

تفسير سورة الفاتحة

  /  تفسير سورة الفاتحة

تفسير سورة الفاتحة

سورة الفاتحة: مكّية، أم مدنية، وعدد آياتها:

هي مكّية على الصحيح، كما روي عن ابن عباس، وقتادة، وأبي العالية؛ بل إنها مِن السوَر المختلف في القول بأنها أوَّل ما نزل.

والتحقيق: أنها أوَّل ما نزل من السوَر، بعد صدر (العلق)، وكان نزولها في صبيحة أن نزل الوحي، عندما أتى جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعلّمه الوضوء والصلاة.

وقيل: مدنيّة، قاله أبو هريرة، ومجاهد، وعطاء بن يسار، والزهري، ويقال: نزلت مرتين: مرة بمكة، ومرة بالمدينة.

قال ابن كثير: “والأول أشبه، لقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مّنَ الْمَثَانِي} [الحِجر:87]؛ وهو كما قال، وهي: سبع آيات، بلا خلاف”.

أسماؤها:

قال البخاري: سُمّيت (أمّ الكتاب)؛ لأنه يُبدأ بكتابتها في المصاحف، ويُبدأ بقراءتها في الصلاة.

قال ابن جرير: والعرب تسمِّي كل جامع أمر، أو مقدِّم لأمر -إذا كانت له توابع تتبعه هو لها إمام جامع- أُمًّا.

قال: وسُمِّيت مكة، (أمّ القرى)؛ لتقدّمِها أمام جميعها، وجمْعها ما سواها.

ويقال لها أيضًا: (الفاتحة)؛ لأنها تُفتتح بها القراءة، وافتتحت الصحابة بها كتابة المصحف الإمام.

وصحّ تسميتها بـ (السّبْع المثاني)، قالوا: لأنها تُثنّى في الصلاة، فتُقرأ في كل ركعة، وقد ثبت في الصحيح، تسميتها بـ (السّبْع المثاني)، وبـ (القرآن العظيم).

فضائلها:

وفضائلها كثيرة، استوعبتُ ما صحّ منها في: (موسوعة فضائل سُوَر وآيات القرآن)، ومن ذلك: ما ثبت في الصحيح، عن أبي سعيد بن المعلى رضي الله عنه قال: ((كُنت أصلِّي، فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أجِبْه، حتى صليتُ وأتيتُه، فقال: ما مَنعك أنْ تأتيَني؟، قال: قلت: يا رسول الله، إني كُنت أصلِّي، قال: ألمْ يَقُلِ الله عز وجل: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ للّهِ وَلِلرّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال:24]؟ ثم قال: لأُعلِّمنّك أعظمَ سُورة في القرآن -أو مِن القرآن- قبْل أن تخرج من المسجد، قال: فأخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج من المسجد، قلت: يا رسول الله، إنك قلت: لأعلِّمنّك أعظم سورة في القرآن. قال: نعم، {الْحَمْدُ للّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ} هي: السّبْع المثاني، والقرآن العظيم الذي أُوتيتُه)).

وقد رواه الترمذي، والنسائي، وغيرهما، عن أُبيّ بن كعب، مختصَرًا بلفظ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن، وهي: السّبْع المثاني، وهي مقسومة بيني وبين عبدي، ولِعبدي ما سأل)).

المعنى الإجمالي للسورة:

اشتملت هذه السورة على حمْد الله وتمجيده، والثناء عليه، وعلى ذكْر المعاد -وهو يوم الدِّين- وعلى إرشاد الله العباد إلى سؤاله، والتّضرّع إليه، والتبرّي مِن حوْلهم وقوّتهم، وإلى إخلاص العبادة له، وتوحيده بالألوهية -تبارك وتعالى- وإلى سؤالهم إيّاه الهداية إلى الطريق المستقيم -وهو الدِّين القويم- وتثبيتهم عليه، حتى يفضي بهم ذلك إلى جنّات النعيم، في جوار النبيِّين والصدِّيقين والشهداء والصّالحين.

واشتملت على الترغيب في الأعمال الصالحة؛ ليكونوا مع أهلها يوم القيامة، والتّحذير من مسالك الباطل؛ لئلا يُحشروا مع سالكيها يوم القيامة؛ وأهمّهم المغضوب عليهم -اليهود- والضالون -النصارى.

الكلام على تفسير (الاستعاذة):

قال تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) وَإِماّ يَنَزَغَنّكَ مِنَ الشّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأعراف:199، 200] في هذه الآية يأمر الله بمصانعة العدوّ الإنسي، والإحسان إليه؛ ليردّه (عنه) طبْعه الطّيّب الأصل إلى الموادّة والمصافاة، ويأمر بالاستعاذة به من العدو الشيطانيّ لا محالة، إذ لا يقبل مصانعةً ولا إحسانًا، ولا يبتغي غير هلاك ابن آدم؛ لشدّة العداوة بينه وبين أبيه آدم من قبل، كما قال تعالى: {يَابَنِيَ آدَمَ لاَ يَفْتِنَنّكُمُ الشّيْطَانُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مّنَ الْجَنّةِ} [الأعراف:27]، وقال تعالى: {إِنّ الشّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوّ فَاتّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ السّعِيرِ} [فاطر:6].

والاستعاذة هي: الالتجاء إلى الله تعالى، والالتصاق بجانبه، مِن شرّ كل ذي شرّ، والعياذة تكون لدفع الشر، واللّياذ لطلب جلب الخير، كما قال المتنبي:

يا مَن ألوذ به فيما أؤمّلهُ

*مَن أعوذ به ممّن أحاذرهُ

لا يَجبر الناسُ عظمًا أنت كاسرهُ

*ولا يهيضون عظمًا أنت جابرُه

ولفظ الاستعاذة يأتي الحديث عنه في مسائل الآية، ومن ذلك: أن تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

ومعنى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أي: أستجير بجناب الله، من الشيطان أن يضرّني في ديني أو دنياي، أو يصدّني عن فعْل ما أُمرت به، أو يحثّني على فعل ما نُهيت عنه؛ فإنّ الشيطان لا يكفّه عن الإنسان إلا الله.

و”الشيطان” في لغة العرب: مشتق مِن: “شطن”، إذا بعُد؛ فهو بعيد بطبعه عن طباع البشر، وبعيد بفسقه عن كلِّ خير. فالشيطان: مشتق مِن البعد على الصحيح؛ ولهذا يسمُّون كل ما تمرّد مِن جنِّيّ وإنسيّ وحيوان: شيطانًا، قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِيّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً} [الأنعام:112].

عن أبي ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا أبا ذر، تعوّذْ بالله من شياطين الإنس والجنّ، فقلت: أوَللإنس شياطين؟ قال: نعم))، رواه أحمد، من حديث طويل.

وفي صحيح مسلم، عن أبي ذر أيضًا، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يقطع الصلاة: المرأةُ، والحمار، والكلب الأسود، فقلت: يا رسول الله، ما بال الكلب الأسود، مِن الأحمر، مِن الأصفر؟ فقال: الكلب الأسود شيطان)).

والرجيم: فعيل، بمعنى: مفعول، أي: أنه مرجوم مطرود عن الخيْر كلّه، كما قال الله تعالى: {وَلَقَدْ زَيّنّا السّمَآءَ الدّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لّلشّيَاطِينِ} [المُلك:5]، إلى غير ذلك من الآيات، وقيل: رجيم، بمعنى: راجم؛ لأنه يرجم الناس بالوساوس والربائث.

والربائث: جمع ربيثة؛ وهي: الحاجات التي تحبسهم عن الخير.

وممّا يذكر في فضل الاستعاذة: ما رواه البخاري وغيره، عن سليمان بن صُرَد، قال: ((استبَّ رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم ونحن عنده جلوس؛ فأحدهما يسبُّ صاحبه مغضبًا قد احمرَّ وجهه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنّي لأعلَم كلمة لو قالها لَذَهب عنه ما يجده؛ لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فقالوا للرجل: ألا تسمع ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: إني لست بمجنون!)).

الكلام على البسملة:

روى الإمام أحمد عن أبي تميمة، عن رديف النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((عثر بالنبي صلى الله عليه وسلم (حماره)، فقلت: تعِس الشيطان! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تقُلْ: تعس الشيطان! فإنك إذا قلت: تعس الشيطان! تعاظم، وقال: بقوّتي صرعتُه، وإذا قلت: باسم الله، تصاغر حتى يصير مثل الذّباب)).

قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، وصحّحه الألباني.

وتعَس: بكسْر العين وفتحها، أي: كُبّ لوجهه، أو هلك، ويبدو أنه كان مِن عادتهم إذا عثر أحدهم، دعا بذلك على مَن يكره، كما في حديث الإفك: تعِس مسطح، فهذا من تأثير بركة “باسم الله”؛ ولهذا تُستحب في أوّل كلِّ عمل وقول.

{الرّحْمـَنِ الرّحِيمِ} اسمان مشتقان مِن الرحمة، على وجه المبالغة. و”رحمَن”، أشد مبالغة مِن “رحيم”.

قال القرطبي: والدليل على أنه مشتقّ: ما أخرجه الترمذي وصححه، عن عبد الرحمن بن عوف: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((قال الله تعالى: أنا الله، وأنا الرحمن، خلقتُ الرّحم، وشققت لها اسمًا من اسمي؛ فمَن وصلَها وصلتُه، ومَن قَطَعها قطعتُه)).

قال ابن المبارك: الرحمن: إذا سئل أعطى، والرحيم: إذا لم يُسأل يغضب، واسمه تعالى “الرحمن”: خاص به، لم يسمَّ به غيره، كما قال تعالى: {قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرّحْمَـَنَ أَيّاً مّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأسْمَآءَ الْحُسْنَىَ} [الإسراء:110]، وقد وجد في أشعار الجاهلية، تسمية الله تعالى بالرحمن، قال ابن جرير، وقد أنشد لبعض الجاهلية الجهال:

ألا ضربتْ تلك الفتاةُ هجينَها

*ألا قضَب الرحمنُ ربي يمينَها

الهجين هنا: الزوج، وقضَب، أي: قطع.

وعن الحسن قال: الرحمن: اسم لا يستطيع الناس أن ينتحلوه، تَسمّى به تبارك وتعالى.

تفسير قوله تعالى: {الْحَمْدُ للّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ}:

قال أبو جعفر بن جرير: معنى {الْحَمْدُ للّهِ} الشكر لله خالصًا، دون سائر ما يُعبد مِن دونه، ودون كل ما (برأ) من خلْقه، بما أنعم على عباده من النِّعم، التي لا يحصيها العدد، ولا يحيط بعددها غيره أحد، في تصحيح الآلات في طاعته، وتمكين جوارح أجسام المكلَّفين لأداء فرائضه، مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق، وغذاهم به من نعيم العيش، من غير استحقاق منهم ذلك عليه، ومع ما نبّههم عليه ودعاهم إليه من الأسباب المؤدية إلى دوام الخلود، في دار المقام في النعيم المقيم؛ فلِربِّنا الحمد على ذلك كلّه، أولًا وآخرًا.

وقال ابن جرير: {الْحَمْدُ للّهِ} ثناء أثنى به على نفسه، وفي ضِمنه أمر عباده أن يُثنوا عليه؛ فكأنه قال: قولوا: الحمد لله، قال: وقد قيل: إن قول القائل: “الحمد لله”، ثناء عليه بأسمائه الحسنى، وصفاته العُلى، وقوله: “الشكر لله”: ثناء عليه بنعمه وأياديه. ثم شرع في ردّ ذلك، بما حاصله: أنّ جميع أهل المعرفة بلسان العرب، يوقعون كلًا من الحمد، والشكر مكان الآخر.

وقد اشتهر عند كثير من العلماء مِن المتأخرين: أنّ الحمد، هو: الثناء بالقول على المحمود، بصِفاته اللازمة والمتعدّية، والشكر لا يكون إلا على المتعدّية؛ ويكون بالجنان، واللسان، والأركان.

والألف واللام، في: {الْحَمْدُ} لاستغراق جميع أجناس الحمد وصنوفه، لله تعالى، كما جاء في الحديث: ((اللهم لك الحمد كلّه، ولك المُلْك كلّه، وبيدك الخير كلّه، وإليك يرجع الأمْر كلّه)).

والرب: المالك المتصرف، ويُطلق لغة على السَّيِّد، وعلى المتصرِّف للإصلاح، وكلُّ ذلك صحيح في حقه تعالى، (ولا يستعمل الرب لغير الله إلا بالإضافة، تقول: رب الدار، ورب كذا، وأما “الرب”، فلا تقال إلا لله عز وجل).

و{الْعَالَمِينَ} جمْع عالَم، وهو كل موجود سوى الله عز وجل والعالَم: جمع، لا واحد له من لفظه، والعوالم: أصناف المخلوقات؛ في السموات، والبر، والبحر، وكل قرن منها، وجيل يسمّى عالَمًا أيضًا.

وفي رواية سعيد بن جبير وعكرمة، عن ابن عباس: ربّ الجن والإنس؛ وكذلك قال غير واحد مِن السلف، واستدل القرطبي لهذا القول، بقوله تعالى: {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} [الفرقان:1]، وهم الجنّ والإنس.

وقال الفراء، وأبو عبيدة: العالَم عبارة عما يعقل، وهم: الإنس، والجن، والملائكة، والشياطين، ولا يقال للبهائم: عالَم.

تفسير قوله تعالى: {الرّحْمـَنِ الرّحِيمِ}:

قال القرطبي: وإنما وصف نفسه بـ {الرّحْمـَنِ الرّحِيمِ}، بعد قوله: {رَبّ الْعَالَمِينَ} ليكون من باب قرن الترغيب بعد الترهيب، كما قال: {نَبّىءْ عِبَادِي أَنّي أَنَا الْغَفُورُ الرّحِيمُ (49) وَأَنّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الألِيمُ} [الحِجر:49، 50].

تفسير قوله تعالى: {مَـَلِكِ يَوْمِ الدّينِ}:

قرأ بعض القراء: {مَـَلِكِ}، وقرأ آخرون: “مَلِكِ”؛ وكلاهما صحيح متواتر في السّبعة.

وتخصيص الملْك بيوم الدين، لا ينفيه عما عداه؛ لأنه قد تقدم الإخبار بأنه رب العالمين، وذلك عام في الدنيا والآخرة؛ وإنّما أضيف إلى يوم الدِّين؛ لأنه لا يدَّعي أحد هنالك شيئًا، ولا يتكلم أحد إلا بإذنه، كما قال تعالى: {يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلّمُ نَفْسٌ إِلاّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيّ وَسَعِيدٌ} [هود:105].

و{الّذِينَ} الجزاء والحساب، كما قال: {يَوْمَئِذٍ يُوَفّيهِمُ اللّهُ دِينَهُمُ الْحَقّ} [النور:25]، وقال: {أَإِنّا لَمَدِينُونَ} [الصافات:53] أي: لمَجْزيّون، أي: محاسَبون.

وفي الحديث الذي حسّنه الترمذي، وفيه ضعف: ((الكيّس مَن دان نفسه، وعمِل لما بعْد الموت))، أي: حاسب نفسه لنفسه، وكما قال عمر: “حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسَبوا، وزنوا أنفسَكم قبل أن توزَنوا، وتزيّنوا للعرْض الأكبر، على مَن لا تخفى عليه أعمالكم {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَىَ مِنكُمْ خَافِيَةٌ} [الحاقة:18]”.

تفسير قوله تعالى: {إِيّاكَ نَعْبُدُ وإِيّاكَ نَسْتَعِينُ}:

العبادة لغة: مِن الذّلّة، يقال: طريق معبّد، وبعير معبّد، أي: مذلّل.

العبادة شرعًا: عبارة عما يجمع كمال المحبة، والخضوع، والخوف، وقدّم المفعول -وهو {إِيّاكَ}- وكُرّر؛ للاهتمام والحصر، أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك؛ وهذا هو كمال الطاعة، والدِّين يرجع كلّه إلى هذيْن المعنييْن.

وكما قال بعض السلف: “الفاتحة”، سرّ القرآن، وسرها هذه الكلمة: {إِيّاكَ نَعْبُدُ وإِيّاكَ نَسْتَعِينُ}، فالأوّل: تبرِّي مِن الشّرك، والثاني: تبرِّي من الحوْل والقوة، والتفويض إلى الله عز وجل.

وتحوّل الكلام من الغيْبة إلى المواجهة بكاف الخطاب، وهو مناسبه، لأنه لمّا أثنى على الله، فكأنه اقترب وحضر بين يدي الله تعالى؛ فلهذا قال: {إِيّاكَ نَعْبُدُ وإِيّاكَ نَسْتَعِينُ}، وفي هذا دليل على أنَّ أول السورة خبَر من الله تعالى، بالثناء على نفسه الكريمة، بجميل صفاته الحسنى، وإرشاد لعباده بأن يُثنوا عليه بذلك.

وإنما قدَّم {إِيّاكَ نَعْبُدُ} على {وإِيّاكَ نَسْتَعِينُ}؛ لأنَّ العبادة له هي المقصودة، والاستعانة وسيلة إليها، والاهتمام والحزم، هو: أن يقدّم ما هو الأهمّ فالأهمّ، والله أعلم.

والعبادة مقام عظيم، يشْرف به العبد؛ لانتسابه إلى جناب الله تعالى، وقد سمّى الله رسوله صلى الله عليه وسلم بـ “عبْده”، في أشرف مقاماته، فقال: {الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي أَنْزَلَ عَلَىَ عَبْدِهِ الْكِتَابَ} [الكهف:1]، و{وَأَنّهُ لّمَا قَامَ عَبْدُ اللّهِ يَدْعُوهُ} [الجن:19]، و{سُبْحَانَ الّذِي أَسْرَىَ بِعَبْدِهِ} [الإسراء:1]؛ فسمّاه عبدًا عند إنزاله عليه، وعند قيامه في الدعوة، وإسرائه به.

تفسير قوله تعالى: {اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}:

قراءة الجمهور بالصاد، وقرئ: “السِّرَاطَ”، بالسّين، وقرئ بإشمام الصاد صوت الزّاي، كما ينطق العوام حرف الظاء.

وطلب العبد هنا ذلك، أنه لمّا تقدم الثناء على المسئول -تبارك وتعالى- ناسب أن يعقب بالسؤال، كما قال: ((فنِصْفها لي، ونصفها لعبدي؛ ولعبدي ما سأل))، وهذا أكمل أحوال السائل: أن يمدح مسئوله، ثم يسأل حاجته، وحاجة إخوته المؤمنين، بقوله: {اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}؛ لأنه أنجح للحاجة، وأنجع للإجابة؛ ولهذا أرشد الله تعالى إليه؛ لأنه الأكمل.

والهداية ها هنا: الإرشاد والتوفيق، وقد تعدى الهداية بنفسها كما هنا: {اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}، فتضمّن معنى: ألهِمْنا، أو وفِّقنا، أو ارزقنا، أو أعطنا.

وأمّا {الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}، فقال الإمام أبو جعفر بن جرير: أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعًا: على أن الصراط المستقيم، هو: الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه.

وذلك في لغة جميع العرب؛ فمِن ذلك: قول جرير بن عطية الخطفي:

أمير المؤمنين على صراطٍ

*إذا اعوج الموارد مُستقيمِ

قال: والشواهد على ذلك أكثر مِن أن تُحصر، قال: ثم تستعير العرب الصراط، فتستعمله في كلّ قول وعمل وُصف باستقامة أو اعوجاج؛ فتصِف المستقيم باستقامته، والمعوجَّ باعوجاجه.

ثم اختلفت عبارات المفسِّرين -سلفًا وخلفًا- في تفسير (الصراط)، وإن كان يرجع حاصلها إلى شيء واحد، وهو: المتابعة لله وللرسول، فروي أنه: كتاب الله، كما في حديث الحارث الأعور عن علي؛ وهو ضعيف، كما روي في تفسير السُّدِّي، عن ابن عباس، وابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: {اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} قالوا: هوالإسلام.

وقال مجاهد: {اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} قال: الحق، وهذا أشمل، ولا منافاة بينه وبين ما تقدَّم.

وعن أبي العالية: {اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} قال: هو: النبي صلى الله عليه وسلم وصاحباه مِن بَعْده، قال عاصم: فذكرنا ذلك للحسن، فقال: صدَق أبو العالية، ونصَح، إسناده حسن.

قال ابن كثير: “وكلّ هذه الأقوال صحيحة، وهي متلازمة؛ فإنَّ مَن اتبع النبي صلى الله عليه وسلم واقتدى باللّذَيْن مِن بَعْده -أبي بكر، وعمر- فقد اتّبع الحق، ومَن اتّبع الحق فقد اتّبع الإسلام، ومَن اتّبع الإسلام فقد اتّبع القرآن؛ وهو كتاب الله، وحبْله المتين، وصراطه المستقيم؛ فكلها صحيحة، يصدّق بعضها بعضًا، ولله الحمد”.

تفسير قوله تعالى: {صِرَاطَ الّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ الضّآلّينَ}:

قوله: {صِرَاطَ الّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} مفسِّر للصِّراط المستقيم؛ وهو: بدل منه عند النحاة.

والذين أنعم الله عليهم: هم المذكورون في سورة: “النساء”؛ حيث قال تعالى: {وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرّسُولَ فَأُوْلَـَئِكَ مَعَ الّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مّنَ النّبِيّينَ وَالصّدّيقِينَ وَالشّهَدَآءِ وَالصّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـَئِكَ رَفِيقاً (69) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّهِ وَكَفَىَ بِاللّهِ عَلِيماً} [النساء:69، 70].

وعن الربيع بن أنس: {صِرَاطَ الّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} قال: هم النبيّون.

وقال ابن جريج، عن ابن عباس: هم المؤمنون، وكذا قال مجاهد.

وقال وكيع: هم المسلمون.

وقوله تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ الضّآلّينَ} قرأ الجمهور {غَيْرِ} بالجرِّ على النعت.

والمعنى: {اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} ممّن تقَدّم وصْفُهم ونعتُهم، وهم: أهل الهداية، والاستقامة، والطاعة لله ورُسله، وامتثال أوامره، وترْك نواهيه وزواجره، غير صراط المغضوب عليهم، وهم الذين فسدت إراداتهم فعلموا الحق وعدلوا عنه، ولا صراط الضالين، وهم الذين فقدوا العلْم، فهم هائمون في الضلالة، لا يهتدون إلى الحق.

وأكّد الكلام بـ “لا”، ليدلّ على أنّ ثَم مَسلكيْن فاسديْن؛ وهما طريقتا اليهود، والنصارى.

ومنهم من زعم أنّ “لا”، في قوله: {وَلاَ الضّآلّينَ} زائدة، وأنّ تقدير الكلام عنده: غير المغضوب عليهم والضالين، واستشهد ببيت العجاج:

في بِير لا حُور سعى وما شعرْ

 

أي: في بير حور، والصحيح ما تقدّم.

وفي (تفسير السّدّي)، عن ابن عباس، وابن مسعود، وعن أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم} هم: اليهود، و{وَلاَ الضّآلّينَ} هم: النصارى.

قال ابن أبي حاتم: ولا أعلم بيْن المفسّرين في هذا اختلافًا.

error: النص محمي !!