Top
Image Alt

تفسير (فتح القدير) للشوكاني

  /  تفسير (فتح القدير) للشوكاني

تفسير (فتح القدير) للشوكاني

نأتي لـ(فتح القدير) للشوكاني؛ لنلقي إطلالة عليه:

التعريف بمؤلف هذا التفسير:

مؤلف هذا التفسير هو العلامة محمد بن علي بن عبد الله الشوكاني، وُلد في سنة 1173 هجرية، في بلدة هجرة شوكان، ونشأ -رحمه الله- بصنعاء، وتربَّى في حجر أبيه على العفاف والطهارة، وأخذ في طلب العلم والسماع من العلماء الأعلام، وجدّ في طلب العلم، واشتغل كثيرًا بمطالعة كتب التاريخ ومجاميع الأدب، وسار على هذه الطريقة ما بين مطالعة وحفظ، وما بين سماع وتلقي إلى أن صار إمامًا يعوّل عليه، ورأسًا يُرحل إليه، فريدًا في عصره نادرة لدهره قدوة لغيره، بحرًا في العلم لا يجارَى، مفسرًا للقرآن لا يبارَى، محدِّثًا لا يشق له غبار، مجتهدًا لا يثبت أحدٌ معه في مِضمار، ولقد خلّف -رحمه الله- كتبًا في العلم نافعة وكثيرة أهمها:

كتاب (فتح القدير) في التفسير -وهو الكتاب الذي نحن بصدد الكلام عنه- وكتاب (نيل الأوطار وشرح منتقى الأخبار) في الحديث، وكتاب (إرشاد الثقات إلى اتفاق الشرائع على التوحيد والمعاد والنبوات) ردّ به على موسى بن ميمون الأندلسي اليهودي، وغير هذا كثير من مؤلفاته.

مذهبه:

تفقّه -رحمه الله- على مذهب الزيدية وبرَعَ فيه، وألف وأفتى، وتخلى عن التقليد، وتحلى بمنصب الاجتهاد، وألف رسالة سماها (القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد)، تحامل عليه من أجلها جماعة من العلماء، وأرسل إليه أهل جهته سهام اللوم والكُره، وثارت من أجل ذلك فتنة في صنعاء اليمن بين مَن هو مقلد وبين من هو مجتهد.

عقيدة الشوكاني عقيدة السلف؛ من حمل صفات الله تعالى الواردة في القرآن والسنة على ظاهرها؛ من غير تأويل ولا تحريفٍ، وقد ألّف رسالة في ذلك سماها (التحف بمذهب السلف).

هذا وقد توفي الشوكاني -رحمه الله- سنة 1250 هجرية.

التعريف بهذا التفسير، وطريقة مؤلفه فيه:

يعتبر هذا التفسير أصلًا من أصول التفسير، ومرجعًا هامًّا من مراجعه؛ لأنه جمع بين التفسير بالدراية والتفسير بالرواية، فأجاد في باب الدراية وتوسع في باب الرواية، وقد ذكر مؤلفه في مقدمته أنه شرع فيه في شهر ربيع الآخر من سنة ثلاث وعشرين بعد المائتين والألف من الهجرة النبوية، وفرَغَ منه في شهر رجب سنة تسع وعشرين بعد المائتين والألف من الهجرة النبوية -على صاحبها أفضل السلام وأزكى التحية-.

كما ذكر أنه اعتمد في تفسيره هذا على أبي جعفر النحاس، وابن عطية الدمشقي، وابن عطية الأندلسي، والقرطبي، والزمخشري، وغيرهم.

طريقة الشوكاني في التفسير:

يقول صاحب (التفسير والمفسرون) يقول: يكفينا في بيانها عبارته التي ذكرها في مقدمة هذا التفسير مبينًا منهجه فيه.

قال -رحمه الله-: ووطّنت النفس على سلوك طريقة هي بالقبول عند الفحول حقيقة، وها أنا أوضّح لك منارها وأبيّن لك إيرادها وإصدارها، فأقول: إن غالب المفسرين تفرقوا فريقين وسلكوا طريقين؛ الفريق الأول: اقتصروا في تفاسيرهم على مجرد الرواية، وقنعوا برفع هذه الراية، والفريق الآخر: جردوا أنظارهم إلى ما تقتضيه اللغة العربية وما تفيده العلوم الآلية، ولم يرفعوا إلى الرواية رأسًا وإن جاءوا به لم يصحوا لها أساسًا، وكلا الفريقين قد أصاب وأطال وأطاب، وإن رفع عمادَ بيت تصنيفه على بعض الأطناب، وترك منها ما لا يتم بدونه كمال الانتصاب.

ثم قال بعد أن دلل على قوله هذا: وبهذا يعرف أنه لا بد من الجمع بين الأمرين، وعدم الاقتصار على مسلك أحد الفريقين، وهذا هو المقصد الذي وطّنت نفسي عليه، والمسلك الذي عزمت على سلوكه إن شاء الله، مع تعرضي للترجيح بين التفاسير المتعارضة مهما أمكن واتضح لي وجهه، وأخذي من بيان المعنى العربي والإعرابي والبياني بأوفر نصيب، والحرص على إيراد ما ثبت من التفسير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو الصحابة أو التابعين أو تابعيهم أو الأئمة المعتمدين.

يقول الشوكاني في مقدمته: وقد أذكر ما في إسناده ضعف؛ إما لأن في المقام ما يقوّيه، أو لموافقته للمعنى العربي، يقول: وقد أذكر الحديث معزوًّا إلى رواية من غير بيان حال الإسناد؛ لأني أجده في الأصول التي نُقلت عنها كذلك، كما يقع في تفسير ابن جرير والقرطبي وابن كثير والسيوطي وغيرهم، ويبعد كل البعد أن يعلموا في الحديث ضعفًا ولا يبينوه، ولا ينبغي أن يقال فيما أطلقوه: إنهم قد علموا ثبوته، فإن من الجائز أن ينقلوه من دون كشفٍ عن حال الإسناد، بل هذا هو الذي يغلب به الظن؛ لأنهم لو كشفوا عنه فثبت عندهم صحته لم يتركوا بيان ذلك، كما يقع منهم كثيرًا التصريح بالصحة أو الحسن، فمن وجد الأصول التي يروون عنها ويعزون ما في تفاسيرهم إليها، فلينظر إلى أسانيدها موفّقًا إن شاء الله.

ثم يقول الشوكاني في مقدمته: واعلم أن تفسير السيوطي المسمى بـ(الدر المنثور) قد اشتمل على غالب ما في تفاسير السلف من التفاسير المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتفاسير الصحابة ومن بعدهم، وما فاته إلا القليل النادر، وقد اشتمل هذا التفسير على جميع ما تدعو إليه الحاجة منه؛ مما يتعلق بالتفسير مع اختصار لِمَا تكرر لفظًا واتحد معنًى بقولي: ومثله ونحوه، وضممتُ إلى ذلك فوائد لم يشتمل عليها، وجدتها في غيره من تفاسير علماء الرواية، أو من الفوائد التي لاحت لي من تصحيح أو تحسين أو تضعيف أو تعقيب أو جمع أو ترجيح، فهذا التفسير -وإن كبر حجمه- فقد كثر علمه، وتوفّر من التحقيق نصيبه، وأصاب غرض الحق سهمُه، واشتمل على ما في كتب التفسير من بدع الفوائد مع زوائد فرائد وقواعد شرائد، ثم أرجع إلى تفاسير المعتمدين على الدراية، ثم أنظر في هذا التفسير بعد النظرين، فعند ذلك يسفر الصبح لذي عينين؛ ويتبين لك أن هذا الكتاب هو اللباب وعجب العجاب وذخيرة الطلاب ونهاية مآرب أولي الألباب، وقد سميته (فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير).

يقول الذهبي: مما تقدم يتضح لك جليًّا طريقة المؤلف التي سلكها في تفسيره هذا، وقد رجعت إلى هذا التفسير وقرأت فيه كثيرًا، فوجدته يذكر الآيات ثم يفسرها معقولًا ومقبولًا، ثم يذكر بعد الفراغ من ذلك الروايات التفسيرية الواردة عن السلف، وهو ينقل كثيرًا عمن ذكر من أصحاب كتب التفسير، يقول: ووجدت الشوكاني يذكر المناسبات بين الآيات ويحتكم إلى اللغة كثيرًا، وينقل عن أئمتها؛ كأبي عبيدة والفراء، كما أنه يتعرض أحيانًا للقراءات السبع، ولا يفوته أن يَعرض لمذاهب العلماء الفقهية في كل مناسبة، ويذكر اختلافهم وأدلتهم، ويُدلي بدِلوه بين العلماء، فيرجح ويستظهر ويستنبط ويعطي نفسه حريةً واسعة في الاستنباط؛ لأنه يرى نفسه مجتهدًا لا يقل عن غيره من المجتهدين.

نقله للروايات الموضوعة والضعيفة:

يقول الذهبي في (التفسير والمفسرون): غير أني آخذ عليه -كرجل من أهل الحديث- أنه يذكر كثيرًا من الروايات الموضوعة أو الضعيفة، ويمرّ عليها بدون أن ينبّه عليها، فمثلًا نجده عند تفسيره لقوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ} [المائدة: 55] الآية، وقوله:{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} [المائدة: 67] الآية. يذكر من الروايات ما هو موضوعٌ على ألسن الشيعة، ولا ينبّه على أنها موضوعة، مع أنه يقرر عدم صلاحية مثل هذه الروايات للاستدلال على إمامة علي.

ففي الآية الأولى يقول: {وَهُمْ رَاكِعُون} [المائدة: 55] جملة حالية من فاعل الفعلين الذِين قبله، والمراد بالركوع الخشوع والخضوع؛ أي: يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم خاشعون لا يتكبرون، وقيل: هو حال من فاعل الزكاة، والمراد بالركوع هو المعنى المذكور؛ أي: يضعون الزكاة في مواضعها غير متكبرين على الفقراء ولا مترفعين عليهم، وقيل: المراد بالركوع على المعنى الثاني ركوع الصلاة، ويدفعه عدم جواز إخراج الزكاة في تلك الحال.

يقول الذهبي: ثم نراه يذكر في ضمن ما يذكر من الروايات عن ابن عباس أنه قال: تصدق علي بخاتم وهو راكع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للسائل: “من أعطاك هذا الخاتم؟”، قال: ذلك الراكع، فأنزل الله فيه: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ} [المائدة: 55] الآية، ثم يمرّ على هذه الرواية الموضوعة باتفاق أهل العلم ولا ينبه على ما فيها.

يقول الذهبي: وفي الآية الثانية نجده يروي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: نزلت هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} على رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن علي بن أبي طالب، ويروي عن ابن مسعود أنه قال: كنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك أنَّ عليًّا مولى المؤمنين وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس”.

يقول الذهبي: ثم يمر على هاتين الروايتين أيضًا بدون أن يتعقبهما بشيء أصلًا.

ذمه للتقليد والمقلِّدين:

يقول الذهبي: كذلك نلاحظ على الشوكاني أنه لا يكاد يمر بآية من القرآن تنعي على المشركين تقليدهم آباءَهم، إلا ويطبقها على مقلدي أئمة المذاهب الفقهية، ويرميهم بأنهم تاركون لكتاب الله، مُعرِضون عن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

يقول الذهبي: وإن كنا لا نمنع من الاجتهاد من له قدرة عليه بتحصيله لأسبابه وإلمامه بشروطه، إلا أنا لا ننكر أن في الناس من ليس أهلًا للاجتهاد، وهؤلاء لا بد لهم من التقليد.

ويقول الذهبي: ولست في شك من أن الشوكاني مخطئ في حملاته على المقلدة، كما أنه قاسٍ إلى حد كبير؛ حيث يطبق ما ورد من الآيات في حقّ الكفرة على مقلدي الأئمة وأتباعهم.

يقول الذهبي في كتاب (التفسير والمفسرون): إليك بعض ما قاله في تفسيره، يقول: فمثلًا عندما تعرض لقوله تعالى {وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُون} [الأعراف: 28] قال ما نصه: وإن في هذه الآية الشريفة لأعظم زاجر وأبلغ واعظ للمقلدة، الذين يتبعون آباءهم في المذاهب المخالفة للحق، فإن ذلك من الاقتداء بأهل الكفر لا بأهل الحق، فإنهم القائلون: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُون} [الزخرف: 23] والقائلون: {وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا}.

والمقلد لولا اغتراره بكونه وجد أباه على ذلك المذهب -مع اعتقاده بأنه الذي أمر الله به وأنه الحق- لم يبقَ عليه.

وهذه الخَصلة هي التي بقي بها اليهودي على اليهودية، والنصراني على النصرانية، والمبتدع على بدعته، فما أبقاهم على هذه الضلالات إلا أنهم وجدوا آباءهم في اليهودية أو النصرانية أو البدعة وأحسنوا الظن بهم؛ بأن ما هم عليه هو الحق الذي أمر الله به، ولم ينظروا لأنفسهم ولا طلبوا الحق كما يجب، ولا بحثوا عن دين الله كما ينبغي، وهذا هو التقليد البحت والقصور الخالص.

فيا من نشأ على مذهب مِن هذه المذاهب الإسلامية -يقول الشوكاني:- أنا لك النذير المبالغ في التحذير مِن أن تقول هذه المقالة، وتستمر على الضلالة، فقد اختلط الشرّ بالخير، والصحيح بالسقيم، وفاسد الرأي بصحيح الرواية، ولم يبعث الله إلى هذه الأمة إلا رسولًا واحدًا؛ أمرهم باتباعه ونهى عن مخالفته، فقال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر: 7]، ولو كان محض رأي أئمة المذاهب وأتباعهم حجة على العباد لكان لهذه الأمة رسلٌ كثيرون متعددون بعدد أهل الرأي، المكلفين للناس بما لم يكلفهم الله به، وإن من أعجب الغفلة وأعظم الذهول عن الحق اختيار المقلدة لآراء الرجال مع وجود كتاب الله، ووجود سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ووجود من يأخذونهما عنه، ووجود آلة الفهم لديهم وملكة العقل عندهم.

يقول: وفي سورة التوبة عند تفسيره لقوله تعالى: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُون} [التوبة: 31] يقول ما نصه: وفي هذه الآية ما يزجر من كان له قلب أو ألقى السمع وشهيد عن التقليد في دين الله، وإيثار ما يقوله الأسلاف على ما في الكتاب العزيز والسنة المطهرة؛ فإن طاعة المتمذهب لمن يقتضي بقوله ويستن بسنته من علماء هذه الأمة مع مخالفته لما جاءت به النصوص، وقامت به حجج الله وبراهينه ونطقت به كتابه وأنبياؤه هو كاتخاذ اليهود والنصارى الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله؛ للقطع بأنهم لم يعبدوهم بل أطاعوهم، وحرموا ما حرموا وحللوا ما حللوا، وهذا هو صنيع المقلّدين من هذه الأمة وهو أشبه مَن شبه البيضة بالبيضة والتمرة بالتمرة والماء بالماء.

فيا عباد الله، ويا أتباع محمد بن عبد الله، ما بالكم تركتم الكتاب والسنة جانبًا، وعمدتم إلى رجال هم مثلكم في تعبد الله لهم بهما وطلبه منهم للعمل في تعبد الله لهم بها، وطلبه منهم للعمل بما دل عليه وأفاده، فعلتم بما جاءوا به من الآراء التي لم تعمد بعماد الحق، ولم تَعضد بعضد الدين، ونصوص الكتاب والسنة تنادي بأبلغ نداء وتصوت بأعلى صوت بما يخالف ذلك ويبينه، فأعرتموهما آذانًا صمًّا، وقلوبًا غلفًا، وأفهامًا مريضًا، وعقولًا مهيضة، وأذهانًا كليلة، وخواطرَ عليلة، فدعوا -أرشدكم الله وإياي- كتبًا كتبها لكم الأموات من أسلافكم، واستبدلوا بها كتاب الله، خالقهم وخالقكم، ومتعبدهم ومتعبدكم، ومعبودهم ومعبودكم، واستبدلوا بأقوال من تدعونهم بأئمتكم وما جاءوكم به من الرأي بأقوال إمامكم وإمامهم، وقدوتكم وقدوتهم، وهو الإمام الأول محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.

أيضًا يقول الذهبي عند تفسيره لقوله تعالى: {إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُون * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِين * قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِين} [الأنبياء: 52 – 54] يقول الذهبي: نجده يذم المقلدة وأئمة المذاهب بما لا يليق أن يصدر من عالم في حق عالم آخر، ربما كان أفضل منه عند الله.

حياة الشهداء:

يقول الذهبي: هذا، وإن الشوكاني ليقرر في تفسيره هذا أن الشهداء أحياءٌ عند ربهم يرزقون، حياة حقيقية، لا مجازية، وذلك حيث عند تفسيره لقوله تعالى: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون} [آل عمران: 169]، وقد اختلف أهل العلم في الشهداء المذكورين في هذه الآية: من هم؟ فقيل: في شهداء أحد، وقيل: في شهداء بدر، وقيل: في شهداء بئر معونة، وعلى فرض أنها نزلت في سبب خاص فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومعنى الآية عند الجمهور: أنهم أحياء حياة محققة، ثم اختلفوا؛ فمنهم مَن قال: إنها ترد إليهم أرواحهم في قبورهم فيتنعمون، قال مجاهد: يرزقون من ثمر الجنة؛ أي: يجدون ريحها وليسوا فيها، وذهب من عَدَا الجمهور إلى أنها حياة مجازية، والمعنى: أنهم في حكم الله مستحقون للنعم في الجنة، والصحيح الأول، ولا موجب للمصير إلى المجاز، وقد وردت السنة المطهرة بأن أرواحهم في أجواف طيور خضر، وأنهم في الجنة يرزقون ويأكلون ويتمتعون.

منهج الشوكاني في تفسيره في التوسل:

هو مع هذه الموافقة للجمهور في النقاط السابقة نراه يقف من مسألة التوسل بالأنبياء والأولياء موقفَ المعارضة، ويفيض في الإنكار على مَن يفعل ذلك في سورة يونس عند تفسيره لقوله تعالى: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ} [يونس: 49] يقول ما نصه: وفي هذا أعظم واعظ وأبلغ زاجر لمن صار دينه المناداة لرسول الله صلى الله عليه وسلم والاستغاثة به عند نزول النوازل، التي لا يقدر على دفعها إلا الله، وكذلك من صار يطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم ما لا يقدر على تحصيله إلا الله، فإن هذا مقام رب العالمين الذي خلق الأنبياء والصالحين وجميعَ المخلوقين، ورزقهم وأحياهم وأماتهم، فكيف يطلب من نبي من الأنبياء أو ملك من الملائكة أو صالح من الصالحين ما هو عاجز عنه غير قادر عليه؟! ويترك الطلب لرب الأرباب القادر على كل شيء الخالق الرازق المعطي المانع، وحسبك بما في هذه الآية موعظة، فإن هذا سيد ولد آدم وخاتم الرسل يأمره الله بأن يقول لعباده: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا} فكيف يملكه لغيره؟ وكيف يملكه غيره من رتبته دون رتبته ومنزلته لا تبلغ إلى منزلته نفسه، فضلًا عن أن يملكه لغيره؟!

موقفه من المتشابه:

يقول الذهبي: ثم إن المؤلف سلفي العقيدة، فكل ما ورد في القرآن من ألفاظ تُوهم التشبيه حملها على ظاهرها، وفوض الكيف إلى الله، يقول الذهبي: ولهذا نراه -مثلًا- عند تفسيره لقوله تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} [البقرة: 255] يقول: الكرسي الظاهر أنه الجسم، الذي وردت الآثار بصفته، وقد نفى وجوده جماعة من المعتزلة وأخطئوا في ذلك خطأً بيّنًا، وغلطوا غلطًا فاحشًا، وقال بعض السلف: إن الكرسي هنا عبارة عن العِلم، ورجح هذا القول ابن جرير، وقيل: كرسيه قدرته التي يمسك بها السموات والأرض، كما يقال: اجعل لهذا الحائط كرسيًّا، وقيل: إن الكرسي هو العرش، وقيل: هو تصويره لعظمته ولا حقيقة له، وقيل: هو عبارة عن الملك. والحق: القول الأول ولا وجه للعدول عن المعنى الحقيقي إلى مجرد خيالات وضلالات.

موقف الشوكاني من مسألة خَلْق القرآن:

يقول الذهبي: هذا، ولم يرضَ الشوكاني موقفَ أهل السنة ولا موقف المعتزلة من مسألة خلق القرآن، وإنما رضيَ أن يكون من العلماء الوقوف في هذه المسألة، فهو لم يجزم فيها برأي، وراح يُلقي باللائمة على من يقطع بأن القرآن قديمٌ أو مخلوق؛ فعندما تعرض لتفسير قوله تعالى {مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُون} [الأنبياء: 2] يقول ما نصه: وقد استدل بوصف “الذكر” بكونه محدثًا على أن القرآن محدث؛ لأن الذكر هنا هو القرآن، وأجيب: بأنه لا نزاعَ في حدوث المركب من الأصوات والحروف؛ لأنه متجددٌ في النزول، فالمعنى: محدث تنزيله، وإنما النزاع في الكلام النفسي، وهذه المسألة -أعني: قدم القرآن وحدوثه- قد ابتلى بها كثير من أهل العلم، ولقد أصاب أئمة السنة بامتناعهم من الإجابة إلى القول بخلق القرآن وحدوثه، وحفظ الله بهم أمة نبيهم عن الابتداع، ولكنهم -رحمهم الله- جاوزا ذلك إلى القول بقدمه، ولم يقتصروا على ذلك حتى كفروا من قال بالحدوث، بل جاوزوا ذلك إلى تكفير من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، بل جاوزا ذلك إلى تكفير مَن وقف، وليتهم لم يجاوزا حتى الوقف وإرجاع العلم إلى علام الغيوب؛ فإنه لم يُسمع من السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم إلى وقت قيام المحنة وظهور القول في هذه المسألة شيءٌ من الكلام، ولا ننقل عنهم كلمةً في ذلك؛ فكان الامتناع من الإجابة إلى ما دعوا إليه، والتمسك بأذيال الوقف، وإرجاع عِلم ذلك إلى عالمه، هو الطريقة المثلى، وفيه السلامة والخلوص من تكفير طوائف من عباد الله، والأمر لله سبحانه.

موقف الشوكاني من المعتزلة:

نجد أنه ينكر على المعتزلة القائلين: بأن العين لا تأثير لها في الشيء الذي ينظر إليه؛ وذلك حيث يقول عند تفسيره لقوله تعالى: {وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ} [يوسف: 67] الآية، قد أنكر بعض المعتزلة كأبي هاشم والبلخي أن للعين تأثيرًا، وليس هذا بمستنكر من هذين وأتباعهما، فقد صار دفع أدلة الكتاب والسنة بمجرد الاستبعادات العقلية دأبهم ودَيْدنهم، وأي مانع من إصابة العين بتقدير الله سبحانه لذلك، وقد وردت الأحاديث الصحيحة بأن: ((العين حق))، وأصيب بها جماعة في عصر النبوة، ومنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعجب مِن إنكار هؤلاء لما وردت به نصوص هذه الشريعة ما يقع من بعضهم من الازدراء على مَن يعمل بالدليل المخالف لمجرد الاستبعاد العقلي، والتنطع في العبارات، كالزمخشري في تفسيره! فإنه في كثير من المواطن لا يقف عند دفع دليل الشرع بالاستبعاد، حتى يضم إلى ذلك الوقاحة في العبارة على وجهٍ يوقع المقصّرين في الأقوال الباطلة والمذاهب الزائفة، وبالجملة: فقول هؤلاء مدفوع بالأدلة المتكاثرة، وإجماع مَن يعتد به من هذه الأمة سلفًا وخلفًا، بما هو مشاهد في الوجود، فكم من شخص من هذا النوع الإنساني وغيره من أنواع الحيوان هلك بهذا السبب.

هذا هو أهم ما في تفسير الشوكاني من البحوث التي أعطى فيها لنفسه حرية واسعةً، وكان يهزأ من تعاليم المعتزلة، ويندد ببعض مواقف أهل السنة.

والخلاصة: الكتاب له قيمته ومكانته.

error: النص محمي !!