Top
Image Alt

تقسيم الاسم إلى صحيح الآخر وغيره

  /  تقسيم الاسم إلى صحيح الآخر وغيره

تقسيم الاسم إلى صحيح الآخر وغيره

وهذا هو التقسيم الرابع للاسم في التصريف.

وهو بحسب آخر الاسم، فالاسم من جهة آخره خمسة أنواع:

النوع الأول: وهو الصحيح الآخر، وهو ما ليس آخره حرف علة، كـ”رجل” وامرأة.

النوع الثاني: الشبيه بالصحيح، ويسمى أيضًا المنزل منزلة الصحيح، وهو ما كان آخره ياء، أو واوا قبلها ساكن، ومن أمثلته ظبي، وهدي، ودلو وعدو.

وسبب تسميته بالشبيه بالصحيح، أو بالمنزل منزلة الصحيح، أنه يعامل في الكثير من الأحكام، معاملة الاسم الصحيح الآخر، كالتثنية مثلا، فهو يثنى على نحو ما يثنى عليه الاسم الصحيح الآخر.

النوع الثالث: المنقوص، والمنقوص هو الاسم المعرب، الذي ينتهي بياء ساكنة قبلها كسرة لازمة.

ومن أمثلته: القاضي، والداعي، والهادي، والباني، وهذا النوع يستثقل ظهور حركات الإعراب عليه في حالتي: الرفع والجر، وتظهر على آخره الفتحة فقط في حالة النصب؛ لخفتها؛ ولذلك سمي هذا النوع من الأسماء بالمنقوص؛ لأنه نقص ظهور حركتين من حركات الإعراب الثلاث، التي يستحقها الاسم المعرب.

النوع الرابع: المقصور وهو الاسم المعرب الذي آخره ألف لازمة قبلها فتحة، ومن أمثلته: فتى وعصى، وحبلى، وملهى، ومعطى، ومستدعى وسمي هذا النوع مقصورا؛ لكونه ضد الممدود، أي: لكونه لا يمد، أو لأن القصر معناه المنع، وقد منع هذا النوع من الأسماء المعربة من ظهور حركات الإعراب الثلاث عليه؛ لتعذر ظهور الحركات فوق الألف.

النوع الخامس: هو الممدود والممدود هو الاسم المعرب الذي آخره همزة قبلها ألف زائدة، كـ”قراء” وحمراء وكساء، وبناء وعلباء، والعلباء هو القصبة الممتدة في العنق، وهو مذكر.

وقد حرصنا في الأمثلة أن نأتي بأنواع همزة هذا الممدود، ففي كلمة “قراء” الهمزة أصلية، وفي كلمة حمراء الهمزة زائدة للتأنيث، وفي كساء الهمزة بدل من أصل، فالأصل “كساو” تطرفت الواو إثر ألف زائدة، فأبدلت همزة، وهو من الفعل كسا يكسو، فالواو التي انقلبت همزة هي لام الكلمة، وبناء أيضًا همزة بدل من التأنيث، أما علباء فهي للإلحاق.

المقصور القياسي، ضابطه، وأوزانه، وأمثلته:

بعد أن عرفنا أنواع الاسم بحسب آخره على سبيل الإجمال، نلقي الآن الضوء بالتفصيل، تبع لنسق ما سار عليه ابن مالك في (الألفية):

فبعد أن أشار إلى ألفي التأنيث المقصورة والممدودة، انتقل إلى الحديث المفصل عن المقصور والممدود القياسيين والسماعيين، وعن حكم قصر الممدود، وعكسه أي: مد المقصور؛ ولذلك قال بعض العلماء: إن الحديث عن المقصور والممدود بعامة، بعد الحديث عن ألفي التأنيث المقصورة والممدودة، بخاصة إنما هو بمنزلة ذكر العام بعد الخاص.

وقد ذكرنا تعريف المقصور وتعريف الممدود، وقد عرفت من تعريف المقصور أن نحو: “يخشى” و”يسعى” ونحو “على” و”إلى” على الرغم من أن هذه الكلمات تنتهي بألف قبلها فتحة، إلا أن مثل هذه الكلمات لا تدخل في تعريف المقصور؛ لكون ذلك ليس من قبيل الأسماء.

كما عرفت أن نحو إذا، وهذا كذلك لا يدخل في التعريف للمقصور؛ لأن المقصور اسم معرب، وعرفت أيضًا أن نحو: “رأيت أخاك” لا يسمى فيه الاسم المنصوب “أخاك” لا يسمى مقصورًا كذلك؛ لأن ألفه غير لازمة، وإنما تكون موجودة فيه في حالة نصبه فقط.

وفي ضوء التعريف الذي ذكرناه من قبل، نعرف كذلك أن نحو “أولئك” لا يسمى ممدودًا؛ لكونه مبنيًّا، وأن نحو شاءٍ في جمع شاة لا يسمى ممدودًا، كذلك؛ لأن الألف قبل الهمزة الأخيرة ليست زائدة في كلمة شاء، وإنما هي بدل من الأصل، فهي منقلبة عن الواو التي هي عين الكلمة، كما أن الهمزة بدلًا من الهاء التي هي اللام، والأصل شوه؛ ولذلك حين قال ابن مالك في باب الإشارة في (الألفية):

وَبِأوُلَى أشِر لِجَمعٍ مُطَلَقَا

*وَالمَدُّ أولَى …. …. ….

قال العلماء: المد والقصر من خواص الأسماء المعربة عند النحويين والصرفيين، وإنما عبر بهما ابن مالك عن لغتي “أولى” و”أولاءِ” في الإشارة، وهما مبنيان تجاوزًا في التعبير، وقصدًا للفرق بين لغتي هذه اللفظة، وجريًا على عرف اللغويين والقراء.

ونتناول القول؛ بأن كلًّا من المقصور والممدود نوعان: قياسي وسماعي.

القياسي: هو ما له قياس ضابط، وقاعدة حاصرة، وهو الذي يعني الصرفيين، أما السماعي: فهو الذي لا يضبطه قياس، ولا تحصره قاعدة، وهو الذي يعنى بجمعه اللغويون من أصحاب المعاجم اللغوية، وبعضهم ألف فيه كتبًا.

قال ابن مالك -رحمه الله- مشيرًا إلى المقصور القياسي:

إِذا اسمٌ استَوجَبَ مِن قَبلِ الطَّرَف

*فَتحاً وكانَ ذَا نَظِيرٍ كالأسَف

فَلِنَظِيرِه المُعَلِّ الآخِرِ

*ثُبُوتُ قًصرٍ بِقِياسٍ ظَاهِرِ

كَفِعل وفُعَلٍ فِى جَمعِ مَا

*كَفِعلَةٍ وَفَعلَةٍ نَحوُ الدُّمَى

ويفهم من البيتين الأول والثاني من ثلاثة الأبيات السابقة: أن ضابط الاسم المقصور القياسي عند الصرفيين؛ هو الاسم المعتل اللام بالألف، الذي له نظير من الصحيح الآخر، يجب فتح ما قبل آخره.

ومن أمثلته: مصدر فعل اللازم، أي: مصدر الفعل اللازم الذي على وزن فعل، نحو جوي جوى، والجوى من معانيه ضيق الصدر، واشتداد الوجد من عشق أو حزن، وعمي عمى، وهوي هوى، فيقال: إن جوى وعمى وهوى أسماء مقصورة قياسية، لأن نظيرها من الصحيح الآخر هو المصادر في نحو: فرح فرحا، وبطر بطرا، وأشر أشرا، وفتح ما قبل الآخر في هذه المصادر صحيحة اللام واجب مطرد بحق القياس؛ لأن الفعل إذا كان على وزن فعل، وكان لازمًا، قياس مصدره “فَعَلٌ” بفتحتين.

وقد ذكر كثير من العلماء وعلى رأسهم سيبويه، أن الفعل “غري” بالشيء بكسر العين، ومعناه: أولع به، ورد له عن العرب مصدران: أحدهما قياسي مقصور، وهو غرى، كـ”جوى”، و”عمى”، و”هوى”، والآخر شاذ، وهو غراء بالمد.

قال سيبويه في (الكتاب): وقالوا: غري يغرى غرى، وهو غرٍ، والغراء شاذ ممدود، فسيبويه إذن يرى أن الغراء بفتح الغين المعجمة والمد شاذ، وتبعه على ذلك ابن عصفور وغيره، قال ابن عصفور في (شرح الجمل): وشذ من ذلك الغراء، يقال: غرى يغرى، فهو غرٍ، والمصدر الغراء، قال الشاعر -يعني: كثير عزة:

إِذا قُلتُ مَهْلا غارَتِ العَينُ بِالبُكا

*غَراءً وَمَدَّتها مَدامِعُ حُفَّلُ

وفي (الصحاح) في فصل الغين المعجمة والراء: غري بالشيء بالكسر، أي: أولع به، والاسم الغراء بالفتح والمد، وذكر ابن هشام في (أوضح المسالك) أن أبا عبيدة أنشد بيت كثير السابق بلفظ:

إِذا قُلتُ أَسلو فاضت العَينُ بِالبُكا

*غِراءً وَمَدَّتها مَدامِعُ حُفَّلُ

غِراءً نلاحظ الكسر في الغين، فـ”غراء” إنما هو بالكسر والمد، وهو مصدر الفعل “غارى”، ووزنه فاعل، يقال: غاريت بين الشيئين غراء، أي: واليت بينهما، فالمد قياسي، كما سنذكر ذلك لاحقا -إن شاء الله- وليس شاذًّا، وغاريت “فاعلت” من غريت بالشيء أغرى به، هذا هو كلام ابن هشام.

وهكذا اختلف العلماء في لفظ الغراء، فالجوهري يرى أن الغراء بالفتح والمد اسم مصدر الفعل غري، وأن الغراء بالكسر، والمد مصدر غاريت، وهو مصدر قياسي.

وابن عصفور يرى أن الرواية في بيت كثير بالفتح والمد، أي: غراء.

كما نقل عنه الشيخ خالد الأزهري في (التصريح بمضمون التوضيح) وهو مصدر للفعل “غري” على سبيل الشذوذ، وابن هشام يرى أن الرواية في بيت كُثير السابق بالكسر، والمد غراء، وهو مصدر قياسي للفعل “غارى” ووزنه فاعل، وهو في ذلك تابع لأبي عبيدة.

وقال السيرافي في (حاشية الكتاب): وبعض أصحابنا يقول: إن “غرى” هو المصدر، والغراء الاسم، وكذلك يقول في الظماء، كما نقول في تكلم كلاما، وإنما المصدر تكلم تكلما، والكلام الاسم للمصدر على غير الفعل.

والذي عندي -والكلام للسيرافي- أنه حمل على ما جاء من المصادر على فعال، كقولك: ذهب ذهابًا، وبدا بداء، وهو على كل حال شاذ كما ذكره سيبويه.

وقد رأى الشيخ خالد الأزهري أن الرأي القريب من هذه الآراء إلى الصواب هو أن يقال: الغراء بالفتح، والمد اسم مصدر كالكلام والسلام، وقياس مصدر “غري” هو “غرى” بالقصر.

ونتناول مثل ثانٍ من أمثلة المقصور القياسي، وهو “فِعَلٌ” بكسر أوله، وفتح ثانيه، جمعًا لفعلة، بكسر أوله وسكون ثانيه، ومن أمثلته: فرية وفرى، بالفاء والراء، والفرى هو الكذب، ومرية ومرى، بالراء، والمرى هو الجدال، فإن نظير ذلك من الصحيح الآخر قربة وقرب.

نتناول مثال ثالث من أمثلة المقصور القياسي: وهو “فُعَلٌ” بضم أوله وفتح ثانيه، جمعا لـ”فُعْلة”، بضم أوله وسكون ثانيه، ومن أمثلته: دمية ودمى، بالدال المهملة، والدمى هي الصور المنقوشة من العاج ونحوه، وجاء في الشعر “الدمى” بمعنى الثياب التي فيها التصاوير، ومن أمثلته كذلك: مدية ومدى بالدال المهملة، والمدية هي السكين، و”زبية” و”زبى” بالزاي المضمومة وسكون الموحدة، وهي الحفيرة التي تحفر للأسد، والوحوش المفترسة، وكسوة وكسا بالكاف والسين المهملة، فإن نظير ذلك من الصحيح الآخر حجة وحجج، بضم الحاء، وقربة وقرب بضم القاف، وإلى المثالين الثاني والثالث أشار ابن مالك بالبيت الثالث من الأبيات المتقدمة.

وزاد شراح (الألفية) بعض الأمثلة التي لم ترد في نظم الألفية، ومن أمثلة ذلك: اسم مفعول ما زاد على ثلاثة أحرف، نحو: معطى من الرباعي، ومقتفى من الخماسي، ومستدعى من السداسي، فهذه الأسماء ثلاثة من المقصور القياسي.

فإن نظيرها من الصحيح الآخر: مكرم، ومحترم، ومستخرج، بفتح ما قبل الآخر في هذه النظائر، ومن الأمثلة التي زادوها أيضا: “أفعل” سواء أكان صفة لتفضيل كالأقصى، أم لغير تفضيل كالأعمى والأعشى، فإن نظير ذلك من الصحيح الآخر الأبعد والأعمش.

ومنها أيضًا -أي: مما زاده شراح الألفية- ما كان جمعا للفعلى أنثى الأفعل، كالقصوى والقصا، والدنيا والدنا، فإن نظيرهما من الصحيح الآخر الكبرى والكبر، والأخرى والأخر.

نكتفي بإيراد هذه الأمثلة للمقصور القياسي، ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى (شرح ابن عصفور على جمل الزجاجي)، و(شرح أبي الحسن الأشموني على ألفية ابن مالك)، و(حاشية الصبان).

الممدود القياسي، ضابطه وأمثلته وشواهده:

وقد عرفوه بأنه الاسم المعرب، المختوم بهمزة قبلها ألف زائدة، وله نظير من الصحيح الآخر، يجب بمقتضى القياس أن يكون قبل آخره ألف زائدة، وقد أشار إليه الناظم بقوله:

وَمَا استَحَقَّ قَبلَ آخِرٍ ألِف

*فَالمَدُّ فِي نَظِيرِهِ حَتماً عُرِف

وذكر ابن مالك مثلا من أمثلته فقال:

كَمَصدَرِ الفِعلِ الَّذِي قَد بُدِئَا

*بِهَمزٍ وَصلٍ كارعَوَى وَكارتأَى

أراد ابن مالك أن من أمثلة الممدود القياسي مصدر الفعل المبدوء بهمزة وصل، كمصدر الفعل ارعوى، وهو ارعواء، ومعنى الارعواء الانكفاف عن القبيح، ومثل مصدر الفعل ارتأى، وارتأى “افتعل” من الرأي، ومصدره ارتآء، فيقال: ارعوى ارعواء، وارتأى ارتآء، وأصل الفعل الأول فهو ارعوى أصله ارعوو، كرهوا إدغام الواوين في الفعل الماضي، إذ لو قيل: ارعوّ لكان فيه ثقل، كما كرهوا أيضًا إدغام الواوين في الفعل المضارع، لو قيل: يرعوّ بنفس الثقل، فلإزالة هذا الثقل أبدلوا الواو الأخيرة في الماضي -لكونها طرفًا- ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، فتحول ارعوو إلى ارعوى، وأصل المصدر وهو ارعواء، أصله ارعواو، تطرفت الواو إثر ألف زائدة فأبدلت همزة، وارتأى ارتآء، أصل ارتأى ارتأي، تحركت الياء وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، وأصل ارتآء ارتأي، تطرفت الياء إثر ألف زائدة فقلبت همزة.

ومن المصدر المبدوء بهمزة وصل: استقصى استقصاء، وأصله: استقصو استقصاوًا، الواو في الفعل تحركت وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فتحول الفعل إلى استقصى، وفي المصدر تطرفت الواو إثر ألف زائدة، فأبدلت همزة.

ونظائر ارعواء، وارتآء، واستقصاء، من الصحيح الآخر انطلق انطلاقًا، واقتدر اقتدارًا، واستخرج استخراجًا.

ومن أمثلة الممدود قياسي أيضًا أن يكون الاسم مصدرًا لـ”أفعل”، نحو: أعطى إعطاء، ونظيره من الصحيح الآخر أكرم إكراما.

ومن أمثلة الممدود القياسي أيضًا أن يكون مفردًا لجمع على وزن أَفْعِلة، نحو: كساء وأكسية، ورداء وأردية، وأصل كساء كساو، تطرفت الواو في المصدر، إثر ألف زائدة، فأبدلت همزة، وأصل رداء رداي تطرفت الياء، إثر ألف زائدة، فأبدلت همزة، ونظير كساء ورداء من الصحيح الآخر: حمار وأحمرة، وسلاح وأسلحة.

ومن أجل أن مفرد أفعلة من المعتل ممدود قياسا، كما رأينا في كساء وأكسية، ورداء وأردية، حكم الأخفش على “أرحية” جمع رحى من اليائي، وأقفية جمع قفى من الواوي، حكم على “أرحية” و”أقفية” في جمع المفردين “رحى” و”قفى”، بأنهما من كلام المولدين، والمولدون هم الذين عربيتهم غير محضة، لمجيئهم بعد عصر الرواية والاحتجاج، والرحة هي الطاحونة مؤنثة، والقفى مؤخر العنق، يذكر ويؤنث.

وإنما حكم الأخفش على أرحية جمع رحى، وأقفية جمع قفى، بأن ذلك من كلام الموحدين؛ لأن أرحية جمع على وزن “أفعلة”، وأقفية كذلك، مع أن المفردين لهما مقصوران، والقياس أن مفرد “أفعلة” من المعتل يكون ممدودًا، وأما قول الشاعر:

في لَيلَةٍ مِن جُمادى ذاتِ أَندِيَةٍ

*لا يُبصِرُ الكَلبُ مِن ظَلمائِها الظُنُبا

وقد جمع الشاعر لفظ “ندى” وهو البلل، أو ما سقط آخر الليل، جمعه الشاعر مع كونه اسما مقصورًا على “أندية”، وقد مر أن قياس مفرد أفعلة من المعتل يكون ممدودا، والندى يجمع قياسا على أنداء، فقيل في تخريج ما ورد في البيت: إنه ضرورة، وقيل: إنه شاذ، وأجاز أبو الحسن الأخفش أن يكون الشاعر قد جمع ندى بالقصر على ندا، كجبل وجبال، وجمل وجمال، ثم جمع نداء الممدود على أندية، كرداء وأردية، فأندية على هذا جمع الجمع، فلا ضرورة، ولا شذوذ.

قال أبو الحسن الأشموني: ويبعده أنه لم يسمع نداء جمعا. وقال صاحب (التصريح) تبعًا لابن هشام: وهذا القول يبعده أنه لم يسمع نداء جمعًا، ولو سمع لنقل، واللازم متنفٍ، فالملزوم كذلك.

والشاعر في البيت المذكور يصف ليلة شاتية مظلمة، تساقط فيها الندى، وقد بلغ من شدة ظلامها أن الكلب لا يبصر فيها الطنب مع حدة بصره، والطنب هو الحبل الذي تشد به الخيمة.

ومن أمثلة الممدود القياسي كذلك: أن يكون مصدرًا لفعل على وزن “فعل” اللازم، الدال على صوت، أو على داء، فمثال ما دل على صوت الرغاء، بضم الراء، وبالغين المعجمة، والرغاء صوت ذوات الخفي، وفعله رغا يرغو، فالرغاء أصله الرغاو، تطرفت الواو إثر ألف زائدة فأبدلت همزة، ومنه أيضًا الثغاء، بضم الثاء، وبالغين المعجمة المفتوحة.

والثغاء: هو صوت الشاة من المعز والضأن، فإن نظيرهما من الصحيح الصراخ، ومثال مصدر الفعل الذي على وزن فعل اللازم، الدال على داء: المشاء، يقال: مشى بطنه مشاء. فإن نظيره من الصحيح الدوار، وهو شبه الدوران يأخذ في الرأس، والزكام.

ومن أمثلة الممدود القياسي أيضًا أن يكون على “فِعَال” بكسر الفاء، مصدرا لفعل على وزن “فاعل”، نحو ولاء، وعداء، مصدري “والى” و”عادى”، فإن نظيرهما من الصحيح ضارب ضرابًا، وقاتل قتالًا.

والخلاصة: أن المقصور القياسي هو الاسم المعرب، المعتل اللام بالألف المفتوح ما قبلها، المنقلبة عن الواو أو الياء، وله نظير من الصحيح الآخر، يستحق بمقتضى القياس فتح ما قبل آخره، وأن الممدود القياسي: هو الاسم المعرب، المختوم بهمزة منقلبة عن واو أو ياء، ومسبوقة بألف زائدة، وله نظير من الصحيح الآخر، قبل آخره ألف زائدة.

فإن قيل: إن هذين الضابطين يخرج منهما نحو: الكبرى أنثى الأكبر، ونحو حمراء أنثى أحمر، مع أنهما قياسيان؛ لأن كل مؤنث لـ”أفعل” التفضيل مقصور، وكل مؤنث لـ”أفعل” الذي للألوان أو للعيوب ممدود، مع أنهما ليس لهما نظير من الصحيح الآخر.

فالجواب: أن الضابطين السابقين للمقصور القياسي، والممدود القياسي لغير ألفي التأنيث المقصورة والممدودة؛ لتقدم الكلام على أوزانهم المشهورة.

المقصور والممدود السماعيان:

ونتناول بعض ما سمع من المقصور والممدود وهو ما لا نظير له من الصحيح الآخر، وإليه أشار الناظم بقوله:

وَالعادِمُ النَّظِيرِ ذَا قَصرٍ وَذَا

*مَدٍّ بِنَقلٍ كالحِجَا وَ كالحِذَا

يريد: أن ما ليس له نظير من الصحيح، فإنما يدرك قصره ومده بالنقل، أي: بالسماع، فإن أمثلة المقصور السماعي الفتى واحد الفتيان، والسنا وهو الضوء، والثرى وهو التراب، والحجا بكسر الحاء وهو العقل.

ومن أمثلة الممدود السماعي: الفتاء، لحداثة السن، والثناء للشرف، والثراء لكثرة المال، والحذاء للنعل.

قصر الممدود، ومد المقصور:

أجمع العلماء على جوازه للضرورة الشعرية، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:

وَقَصرُ ذِى المَدِّ اضطَرَاراً مُجمَعُ

*عَلَيهِ …. …. ….

وأجاز العلماء قصر الممدود للضرورة الشعرية؛ لأن الضرورة لها حينئذ وجهها، وهو الرجوع إلى الأصل؛ إذ الأصل القصر، والمد فرع عنه، بدليل أن الممدود لا تكون ألفه إلا زائدة، أما ألف المقصور فتكون أصلية، وتكون زائدة، والزيادة خلاف الأصل، وأيضا لو لم يعلم الاسم أهو مقصور أم ممدود؟ لوجب أن يلحق بالمقصور دون الممدود.

وذكر ابن عصفور في ضرائر الشعر، الصفحة السادسة عشرة بعد المائة علة أخرى، وهي: لما فيه من رد الاسم إلى أصله بحذف الزائد منه، وهنا حدد أن تحويل الممدود إلى المقصور إنما يكون بحذف الزائد، وشواهد قصر الممدود كثيرة، ومن ذلك قول الشاعر:

فهم مثل الناس الذي يعرفونه

*وأهل الوفا من حادث وقديم

قصر الشاعر الوفاء للضرورة شعرية، وهو ممدود، أراد الشاعر أن هؤلاء القوم الذين مدحتهم مثل للناس، يعرفونه ويعرفونهم، ويضربون بهم مثلًا في كل حسن وكل حسن، وفي كل نوع من أنواع الخير، وأنهم مع ذلك أهل الوفاء بالعهود من زمن حادث متجدد، وزمن قديم ماضٍ.

ومن قصر الممدود أيضًا للضرورة الشعرية قول الراجز:

لا بد من صنعا وإن طال السفر

*وإن تحنى كل عود ودبر

قصر الراجز “صنعاء” لضرورة المحافظة على الوزن، وجواب الشرط محذوف، أي: وإن طال السفر، وإن تحنى كل عود ودبر، فلا بد منه، وتحنى من حني ظهره إذا احدودب، والعود المسن من الإبل، ودبرا بفتح الدال، وكسر الموحدة من دبر البعير يدبر دبرة، ودبورا، إذا أصيب بداء الدبرة، والدبرة: قرحة تحدث من احتكاك الرحل ونحوه.

واشترط الفراء لجواز قصر الممدود للضرورة الشعرية، ألا يكون للاسم قياس يوجب مده، فإن كان له قياس يوجب مده، فلا يجوز قصره، وذلك مثل “فَعْلاء” كـ”بيضاء”، و”سوداء”، مؤنثي أبيض وأسود؛ لأن “فعلاء” “أفعل” لا يجوز إلا أن يكون ممدودًا، ورد قول الفراء بقول الأقيشر:

فقلت لو باكرت مشمولة

*صفرًا كلون الفرس الأشقر

فقصر الشاعر صفراء للضرورة الشعرية، وهي فعلاء أفعل، وفعلاء أفعل لا يجوز إلا أن يكون ممدودًا، كما رد قول الفراء أيضًا لقول الأعشى:

وَالقارِحَ العَدّا وَكُلَّ طِمِرَّة

*ما إِن تَنالُ يَدُ الطَويلِ قَذالَها

فقصر الأعشى “العداء” وهو “فعال” من العدو، وفعال من صيغ المبالغة، ونظيره ضارب وقتال، ولا يكون في بابه إلا ممدودا، وقبل بيت الأعشى قوله:

الواهب المائة الهجان وعبدها

*عوذا تزجي بينها أطفالها

وبعده بيت الشاهد، والقارح العدا، والقارح في بيت الشاهد معطوف على المائة الهجان في البيت قبله، وهو الفرس الذي بلغ خمس سنين، والطمرة بكسر الطاء المهملة، وكسر الميم وتشديد الراء، أي: فرس طويلة القوائم، وإن في قوله: ما إن تنال، زائدة لتأكيد النفي المستفاد من ما، والقذال بفتح القاف والذال المعجمة: القفا. ومما يرد قول الفراء أيضًا قول الشاعر:

فلو أن الأطبا كانوا حولي

*وكان مع الأطباء الأساة

فالشاعر قصر الأطباء للضرورة، والأطباء جمع طبيب، والأصل في طبيب أن يجمع على فعلاء.

خلاف العلماء في مد المقصور:

إن مد المقصور محل خلاف بين العلماء، فذهب الكوفيون وأبو الحسن الأخفش من البصريين إلى أنه: يجوز مد المقصور في ضرورة الشعر، ووافقهم أبو العباس بن ولاد، المتوفى سنة ثنتين وثلاثين وثلاثمائة، ووافقهم أيضًا ابن خروف، المتوفى في أوائل القرن السابع الهجري، ومنع ذلك البصريون، وإلى هذا الخلاف أشار الناظم بعد قوله:

وَقَصرُ ذِي المَدِّ اضطَرَاراً مُجمَعُ

*عَلَيهِ …. …. …. ….

قال مشيرًا إلى الخلاف هنا:

…. …. …. ….”

*…. والعَكسُ بِخُلفٍ يقعُ

أما الفراء من الكوفيين: فقد فصل، فأجاز مد ما لا يخرجه المد إلى ما ليس في أبنيتهم، ومنع ما عداه، فهو يجيز مثلًا: مد مِقلى، فيقول: مقلاء، لوجود نظيره وهو مِفتاح، ويمنع مد مولى؛ لأنه لا يقال: مولاء؛ لعدم نظير له إذ لا يوجد مَفعال بفتح الميم، وهو تفصيل لا مسوغ له، ولا دليل يدل عليه.

ومن شواهد القائلين بجواز مد المقصور وهم الكوفيين، ومن تبعهم، قول الشاعر:

سيغنيني الذي أغناك عني

*فلا فقر يدوم ولا غناء

فمد الشاعر: الغنى، وهو مقصور للضرورة الشعرية، ومثله قول الآخر:

إنما الفقر والغناء من الله

*فهذا يعطى وهذا يحد

أي: وهذا يمنع.

بل قالوا: إنه ورد في الاختيار أيضًا، كقراءة طلحة بن مصرف: “يَكَادُ سَنَاء بُرَقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ” [النور: 43].

قال أبو حيان في (البحر المحيط): وقرأ طلحة بن مصرف: “سناء” ممدودًا “بُرَقه” بضم الباء، وفتح الراء، جمع “برقة” بضم الباء وسكون الراء، وهي: المقدار من البرق، كالغرفة واللقمة، وعنه -أي: عن طلحة- أيضًا “بُرقِهِ” بضم الباء والراء، أتبع حركة الراء بحركة الباء، كما أتبعت في “ظُلمات” وأصلها السكون، و”السناءُ” بالمد: ارتفاع الشأن، كأنه -وما زال الكلام لأبي حيان- شبه المحسوس من البرق، لارتفاعه في الهواء بغير المحسوس من الإنسان، فإن ذلك صيب، لا يحس به بصر، انتهى كلام أبي حيان.

وقد أجاب البصريون عن الشواهد السابقة: بأن القراءة شاذة، فلا يعول عليها، وبأن الغِناء في البيتين إنما هو الغَنَاء، أي: أن الغِناء بكسر الغين ليس هو الرواية الصحيحة، وإنما الرواية الصحيحة في البيتين “الغَنَاء”:

سيغنيني الذي أغناك عني

*فلا فقر يدوم ولا غناء

إنما الفقر والغَناء من الله، هذه هي صحة الرواية -كما يقول البصريون – بفتح الغين والمد، والغناء ممدود بمعنى: الكفاية، أو هو بكسر الغين مصدر لغَانيته أي: فاخرته بالغِنى، يقال: غانيته، أغانيه، غناء، كواليته، أواليه، وِلاء، فليس الغناء -مع التسليم بصحة الرواية بكسر الغين- في البيتين مصدرًا لغَنيت غِنًى، كرضيت رضًى.

قال ابن هشام مشيرًا إلى هذا التخريج البصري: وهو -أي: هذا التخريج – تعسف، وقال الأشموني: والظاهر جوازه -أي: جواز مد المقصور كما يقول الكوفيون ومن تبعهم- مطلقًا -أي: في شعر ونثر – لوروده. أما أبو البركات الأنباري في كتابه (الإنصاف في مسائل الخلاف) فقد مال إلى رأي البصريين، مع أن الراجح فيها مذهب الكوفيين، والأخفش، ومن تبعهم.

error: النص محمي !!