Top
Image Alt

تقسيم “الواجب” باعتبار المخاطب به

  /  تقسيم “الواجب” باعتبار المخاطب به

تقسيم “الواجب” باعتبار المخاطب به

ينقسم الواجب باعتبار تحديد المقدار منه وعدم تحديده إلى قسميْن:

القسم الأول: الواجب المحدَّد: وهو الذي قدَّر الشارع له مقدارًا محدّدًا معلومًا، مثل: الصلوات الخمس، نصاب الزكاة.

القسم الثاني: الواجب غير المحدَّد: وهو ما لم يعيِّن الشارع مقداره، بل طَلَب الإتيان به مِن المُكلَّف مِن غيْر تحديد له، كالإنفاق في سبيل الله.

وينقسم الواجب باعتبار المخاطَب به إلى قسميْن:

القسم الأول: الواجب العيْنيّ: وهو ما طلَبه الشّارع طلبًا جازمًا مِن كلّ فرْد مِن أفراد المُكلَّفين بعَيْنه، كالحجّ والزكاة.

القسم الثاني: الواجب الكِفائيّ: وهو ما طلب الشارع فِعْله بغضّ النّظر عن فاعله، كتغسيل الميّت، والصلاة عليه، ووجود من يقضي ويُفتي بين الناس. ومثاله في الأمور الدنيوية: الصناعات والحِرَف المُباحة التي يحتاجها الناس.

والواجب الكفائيّ إذا قام به مَن يكفي، سقط الإثم عن الباقين، وإذا لم يقُم به أحَدٌ أثِم الجميعُ.

توجّه الخطاب في فرْض الكفاية: هل هو إلى الكلّ أمْ إلى البعض؟

اختلف العلماء -رحمهم الله- في ذلك على قوليْن:

القول الأول: أنّ الخطاب في فرْض الكفاية متوجِّه إلى جميع المُكلَّفِين -أي: متوجِّه إلى كلّ فرْد- ويسقط عنهم بفِعْل بعضهم، ويأثم الجميع بترْكه. وهذا مذهب جمهور العلماء.

القول الثاني: أنّ الخطاب في فرْض الكفاية متوجّه إلى بعض المُكلَّفين، غير معيَّن. وهذا قول جماعة من العلماء.

من أدلّة الجمهور:

  • النّصوص العامّة التي دلّت على طلَب فرْض الكفاية، فإنها دلّت على وجوبه على الجميع، كقوله تعالى: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ } [البقرة: 190]، وقوله تعالى: {وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ } [الحج: 27].
  • الاتّفاق الحاصل على تأثيم الجميع بالتّرك، يدلّ على أنه مطلوب مِن الجميع.

من أدلّة أصحاب القول الثّاني:

الدليل الأول: النّصوص التي دلّت على طلَب فرْض الكفاية، ووجه الخطاب فيها إلى طائفة مُبهَمة، تدلّ على أنّ الخطاب متوجّه إلى بعض المُكلَّفين، غير معيّن.

كقوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ } [آل عمران: 104].

وقوله تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } [التوبة: 122].

وأجيب عن هذا: بأنّ هذه النصوص معارَضة بالنصوص التي استدلّ بها الجمهور، فيحصل التعارض؛ فنحتاج إلى الجمع: فنحمل النصوص التي استدلّ بها أصحاب الفريق الثّاني على أنّ الطلب يسقط عن الجميع بفِعْل البعْض.

الدليل الثاني: الواجب الكفائيّ يسقط بفِعْل البعض، ممّا يدل على أنّ الخطاب مُوجّه إلى بعض المُكلَّفين، لا كلّهم.

وأجيب عن هذا: بأنّ سقوط الواجب عن الجميع بفِعْل البعض، ليس لأنّ الواجب مطلوب مِن هؤلاء فقط؛ بل لأنّه قد وُجِد المقصود مِن الواجب الكفائيّ، وهو: إيجاد الفعل.

ما هو المُعتَبَر في أداء الواجب الكفائيّ؟

العبرة في الواجب الكفائيّ بغلَبة الظّنّ، ومدار براءة الذّمّة على ذلك.

  • فإذا غلب على ظنّ طائفة أنّ غيْرها قد قاموا به، سقَط عنها الطلب.
    • وإن غلب على ظنّها أنّ غيرهم لا يقومون به، وجب عليهم.
    • وإن غلب على ظنّ كلّ طائفة أنّ غيرهم لا يقوم به، وجب على كلّ طائفة القيام به.
    • وإن غلب على ظنّ كلّ طائفة أنّ غيرهم يقوم به، سقط الطّلب عن كلّ طائفة، وإن كان الواجب لم يُفْعَل.

فالظّنّ كما صلح أن يكون مثبِتًا للتَّكاليف، صلح أن يكون مسقِطًا لها.

فرض الكفاية قسمان:

الأول: ما يحْصل تمام المقصود منه بالفعل الأوّل، ولا يقبل الزيادة، كإنقاذ الغريق، وطرْد العدو.

الثاني: ما تتجدّد مصلحته بتكرّر الفاعِلين، كالاشتغال بطلَب العلْم؛ فهذا كلّ مَن أوقعه وقع واجبًا.

وقد ذكر العلماء أنّ القائم بفرْض الكفاية أفضل مِن التّارك له.

الواجب الكفائيّ قد يصير واجبًا عينيًّا، وذلك إذا لم يوجد مَن يقوم به غيره، فإنّه يتعيّن في حقّه.

ومثال ذلك: إذا رأى شخصٌ غريقًا، وكان يُمكنه إنقاذه، أصبح إنقاذه واجبًا عليه.

هل يلزم فرْض الكفاية بالشروع فيه؟

خلافٌ بين العلماء -رحمهم الله- على قوليْن: والذي يظهر -والله أعلم- أنّ ذلك يختلف باختلاف فروض الكفايات.

  • فبعضها يجب إتمامه إذا شرع فيه، كالجهاد، وصلاة الجنازة.
  • وبعضها لا يجب، كطلب العلم الزائد على فرْض العيْن.

أيّهما أفضل: فرْض العيْن، أم فرْض الكفاية؟

خلاف على قوليْن، والصحيح أنّ فرْض العيْن أفضل.

يُقدّم فرْض العيْن على فرْض الكفاية عند التعارض.

error: النص محمي !!