• العربية
Top
Image Alt

تقطيع الحديث في الأبواب، وضبط ألفاظ الرواة

  /  تقطيع الحديث في الأبواب، وضبط ألفاظ الرواة

تقطيع الحديث في الأبواب، وضبط ألفاظ الرواة

سابعًا: تقطيع الحديث في الأبواب: قد يحتاج الإمام من المحدِّثين، وخاصة الذين صنفوا كتبهم على أبواب الفقه، وكذلك الفقهاء وغيرهم، إلى أن يستشهد الواحد منهم على مسألة من المسائل بحديث، غير أنه يرى أن هذا الحديث الذي يريد الاستشهاد به قد اشتمل على أكثر من مسألة، عند ذلك يلجأ الإمام منهم إلى الاقتصار على ما هو بحاجة إليه للاستشهاد به، فيذكر جزءًا من الحديث اختصارًا، ومجانبة للتطويل. قال الإمام النووي: “وأما تقطيع المصنفين للحديث الواحد في الأبواب فهو جائز”، واستبعد فيه الخلاف، قال: “وقد استمر عليه عمل الأئمة الحفاظ الجلة من المحدِّثين وغيرهم من أصناف العلماء”، وهذا معنى قول الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- “أو أن يفصل ذلك المعنى، من جملة الحديث على اختصاره إذا أمكن”. وهذا هو الذي عليه عمل الإمام البخاري في صحيحه، حيث قَطَّع الحديث في الأبواب بسبب استنباط الأحكام منها، وقد أكثر من ذلك في صحيحه رحمه الله تعالى، وكذلك فعل مالك وأبو داود والنسائي وغيرهم من الأئمة، وإنما يجوز تقطيع الحديث في الأبواب بشرطه، وهو ألا يكون للجزء الذي أخذه من الحديث ليستشهد به، تعلق بما قبله ولا بما بعده، حتى لا يفسد النص. قال ابن الصلاح: “ولا يخلو تقطيع الأحاديث في الأبواب من كراهة”، وعن أحمد ينبغي ألا يفعل، قلت: والصواب أن تقطيع الحديث في الأبواب جائز بشرطه بلا كراهة، وهذا هو الذي عليه عمل الأئمة من المحدِّثين والفقهاء في مصنفاتهم، والله أعلم. ثامنًا: ضبط ألفاظ الرواة: ينبغي أن يعتني المحدث بضبط ألفاظ الرواة، وتمييز لفظ كل راوٍ من الآخر، فإذا كان الحديث عن اثنين أو أكثر، وبين روايتهما تفاوت في اللفظ والمعنى واحد، كان له أن يجمع بينهما في الإسناد، ثم يسوق الحديث على لفظ أحدهما خاصة، فيقول: أخبرنا فلان وفلان واللفظ لفلان، أو بعد ان يسوق الإسناد والمتن كاملًا على رواية أحدهما، يقول: وهذا لفظ فلان. ولقد امتاز الإمام مسلم بضبط ألفاظ الرواة، واستعمل مع هاتين الصيغتين صيغة ثالثة حسنة، فيقول -رحمه الله تعالى-: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو سعيد الأشج، كلاهما عن أبي خالد، قال أبو بكر: حدثنا أبو خالد عن الأعمش، وساق الإسناد والمتن، فإعادته ثانيًا ذكر أبي بكر خاصة، يدل بأن اللفظ المذكور هو لفظ أبي بكر. فالإمام مسلم -رحمه الله تعالى- تحمل الحديث عن شيخين، هما أبو بكر وأبو سعيد، غير أن هناك اختلافًا بين الحديثين، من حيث اللفظ، وإن كان المعنى واحد، فأراد أن يبيِّن أن اللفظ الذي ذكره، هو لفظ أبي بكر بن أبي شيبة. تاسعًا: إذا جمع الراوي بين جماعة رواة قد اتفقوا في المعنى، وليس ما أورده بلفظ كل واحد منهم، وسكت عن بيان ذلك، فذلك جائز على مذهب من يجوِّز الرواية بالمعنى، أما إذا لم يخصّ لفظ أحدهما بالذكر، بل أخذ من لفظ هذا، ومن لفظ ذاك، وقال: أخبرنا فلان وفلان وتقاربا في اللفظ، قال: أخبرنا فلان، فهذا جائز على مذهب من يجوز الرواية بالمعنى. ومن هذا القبيل قول أبي داود -رحمه الله تعالى- حدثنا مسدد وأبو توبة، المعنى، قال: حدثنا أبو الأحوص، فيحتمل أن يكون من قبيل الأول، فيكون اللفظ لمسدد، ويوافقه أبو توبة في المعنى، ويُحتمل أن يكون من قبيل الثاني، فلا يكون أورد لفظ أحدهما خاصة، بل رواه عنهما بالمعنى، وهذا الاحتمال يقرب من قول الإمام مسلم المعنى واحد، فإن لم يقل: ولا شبهه، فلا بأس به على جواز الرواية بالمعنى. عاشرًا: إذا سمع الراوي كتابًا مصنفًا عن جماعة، ثم قابل نسخته بأصل بعضهم دون بعض، وأراد أن يذكر جميعهم في الإسناد، ويقول: واللفظ لفلان؛ فهذا جائز لأن ما أورده قد سمعه بنصه ممن ذكر أنه بلفظه، ويُحتمل ألا يجوز؛ لأنه لا علم عنده بكيفية رواية الآخرين حتى يخبر عنها، بخلاف ما سبق، فإنه اطلع على روايته غير من نسب اللفظ إليه على موافقتهما من حيث المعنى، فأخبر بذلك، قاله ابن الصلاح والعراقي، ولم يرجح شيئًا من الاحتمالين بخلاف ما سبق، فإنه اطلع على رواية غير من نسب اللفظ إليه على موافقتهما من حيث المعنى، فأخبر بذلك، قاله ابن الصلاح والعراقي ولم يرجحا شيئًا من الاحتمالين. قال البدر بن جماعة: “يحتمل تفصيلًا آخر، وهو النظر إلى الطرق، فإن كانت متباينة بأحاديث مستقلة لا يجوز، وإن كان تفاوتهما في اللفظ أو لغات أو اختلاف ضبط؛ جاز”. الحادي عشر: ليس للراوي أن يزيد في نسب غير شيخه، أو صفته من رجال الإسناد على ما ذكره شيخه، مدرجًا عليه من غير فصل مميز، فإن أتى بفصل؛ جاز، مثل أن يقول وهو بن فلان الفلاني، أو يعني ابن فلان ونحو ذلك، وكان الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- يفعل ذلك، فيقول مثلًا: سليمان وهو ابن بلال. الثاني عشر: يجوز للراوي إذا كان شيخه قد ذكر نسب شيخه، أو صفته في أول الكتاب، أو الجزء عند أول حديث منه، واقتصر فيما بعدُ من الأحاديث على اسم الشيخ أو بعض نسبه، أن يذكر نسبه كاملًا أو صفته، اعتمادًا على ما ذكره شيخه أوله، بهذا قال كثير من أهل العلم، كما نقله الخطيب، وقال بعضهم: “إن الأولى أن يقول يعني ابن فلان”. الثالث عشر: لا يجوز للمحدِّث أن يروي الحديث بقراءة لحَّان أو مصحح، قال الأصمعي: “إن أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو، أن يدخل في جملة قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من كذب علي متعمدًا، فليتبوأ مقعده من النار))؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يلحن، فمهما رَوَيْتَ عنه ولحنت فيه كذبت عليه”. قال النضر بن شميل: “جاءت هذه الأحاديث عن الأصل معربة؛ لذلك ينبغي أن يتعلم طالب الحديث من النحو واللغة ما يتخلص به من اللحن والتحريف، وطريق التخلص من التصحيف الأخذ من أفواه المحدِّثين وأهل العلم والضبط، أما من يعتمد على الكتب في الأخذ منها، فلا بد أن يقع في التحريف والتصحيف إلا من عصم الله”.

error: النص محمي !!