Top
Image Alt

تقوية الأحاديث الضعيفة التي في سندها سقط خفي: المدلس

  /  تقوية الأحاديث الضعيفة التي في سندها سقط خفي: المدلس

تقوية الأحاديث الضعيفة التي في سندها سقط خفي: المدلس

1. تقوية المدلَّس:

أ. تدليس التسوية:

نبدأ بتقوية الحديث المدلس إذا لم يعرف المحذوف -أي: المدلس تدليس التسوية:

وقد عرّف العلائي -رحمه الله- تدليس التسوية بأنه: هو أن يسمع الراوي من شيخه حديثًا قد سمعه من رجل ضعيف عن شيخ سمع منه ذلك الشيخ هذا الحديث، فيسقط الراوي عنه الرجل الضعيف من بينهما، ويروي الحديث عن شيخه عن الأعلى؛ لكونه سمع منه وأدركه، طبعًا في غير هذا الحديث، وتابعه على هذا التعريف الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى.

قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- عن تعريف العراقي: إنه تعريفٌ غير جامع؛ وذلك لقصره تدليس التسوية على إسقاط الشيخ الضعيف، ويرى ابن حجر -رحمه الله- عدم اختصاصه بإسقاط الشيخ الضعيف، ولأجل ذلك يرى أن صورة تدليس التسوية أن يجيء الراوي ليشمل المدلس وغيره إلى حديثٍ قد سمعه من شيخه، وسمعه ذلك الشيخ من آخر عن آخر، فيسقط الواسطة بصيغة محتملة، فيصير الإسناد عاليًا، وهو في الحقيقة نازل.

وقال: ومما يدل على أن هذا التعريف لا تقييد فيه بالضعيف: أنهم ذكروا في أمثلة تدليس التسوية ما رواه هشيم عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن الزهري عن عبد الله بن الحنفية عن أبيه عن علي رضي الله عنه في تحريم لحوم الحمر الأهلية. قالوا: ويحيى بن سعيد لم يسمعه من الزّهري، إنما أخذه عن مالك عن الزهري، وهكذا حدّث به عبد الوهاب الثقفي، وحمّاد بن زيد وغير واحد عن يحيى بن سعيد عن مالك، فأسقط هشيم، ذكر مالك منه وجعله عن يحيى بن سعيد عن الزهري، ويحيى سمع من الزهري، فلا إنكار في روايته عنه إلا أن هشيمًا قد سوّى هذا الإسناد.

وتدليس التسوية إذا كان بإسقاط الضعيف- شر أنواع التدليس، وهو مذموم جدًّا. قال العلائي -رحمه الله-: وهو مذمومٌ جدًّا من وجوه كثيرة، ثم ذكر ثلاثة منها:

الأول: أنه غشّ وتغطية لحال الحديث الضعيف، وتلبيس على من أراد الاحتجاج به.

الثاني: أن يروي عن شيخه ما لم يتحمّله عنه؛ لأنه لم يسمع منه إلا بتوسّط الضعيف، ولم يروه شيخه بدونه.

الثالث: أنه ربما ألحق بشيخه وصمة التدليس، أنه إذا اطلع عليه أنه رواه عن الواسطة الضعيف، ثم يوجد ساقطًا في هذه الرواية؛ فيظن أن شيخه الذي أسقطه ودلّس الحديث، وليس كذلك.

قال العلائي -رحمه الله-: وبالجملة فهذا النوع أفحش أنواع التدليس مطلقًا وشرّها، ولكنه قليل بالنسبة إلى ما يوجد عن المدلّسين.

ب. تقسيم الحاكم لأجناس المدلسين:

وهناك أقسام أخرى: كتدليس الشيوخ وغيره، غير أن الذي يهمّنا هنا هو تقسيم الحاكم لأجناس المدلّسين، فقد جعل فيه أجناس المدلسين ستة:

الأول: مَن دلّس عن الثقات.

الثاني: قومٌ يدلّسون الحديث فيقولون: قال فلان، فإذا وقع إليهم من ينقر عن سماعاتهم، ويلح، ويراجعهم ذكروا فيه سماعاتهم.

الثالث: قوم دلّسوا على أقوام مجهولين لا يدري مَن هم؟ ومِن أين هم؟

الرابع: قوم دلّسوا أحاديث رَوَوْهَا عن المجروحين، فغيّروا أسماءهم وكُنَاهم؛ كي لا يعرفوا.

الخامس: قوم دلّسوا عن قوم سمعوا منهم الكثير، وربما فاتهم الشيء عنهم فيدلّسونه.

السادس: قوم رَوَوْا عن شيوخ لم يَرْوِهم قط، ولم يسمعوا منهم، إنما قالوا: قال فلان، فحمل ذلك عنهم على السماع، وليس عندهم سماع عالٍ ولا نازل.

قال ابن حجر: والذي يظهر لي أن القسم السادس من تقسيم الحاكم -رحمه الله- لا يُعدّ تدليسًا، وإنما هو من باب الإرسال، وقد يكون بعضه من الإرسال الخفي.

جـ. حكم التدليس:

ذمَّ بعض أئمة الحديث التدليس ذمًّا شديدًا وكرهوه؛ لما فيه من الإيهام، قال الأزدي -رحمه الله-: قد كره أهل العلم بالحديث مثل شعبة وغيره التدليس في الحديث، وهو قبيح ومهانة.

قال السيوطي: الصحيح في حكم التدليس التفصيل، فما رواه المدلس بلفظ محتمل لم يبيّن فيه السماع فمرسلٌ لا يُقبل، وما بيّن فيه كسمعت، وحدثنا، وأخبرنا، وشبهها فمقبولٌ يُحتجّ به. بطبيعة الحال يضاف إلى ذلك حالة المدلّس في غير التدليس ما إذا كان فيه مقومات الراوي الذي يُقبل حديثه أو لا، قبل التدليس.

وأما كون سبب الحديث المدلّس من الضعيف المعتضد: فقد صرّح بعض الأئمة بقبول الحديث المدلّس للاعتضداد، وبلوغه درجة الحسن لغيره.

قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: ومتى تُوبع السيّئ الحفظ بمعتبر كأن يكون فوقه أو مثله لا دونه، وكذا المختلط الذي لم يتميّز، والمستور، والإسناد المرسل، وكذا المدلّس إذا لم يعرف المحذوف منه صار حديثهم حسنًا لا لذاته أي: حسنًا لغيره بالمتابعة.

وقال عن تعريف الترمذي للحديث الحسن: وليس هو عند التحقيق عند الترمذي مقصورًا على رواية المستور؛ بل يشترك معه الضعيف بسبب سوء الحفظ، والموصوف بالغلط والخطأ، وحديث المختلط بعد اختلاطه، والمدلّس إذا عنعن، وما في إسناده انقطاع خفيف، فكل ذلك عنه -أي: عند الترمذي- من قبيل الحسن بالشروط الثلاثة: وهو ألا يكون فيهم من يتّهم بالكذب، ولا يكون الإسناد شاذًّا، وأن يروى مثل ذلك الحديث أو نحوه من وجهٍ آخر فصاعدًا.

وقال السيوطي -رحمه الله- مبينًا أن الضعيف بسبب التدليس يرتفع للحسن إذا اعتضد: وفيما عُلّق على الحافظ ابن حجر أن الضعيف لتدليس أو جهالة حالٍ يرتقي إلى الحسن بتعدد طرقه. وعمل بعض الأئمة على تقوية الحديث المدلس مثل: الحافظ ابن الملقن، وابن حجر، والسيوطي.

ويشترط لتقوية حديث المدلس ألا يعرف المحذوف، فإن عرف المحذوف فإنه يحكم له بالحكم المناسب الموافق للصناعة الحديثية وضوابطها.

ومن الأمثلة التي عنعن فيها بعض المدلسين وعرف المحذوف: ما رُوي عن ابن معين أنه قال: كان ابن عيينة يدلّس، فيقول: عن الزهري، فإذا قيل له: من دون الزهري؟ فيقول لهم: أليس لكم في الزهري مقنع؟ فيقال: بلى، فإذا استقصي عليه يقول: مَعْمَر، اكتبوا: لا بارك الله لكم.

2. مثالٌ على تقوية الحديث المدلس:

عن المهاجر بن قنفذ رضي الله عنه أنه سلّم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فلم يردّ عليه، فلما فرغ من وضوئه قال: ((إنه لم يمنعني أن أردّ عليك إلا أنني كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة)) (سنن أبي داود رقم: 17) فهذا الحديث أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد، وابن خزيمة، وابن حبان، والطبراني، والطحاوي، والحاكم، والبيهقي من طرق عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن حصين بن المنذر أبي ساسان، عن المهاجر بن قنفذ رضي الله عنه مرفوعًا. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ، وقال الذهبي: على شرطهما -أي: أقرّه على حكمه-، وقال الحافظ ابن حجر: وتعقّب -يعني: الحاكم- بأنهما -أي: الشيخين- لم يخرجا للمهاجر، ولا خرّج البخاري لأبي ساسان.

وورد الحديث في (المستدرك) من طريق عبد الأعلى عن شعبة وهو تحريفٌ، والصواب: أنه عن سعيد -أي: ابن أبي عروبة-، وقد عزاه الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- للحاكم من طريق عبد الأعلى عن سعيد، وذلك في كتابه (نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار)، وقد أعلَّ الحديث برواية حماد بن سلمة له عن حميد، عن الحسن، عن المهاجر بن قنفذ: “أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبول، أو قد بال، فسلّمت عليه فلم يردّ عليّ حتى توضأ، ثم ردّ عليّ” رواه هكذا الإمام أحمد، والطحاوي بدون ذكر أبي ساسان.

قال الحافظ ابن حجر: ورواه حمّاد بن سلمة، عن حميد الطويل، عن المهاجر بدون ذكر أبي ساسان، وهكذا رواه زياد الأعلم، ويونس بن عبيد، وعبد الله بن مختار كلهم عن الحسن -أي: عن المهاجر بن قنفذ- وليست هذه العلّة بقادحة، فإن قتادة أحفظهم وقد جوّده وصوّب روايته ابن السكن وغيره.

وقال أيضًا: لكن في السند علّة أخرى، وهي أن سعيدًا وشيخه وشيخ شيخه وُصفوا بالتدليس في الإسناد وقد عنعنوه، ولم أَرَهُ في شيء من الطرق تصريحًا من واحدٍ منهم بالتحديث.

وقال أيضًا: وقد انجبر رواية سعيد ورواية هشام -وهو الدستوائي- رواها الدارمي والطبراني من طريق هشام الدستوائي عن قتادة به، فالإسناد ضعيف؛ لعنعنة قتادة وشيخه الحسن، لكن يتقوّى بالشواهد.

ومنها: ما رواه الإمام البخاري، وأبو داود، والنسائي، والطحاوي، والدّارقطني، والبيهقي من طريق جعفر بن ربيعة عن الأعرج قال: سمعت عميرًا مولى ابن عباس قال: أقبلتُ أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النبيصلى الله عليه وسلم حتى دخلنا على أبي جهيم بن الحارث بن الصِّمّة الأنصاري، فقال أبو جهيم: ((أقبل النبي صلى الله عليه وسلم من نحو بئر جمل وهو موضع بالمدينة فيه مالٌ من أموالها، فلقيه رجل فسلّم عليه، فلم يردّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه، ثم ردّ عليه السلام)) واللفظ للبخاري، فهذا شاهدٌ صحيحٌ يقوّي هذا الحديث الذي فيه تدليس وعنعنة.

وللحديث شواهد أخرى مرويّة عن علقمة بن الفَغْواء بفتح الفاء وسكون المعجمة والمدّ، وجابر، والبراء، وعبد الله بن حنظلة، وأبيه حنظلة، وجابر بن سمرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة ذكرها الحافظ ابن حجر -رحمه الله- وقال: وعذر من صحح الحديث كثرة شواهده، وإلا فغاية إسناده أن يكون حسنًا، وعلى هذا فإسناد حديث المهاجر بن قنفذ حسنٌ لغيره بشاهده الصحيح المروي عن أبي جهيم بن الحارث، وبالشواهد الأخرى التي أشار إليها ابن حجر.

error: النص محمي !!