Top
Image Alt

تقوية الأحاديث الضعيفة التي في سندها سقط خفي: المرسل الخفي

  /  تقوية الأحاديث الضعيفة التي في سندها سقط خفي: المرسل الخفي

تقوية الأحاديث الضعيفة التي في سندها سقط خفي: المرسل الخفي

1. تقوية المرسل الخفي:

أ. تعريفه:

أما الإرسال الخفي: فهو ما عرف فيه الإرسال بمعرفة عدم السّماع من الرّاوي فيه أو عدم اللقاء. قال: ومنه ما كان الحكم بإرساله محالًا على مجيئه من وجهٍ آخر بزيادة شخصٍ واحد أو أكثر.

وقال النووي -رحمه الله-: هو ما عرف إرساله لعدم اللقاء أو عدم السّماع، ومنه ما يحكم بإرساله لمجيئه من وجهٍ آخر، وهذا -عدم اللقاء أو عدم السماع- هو ما يميّزه عن الحديث المدلس؛ لأن الحديث المدلس يكون بين الراويين الذين لم يسمع أحدهما من الآخر هذا الحديث يكون بينهما لقاء، ويكون بينهما سماع من غير هذا الحديث الذي دُلّس فيه، أما هنا في المرسل الخفي فلا يكون فيه لقاء، ولا يكون فيه سماع، لكن يكون فيه معاصرة.

أما قول العراقي في تعريفه للإرسال الخفي وهو: أن يروي عمّن سمع منه ما لم يسمع منه، أو عمّن لقيه ولم يسمع منه، أو عمّن عاصره ولم يلقه، فهذا قد يخفى على كثير من أهل الحديث؛ لكونهما قد جمعهما عصرٌ واحد. فهذا قد استعمل الخفاء بمعناه اللغوي ليس بمعناه الاصطلاحي، وفي جعل رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمع منه إرسالًا خفيًّا نظر عند بعض أهل العلم؛ لأن مثل هذه الرواية تعتبر تدليسًا عندهم، وإن معرفة المرسل الخفي مهم جدًّا، وقد يخفى على كثير من أهل الحديث فلا يعرفها إلا النقاد الجهابذة منهم.

قال ابن الصلاح -رحمه الله-: هذا نوعٌ مهمٌ عظيم الفائدة يدرك بالاتساع في الرواية، والجمع لطرق الأحاديث مع المعرفة التّامّة.

وقال العلائي -رحمه الله-: وهو نوعٌ بديعٌ من أهم أنواع علوم الحديث، وأكثرها فائدة، وأعمقها مسلكًا، ولم يتكلّم فيه بالبيان إلا حُذّاق الأئمة الكبار، ويدرك بالاتساع في الرواية، والجمع لطرق الحديث مع المعرفة التامة، والإدراك الدقيق.

وممن تكلّم في المرسل الخفي بالبيان الإمام المزي -رحمه الله- وكان مبرزًا في معرفته، قال ابن كثير -رحمه الله-: وهذا النوع إنما يدركه نقاد الحديث وجهابذته -أي: خبراؤه- قديمًا وحديثًا، وقد كان شيخنا الحافظ المزي إمامًا في ذلك، وعجبًا من العجب، فرحمه الله وبلّ بالمغفرة ثراه. وللخطيب البغدادي -رحمه الله- تصنيف في هذا النوع، قال ابن الصلاح -رحمه الله-: وللخطيب الحافظ فيه كتاب (التفصيل لمبهم المراسيل) قال العلائي -رحمه الله-: ولم أقف عليه.

ب. طرق معرفته:

أما طريق معرفته فإنه يعرف بأحد الأمور الآتية:

الأول: أن يُعرف عدم اللقاء بين الراوي ومن روى عنه بنص بعض الأئمة على ذلك، أو أن يعرف ذلك بوجهٍ صحيح.

ومثالُ نص بعض الأئمة على عدم اللقاء بين الراوي ومن روى عنه: الحديث الذي رواه ابن ماجه من طريق عمر بن عبد العزيز عن عقبة بن عامر رضي الله عنه مرفوعًا: “رحم الله حارس الحرس” قال المزي -رحمه الله تعالى-: عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لم يلقَ عقبة بن عامر رضي الله عنه ومثَّل ابن الصلاح -رحمه الله تعالى- للنص على عدم اللقاء بالحديث المروي عن العوام بن حوشب عن عبد الله بن أبي أوفى قال: “كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال بلال: قد قامت الصلاة نهض وكبَّر” قال ابن الصلاح: روي فيه عن أحمد بن حنبل أنه قال: العوام لم يلقَ ابن أبي أوفى.

الثاني: أن يعرف عدم سماعه منه مطلقًا بنص إمام على ذلك أو نحوه كأحاديث أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، وهي في السنن الأربع، فقد روى الترمذي أن عمرو بن مرة قال لأبي عبيدة: هل تذكر مِنْ عبد الله شيئًا؟ قال: لا.

الثالث: أن يُعرف عدم سماعه منه لذلك الحديث فقط وإن سمع منه غيره، إما بنص إمام، أو بإخباره عن نفسه بذلك في بعض طرق الحديث، أو نحو ذلك.

الرابع: أن يرد في بعض طرق الحديث زيادة اسم راوٍٍ بينهما كحديث رواه عبد الرزاق عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن يزيد بن يثيع، عن حذيفة مرفوعًا: “إن وليتموها أبا بكر فقويٌ أمين”، قال العراقي: فهو منقطعٌ في موضعين؛ لأنه روي عن عبد الرزاق قال: حدثني النعمان بن أبي شيبة عن الثوري، وروي أيضًا عن الثوري، عن شريك، عن أبي إسحاق.

وقال أيضًا: هذا القسم الرابع محلّ نظر لا يُدركه إلا الحفاظ النقاد، ويشتبه ذلك على كثير من أهل الحديث؛ لأنه ربما كان الحكم للزائد، وربما كان الحكم للناقص والزائد وَهْم؛ فيكون من نوع المزيد في متصل الأسانيد.

ومن الكلام السابق يتبيّن لنا الفرق بين الإرسال الخفي والتدليس، وقد ألحق بعض الأئمة الإرسال الخفي بالتدليس، حيث إنهما يشتركان في رواية ما لم يسمعه الراوي ممن روى عنه.

جـ. حكمه:

ومهما يكن من أمر فحكم المرسل الخفي: أنه حديث منقطع عند المحدثين. قال ابن كثير -رحمه الله-: ومثّل هذا النوع ابن الصلاح بما روى العوّام بن حوشب عن عبد الله بن أبي أوفى قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال بلال: قد قامت الصلاة، نهض وكبَّر” وقال الإمام أحمد: لم يلقَ العوامُ بنَ أبي أوفى.

قال ابن كثير -رحمه الله-: يعني فيكون منقطعًا بينهما، فيضعف الحديث؛ لاحتمال أنه رواه عن رجل ضعيف والله أعلم. وقال أيضًا: وهو يعم -يعني: المرسل الخفي- يعم المنقطع والمعضل أيضًا.

وضعف المرسل الخفي ينجبر بتعدّد الطرق، ومن ذلك قول ابن حجر -رحمه الله- عقب ذكره لما رواه أبو داود، والنسائي، والطحاوي، وابن حبان من طريق الحسن العُرني عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لغلمان بني عبد المطلب: ((لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس)) أي: جمرة العقبة الكبرى.

قال ابن حجر: بعد أن روى حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لغلمان بني عبد المطلب: ((لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس)) أي: لا ترموا جمرة العقبة الكبرى يوم النحر حتى تطلع الشمس.

قال ابن حجر: وهو حديثٌ حسنٌ، حسَّنه مع أن رواية الحسن العُرني عن ابن عباس -وقد روي الحديث من طريقه- من قبيل الإرسال الخفي.

قال الإمام أحمد: الحسن العُرني لم يسمع من ابن عباس شيئًا؛ لأن للحديث متابعات ذكرها الحافظ ابن حجر بقوله: وأخرجه الترمذي والطحاوي من طرق عن الحكم عن مَقْسَم عنه -يعني: ابن عباس- وأخرجه أبو داود من طريق حبيب عن عطاء، ثم قال -رحمه الله-: وهذه الطرق تقوّي بعضها بعضًا ومن ثَمّ صحّحه الترمذي وابن حبان.

د. سبب كون المرسل الخفي من الضعيف المعتضد:

أما سبب كون المرسل الخفي من الضعيف المعتضد، أن الإرسال الخفي الذي هو رواية الراوي عمن عاصره ولم يسمع منه لا تعتبر طعنًا في عدالة الراوي، ولا اتّهامًا له بالكذب، وذلك لأن الراوي ربما يكون قد سمع ذلك الخبر من جماعة عن المعزى إليه الخبر، وصحّ عنده، ووَقَرَ في نفسه، فأرسله عن ذلك المعزى إليه علمًا بصحة ما أرسله، ولعلّه يرويه في المذاكرة التي ربّما يثقل معها الإسناد بذكر الواسطة، ويخفّ الإرسال إما لمعرفة المخاطبين بذلك الحديث واشتهاره عندهم، أو لغير ذلك من الأسباب الكائنة في معنى ما ذكرناه، فإذا جاء خبره من طريق أخرى -ولو كانت في درجتها- غلب على الظن ثبوت ذلك الخبر؛ لأن تعدّد طرقه مع تباين مخارجها يبعد معه تماثل الخطأ فيه، وتعمّد الكذب له، فلأجل ذلك كان ضعيفًا معتضدًا.

2. مثال لتقوية المرسل الخفي:

ما روى الحسن البصري عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه أراد قَتْل صاحبه)) (سنن النسائي: 7/ 124)، (المراسيل لأبي حاتم: صـ37) أسند ابن أبي حاتم عن علي بن المديني -رحمه الله- قال: الحسن لم يسمع من أبي موسى الأشعري، وقال ابن أبي حاتم أيضًا: سمعت أبي يقول: الحسن لم يسمع من أبي موسى الأشعري شيئًا، وقال أيضًا: سمعت أبا زُرعة يقول: الحسن لم يَرَ أبا موسى الأشعري أصلًا يدخل بينهما أَسِيد بن المُتَشَمِّس، والحسن هو البَصري كما قلنا في قراءة الحديث.

تقوّى هذا الحديث بما ثبت في الصحيح من حديث أبي بكرة رضي الله عنه .

أما حديث الحسن البصري فقد رواه النسائي، وابن ماجه من طريق يزيد بن هارون عن سليمان التيمي وسعيد بن أبي عَروبة، وفي رواية النسائي عن سعيد فقط عن قتادة عن الحسن عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله، إلا أن لفظ النسائي مختصر.

قال البوصيري في (مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وفي تصحيح هذا الإسناد نظرٌ للأمور الآتية:

الأول: في إسناده قتادة وهو مدلِّس وقد عنعنه.

الثاني: والحسن لم يسمع من أبي موسى كما تقدّم.

الثالث: صوّب المزي روايته بدون ذكر قتادة, وهو ما رواه الإمام النسائي -رحمه الله تعالى- من طريق يزيد بن هارون، عن سليمان التيمي، عن الحسن، عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم : ((إذا تواجها المسلمان…)) الحديث. قال المزي: والصواب الأول يعني: طريق يزيد بن هارون الذي فيه قتادة.

وللحديث طريق ثالث عن الحسن رواه النسائي أيضًا من طريق إسماعيل ابن عُليّة، وهو ابن إبراهيم؛ لأن عُليّة هي أمّه، عن يونس عن الحسن عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه مرفوعًا، وإسنادُه ضعيفٌ أيضًا؛ للانقطاعِ بين الحسن وأبي موسى، إلا أن ضعفَه ينجبرُ بحديث أبي بَكرة، وحديث أبي بكرة رواه الإمام البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي من طريقِ الأحنث بن قيس قال: ذهبتُ لأنصرَ هذا الرجل, فلقيني أبو بكرة فقال: أين تريد؟ قال: أنصر هذا الرجل. قال: ارجع؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، فقلت: يا رسول الله، هذا القاتل فما بالُ المقتول؟ قال: إنه كان حريصًا على قتلِ صاحبِه)) واللفظُ للبخاري (البخاري: 1/13 كتاب الإيمان, باب وإن طائفتان اقتتلوا، مسلم: 4/2213، 2214 كتاب الفتن, باب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما).

وعلى هذا، فالحكمُ على الحديث -حديثُ الحسن عن أبي موسى الأشعري- أنه حسنٌ لغيره بحديث أبي بكرة ، وهو هنا تقوّى بحديث صحيح؛ لأنه متفقٌ عليه كما قلنا.

error: النص محمي !!