Top
Image Alt

تقوية الأحاديث الضعيفة التي في سندها سقط ظاهر، وتقوية المرسل بالمسند

  /  تقوية الأحاديث الضعيفة التي في سندها سقط ظاهر، وتقوية المرسل بالمسند

تقوية الأحاديث الضعيفة التي في سندها سقط ظاهر، وتقوية المرسل بالمسند

1. الأحاديث الضعيفة منها ما يتقوى، ومنها ما لا يتقوى:

ينبغي أن نأخذ في اعتبارنا -ونحن ننقد الأسانيد والمتون- أنه ليس كل الطرق يمكن أن تجبر حديثًا، وليس كل الأحاديث الضعيفة يمكن أن تنجبر، فإذا كان في الحديث أو في إسناد الحديث أحد الرواة الذين أطلق عليهم ذلك من أهل المراتب الأربع من مراتب الجرح عند السخاوي، فإنه لا يتقوى هذا الحديث.

ومن هنا يمكن أن ندرك -بما عرفناه قبل ذلك وبما سنعرفه إن شاء الله ومما عرفناه الآن- أن الأحاديث الضعيفة منها ما يتقوى، ومنها ما لا يتقوى، والذي لا يتقوى هو الذي يمكن أن نقول فيه: إنه ضعيف جدًّا، بأن يكون فيه أحد الرواة الذين وصفناهم، أو عرفنا الألفاظ التي تطلق عليهم، أما ما عدا ذلك -كما قلنا: أهل المرتبة الأخيرة من التعديل، والمرتبتين الخامسة والسادسة عند السخاوي- فهؤلاء وإن كانوا ضعافًا إلا أنه يعتبر بحديثهم، ويتقوى حديثهم, أو يقوي حديثهم أحاديثُ أخرى ضعيفة تقبل التقوية.

واشترط بعض المحدثين لتقوية الأحاديث الضعيفة أن تكون الطرق التي تقويها هي مثلها أو أعلى منها، ومنعوا من تقويتها بالأدنى درجة، يعني: بطريق يكون أقل درجة من الطريق الذي روي به الحديث الذي نريد تقويته.

قال الحافظ ابن حجر في (نزهة النظر): ومتى توبع السيئ الحفظ بمعتبر كأن يكون فوقه أو مثله لا دونه, وكذا المختلط الذي لم يتميز, يعني: لم يتميز حديثه الذي اختلط فيه من غيره قبل الاختلاط، والمستور، والإسناد المرسل، وكذا المدلس إذا لم يعرف المحذوف منه صار حديثهم حسنًا لذاته، فاشترط هنا أن يكون فوقه أو مثله.

قال ابن الصلاح -رحمه الله تعالى- فيما أجاب به عن رواية البخاري ومسلم في صحيحيهما عن جماعة من الضعفاء: أن يكون ذلك واقعًا في المتابعات والشواهد، لا في الأصول، وذلك بأن يذكر الحديث أولًا بإسناد نظيفٍ رجاله ثقات، ويجعله أصلًا ثم يتبعه بإسناد آخر، أو أسانيد فيها بعض الضعفاء على وجه التأكيد بالمتابعة، أو لزيادة فيه تنبه على فائدة فيما قدمه.

ونحن نقول: إن كون البخاري يأتي بحديث فيه ضعفٌ يسيرٌ في المتابعات والشواهد قد لا يكون الأمر عنده أن يقوي المسند الذي رجاله ثقات بهذا الضعيف، وإنما نقول: ربما -وهذا هو الاحتمال الأقوى- أنه يورد هذا الضعيف الذي ضعفُه يسير؛ كي يقويه بالحديث السابق الذي إسناده نظيف ورجاله ثقات، كما عبّر ابن الصلاح، فلا يصلح هذا دليلًا على عدم تقوية الضعيف بمن هو أقل منه ضعفًا، إذا كان يصلح للاعتبار والمتابعة.

ولكن: ما الدرجة التي يبلغها الضعيف المنجبر؟

ظاهر كلام بعض الأئمة أن الضعيف المنجبر قد يصل إلى مرتبة الصحيح.

قال ابن كثير -رحمه الله- في (اختصار علوم الحديث): قال الشيخ أبو عمرو -أي ابن الصلاح-: لا يلزم من ورود الحديث من طرق متعددة أن يكون حسنًا؛ لأن الضعف يتفاوت فمنه ما لا يزول بالمتابعات, يعني: لا يؤثر كونه تابعًا أو متبوعًا كرواية الكذابين والمتروكين، ومنه ضعف يزول بالمتابعة، كما إذا كان راويه سيئ الحفظ، أو روي الحديث مرسلًا، فإن المتابعة تنفع حينئذٍ، ويرفع الحديث عن حضيض الضعف إلى أوجِّ الحسن أو الصحة.

وقال البقاعي -رحمه الله تعالى-: فإذا انضم بعضها إلى بعض صارت حسنة للغير، فترتقي بها تلك الطريق الحسنة لذاتها إلى الصحة.

أمثلة لأحاديث فقدت شروط التقوية، أي: لا تنفعها المتابعات والشواهد:

من الأمثلة على ذلك الحديث المشهور: “من حفظ على أمتي أربعين حديثًا بعثه الله يوم القيامة فقيهًا عالمًا”، الذي حكم عليه الأئمة بالضعف مع كثرة طرقه.

قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: ينبغي أن يمثل في هذا المقام بحديث: “من حفظ على أمتي أربعين حديثًا”، قد نقل النووي اتفاق العلماء على ضعفه مع كثرة طرقه.

ولكن هناك أحاديث أخرى فقدت شرط التقوية، ضعفها الأئمة مع تعدد طرقها، وتباين مخارجها، وذلك لفقدانها شروط التقوية، ومنها: حديث عائشة رضي الله عنها قالت: أسخنت ماء لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الشمس ليغتسل به فقال لي: “يا حميراء, لا تفعلي فإنه يورث البرص”.

قال الزركشي: قال الحافظ أبو موسى المديني في كتاب (الحياء): كم من حديث له طرق تُجمع في جزء -يعني: من كثرتها- يفرد لها تأليف، لا يصح منها حديثٌ واحد كحديث الطير، يروى عن قريب من أربعين رجلًا من أصحاب أنس، ويروى عن جماعة من الصحابة غيره، وقد جمع غير واحد من الحفاظ طرقه للاعتبار والمعرفة، كالحاكم بن عبد الله وأبي بكر بن مردويه وأبي نعيم, ولفظ حديث الطير كما رواه الحاكم من حديث أنس بن مالك عنه قال: ((كنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدم لرسول الله صلى الله عليه وسلم فَرْخٌ مَشْوِّيٌّ فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير، قال: فقلت: اللهم اجعله رجلًا من الأنصار، فجاء علي رضي الله عنه فقلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم على حاجة، ثم جاء فقلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم على حاجة، ثم جاء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : افتح، فدخل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما حبسك يا علي؟ فقال: إن هذه آخر ثلاث كرات يردني أنس، يزعم أنك على حاجة فقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقلت: يا رسول الله, سمعت دعاءك فأحببت أن يكون رجلًا من قومي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الرجل قد يحب قومه)) يعني: التمس له العذر, وقال: قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.

قال الذهبي معقبًا على كلام الحاكم، أو معترضًا عليه: ابن عياض -يعني: في إسناده- لا أعرفه، ولقد كنت زمانًا طويلًا أظن أن حديث الطير لم يجسر الحاكم أن يودعه في مستدركه، فلما علقت هذا الكتاب –يعني: اختصره- رأيت الهول من الموضوعات التي فيه، فإذا حديث الطير بالنسبة إليها سماء، يعني: أرفع من موضوعات أخرى أحط منزلة من حديث الطير.

وسئل الحاكم -رحمه الله- عن حديث الطير، فقال: لم يصح، ولو صح لما كان أحد أفضل من علي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني كأنه يقول: إنه من المعلوم أن أبا بكر أفضل من علي، كما يقول على عكس ما يقول هذا الحديث، فهو هنا نقد هذا الحديث من متنه.

وهناك كلام في مسألة: إذا كان الحاكم قال هذا فكيف يورده في الكتاب ويصححه؟

نقول: إنه ربما كان يعتبره صحيحًا، ثم تبين له أنه غير صحيح، وقيل: إن مثل هذا كان مسودة في (المستدرك) وأعجلت المنية الحاكم أن يحذف منه ما يراه غير صحيح، أو ما أخطأ في القول بصحته.

2. تقوية الأحاديث الضعيفة التي في سندها سقطٌ ظاهر:

الأحاديث الضعيفة التي في سندها سقط ظاهر تشمل: الأحاديث المرسلة، والأحاديث المنقطعة، والأحاديث المعضلة.

ونبدأ بالمرسل وتقويته، ولكننا نذكر شروط تقوية المرسل عند الشافعي، ومعنى ذلك: أننا نتكلم في ذلك على الرأي الذي يقول: إن المرسل ضعيف، ويمكن أن يتقوى، وقد ذكر الإمام الشافعي -رحمه الله- للمرسِل ولقبول الخبر الذي يرسله شروطًا، فاشترط في المرسِل ثلاثة شروط، هي:

الأول: أن يكون من كبار التابعين.

الثاني: أن يروي عن الثقات أبدًا.

الثالث: أن يوافق الحفاظ في مروياتهم, فإذا كان المرسل على هذا النحو من الشروط فمعنى ذلك أن مرسله قوي ويعمل به.

واشترط الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- لقبول الخبر المرسل اعتضاده بما يدل على صحته، والعاضد له أشياء سيأتي ذكرها -إن شاء الله تعالى.

والمرسل -عند جمهور المحدثين- حديث ضعيف، وبعضه أضعف من بعض. قال الإمام الترمذي -رحمه الله تعالى-: أخبرنا أبو بكر عن علي بن عبد الله -أي: المديني- قال: قال يحيى بن سعيد: مرسلات مجاهد أحب إليّ من مرسلات عطاء بن أبي رباح بكثير، كان عطاء يأخذ عن كل ضرب، قال علي: قال يحيى: مرسلات سعيد بن جبير أحب إليّ من مرسلات عطاء، قلت ليحيى: مرسلات مجاهد أحب إليك أم مرسلات طاوس؟ قال: ما أقربهما!.

3. تقوية المرسل بالمسند:

ويهمنا هنا: أن نذكر أمثلة لتقوية المرسل بالمسند، وذلك بالمتابعات والشواهد.

ونبدأ بأمثلة لتقوية المرسل بالمسند، أي: تقوية مراسيل كبار وأواسط وصغار التابعين، قواها بعض الأئمة بأحاديث مسندة صحيحة، أو حسنة، أو ضعيفة ضعفًا يسيرًا.

قال الشيخ زكريا الأنصاري: في أن المرسل يتقوى بمسند يجيء من وجه آخر صحيح أو حسن أو ضعيف يعتضد به.

المثال الأول: مرسل تابعي كبير تقوى بمسند صحيح، ومثاله مرسل سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر، ذكره العلائي، وقال: وقد ثبت متصلًا من حديث عبيد الله بن عمر عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة به أخرجه مسلم، فاعتضد به المرسل المتقدم، وثبتت صحته، ذكر ذلك العلائي في كتابه (جامع التحصيل في أحكام المراسيل).

أما حديث أبي هريرة المتصل، فله طريقان؛ رواه الإمام مسلم، كما قال العلائي وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والإمام أحمد والدارمي وابن الجارود وابن أبي شيبة وابن حبان والدارقطني والبيهقي، كلهم من طريق الأعرج عن أبي هريرة قال: ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر)) واللفظ لمسلم.

والطريق الثاني رواه الإمام أحمد من طريق الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرةرضي الله عنه مرفوعًا.

وأما مرسل ابن المسيب فله طريقان:

الأول: رواه عبد الرزاق من طريق الأسلم عن أبي الزناد عن ابن المسيب قال: “نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر”، والأسلمي هو إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، وهو متروك عند جمهور المحدثين، فلا يعتضد حديثه.

الثاني: رواه البيهقي من طريق محمد بن عبد الله بن الحكم عن ابن وهب عن مالك وغيره عن أبي حازم، أخبره عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((نهى عن بيع الغرر)) وقال: هذا مرسل، وقد رويناه موصولًا من حديث الأعرج عن أبي هريرة ومن حديث نافع عن ابن عمر، وإسناد هذا المرسل صحيح إلى مرسله، وهو يعتضد بحديث أبي هريرة المتقدم، وله شواهد أخرى مروية عن علي بن أبي طالب، وابن عمر، وسهل بن سعد، وابن عباس وأنس وعمران بن حصين ذكرها الحافظان: الهيثمي وابن حجر -رحمهما الله تعالى- الهيثمي في (مجمع الزوائد) وابن حجر في (التلخيص الحبير).

وعلى هذا، فالمرسل حسنٌ لغيره، بل يمكننا أن نقول: إنه صحيح على أساس أنه روي من طريق صحيح.

المثال الثاني: فهو لمرسل تابعي كبير تقوى بمسند ضعيف، والمثال السابق كان لمرسل تابعي كبير، ولكنه تقوى بمسند صحيح، فمثاله -مثال المرسل الذي تقوى بمسند ضعيف- حديث ابن المسيب، وهو تابعي كبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “لا صلاةَ بعد النداء إلا سجدتين” يعني: الفجر، وذكره البيهقي -رحمه الله- مرفوعًا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وأعله بعبد الرحمن بن أنعَم -أو أنعُم- الإفريقي، ثم أشار إلى تقويته بقوله: وله شاهد من حديث ابن المسيب مرسلًا، وقال في موضع آخر: وعبد الرحمن بن أنعم الأفريقي ضعيف، وقال في موضع آخر عقب روايته لحديث ابن عمر مرفوعًا بمعناه، وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وإن كان في إسناده من لا يحتج به، ويعني بذلك: عبد الرحمن بن أنعم الإفريقي هذا.

ومرسل ابن المسيب الذي قلناه رواه عبد الرزاق والبيهقي من طريق سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن حرملة عن ابن المسيب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لا صلاة بعد النداء إلا ركعتي الفجر)) وإسناده حسنٌ إلى مرسِله، وعبد الرحمن بن حرملة هو الأسلمي، قال فيه الحافظ ابن حجر: صدوق ربما أخطأ.

وهذا المرسل يعتضد بحديث عبد الله بن عمرو، ويقوي كل واحد منهما الآخر، ويصير الحديث بطريقيه حسنًا لغيره.

error: النص محمي !!