Top
Image Alt

تقوية الحديث المنقطع

  /  تقوية الحديث المنقطع

تقوية الحديث المنقطع

1. تقوية الحديث المنقطع:

اختار جماعة من أهل الحديث عدم قبول الرواية المنقطعة -غير المتصلة- قال الذهلي -رحمه الله-: ولا يجوز الاحتجاج إلا بالحديث المُوصل غير المنقطع، وقال البيهقي -رحمه الله تعالى-: والحديث المنقطع لا حجة فيه, وقال الجوزجاني: المنقطع أسوأ حالًا من المرسل، وقال ابن السمعاني: مَن منع قبول المرسل فهو أشد منعًا لقبول المنقطعات، قال الحافظ ابن حجر -عقب قول السمعاني- قلت: هذا على مذهب من يفرق بين المرسل والمنقطع، أما من يسمي الجميع مرسلًا فلا، والله أعلم.

وقال الإمام الشوكاني -رحمه الله تعالى-: لا تقوم الحجة بالحديث المنقطع، وهو الذي سقط من رواته واحد ممن دون الصحابة، واحتج به الإمام مالك -رحمه الله- وغيره ممن احتج بالمرسل، قال الشيخ عبد الله بن إبراهيم العلوي الشنقيطي: عُلم من احتجاج مالك ومن وافقه بالمرسل أن كل مَن المنقطع والمعضل حجة عندهم لصدق المرسل بالمعنى الأصولي على كل منهما، ولا يحتج بواحد منهما عند الشافعي ومن وافقه.  فالخلاصة: أن الحديث المنقطع حديث ضعيف لا يحتج به كما قرره جمهور المحدثين، وذلك للجهل بحال الساقط في الإسناد.

2. الصلة بين المرسل والمنقطع:

قبل أن نبين كيف أن الحديث المنقطع يقوى بالطرق والأسانيد نبين الصلة بين المرسل والمنقطع، ويشترك المرسل والمنقطع في عدم اتصال السند فيهما، وفرّق بينهما المحدِّثون تبعًا للموضع الذي حدث فيه الانقطاع، وقد يطلقون المرسل على الحديث المنقطع.

وقد عاب بعض أهل الأصول على المحدثين تخصيص المرسل والمنقطع بألقاب خاصة، قال نظام الدين الأنصاري: والكل داخل في المرْسل عند أهل الأصول، ولم يظهر لتكثير الاصطلاح، والأسامي فائدة.

أما فائدة تخصيص كل نوع منها بلقب واصطلاح خاص فتظهر في الوجوه الآتية:

الوجه الأول: قال العلائي -رحمه الله-: ويظهر الفرق بينهما أن بعض من أجاز العمل بالمرسل منع ذلك في المنقطع.

الوجه الثاني: قال العلائي أيضًا: وأشار الإمام أبو المظفر بن السمعاني إلى شيء آخر، وهو أن إرسال الحديث من أئمة التابعين كان معتادًا بينهم متعارفًا. وأما انقطاع السند في أثنائه بإسقاط رجل أو أكثر، ثم يذكر باقيه، فإنه يدل على ضعف الساقط دلالة قوية، وتقْوى الريبة حينئذٍ به.

الوجه الثالث: من فائدة تخصيص كل من المرسل والمنقطع باصطلاح خاص: أن المنقطع أسوأ حالًا من المرسل، كما صرح به الجوزجاني؛ والسبب في ذلك -والله أعلم- أنّ الانقطاع كلما تأخر عن أهل القرون الفاضلة، وهي القرون الثلاثة الأولى قويت الريبة في الساقط؛ لأن الكذب شاع في القرون المتأخرة أكثر من غيرها.

3. قولهم: “عن رجل”، أو “عن فلان” ونحو ذلك…

أيضًا نقف عند قولهم: عن رجل، أو عن فلان، ونحو ذلك، ومتى يحكم بانقطاعه؟

للعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال:

الأول: منهم من جعله حديثًا منقطعًا.

الثاني: عدّه أهل الأصول، وبعض المحدثين حديثًا مرسلًا، ويكون الفرق بين الاثنين هو اختلاف في اللفظ، والمراد شيء واحد.

الثالث: منهم مَن حكم عليه بأنه حديث متصل في إسناده مجهول.

وقد جمع الإمام السيوطي -رحمه الله- هذه الأقوال في ألفيته بقوله:

وقولهم عن رجل متصل

*وقيل بل منقطع أو مرسل

القول الأول: الذي فيه عن رجل أو عن فلان حديث منقطع، قال الحاكم: قد يروى الحديث في إسناده رجل غير مسمى، وليس بمنقطع. مثال ذلك: فساق بسنده من طريق سفيان الثوري، قال: حدثنا داود بن أبي هند، قال: حدثنا شيخٌ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((يأتي على الناس زمان يخُيّر الرجل بين العجز والفجور، فَمَن أدرك ذلك الزمان فليختر العجز على الفجور)) قال: وهكذا رواه عتّاب بن بشير، فساق بالسند إلى علي بن عاصم عن داود بن أبي هند، قال: نزلت جزيرة قيس، فسمعت شيخًا أعمى يقال له: أبو عمر يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((ليأتين على الناس زمان…)) فذكر الحديث، ثم قال الحاكم -رحمه الله تعالى-: فهذا النوع من المنقطع الذي لا يقف عليه إلا الحافظ الفهم المتبحر في الصنعة.

وصرح ابن القطّان -رحمه الله تعالى- بانقطاع الإسناد الذي فيه عن رجل، ونسبه السخاوي -رحمه الله تعالى- إلى جمهور أهل الحديث، لكن المثال الذي ذكره الحاكم -رحمه الله- ليس بمنقطع؛ لأن الراوي المبهم في الطريق الأول ذُكر وسمي في الطريق الثاني، وهو أبو عمر الجدلي كما قال العلائي -رحمه الله تعالى-: ثم بين أن الراوي المبهم يحكم بانقطاع حديثه إذا لم يعرف، ومتى عُرف حُكم باتصاله، فإن كان محتجًّا به -أي: الراوي الذي عرف- قُبِل، وإلا رُدَّ حديثه.

القول الثاني: في قولهم عن رجل أو عن فلان: أنه عدّه أهل الأصول وبعض المحدثين حديثًا مرسلًا، قال إمام الحرمين -رحمه الله-: فمن صور المراسيل: أن يقول التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن الصور أن يقول الراوي: أخبرني رجل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن فلان الراوي من غير أن يسميه، ومن الصور أن يقول: أخبرني رجل عَدْل موثوق به عن فلان، أو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وممن مشى على الحكم في قولهم: عن رجل، ونحوه بالإرسال من المحدثين الإمام أبو داود -رحمه الله- حيث أخرج بعض المبهمات في كتابه (المراسيل) وكذا أطلق النووي -رحمه الله- في غير موضع على رواية المبهم مرسلًا، وقال السّخاوي -رحمه الله- عن هذين القولين: وكل من هذين القولين خلاف ما عليه الأكثرون من علماء الراوية وأرباب النقل.

القول الثالث: وهو جعل مثل هذا متصلًا، قال رشيد الدين العطار -رحمه الله-: والذي عليه الأكثر من علماء الرواية، وأرباب النقل، أن قول الراوي: حدثنا صاحب لنا، وحدثنا غير واحد، وحدثني مَن سمِعَ فلانًا، وحُدِّثت عن فلان، ونحو ذلك معدود في المسند؛ لأنه لم ينقطع له سند، وإنما وقعت الجهالة في أحد رواته، واختاره العلائي -رحمه الله- حيث قال: والتحقيق أن قول الراوي: عن رجل ونحوه متصل، ولكن حكمه حكم المنقطع؛ لعدم الاحتجاج به.

قال السّخاوي -رحمه الله-: وأشار إليه بعض تلامذة الناظم -أي: تلامذة العراقي- الذي نظم الألفية التي يشرحها السخاوي. قلت: الأصح أنه متصل، لكن في إسناده من يُجَهّل.

وعلى كل حال، رجع الأمر إلى أمر واحد، وهو: أن هذا وهذا ضعيف كالمرسل.

قال ابن عبد البر: والإرسال قد تُبعث عليه أمور لا تَضيره، مثل: أن يكون الرجل سمع ذلك الخبر من جماعة عن المعزى إليه الخبر وصح عنده، ووقر في نفسه، فأرسله عن ذلك المعزى إليه علمًا بصحة ما أرسله، وربما يُحَدَّث به عن المعزى إليه مذاكرةً، فيثقل ذكر الإسناد معها.

قال ابن عبد البر: أو تكون مذاكرة، فربما ذكر معها الإسناد، وخف الإرسال؛ إما لمعرفة المخاطبين بذلك الحديث، واشتهاره عندهم، أو لغير ذلك من أسباب كائنة في معنى ما ذكرناه، فإذا جاء الخبر من طريق أخرى ولو كانت منقطعة، لم يأخذ رجالها عن الأول، غلب على الظن ثبوت ذلك الخبر؛ لأنّ تعدد الطرق مع تباين المخارج يبعد معه تماثل الخطأ فيه، وتعمد الكذب له، فلأجل ذلك كان ضعيفًا معتضدًا.

4. عواضد الحديث المنقطع:

صرح الإمام البيهقي -رحمه الله تعالى- أن عواضد الحديث المرسل عواضد الحديث المنقطع، أي: هي نفسها عواضد للحديث المنقطع.

قال -رحمه الله-: ونحن إنما لا نقول بالمنقطع إذا كان مفردًا، فإذا انضم إليه غيره، أو انضم إليه قول بعض الصحابة، أو ما يُتأكد به المراسيل، ولم يعارضه ما هو أقوى منه، فإنا نقول به.

وقوله: ولم يعارضه ما هو أقوى منه، يعني: لا يكون شاذًّا، ونحن قلنا: إن الشاذ لا يعتضد بالطرق – كما أسلفنا ذلك.

وقال ابن القيم -رحمه الله تعالى- عقب قول أبي داود في حديث أبي قتادة: “إن النبي صلى الله عليه وسلم كره الصلاة نصف النهار -أي: قبل الزوال- إلا يوم الجمعة”. قال أبو داود: هو مرسل؛ لأن أبا الخليل -يعني: في إسناده- لم يسمع من أبي قتادة، قال ابن القيم: والمرسل -يعني: المنقطع- إذا اتصل به عمل، أو عضده قياس، أو قول صحابي، أو كان مرسله معروفًا باختيار الشيوخ -يعني الثقات- فسواءٌ ذكره أو لم يذكره فهو ثقة، ورغبته عن الرواية عن الضعفاء المتروكين، ونحو ذلك مما يقتضي قوّته عمل به.

5. أمثلة على تقوية الأحاديث المنقطعة:

المثال الأول: تقوية حديث منقطع بحديث صحيح:

ومثاله: حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: ((سورة تشفع لقائلها، وهي ثلاثون آية، وهي: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير})) وحديث أبي هريرة هذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد وأبو عبيد القاسم بن سلام وابن الضريس وابن السني وابن حبان والحاكم، رووه كلهم من طريق عباس الجُشمي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن سورةً من القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له، وهي سورة {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير})) واللفظ للترمذي، قال الترمذي: هذا حديث حسن، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرّجاه، وقال الذهبي: صحيح، أي: وافق الحاكم في تصحيح هذا الحديث. وفي تصحيح إسناده، بل في تحسينه نظر؛ لأن فيه انقطاعًا بين عباس الجشمي وأبي هريرة، قال الحافظ ابن حجر: وأعلّه البخاري في (التاريخ الكبير) بأن عباسًا الجشمي لا يُعرف سماعه من أبي هريرة، ولكن ذكره ابن حبان في (الثقات).

وأما حديث أنس الذي هو صحيح ويقويه، فقد رواه الطبراني من طريق سليمان بن داود بن يحيى الطبيب البصري، قال: حدثنا شيبان بن فرّوخ، قال: حدثنا سلام بن مسكين، عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((سورة من القرآن -ما هي إلا ثلاثون آية- خاصمت عن صاحبها…)) إلى آخر الحديث.

قال الطبراني: لم يروه عن ثابت البناني إلا سلام، وقال الهيثمي: رواه الطبراني في (الصغير) و(الأوسط)، ورجاله رجال الصحيح. ويوجد في (المعجم الصغير) (1/176)، وكذلك ذكره الهيثمي في (مجمع البحرين) وعزاه الحافظ ابن حجر للطبراني في (المعجم الكبير) وصحح إسناده، لكن لم نقف عليه في (المعجم الكبير).

فإسناد حديث أبي هريرة حسنٌ لغيره بحديث أنس رضي الله عنه ، ولعل الذين صححوه -كما رأينا سابقًا- يريدون أن هذا الضعيف قد تقوّى إلى الصحيح، فحكموا بصحته.

المثال الثاني: تقوية حديث ضعيف بسبب انقطاعه وجهالة أحد رواته بمتابعةٍ وشاهد:

وهو حديث عائشة رضي الله عنها  قالت: ((ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة لوقتها الآخر مرتين حتى قبضه الله تعالى)).

كما قلنا: تقوى بمتابعةٍ وشاهد، وحديث عائشة هذا رواه الترمذي، والدارقطني، والحاكم.

الطريق الأول: ومن طريقه البيهقي من طريق سعيد بن أبي هلال، عن إسحاق بن عمر، عن عائشة قالت: ((ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة…)) إلى آخر الحديث. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وليس إسناده بمتصل، وقال البيهقي: وهذا مرسل؛ إسحاق بن عمر لم يدرك عائشة. ونلمح هنا أنهم يطلقون المرسل على المنقطع.

وتعقب ابن التركماني البيهقي في كتابه (الجوهر النقي) الذي علق فيه على (سنن البيهقي) قال في (الميزان): إسحاق هذا تركه الدارقطني، وذكر أبو حاتم وجماعة: إنه مجهول، فكيف عرف البيهقي أنه لم يدرك عائشة؟ وفيما ذكره -رحمه الله تعالى- نظر في اعتراضه هذا على البيهقي، فعبارة الدارقطني في إسحاق بن عمر: “مجهول يترك”، وفُرِّق بين هذه العبارة، وبين قول الذهبي: “تركه الدارقطني”.

قلنا: إن البيهقي قال على حديث عائشة: ((ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة لوقتها الآخر مرتين حتى قبضه الله تعالى)) قال البيهقي: هذا مرسل، إسحاق بن عمر الذي رواه عن عائشة لم يدرك عائشة، واعترض عليه ابن التركماني فقال: إنه مجهول، فكيف عرف أنه لم يدرك عائشة؟ ورأى بعض الباحثين: إن في تعقب ابن التركماني نظرًا، فجمهور المحدثين على وصف إسحاق هذا بالجهالة، أي: جهالة العين.

وأما الذهبي -رحمه الله تعالى- فقال مرة: “تركه الدارقطني” وليس معنى “تركه الدارقطني” أنه مجهول، ولكنه في قول آخر قال في إسحاق ما قاله المحدثون الآخرون من كونه مجهولًا.

والحكم على الحديث بالانقطاع لم ينفرد به الإمام البيهقي، فقد سبقه إلى ذلك الترمذي، وقال ابن القطان: إنه منقطع، وجعله الحافظ ابن حجر من الأحاديث المنقطعة التي حسنها الإمام الترمذي، وقال: وإنما وصفه بالحسن لما عضده من الشواهد من حديث أبي بَرْزة الأسلمي وغيره.

الطريق الثاني: عن عائشة رواه الحاكم، ومن طريقه البيهقي من طريق هاشم بن القاسم، قال: حدثنا الليث عن أبي النضر عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها  قالت: ((ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة لوقتها الآخر…)) الحديث بنحوه، قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي فقال: على شرطهما، والحديث رواه الدارقطني من طريق معلّى بن عبد الرحمن: حدثنا الليث بن سعد عن أبي النضر، عن عائشة مرفوعًا، قال الزّيْلعي: وفي إسناده معلى بن عبد الرحمن، قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: متروك الحديث.

الطريق الثالث: من حديث عائشة: فرواه الدارقطني والحاكم من طريق محمد بن عمر الواقدي، قال: حدثنا ربيعة بن عثمان، عن عمران بن أبي أنس، عن سلمة، عن عائشة… الحديث. قال الحاكم: الواقدي ليس من شرط هذا الكتاب، يعني: ليس من شرط (المستدرك). وقال الزيلعي: وفيه الواقدي، وهو معروف عندهم، يعني: بأنه متروك.

فإسناد حديث إسحاق بن عمر حسنٌ لغيره بمتابعة عمرة له من طريق هاشم بن القاسم، وأما طريق معلى والواقدي فلا يتقوى بهما.

وأما حديث أبي برزة الذي أشار إليه البيهقي، فلم نقف عليه، والحديث من الأمثلة على أن وجود أكثر من سبب من أسباب الضعف المحتمل الانقطاع، وجهالة العين هنا لا تمنع من تقويته بالمتابعات والشواهد.

المثال الثالث: تقوية حديث منقطع بحديث ضعيف:

أي: حديث ضعفه ينشأ من أنه منقطع، وحديث ضعيف غير منقطع.

ومثاله: حديث أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم : ((أنه كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة))، تقوَّى بحديث أبي هريرة: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة))، وحديث أبي قتادة هذا رواه أبو داود والبيهقي وابن عبد البر من طريق حسان بن إبراهيم عن الليث، عن مجاهد، عن أبي الخليل، عن أبي قتادة، عن النبي صلى الله عليه وسلم : ((أنه كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة)) قال أبو داود: وهو مرسل؛ مجاهد أكبر من أبي الخليل، وأبو الخليل لم يسمع من أبي قتادة، وقال البيهقي -رحمه الله-: وهذا مرسل؛ وأبو الخليل لم يسمع من أبي قتادة، ومجاهد أكبر من أبي الخليل.

وقال ابن كثير -رحمه الله تعالى-: وفي سنده ليث بن أبي سليم، وفيه كلام.

وقال ابن الملقن -رحمه الله تعالى-: وهذا حديث معلول من أوجه، ثم ذكر أربعة:

الأول: انقطاعه فيما بين أبي الخليل وأبي قتادة، وبه أعله الإمام أبو داود -كما تقدم- والأثرم في ناسخه ومنسوخه، وعبد الحق في (أحكامه الوسطى) والرافعي في (شرح المسند).

الثاني: الطعن في رواية ليث بن أبي سُليم، وبه أعله الأثرم، وابن كثير.

الثالث: أن منهم من يُوقِفه، ذكره ابن عبد البر في تمهيده حاكيًا له عن بعضهم.

الرابع: ذكره الأثرم، حيث قال: لم يروِه غير حسّان بن إبراهيم.

وهذه الوجوه المتعددة لا تضعف الحديث ضعفًا شديدًا، وأقواها الوجه الأول والثاني، وأما الوجه الثالث: وهو الوقف والرفع، فلم يذكر الإمام ابن عبد البر من رواه موقوفًا، وإنما قال عقب روايته للحديث مرفوعًا: وهذا الحديث منهم من يوقفه، والوجه الرابع: وهو أنه لم يروه غير حسان بن إبراهيم لا يضعف الحديث؛ لأن حسان بن إبراهيم هو الكرماني، قال ابن الملقن: من رجال الصحيحين، وثقه أحمد وأبو زرعة وابن معين، ثم حكى عن ابن عدي: أنه لا بأس به، وعن ابن حبان: ربما أخطأ، وعن النسائي: ليس بالقوي، ومثله لا يضره تفرده.

فمجموع ما يعل به حديث أبي قتادة: الانقطاع، والطعن في ليث بن أبي سليم، وأبو الخليل هو عبد الله بن الخليل، قال ابن حجر: مقبول.

قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: وحديث أبي قتادة هذا قال أبو داود: هو مرسل؛ لأن أبا الخليل لم يسمع من أبي قتادة، وكما ننبه -دائمًا- وهو أن قوله: مرسل هنا، قد أطلقه على المنقطع بين أبي الخليل وبين أبي قتادة الصحابي رضي الله عنه . قال ابن القيم: والمرسل إذا اتصل به عملٌ وعضده قياس، أو قول صحابي، أو كان مرسله معروفًا باختيار الشيوخ، ورغبته عن الرواية عن الضعفاء والمتروكين ونحو ذلك مما يقتضي قوته عُمِل به، وأيضًا فقد عضده شواهد أُخر، ثم ذكر حديث أبي هريرة وحديث أبي سعيد.

فهذه الأحاديث هي التي تقوي حديث أبي قتادة المنقطع.

وقلنا: إنه يقوى بحديث أبي هريرة: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة)) وحديث أبي هريرة الذي قلنا: إنه يقوي ويعضد حديث أبي قتادة رضي الله عنه ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة)) فحديث أبي هريرة هو: “نهى صلى الله عليه وسلم عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة” فهو شيء واحد، فالمتن واحد.  وحديث أبي هريرة هذا له ثلاثة طرق:

الطريق الأول: رواه الإمام الشافعي والبيهقي من طريق إبراهيم بن محمد عن إسحاق بن عبد الله عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه : “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة” قال ابن عبد البر: إبراهيم هذا هو ابن أبي يحيى المدني المتروك، وإسحاق بعده في الإسناد، وابن أبي فروة ضعيف أيضًا.

الطريق الثاني: رواه البيهقي من طريق أبي خالد الأحمر، عن شيخ من أهل المدينة يقال له: عبد الله بن سعيد، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم : “تحرم -يعني: الصلاة- إذا انتصف النهار كل يوم إلا يوم الجمعة” قال ابن الملقن: وهذا الشيخ يُحتاج إلى معرفة عينه وحاله.

الطريق الثالث: قال ابن الملقن: وذكره الأثرم في ناسخه ومنسوخه من حديث الواقدي عن سعيد بن سلمة عن المقبري عن أبي هريرة مرفوعًا كما سلف. والواقدي حالته معلومة، فقد تركوه.

وحديث أبي هريرة وأبي سعيد أيضًا يشهد لحديث أبي قتادة، رواه البيهقي من طريق الحاكم عن الأصم عن العباس بن الوليد البيروتي، قال: أخبرنا محمد بن شعيب، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن سليمان بن أبي الجوْن العنسي، عن عطاء بن عجلان البصري أنه حدثه عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة الدوسي صاحبي النبي قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة” قال البيقهي: ورواية أبي هريرة وأبي سعيد في إسنادها من لا يحتج به، ولكنها إذا انضمت إلى رواية أبي قتادة أخذت بعض القوة.

فخلاصة القول: أن إسناد حديث أبي قتادة حسنٌ لغيره بالطريق الثاني لحديث أبي هريرة الذي فيه مجهول العين والحال، وهو الشيخ من أهل المدينة الذي يقال له عبد الله بن سعيد، وفي الطريق الأول إذا أخذنا فيه برأي الشافعي في إبراهيم بن أبي يحيى، وأنه وثقه، ونحن نعتد برأي الإمام الشافعي في هذا؛ لمكانة الإمام الشافعي من التحري والتيقن والتيقظ، ولأنني خَبَرت أحاديث ابن أبي يحيى عند الشافعي فوجدتها في كثير منها له المتابعات والشواهد التي تقويه.

error: النص محمي !!