Top
Image Alt

تقوية المرسل بالمرسل

  /  تقوية المرسل بالمرسل

تقوية المرسل بالمرسل

1. لا يتقوى المرسل بمرسل آخر مخرجهما واحد:

وتقوية المرسل بالمرسل، يأتي من طريقين كل منهما مرسل، قال الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- عند ذكره لعواضد المرسل: ويعتبر عليه، بأن ينظر: هل يوافقه مرسل غيره ممن قُبِل العلم عنه من غير رجاله الذين قبل عنهم؟ فإن وجد ذلك كانت دلالة يقوى له مرسله، فلو جاء حديث مرسل من طريقين:

الأول: عن حميد الطويل عن الحسن مثلًا.

الثاني: عن قتادة عن الحسن.

لا يتقوى هذا المرسل بهذين الطريقين؛ لأن التابعي الذي أرسل الحديث في الطريق الثاني هو نفسه التابعي الذي أرسله في الطريق الأول، وربما يروى حديث مرسل عن جماعة من التابعين بأسانيد متباينة، ومع ذلك لا يتقوى لاتحاد مخرج هذه المراسيل، ومثال ذلك حديث القهقهة، فإنه روي من وجوه متعددة، والتابعون فيه متباينون، وقد منع من تقويته وترقيته لدرجة الحسن لغيره أن هذه المراسيل المتباينة ترجع كلها لمرسِل واحد.

قال العلائي رحمه الله:

إن بعض المراسيل رويت من وجوه متعددة مرسلة، والتابعون فيها متباينون، فيظن مخارجها مختلفة، وأن كلًّا منهما يعتضد بالآخر، ثم عند التفتيش يكون مخرجها واحدًا، ويرجع كلها إلى مرسل واحد، ومثال ذلك: حديث “القهقهة” روي مرسلًا من طريق الحسن البصري، وأبي العالية، وإبراهيم النخعي والزهري بأسانيد متعددة، وعند التحقيق مدار الجميع على أبي العالية، وسنرجع إلى هذا الحديث -إن شاء الله تعالى- في الأحاديث التي سندرسها من حيث سندها، ومن حيث متنها كدراسة تطبيقية على نقد الأسانيد والمتون -إن شاء الله تعالى.

2. أمثلة من تقوية المرسل بالمرسل:

أ. تقوية مرسل تابعي كبير بمرسل تابعي من أواسطهم:

ومثاله مرسل ابن المسيب: ((أن رجلًا أعتق ستة أعبد له في مرضه، فأقرع رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم فأعتق اثنين وأرَقَّ أربعة)) تقوى هذا المرسل بمرسل ابن سيرين عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله، ومرسل ابن المسيب رواه سعيد بن منصور من طريق سفيان عن يزيد بن يزيد بن جابر عن مكحول عن سعيد بن المسيب: ((أن رجلًا أعتق ستة أعبد له…)) الحديث، وإسناده صحيح إلى مرسِله، وجميع رجاله ثقات، ويزيد بن يزيد بن جابر هو الأزدي الدمشقي، وهو ثقة فقيه.

وله طريق أخرى رواها الإمام البيهقي -من طريق الإمام الشافعي- قال: أنبأنا عبد المجيد عن ابن جريج، قال: أخبرني قيس بن سعد أنه سمع مكحولًا، يقول: سمعت سعيد بن المسيب يقول: ((أعتقت امرأة -أو رجل- ستة أعبد لها، ولم يكن لها مال غيرهم، فأُتِيَ النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، فأقرع بينهم فأعتق ثلثهم)) وإسناده حسن إلى مرسله أيضًا رجاله ثقات إلا عبد المجيد، وهو ابن أبي روّاد وهو صدوق يخطئ.

ومرسل ابن سيرين رواه سعيد بن منصور من طريق هشيم، أخبرنا ابن عون عن ابن سيرين عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله، كذا رواه ولم يسق لفظه، وإسناده صحيح إلى مرسله، فكل منهما يتقوى بالآخر.

وللحديث شواهد، فله شاهد عن عمران بن حصين، رواه الإمام مسلم: ((أن رجلًا أعتق ستة مملوكين له عند موته لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول اللهصلى الله عليه وسلم فجزّأهم أثلاثًا ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة، وقال له قولًا شديدًا)) واللفظ له، أي: لمسلم؛ لأنه رواه غيره، فاجتزأنا بذلك.

أما حديث أبي زيد، وهو شاهد أيضًا، فرواه الإمام أحمد من طريقين؛ عن هشيم أخبرنا خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي زيد مرفوعًا نحوه.

فإسناد مرسل ابن المسيب حسن لغيره تقوى بمرسل ابن سيرين، وكذا بحديث عمران، وحديث أبي زيد الأنصاري.

ب. مرسل تابعي من أواسطهم تقوى بمرسل تابعي من أواسطهم:

أي: من أواسط التابعين، ومثاله مرسل أبي سعيد المهري قال: قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم : ((لا تتخذوا بيتي عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا، وصلوا عليّ حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني)) تقوى بمرسل الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب بنحوه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فهذان المرسلان من هذين الوجهين المختلفين يدلان على ثبوت الحديث، لاسيما وقد احتج من أرسله به، وذلك يقتضي ثبوته عنده، ولو لم يكن روي من وجوه مسندة غير هذين، فكيف وقد تقدم مسندًا؟ أي: بإسناد؛ لأننا نعرف أنه مرسل.

ومرسل أبي سعيد المهري رواه سعيد بن منصور قال: حدثنا حبان بن علي قال: حدثني محمد بن عجلان عن أبي سعيد مولى المهري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لا تتخذوا بيتي عيدًا…)) الحديث، وفي إسناده حبان بن علي، وهو العنزي، جمهور النقاد على تضعيفه ضعفًا يسيرًا، إلا الدارقطني، فإنه قال فيه مرة: متروك، وقال فيه مرة أخرى: ضعيف، وقال أبو زرعة: لين، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال البخاري: ليس عندهم بالقوي، وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة وعامة حديثه إفرادات وغرائب، وهو ممن يحتمل حديثه ويكتب, وقال الذهبي: صالح الحديث, وقال الحافظ ابن حجر: ضعيف.

أما مرسل الحسن بن الحسن بن علي رضي الله عنه فرواه سعيد بن منصور من طريق عبد العزيز بن محمد، قال: أخبرني سهيل بن أبي سهيل، قال: “رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر فناداني، وهو في بيت فاطمة يتعشى، فقال: هلمَّ إلى العشاء، فقلت: لا أريده، فقال: ما لي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إذا دخلت المسجد فسلِّم، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تتخذوا بيتي عيدًا، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم))”. وسهيل ذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: سهيل شيخ يروي عن الحسن روى عنه ابن عجلان، وهو يقصد سهيل بن أبي سهيل، وذكره البخاري في (التاريخ الكبير) وقال: سهيل عن حسن بن حسن، روى عنه محمد بن عجلان منقطع، وعبد العزيز بن محمد هو الدراوردي، وهو صدوق كان يحدِّث من كتب غيره فيخطئ.

وللمرسلين هذين شواهد، ومن هذه الشواهد ما رواه الإمام أبو داود -رحمه الله- من طريق أحمد بن صالح, قرأت على عبد الله بن نافع قال: أخبرني ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة مرفوعًا: ((لا تجعلوا بيتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم)) وإسناده صحيح، رجاله ثقات، وصححه بعض العلماء.

فإسناد مرسل أبي سعيد المهري حسنٌ لغيره بمرسل الحسن، وكذا بحديث أبي هريرة هذا الصحيح.

ج. مرسل تابعي من أواسط التابعين تقوى بمرسل تابعي من صغارهم:

ومثاله مرسل أبي عبد الرحمن الحبلي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تتمنوا لقاءَ العدو، واسألوا الله العافيةَ، فإن بُليتم به فقولوا: اللهم, أنت ربنا وربهم، نواصيهم ونواصينا بيدك، فقاتلهم لنا، واهزمهم لنا، وغضوا أبصاركم واحملوا عليهم على بركة الله، والتمسوا الجنة تحت الأبارقة)).

هذا الحديث هو مرسل أبي عبد الرحمن الحبلي تقوى بمرسل يحيى بن أبي كثير. وهو من صِغار التابعين، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لا تتمنوا لقاء عدوكم، فإنكم لا تدرون عسى أن تبتلوا بهم، ولكن قولوا: اللهم, اكفناهم، وكف عنا بأسهم، فإذا جاءوكم يعزفون ويرجعون ويصيحون، فعليكم بالأرض، وقولوا: اللهم, نواصينا ونواصيهم بيدك، وإنما تقتلهم أنت، فإذا غشوكم فثوروا في وجوههم، واعلموا أن الجنة تحت الأبارقة)).

ومرسل أبي عبد الرحمن الحبلي رواه سعيد بن منصور من طريق عبد الله بن وهب قال: حدثني أبو هانئ الخولاني عن أبي عبد الرحمن الحبلي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: … الحديث. قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: رجاله ثقات، وفي قوله نظر؛ لأنه قال في أبي هانئ الخولاني: واسمه حميد بن هانئ لا بأس به.

أما مرسل يحيى بن أبي كثير فرواه سعيد بن منصور من طريق إسماعيل بن عياش عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : … الحديث، وإسماعيل بن عياش صدوق في روايته عن أهل بلده، وهم الشاميون مخلِّط في غيرهم، وهذا الحديث من روايته من أهل بلده، فالأوزاعي إمام أهل الشام في زمانه، وقوله: ((لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية)) وقوله: ((التمسوا الجنة تحت الأبارقة)) ثابتان من حديث عبد الله بن أبي أوفى كما رواه البخاري ومسلم وأبو داود من طريق سالم أبي النضر عن كتاب رجل من أسلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقال له: عبد الله بن أبي أوفى، فكتب إلى عمر بن عبيد الله حين سار إلى الحرورية يخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في بعض أيامه التي لقي فيها العدو، ينتظر حتى إذا مالت الشمس قام فيهم، فقال: ((يا أيها الناس, لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف، ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم وقال: اللهم, منزل الكتاب, ومجري السحاب, وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم)) واللفظ لمسلم.

وعلى هذا فالحديث حسن لغيره بمجموع مرسل أبي عبد الرحمن الحبلي ومرسل يحيى بن أبي كثير، وبعض فقراته حسنة لغيرها بالمسند الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم من طريق عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه .

د. مرسل تابعي صغير تقوّى بمرسل تابعي صغير:

فعن مكحول قال: ((توفّي رسول الله صلى الله عليه وسلم والدّية ثمانمائة دينار)) الحديث، تقوّى هذا المرسل بمرسل عمرو بن شعيب، ومرسل مكحول رواه الإمام أبو داود من طريق الهيثم بن خالد الجهني قال: حدثنا وكيع عن سفيان عن أيوب بن موسى عن مكحول قال: تُوفّي رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث، وإسناده صحيح إلى مرسِله، أي: إلى مكحول.

وأما مرسل عمرو بن شعيب فرواه الإمام أبو داود من طريق أبي كامل، قال: حدثنا يزيد بن زريع قال: حدثنا حسين، عن عمرو بن شعيب: ((أن قيمة الدية كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانمائة دينار)) وهذا أيضًا رجاله ثقات إلى مرسله، وعمرو بن شعيب صدوق، وهو من صِغار التابعين في تقسيم الحافظ ابن حجر في (تقريب التهذيب) وكذا مكحول.

وبمجموع هذين المرسلين يتقوى هذا الحديث، ويتقوى أيضًا بما له من شواهد، ومنها ما رواه الإمام أبو داود والدارقطني والبيهقي من طريق حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: ((كانت الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانمائة دينار أو ثمانية آلاف درهم)) الحديث، وإسناده حسن، وحسنه بعض العلماء، وعلى هذا فمرسل مكحول حسن لغيره بمرسل عمرو بن شعيب، وبما له من شاهد، وقد يعتضد المرسل بقول بعض الصحابة، ولكن ليس هذا مجالنا؛ لأن مجالنا هو تقوية الأسانيد بالطرق التي تقويها على النحو الذي سبق في الأمثلة السابقة.

قلنا: إن المرسل يتقوَّى بالشواهد كما سبق في الأنواع السابقة, وقلنا: إنه قد يتقوى بفعل الصحابي, أو يتقوى بشيء آخر غير الطرق والأسانيد، ولكن ليس هذا مجالنا؛ لأن مجالنا إنما هو في تقوية الأسانيد بعضها ببعض.

هـ. مثال لمرسل اجتمعت فيه العواضد الأربعة:

نذكر مثالًا لمرسل اجتمعت فيه العواضد الأربعة التي ذكرها الإمام الشافعي في كون الحديث المرسل يتقوى، ونذكر بما قاله الشافعي في ذلك. قال: إن المرسل يعتضد بواحد من العواضد الآتية:

الأول: مجيئه مسندًا من وجه آخر.

الثاني: أن يوافقه مرسل آخر.

الثالث: أرسله مَنْ أخذ العلم عن غير رجال التابعي الأول.

الرابع: أن يعضده قول جَمْع من أهل العلم.

فهذه هي العواضد الأربعة التي ذكرها الإمام الشافعي.

والمثال الذي اجتمعت فيه العواضد الأربعة التي ذكرها الإمام الشافعي هو مرسل سعيد بن المسيب: “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع اللحم بالحيوان”، اجتمعت في هذا المرسل العواضد الأربعة التي ذكرها الإمام الشافعي -رحمه الله- فقد اعتضد بالأمور الآتية:

بحديث مسند عن سمرة رضي الله عنه وبمرسل القاسم بن أبي بزة، وبقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه وبفتوى أكثر أهل العلم.

أما مرسل ابن المسيب فله طريقان عن ابن المسيب:

الأول: رواه مالك والشافعي وأبو داود والدارقطني والحاكم والبيهقي من طريق مالك عن زيد بن أسلم عن سعيد بن المسيب: “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع اللحم بالحيوان”، وإسناده صحيح إلى مرسله, وله ثلاث طرق أخرى عن زيد بن أسلم:

الطريق الأول: رواه عبد الرزاق عن معمر عن زيد بن أسلم عن سعيد بن المسيب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم … نحوه، وإسناده صحيح إلى مرسله.

الثاني والثالث: رواهما البيهقي من طريق سعيد بن منصور، حدثنا عبد العزيز بن محمد وحفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم عن سعيد بن المسيب نحوه، وإسناده صحيح إلى مرسله.

والحديث روي من طريق مالك مسندًا، والصواب إرساله, كما قال الدارقطني, والطريق المسندة رواها الدارقطني وأبو نعيم وابن عبد البر من طريق يزيد بن عمرو بن البراء الغنوي أبي سفيان، قال: حدثنا يزيد بن مروان، قال: حدثنا مالك بن أنس عن الزهري عن سهل بن سعد، قال: “نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع اللحم بالحيوان”، قال الدارقطني: تفرد به يزيد بن مروان عن مالك بهذا الإسناد ولم يتابع عليه، وصوابه في (الموطأ) عن ابن المسيب مرسلًا، وقال أبو نعيم: غريب من حديث مالك عن الزهري عن سهل، تفرد به يزيد بن عمرو عن يزيد، وقال البيهقي: عقب روايته الحديث مرسلًا عن ابن المسيب هذا هو الصحيح، ورواه يزيد بن مروان الخلال عن مالك عن الزهري عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم وغلط فيه.

وقال ابن عبد البر -عقب روايته لحديث سهل-: وهذا حديث إسناده موضوع، لا يصح عن مالك، ولا أصلَ له في حديثه، ويزيد بن مروان، قال فيه ابن معين: كذاب، وقال عثمان الدارمي: قد أدركته وهو ضعيف قريب مما قال يحيى، وقال الدارقطني: ضعيف جدًّا، وقال أبو داود: ضعيف.

الطريق الثاني: طريق مرسل سعيد بن المسيب رواه الإمام أبو داود من طريق عبد السلام بن عتيق الدمشقي، حدثنا أبو مسهر قال: حدثني يحيى بن حمزة، قال: حدثني محمد بن الوليد الزبيدي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب: “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحي بالميت”، يعني: الحيوان الحي باللحم المذبوح، وإسناده حسنٌ إلى مرسله، رجاله ثقات إلا عبد السلام بن عتيق فهو صدوق، كما قال الحافظ ابن حجر في (تقريب التهذيب) وأبو مسهر هو عبد الأعلى بن مسهر، وهو ثقة فاضل.

وحديث سمرة المسند رواه الحاكم من طريق أبي بكر بن إسحاق، قال: أنبأنا العباس بن الفضل الأصفاطي, قال: حدثنا إسماعيل بن يزيد الأصبهاني, قال: حدثنا يحيى بن الضريس عن إبراهيم بن طهمان عن الحجاج بن الحجاج عن قتادة عن الحسن عن سمرة: “أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الشاة باللحم”، الشاة الحية باللحم.

قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد رواته عن آخرهم أئمة حفاظ ثقات ولم يخرجاه، وقد احتج البخاري بالحسن عن سمرة.

وله طريق أخرى رواها البيهقي من طريق الحاكم، قال: سمعت يحيى بن منصور القاضي يقول: سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق -يعني: ابن خزيمة- وسئل عن بيع مسلوخ بشاة -يعني: لحم حيوان مذبوح بشاة حية- فقال: حدثنا أحمد بن حفص السلمي، قال: حدثني أبي، قال: حدثني إبراهيم بن طهمان، فذكر مثله، قال البيهقي: وهذا إسناد صحيح، ومَن أثبت سماع الحسن البصري من سمرة بن جندب عَدَّه موصولًا، ومن لم يثبته فهو مرسل جيد يضم إلى مرسل سعيد بن المسيب والقاسم بن أبي بزة، وقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه ومع الخلاف في سماع الحسن من سمرة ففيه عنعنة قتادة، وهو مدلس.

ومرسل القاسم بن أبي بزة رواه الإمام الشافعي، ومن طريقه رواه البيهقي من طريق مسلم عن ابن جريج عن القاسم بن أبي بزة.

قلنا: مرسل سعيد بن المسيب: “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع اللحم بالحيوان” يعتضد بعواضد منها المسند، كحديث سمرة, والمرسل كمرسل القاسم بن أبي بزة رواه الإمام الشافعي، ومن طريقه رواه البيهقي من طريق مسلم بن خالد عن ابن جريج عن القاسم بن أبي بزة، قال: “قدمت المدينة فوجدت جزورًا قد جزرت، فجزئت أجزاءً، كل جزء منها بعناق -يعني: بشاة صغيرة- فأردت أن أبتاع جزءًا، فقال لي رجل من أهل المدينة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يباع حي بميت، فسألت عن ذلك الرجل فأخبرت عنه خيرًا”، وإسناده ضعيف للأمور الآتية:

الأول: أن ابن جريج مدلس، وقد عنعن.

الثاني: مسلم، وهو ابن خالد الزنجي، وهو صدوق كثير الأوهام، وشيخ القاسم بن أبي بزة، وهو مبهم لم يُسَمَّ ولا يقبل توثيقه مع إبهامه، كما يعضد هذا قولُ أبي بكر رضي الله عنه الذي رواه الإمام الشافعي وعبد الرزاق والبيهقي من طريق إبراهيم بن أبي يحيى عن صالح مولى التوأمة عن ابن عباس عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه كره بيع اللحم بالحيوان.

وابن أبي يحيى هو إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، وهو متروك، والشافعي حسَّن القولَ فيه، ووثقه، وهو شيخه.

فالحديث حسنٌ لغيره بالعواضد المذكورة، إلا قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه فإنه لا يعضده لشدة ضعف إسناده؛ لأن فيه ابن أبي يحيى، وهو متروك، ولكننا إذا حسَّنا القول فيه كالإمام الشافعي -وهو شيخه وأخبر به- فإنه أيضًا يكون من عواضد هذا الحديث يتقوى بالعواضد الأخرى، ويقوي الأحاديث والمراسيل الأخرى.

وعلى ذلك، فلا يكون ضعفه شديدًا على مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه .

كما ذكر بعض العلماء أن المرسل يعتضد ويتقوى بانتشاره، وبعمل أهل العصر به، وبقياس معتبر.

error: النص محمي !!