Top
Image Alt

تقوية المعضل، والضعيف الذي فيه سقط خفي ومثال على تقوية الحديث المعضل

  /  تقوية المعضل، والضعيف الذي فيه سقط خفي ومثال على تقوية الحديث المعضل

تقوية المعضل، والضعيف الذي فيه سقط خفي ومثال على تقوية الحديث المعضل

“المعضل” عند ابن الصلاح: هو عبارة عما سقط من إسناده اثنان فصاعدًا.

وقال العراقي: والمعضل ما سقط منه اثنان فصاعدًا من أي موضع كان سواء سقط الصحابي والتابعي، أو التابعي وتابعه، أو اثنان قبلهما لكن بشرط أن يكون سقوطهما من موضع واحد، أما إذا سقط واحدٌ من بين رجلين ثم سقط من موضع آخر من إسناد واحد آخر فهو منقطع في موضعين ولم أجد في كلامهم إطلاق المعضل عليه.

1. صور المعضل:

الأولى: أطلق المعضل على الحديث الذي سقط منه راويان فأكثر في موضع واحد، وهو الذي عليه اصطلاح المحدثين.

الثانية: قال ابن الصلاح: وذكر أبو نصر السجزي الحافظ قول الراوي: بلغني نحو قول مالك: بلغني عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((للمملوك طعامه وكسوته…)) الحديث، وقال -أي: السجزي-: أصحاب الحديث يسمونه المعضل، ويرى ابن حجر أن قول الراوي “بلغني” من المتصل الذي في إسناده مبهم، قال: وأما أبو نصر الذي نقل أنه يسمى معضلًا، فجرى على طريقة من يسمي الإسناد إذا كان فيه مبهم منقطع.

الثالثة: قال ابن الصلاح -رحمه الله-: وقول المصنفين من الفقهاء وغيرهم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، ونحو ذلك كله من قبيل المعضل -يعني: حذفوا الإسناد كله.

الرابعة: قال ابن حجر -رحمه الله-: وجدت التعبير بالمعضل في كلام جماعة من أئمة الحديث فيما لم يسقط منه شيء البتة، فمن ذلك ما قال محمد بن يحيى الذّهلي في (الزهريات): حدثنا أبو صالح، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها  قالت: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف، فَيَمُرُّ بالمريض فيسلم عليه ولا يقف”، قال الذهلي: هذا حديث معضل لا وجهَ له، إنما هو فعل عائشة رضي الله عنها  ليس للنهي فيه ذكر والوهم فيما نرى من ابن لهيعة.

الخامسة: قال الحاكم -رحمه الله-: والنوع الثاني من المعضل: أن يعضله الراوي من أتباع التابعين، فلا يرويه عن أحدٍ ويوقفه، فلا يذكره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم معضلًا، ثم يوجد ذلك الكلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم متصلًا، ثم ذكر له مثالين الثاني منهما: رواه من طريق الأعمش، عن الشعبي، قال: “يقال للرجل يوم القيامة: عملت كذا وكذا. فيقول: ما عملته! فيختم على فِيه، فينطق جوارحه، أو قال: ينطق لسانه، فيقول لجوارحه: أبعدكن الله ما خاصمت إلا فيكن”، وقال -رحمه الله-: قد أعضله الأعمش، وهو عن الشعبي متصل مسند مخرج في (الصحيح) لمسلم.

وقال ابن الصلاح -رحمه الله-: وإذا روى تابع التابع حديثًا موقوفًا عليه وهو حديث مسند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد جعله الحاكم -أبو عبد الله- نوعًا من المعضل. قال ابن الصلاح -رحمه الله-: هذا جيدٌ حسنٌ؛ لأن هذا الانقطاع بواحدٍ مضمومًا إلى الوقف يشتمل على الانقطاع باثنين: الصحابي ورسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فذلك باستحقاق اسم الإعضال أولى.

2. حكم الحديث المعضل:

جعل قَوْمٌ الحديث المعضل من أقسام الحديث الضعيف، وذلك للجهل بحال الساقط أو الساقطين من إسناده، قال ابن جماعة -رحمه الله-: والمعضل من قسم الضعيف، وعند بعضهم هو أشد ضعفًا، وأسوأ حالًا من الحديث المنقطع، والمعضل وإن كان حديثًا يعتبر به، ويرتفع ضعفه بتعدد طرقه، وتباين مخارجه. وقال الخطيب البغدادي -رحمه الله-: وحكم المعضل مثل حكم المرسل في الاعتبار به فقط. وذهب قوم إلى الاحتجاج بالمعضل، ففي (نشر البنود على مراقي السعود) قال: فائدة: عُلِمَ من احتجاج مالك ومن وافقه بالمرسل: أن كلًّا من المنقطع والمعضل حجة عندهم بصدق المرسل بالمعنى الأصولي على كل منهما، ولا يحتج بواحدٍ منهما عند الشافعي ومن وافقه.

3. مثال على تقوية الحديث المعضل:

والمثال على تقوية الحديث المعضل: حديث هارون بن رئاب قال: ((بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثًا ففتح لهم، فبعثوا بشيرهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينما هو يخبره بفتح الله لهم، وبعدد من قتل اللهُ منهم. قال: فتفردت برجل منهم، فلما غشيته لأقتله قال: إني مسلم. قال: فقتلته وقد قال: إني مسلم؟ قال: يا رسول الله، إنما قال متعوذًا. قال: فهلا شققت قلبه؟ قال: وكيف أعرف ذلك يا رسول الله؟ قال: فلا لسانه صدَّقت ولا قلبه عرفت، إنك لقاتله، اخرج عني فلا تصاحبني. قال: ثم إن الرجل توفي فلفظته الأرض مرتين وألقي في بعض الأودية)) فقال بعض أهل العلم: إن الأرض لتواري من هو أنتن منه ولكنه موعظة.

قال البوصيري -رحمه الله- في (إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة): هذا إسناد رجاله ثقات وهو معضل، فإن هارون بن رئاب الأسيدي البصري العابد إنما هو روى عن التابعين عن الحسن وابن المسيب وأشباههما.

تقوى هذا الحديث المعضل بحديث عمران بن حصين -الذي سيأتي قريبًا- وحديث هارون بن رئاب هذا رواه الحارث بن أبي أسامة عن شيخه معاوية بن عمرو: حدثنا أبو إسحاق، عن الأوزاعي، عن هارون بن رئاب رفعه، قال: ((بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثًا…)) إلى آخره وإسناد رجاله ثقات، وأبو إسحاق هو إبراهيم بن محمد بن الحارث الفزاري الكوفي وهو ثقة.

أما حديث عمران بن حصين الذي يتقوى به هذا المعضل، فله ثلاثة طرق:

الطريق الأول: رواه ابن ماجه من طريق سويد بن سعيد، قال: حدثنا علي بن مُسهر، عن عاصم، عن السُّميط بن السمير، عن عمران بن حصين، قال: أتى نافع بن الأزرق وأصحابه فقالوا: هلكت يا عمران. قال: ما هلكت؟ قالوا: بلى. قال: ما الذي أهلكني؟ قالوا: قال الله: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ } [البقرة: 193].

 قال: قد قاتلناهم حتى نفيناهم؛ فكان الدين كله لله، إن شئتم حدثتكم حديثًا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: وأنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نعم، ((شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بعث جيشًا من المسلمين إلى المشركين، فلما لقوهم قاتلوهم قتالًا شديدًا، فمنحوهم أكتفاهم، فحمل رجل من لحمته على رجل من المشركين بالرمح، فلما غشيه قال: أشهد ألا إله إلا الله إني مسلم، فطعنه فقتله، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، هلكتُ، قال: وما الذي صنعتَ؟ مرة أو مرتين، فأخبره بالذي صنع، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : فهلا شققت عن بطنه فعلمت ما في قلبه؟ قال: يا رسول الله، لو شققتُ بطنه لكنت أعلم ما في قلبه. قال: فلا أنت قبِلت ما تكلم به، ولا أنت تعلم ما في قلبه. قال: فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يلبث إلا يسيرًا حتى مات؛ فدفناه فأصبح على ظهر الأرض؛ فقالوا: لعلّ عدوًا نبشه فدفناه، ثم أمرنا غلماننا يحرسونه فأصبح على ظهر الأرض، فقلنا: لعل الغلمان ناموا، فدفناه ثم حرسناه بأنفسنا، فأصبح على ظهر الأرض، فألقيناه في بعض تلك الشعاب)).

قال البوصيري -رحمه الله تعالى- في (مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه): هذا إسنادٌ حسن، عاصم هو الأحول روى له مسلم، والسميط وثقه العجلي، وروى له مسلم في صحيحه أيضًا، وسويد بن سعيد مختلف فيه. وفي تحسين هذا الإسناد نظر؛ لأن فيه سويد بن سعيد وهو الحَدَثان، قال فيه الحافظ ابن حجر: صدوق في نفسه إلا أنه عمِي، فصار يتلقن ما ليس من حديثه، وأفحش فيه ابن معين القول، وقال الذهبي: احتج به مسلم، وكان صاحب حديث وحفظ، لكنه عُمّر وعمي، فربما لقّن مما ليس في حديثه، وهو صادق في نفسه صحيح الكتاب.

الطريق الثاني: رواه ابن ماجه أيضًا من طريق إسماعيل بن حفص الأُبّلي، قال: حدثنا حفص بن غياث، عن عاصم، عن السُميط، عن عمران بن الحصين، قال: ((بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية، فحمل رجل من المسلمين على رجل من المشركين…)) فذكر الحديث ولم يسُق ابن ماجه لفظه، وذكر أنه زاد فيه: ((فنبذته الأرض، فأُخبر النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إن الأرض لتقبل من هو شرٌّ منه، ولكن الله أحب أن يريكم تعظيم حرمة لا إله إلا الله)).

قال البوصيري: هذا إسنادٌ حسن، وإسماعيل مختلفٌ فيه، وهو إسماعيل بن حفص، وإسماعيل بن حفص الأُبلي، قال ابن حجر فيه: صدوق، وقال فيه النسائي في أسماء شيوخه: أرجو ألا يكون به بأس، وقال أبو حاتم: كتبت عنه وعن أبيه، وكان أبوه يكذب وهو بخلاف أبيه. قلت: لا بأسَ به؟ قال: لا يمكنني أن أقول: لا بأس به، وذكره ابن حبان في (الثقات).

الطريق الثالث: رواه أبو يعلى الموصلي، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا معتمر عن أبيه عن السميط عن أبي العلاء، قال: حدثني فتًى من الحيّ، قال: كنتُ عند عمران بن حصين فجاءه قيس -أو أبو قيس- فقال له: ألا تقاتل، في كلام لا أحفظه؟ فقال عمران بن حصين: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((اغزوا بني فلان فغزونا، قال: فلما التقينا جاء رجلٌ فقال: يا رسول الله، استغفر لي، قال: وما صنعتَ؟ قال: حملتُ على رجل بالرمح فقال: لا إله إلا الله، فقتلته. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا إله إلا الله فقتلته؟! فقال: يا رسول الله، إنما قالها متعوذًا. قال: فهلا شققت عن قلبه حتى تعلم؟ -قال أبو عبد الله -أي: شيخ أبي يعلى-: لا أدري هذه الكلمة قالها النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الأول أو لهذا- فأبى أن يستغفر له فمات، فدفنه قومه فنبذته الأرض، ثم دفنوه وحرسوه فنبذته الأرض، فلما رأوا ذلك تركوه)).

قال البوصيري في (إتحاف الخيرة المهرة بزوائد العشرة): له شاهدٌ تقدم في “باب إني مسلم” يريد حديث هارون بن رئاب المتقدم وإسناد الطريق الثالث ضعيف؛ لأن فيه مبهمًا لم يسمّ، وبقية رجاله ثقات، فعلى هذا إسناد حديث هارون بن رئاب المعضل حسنٌ لغيره بمجموع طرق حديث عمران الثلاث هذه.

error: النص محمي !!