Top
Image Alt

تكذيب بني إسرائيل للأنبياء والمرسلين وبالكتب المنزلة، ونماذج من ضلالهم

  /  تكذيب بني إسرائيل للأنبياء والمرسلين وبالكتب المنزلة، ونماذج من ضلالهم

تكذيب بني إسرائيل للأنبياء والمرسلين وبالكتب المنزلة، ونماذج من ضلالهم

أولًا: تكذيب بني إسرائيل للأنبياء والمرسلين، وبالكتب المنزّلة عليهم:

أقوال المفسّرين:

يقول تعالى: {وَلَمّا جَآءَهُمْ}، يعني: اليهود، {كِتَابٌ مّنْ عِندِ اللّهِ} وهو القرآن الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم {مُصَدّقٌ لّمَا مَعَهُمْ}، يعني: من التوراة.

وجواب “لَمََّا” محذوف، وتقديره نحو: كذّبوا به، واستهانوا بمجيئه، وما أشبه ذلك.

وقوله: {وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الّذِينَ كَفَرُواْ}، أي: وقد كانوا من قبل مجيء هذا الرسول بهذا الكتاب يستنصرون مجيئه على أعدائهم من المشركين إذا قاتلوهم؛ يقولون: إنه سيُبعث نبي في آخر الزمان، نقتلكم معه قتل عاد وإرم.

فالسين للطلب، والفتح مضمّن معنى النصر، لتعديته بـ{عَلَى}، أو يفتحون عليهم، من قولهم: فتح عليه، إذا علّمه، كما في قوله تعالى: {أَتُحَدّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ}، أي: يعرفون المشركين أن نبيًا يُبعث منهم، وقد قرب زمانه.

{فَلَمّا جَآءَهُمْ مّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ}: كنى عن الكتاب المتقدّم. ويحتمل أن يراد به: النبي صلى الله عليه وسلم؛ و”مَا” قد يُعبّر بها عن صفات مَن يعقل. وبعضهم فسّره بالحقّ؛ إشارة إلى وجه التعبير عنه صلى الله عليه وسلم بـ “مَا”، وهو أنّ المراد به: الحق، لا خصوصية ذاته المطهّرة.

وعِرفانهم ذلك حصل بدلالة المعجزات، والموافقة لما نُعت في كتابهم؛ فإنه كالصريح عند الراسخين.

واللام في: {الْكَافِرِينَ} للعهد، أي: عليهم. ووضع المُظهر موضع المُضمر؛ للإشعار بأنّ حلول اللعنة عليهم بسبب كفْرهم، كما أنّ الفاء؛ للإيذان بترتّبها عليه.

وجُوّز كونها للجنس، ويدخلون فيه دخولًا أوّليًا، لأن الكلام سيق بالأصالة فيهم، ويكون ذلك من الكناية الإيمائية، ويصار إليها إذا كان الموصوف مبالغًا في ذلك الوصف ومنهمكًا فيه حتى إذا ذُكر خطر ذلك الوصف بالبال، كقولهم لمن يقتني رذيلة ويصرّ عليها: أنا إذا نظرتك خطر ببالي سبابك وسباب كلّ من هو من أبناء جنسك.

فاليهود لمّا بالغوا في الكفر والعناد، وكتمان أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ونعى الله تعالى عليهم ذلك، صار الكفر كأنه صفة غير مفارقة لذِكْرهم، وكان هذا الكلام لازمًا لذكْرهم ورديفه، وأنهم أوْلى الناس دخولًا فيه؛ لكونهم تسبّبوا استجلاب هذا القول في غيرهم.

{بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أنَزَلَ اللّهُ}، أي: باعوا؛ فالأنفس بمنزلة المُثمَّن، والكفر بمنزلة الثمن؛ لأن أنفسهم الخبيثة لا تُشترى بل تباع. وهو على الاستعارة، أي: إنهم اختاروا الكفر على الإيمان، وبذلوا أنفسهم فيه.

{بَغْياً أَن يُنَزّلَ اللّهُ}: يفيد أنّ كفْرهم كان لمجرّد العناد -الذي هو نتيجة الحسد- لا للجهل؛ وهو أبلغ في الذم؛ لأن الجاهل قد يُعذر.

{عَلَىَ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ}، أي: على من يختاره لرسالته.

وفي (البحر)، أنّ المراد به: محمد صلى الله عليه وسلم لأنهم حسدوه لمّا لم يكن منهم، وكان من العرب ومِن ولد إسماعيل، ولم يكن مِن ولده نبي سواه صلى الله عليه وسلم.

ومعنى: {فَبَآءُو}: أي: استوجبوا، واستحقّوا، واستقرّوا.

و{بِغَضَبٍ عَلَىَ غَضَبٍ}، أي: فرجعوا متلبّسين بغضب كائن على غضب مستحقِّين له، حسبما اقترفوا من الكفر والحسد.

ورُوي أن الغضب الأول؛ لعبادة العجل، والثاني؛ لكفْرهم به صلى الله عليه وسلم. وقيل: الأول: كفرهم بالإنجيل، والثاني: كفرهم بالقرآن. وقيل: هما الكفر بعيسى، ومحمد -عليهما الصلاة والسلام- أو قولهم: {عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ} [التوبة: 30]، و{يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ} [المائدة: 64]، وغير ذلك من أنواع كفْرهم، وكفْرهم الأخير بالنبي صلى الله عليه وسلم.

ولا يخفى أنّ فاء العطف، يقتضي صيرورتهم أحقَّاء بترادف الغضب؛ لأجل ما تقدم، وقولهم: {عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ} مثلًا غير مذكور فيما سبق.

وقوله: {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مّهِينٌ}: لمّا كان كفْرهم سببه البغي والحسد، ومنشأ ذلك التّكبّر، قوبلوا بالإهانة والصَّغار في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: {إِنّ الّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60]، أي: صاغرين حقيرين، ذليلين راغمين.

{وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مّهِينٌ} اللام في: {وَلِلْكَافِرِينَ} للعهد، والإظهار في موضع الإضمار، للإيذان بعلية كفْرهم.

ويحتمل أن تكون للعموم، فيدخل المعهودون فيه على طراز ما مرّ.

وإسناد “المُهين”، إلى العذاب: مجاز من الإسناد إلى السبب، والوصف به؛ للتقييد والاختصاص الذي يفهمه تقديم الخبر بالنسبة إليه؛ فغير الكافرين إذا عُذِّب فإنما يُعذَّب للتطهير، لا للإهانة والإذلال؛ ولذا لم يوصف عذاب غيرهم به في القرآن.

ثم يقول تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ}، أي: لليهود وأمثالهم من أهل الكتاب: {آمِنُواْ بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ}، أي: على محمد صلى الله عليه وسلم وصدِّقوه واتّبِعوه: {قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا}.

قال ابن كثير: “أي: يكفينا الإيمان بما أنزل علينا من التوراة والإنجيل، ولا نُقرّ إلا بذلك”.

قلت: في ذكره الإنجيل هنا نظر؛ لأنهم لم يؤمنوا بالإنجيل، بل كذّبوا به، وبمن نزل عليه.

{وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ}، يعني: بما بعده، {وَهُوَ الْحَقّ مُصَدّقاً لّمَا مَعَهُمْ} أي: وهم يعلمون أن ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم الحق، و{مُصَدّقاً}: منصوب على الحال، أي: في حال تصديقه لما معهم من التوراة والإنجيل؛ فالحجة قائمة عليهم بذلك، كما قال تعالى: {الّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ}.

و{آمِنُواْ بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ}: الجمهور على أنه القرآن، وقيل: سائر ما أنزل مِن الكتب الإلهية، إجراءً لما على العموم، ومع هذا جُلّ الغرض: الأمر بالإيمان بالقرآن، لكن سلك مسلك التعميم منه؛ إشعارًا بتحتّم الامتثال؛ من حيث مشاركته لِما آمنوا به فيما في حيز الصلة، وموافقته له في المضمون، وتنبيهًا على أنّ الإيمان بما عداه من غير إيمان به ليس إيمانًا بما أنزل الله.

و{قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا}، أي: نستمر على الإيمان بالتوراة وما في حكمها ممّا أنزل لتقرير حكْمها؛ وفيه إيماءٌ إلى أنّ عدم إيمانهم بالقرآن، كان بغيًا وحسدًا على نزوله على مَن ليس منهم.

و{وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ} عطف على: {قَالُواْ}، والتعبير بالمضارع؛ لحكاية الحال، استغرابًا للكفر بالشيء بعد العلْم بحقِّيّته، أو للتنبيه على أنّ كفْرهم مستمر إلى زمن الإخبار.

و{بِمَا وَرَآءَهُ}: المراد هنا: بما بَعْده؛ قاله قتادة، أو بما سواه، وبه فُسِّر: {وَأُحِلّ لَكُمْ مّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ}، وأريد به هنا: القرآن كما عليه الجمهور، وقال الواحدي: “هو والإنجيل”.

و{وَهُوَ الْحَقّ}: المعنى: وهم مقارنون لحقِّيّته، أي: عالمون بها، وهو أبلغ في الذَّمّ مِن كفرهم بما هو حقّ في نفسه.

{مُصَدّقاً لّمَا مَعَهُمْ}: تضمّنت ردّ قولهم: {نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا}؛ حيث إنّ مَن لم يصدق بما وافق التوراة لم يصدِّق بها.

و{قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ اللّهِ مِن قَبْلُ}: أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول ذلك تبكيتًا لهم؛ حيث قتلوا الأنبياء مع ادّعاء الإيمان بالتوراة وهي لا تسوغه. ويحتمل أن يكون أمرًا لمن يريد جدالهم كائنًا من كان.

و{قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ اللّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنْتُمْ مّؤْمِنِينَ}، أي: إن كنتم صادقين في دعواكم الإيمان بما أنزل إليكم، فلِمَ قتلتم الأنبياء الذين جاءوكم بتصديق التوراة التي بأيديكم والحكم بها وعدم نسْخها وأنتم تعلمون صدقهم؟ قتلتموهم بغيًا وعنادًا واستكبارًا على رُسل الله، فلستم تتّبعون إلا مجرّد الأهواء والآراء والتشهي، كما قال: {أَفَكُلّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىَ أَنْفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ}.

ثانيًا: من ضلال بني إسرائيل: مخالفتهم لأوامر الله، وعبادتهم للعجل من دون الله:

1. الآية (92): قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَآءَكُمْ مّوسَىَ بِالْبَيّنَاتِ ثُمّ اتّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ}:

أقوال المفسّرين:

{وَلَقَدْ جَآءَكُمْ مّوسَىَ بِالْبَيّنَاتِ}، أي: بالآيات الواضحة والدلائل القاطعة على أنه رسول الله، وأنه لا إله إلا الله. والبينات هي: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والعصا، واليد، وفلق البحر، وتظليلهم بالغمام، والمنّ، والسلوى، والحجَر، وغير ذلك من الآيات التي شاهدوها.

و{ثُمّ اتّخَذْتُمُ الْعِجْلَ}، أي: معبودًا من دون الله في زمان موسى وأيامه، وقوله: {مِن بَعْدِهِ}، أي: من بعد ما ذهب عنكم إلى الطور لمناجاة الله، كما قال تعالى: {وَاتّخَذَ قَوْمُ مُوسَىَ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لّهُ خُوَارٌ}.

{وَلَقَدْ جَآءَكُمْ مّوسَىَ بِالْبَيّنَاتِ} داخل تحت الأمر؛ فهو من تمام التبكيت والتوبيخ، وكذا ما يأتي بَعْد، لا تكريرًا لما قصّ مِن قَبْل.

وكلمة: {ثُمّ} قيل: للاستبعاد، وقيل: هي على حقيقتها، ويشير هذا العطف إلى أنهم فعلوا ذلك بعد مهلة من النظر في الآيات، وذلك أعظم ذنبًا، وأكثر شناعة لحالهم.

{وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ}، أي: وأنتم ظالمون في هذا الصنيع الذي صنعتموه من عبادتكم العجل، وأنتم تعلمون أنه لا إله إلا الله، كما قال تعالى: {وَلَمّا سُقِطَ فَيَ أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنّهُمْ قَدْ ضَلّواْ قَالُواْ لَئِن لّمْ يَرْحَمْنَا رَبّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 149].

والمعنى: أي: وأنتم واضعون الشيء في غير محلّه اللائق به، أو مُخلّون بآيات الله تعالى، والجملة: حال مؤكِّدة للتوبيخ والتهديد.

وفيها تعريض بأنهم صرفوا العبادة عن موضعها الأصلي إلى غير موضعها، وإيهام المبالغة؛ من حيث إن إطلاق الظلم يُشعر بأنّ عبادة العجل كلّ الظلم، وأن من ارتكبها لم يترك شيئًا من الظلم.

2. الآية (93): قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطّورَ خُذُواْ مَآ آتَيْنَاكُم بِقُوّةٍ وَاسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مّؤْمِنِينَ}:

الآثار:

عن قتادة، قال: {وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ}، قال: “أُشربوا حُبّه، حتى خلص ذلك إلى قلوبهم”.

وقال السدي: “أخذ موسى عليه السلام العجل فذبحه بالمبرد، ثم ذرّ في البحر، ثم لم يبق بحر يجري يومئذ إلا وقع فيه شيء، ثم قال لهم موسى: اشربوا منه، فشربوا، فمن كان يحبّه خرج على شاربيْه الذهب؛ فذلك حين يقول تعالى: {وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ}”.

وعن علي بن أبي طالب، قال: “عمد موسى إلى العجل، فوضع عليه “المبارد، فبرَده بها”، وهو على شاطئ نهر، فما شرب أحد من ذلك الماء -ممّن كان يعبد العجل- إلا اصفر وجهه مثل الذهب”.

أقوال المفسّرين:

يُعَدِّد -تبارك وتعالى- عليهم خطأهم ومخالفتَهم للميثاق، وعتوّهم عنه، حتى رفع الطور عليهم حتى قبلوه، ثم خالفوه.

فقال: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطّورَ خُذُواْ مَآ آتَيْنَاكُم بِقُوّةٍ}، أي: قلنا لهم: خُذوا ما أمرتكم به في التوراة بجدّ وعدم فتور، واسمعوا، أي: سماع تقبّل وطاعة؛ ولذا رفع الجبل عليهم. وكثيرًا ما يراد من السماع: القبول، ومن ذلك: “سمع الله لمن حمده”، وقوله:

دعوتُ الله حتى خِفتُ أن لا

*يكون الله يسمعُ ما أقولُ

{قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا}: أي: سمعنا قولك: “خذوا واسمعوا”، وعصيْنا أمْرك؛ فلا نأخذ ولا نسمع سماع الطاعة.

والسماع هناك مقيّد، والأمر مشتمل على أمريْن: سماع قوله، وقبوله بالعمل، فقالوا: نمتثل أحدهما دون الآخر.

وقيل: المعنى: قالوا بلسان القال: “سمعنا”، وبلسان الحال: “عصيْنا”.

{وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ}: الكلام على حذف مضاف، أي: حب العجل، وجوّز أن يكون العجل مجازًا عن صورته، فلا يحتاج إلى الحذف. وذكر القلوب لبيان مكان الإشراب، وذكْر المحلّ المتعيّن يفيد مبالغة في الإثبات، والمعنى: داخَلهم حب العجل، ورسخ في قلوبهم صورته، لفَرْط شغفهم به، كما داخل الصبغُ الثوبَ، وأنشدوا:

إذا ما القلب أُشرب حُبَّ شيءٍ

*فلا تأملْ له عنه انصرافَا

وروى الإمام أحمد عن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((حبّك الشيء يُعمي ويُصمّ)).

{بِكُفْرِهِمْ}: أي: بسبب كفرهم؛ لأنهم كانوا مجسّمة، يجوّزون أن يكون جسم من الأجسام إلهًا، أو حلولية، يجوِّزون حلوله فيه -تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا- ولم يروْا جسمًا أعجب منه، فتمكّن في قلوبهم ما سُوّل لهم، وثعبان العصا كان لا يبقى زمانًا ممتدًا، ولا يبعد من أولئك أن يعتقدوا عجلًا صنعوه على هيئة البهائم إلهًا، وإن شاهدوا ما شاهدوا من موسى عليه السلام لما ترى من عبدة الأصنام الذين كان أكثرهم أعقل من كثير من بني إسرائيل.

وقيل: الباء بمعنى: “مع”، أي: مصحوبًا بكفْرهم، فيكون ذلك كفرًا على كفْر.

وقوله: {قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مّؤْمِنِينَ}، أي: بئسما تعتمدونه في قديم الدهر وحديثه، مِن كفركم بآيات الله ومخالفتكم الأنبياء، ثم اعتمادكم في كفركم بمحمد صلى الله عليه وسلم وهذا أكبر ذنوبكم، وأشد الأمور عليكم، إذ كفرتم بخاتم الرسل وسيد الأنبياء والمرسلين، المبعوث إلى الناس أجمعين؛ فكيف تدّعون لأنفسكم الإيمان وقد فعلتم هذه الأفاعيل القبيحة، من نقضكم المواثيق، وكفركم بآيات الله، وعبادتكم العجل؟!.

وإسناد الأمر إلى الإيمان، وإضافته إلى ضميرهم، للتهكم كما في قوله تعالى: {أَصَلَوَاتُكَ تَأْمُرُكَ} [هود: 87].

ثالثًا: ادّعاء أهل الكتاب، أن الجنّة خالصة لهم دون الناس، وردّ الله عليهم:

أقوال المفسّرين:

{قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدّارُ الاَخِرَةُ}: ردّ لدعوى أخرى لهم، بعد ردّ دعوى الإيمان بما أُنزل عليهم؛ ولاختلاف الغرض، لم يعطف أحدهما على الآخر، والآية نزلت -فيما حكاه ابن الجوزي- عندما قالت اليهود: إن الله تعالى لم يخلق الجنة إلا لإسرائيل وبنيه.

والضمير في: {قُلْ} إما للنبي صلى الله عليه وسلم أو لمن يبغي إقامة الحجة عليهم. والمراد من {الدّارُ الاَخِرَةُ}: الجنة، وهو الشائع، واستحسن في (البحر): تقدير مضاف، أي: نعيم الدار الآخرة.

{عِندَ اللّهِ}: أي: في حُكمه، وقيل: المراد بالعندية: المَرْتبة والشرف، وحمْلها على عندية المكان -كما قيل به- احتمال بعيد.

{خَالِصَةً مّن دُونِ النّاسِ}، أي: مخصوصة بكم كما تزعمون.

والمراد بـ{النّاسِ}: الجنس، وهو الظاهر، وقيل: المراد بهم: النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون، وقيل: النبي صلى الله عليه وسلم وحْده؛ قاله ابن عباس رضي الله عنهما قالوا: ويُطلق {النّاسِ} ويراد به الرجل الواحد، ولعله لا يكون إلا مجازًا، بتنزيل الواحد منزلة الجماعة.

{فَتَمَنّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} في أنّ الجنة خالصة لكم؛ فإنّ مَن أيقن أنه من أهل الجنة اختار أن ينتقل إلى دار القرار، وأحب أن يخلص من المقام في دار الأكدار.

ومعنى الآية: سلُوا الموت باللسان؛ قاله ابن عباس رضي الله عنهما، أو اشتهوه بقلوبكم وسلوه بألسنتكم؛ قاله قوم، وعلى التقديريْن: الأمر بالتّمنّي حقيقة.

وقال ابن كثير بعد أن ذكر تفسير ابن عباس لقوله: {فَتَمَنّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ}: “وهذه أسانيد صحيحة إلى ابن عباس”.

قال الألوسي: “{وَلَنْ يَتَمَنّوْهُ أَبَداً} الظاهر: أنه جملة مستأنفة معترضة غير داخلة تحت الأمر، سيقت من جهته تعالى لبيان ما يكون منهم من الإحجام الدال على كذِبهم في دعواهم، والمراد: لن يتمنوه ما عاشوا؛ وهذا خاص بالمعاصرين له صلى الله عليه وسلم”.

ثم ذكر الألوسي أثر ابن عمر، وقال -عن اليهودي-: “توهّم هذا الكلب اللعين الجاهل: أن هذا لكلّ يهودي أو لليهود في كل وقت، لا إنما هو لأولئك الذين كانوا يعاندون ويجحدون نبوّة النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن عرفوا، وكانت المحاجة معهم باللسان دون السيف”.

قال: “وذهب جمهور المفسِّرين إلى عموم حُكم الآية لجميع اليهود في جميع الأعصار، ولست ممّن يقول بذلك، وإن ارتضاه الجم الغفير، وقالوا: إنه المشهور الموافق لظاهر النظم الكريم، اللهم إلا أن يكون ذلك بالنسبة إلى جميع اليهود المعتقدين نبوّته صلى الله عليه وسلم الجاحدين لها في جميع الأعصار، لا بالنسبة إلى اليهود مطلقًا في جميعها؛ ومع هذا لي فيه نظر بعد!”.

وسُميت هذه المباهلة تمنِّيًا؛ لأنّ كل مُحقٍّ يودّ لو أهلك الله المُبطل المُناظر له؛ ولا سيما إذا كان في ذلك حجّة له في بيان حقّه وظهوره؛ وكانت المباهلة بالموت؛ لأن الحياة عندهم عزيزة عظيمة، لما يعلمون من سوء مآلهم بعد الموت؛ ولهذا قال تعالى: {وَلَنْ يَتَمَنّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمينَ (95) وَلَتَجِدَنّهُمْ أَحْرَصَ النّاسِ عَلَىَ حَيَاةٍ}، أي: على طول عمر، لِما يعلمون من مآلهم السيِّئ وعاقبتهم عند الله الخاسرة؛ لأن الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر، فهم يودّون لو تأخّروا عن مقام الآخرة بكلّ ما أمكنهم، وما يحاذرون منه واقع بهم لا محالة، حتى وهم أحرص مِن المشركين الذين لا كتاب لهم؛ وهذا من باب عطف الخاص على العام.

{بِمَا قَدّمَتْ أَيْدِيهِمْ}، أي: بسبب ما عملوا من المعاصي الموجبة للنار، كالكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، وقتل الأنبياء.

{وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمينَ}: تذييل للتهديد والتنبيه على أنهم ظالمون في ادّعاء ما ليس لهم، ونفيه عن غيرهم.

{وَلَتَجِدَنّهُمْ أَحْرَصَ النّاسِ عَلَىَ حَيَاةٍ}: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والضمير عائد على اليهود الذين أخبر عنهم بأنهم لا يتمنّون الموت، وقيل: على جميعهم، وقيل: على علماء بني إسرائيل.

وتنكير {حَيَاةٍ} لأنه أُريد بها فرْد نوعيّ وهي: الحياة المتطاولة؛ فالتنوين للتعظيم، ويجوز أن يكون للتحقير؛ فإن الحياة الحقيقية، هي الأخروية: {وَإِنّ الدّارَ الاَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ} [العنكبوت: 64]، ويجوز أن يكون التنكير للإبهام؛ بل قيل: إنه الأوْجه، أي: على حياة مُبهمة غير معلومة المقدار، ومنه: يُعلم حِرْصُهم على الحياة المتطاولة من باب الأوْلى.

{وَمِنَ الّذِينَ أَشْرَكُواْ}: هم المجوس؛ ووُصفوا بالإشراك؛ لأنهم يقولون بالنور والظلمة، وكانت تحيتهم إذا عطس العاطس: “عش ألف سنة”، وقيل: مشركو العرب الذين عبدوا الأصنام؛ وهذا من الحمْل على المعنى، كأنه قال: أحرص من الناس ومن الذين… إلخ.

{يَوَدّ أَحَدُهُمْ}، أي: أحد اليهود، كما يدل عليه نظم السياق؛ وذلك أنّ المُشرك لا يرجو بعثًا بعد الموت، فهو يحب طول الحياة، وأن اليهودي قد عَرف ما له في الآخرة من الخزي بما ضيّع بما عنده من العلْم.

{وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمّرَ}، “مَا”: حجازية أو تميمية، وهو ضمير عائد إلى أحدهم: اسمها أو مبتدأ، و {بِمُزَحْزِحِهِ}: خبرها أو خبره، والباء زائدة إعرابًا لا معنًى.

و{أَن يُعَمّرَ}: فاعل “مُزحزحه”، والمعنى: ما أحدهم يزحزحه من العذاب تعميرُه، وفيه إشارة إلى ثبوت مَن يزحزحه التعمير، وهو: مَن آمن وعمل صالحًا.

وقوله: {بِمُزَحْزِحِهِ} فيه مبالغة، لكنها متوجّهة إلى النفي على حدّ ما قيل: {وَمَا رَبّكَ بِظَلاّمٍ لّلْعَبِيدِ}، فيُؤوّل إلى: أنه لا يؤثِّر في إزالة العذاب أقلّ تأثير التعمير، وصحّ ذلك مع أن التعمير يفيد رفع العذاب مدة البقاء؛ لأن الإمهال بحسب الزمان وإن حصل؛ لكنهم لاقترافهم المعاصي بالتعمير زاد عليهم من حيث الشدة، فلم يؤثّر في إزالته أدنى تأثير؛ بل زاد فيه حيث استوجبوا بمقابلة أيام معدودة عذاب الأبد.

{وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ}، أي: خبير بصير بما يعمل عباده من خير وشر، وسيجازي كلّ عامل بعمله؛ وفي هذه الجملة من التهديد والوعيد ما هو ظاهر.

error: النص محمي !!